المبحث الثاني والثلاثون أدلة شرعية لبعض مفردات التصوف
[تنبيه]: هناك مفردات ومسائل عُرف بها أهل التصوف الحق، لها أدلتها من الكتاب والسنّة، ولكن أهل الجهل بأدلتها يعترضون عليها بغير وجه حق، ومن اجل الكتب التي تناولت هذا الموضوع: كتاب: (الموسوعة اليوسفية في بيان ادلة الصوفية) للعلامة الفاضل والشيخ المحقق يوسف خطار، وهو من أعجب الكتب واحسنها في جمع المفردات التي توضح أفكار وأراء اهل التصوف بأدلتها الشرعية من الكتاب والسنة، وكذلك وفق في الرد على الشبهات التي أثارها المشككون حول قضايا التصوف، ومن تلك المسائل التي طرحها الكتاب المبارك:
[المفتاح الأول]: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: قال الله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمة العظمى وقد أذن الله لنا بالفرح والسرور بمولد تلك الرحمة قال تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: (فيه ولدت وفيه أنزل علي) ([1]) . وهذا في معنى الاحتفال به، وقد أصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه القاعدة بنفسه كما صح في الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم: لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله نجى فيه نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومون شكرا لله على هذه النعمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم (نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) ([2]) . فهو من باب قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [ابراهيم: 5]، وكذلك يؤخذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة: (وفيه ولد آدم) تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه افضل النبيين وأشرف المرسلين، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ} [مريم: 33]،.
و(الاحتفال المولد) إن كان القصد منه التذكير بأيام الله تعالى وذكر فضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله واخلاقه بما يقوي الايمان به ويزيد من المحبة له ولسنته، وخلا من المخالفات الشرعية فلا باس به، وقد استحسنه الكثير من العلماء والفقهاء، قال السيوطي رحمه الله تعالى: هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ([3]) .فإن قال قائل: إن الاحتفال بالمولد لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة ضلالة، فالجواب على ذلك: أنه ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول، فهو بدعة محرمة ولو كان الأمر كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفا على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله: نعمت البدعة هذه([4]) .
ولحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب وللوسائل حكم المقاصد فكل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة وليشتمل على منكر فهو من الدين ومن ثم قيد العلماء حديث (كل بدعة ضلالة) ([5]) .
بالبدعة السيئة ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، ([6]) . وإن قال القائل: إن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الأول وهو نفس الشهر الذي توفي فيه فلماذا يكون الفرح بولادته ولا يكون الحزن بوفاته؟ فالجواب على ذلك: أن ولادته عليه الصلاة والسلام أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار النعم، وكتم المصائب والصبر عليها، ولهذا فإنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وآله وسلم دون إظهار الحزن بوفاته، وإن قال قائل: إن الاحتفال بمولده نوع من الإطراء والتقديس له صلى الله عليه وآله وسلم مما يؤدي إلى رفع مقامه عن كونه بشرا وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدالله ورسوله) ([7]) .
فالجواب على ذلك: أن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الإطراء المنهي عنه هو المشابه لإطراء النصارى بأن المسيح هو ابن الله حاشاه تعالى من ذلك أما إطراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاحتفال بمولده فلا يعدو عن ذكر فضائله النبوية وأخلاقه المحمدية وقد مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم اناس من الصحابة وأثنوا عليه، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أحد منهم ذلك بل وربما أيدهم فهذا كعب بن زهير لما امتدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقصيدته، قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلع عباءته عليه وألبسه إياها رضا بصنيعه،
[المفتاح الثاني]: التبـــــــــــــــرك: من معاني البركة: الزيادة والنماء، والبركة سر إلهي وفيض زاده الله تعالى ونمى به أعمال البر بملازمة القربات، فالبركة بهذا المعنى لون من الرحمة والفضل الرباني، والله تعالى بارك القرآن في ذاته فقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك} [ص: 29] وبارك المنازل فقال: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا} [المؤمنين: 29] وبارك الأسرة النبوية من سيدنا إبراهيم فقال: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} [هود: 73]، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتبرك بسور القرآن: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيده لبركتها) ([8]) .
وكان الصحابة يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخرج مسلم أنس رضي الله عنه قال: (لما رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمرة نحر نسكه ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبو طلحة لأم سليم بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه فقال اقسم بين الناس) ([9]) .
، وكانوا يتبركون بعرقه صلى الله عليه وآله وسلم، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن أم سليم رضي الله عنها كانت إذا نام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك وهو نائم قال فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من السك قال: فجعل في حنوطه) ([10]) .
وكانوا يتبركون بلباسه صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه في البردة التي استوهبها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلامه الصحابة على طلبها فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي أكفن فيها ([11]) .
وأخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) ([12]) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه: (وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم) أهـ([13]) .
، وكانوا يتبركون بفضل وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج البخاري ومسلم عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبة حمراء ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن اصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل صاحبه) ([14]) .
والحاصل من هذه الأحاديث والآثار هو أن التبرك به صلى الله عليه وآله وسلم وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه وكذلك التبرك بالصحابة والصالحين وكل ما هو منسوب اليهم سنة مرغوبة وطريقة محمودة مشروعة.
[المفتاح الثالث]: الحضرة: الحضرة هي حضور القلب مع الله، وهي الركن الهام في طريق القوم، وهذا الركن هو الاجتماع على ذكر الله عز وجل تحت إمارة الشيخ يبدأ بتلاوة القرآن الحكيم، ثم تنشد أناشيد من أقوال العارفين بالله المأخوذة بما فيها من القرآن والسنة وأفهام العلماء بالله، ثم تقوم الجماعة للذكر ويبقون على حالة الذكر حتى يأذن الشيخ بختامها وبعد ذلك يقرأ أحد الإخوة بعض الآيات من القرآن الحكيم ويتم تفسيرها من قبل الشيخ، وهذه الحضرة منقولة ومتوارثة عن كبار الأشياخ العاملين، و(الأصل فيها) قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: (191)]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: (41 – 42)]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فقالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ([15]) .
وغالب طرق التربية والإرشاد لا تخلو من الحضرة، وذلك للنفع الحاصل فيها من ذكر الله عز وجل ونزول الرحمات، أما (الحركة في الذكر) فهي مما سنه السادات العارفين ولا دليل لمنكرها لأن الأصل في الأشياء الإباحة، أضف أنها سبيل لتحريك القلب والتوجه به نحو الله تعالى، أخرج الإمام احمد عن أنس رضي الله عنه قال: (كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح فقال صلى الله عليه وآله وسلم (ماذا يقولون؟) فقيل: يقولون: محمد عبد صالح) ([16]) . وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعت رأسي على منكبيه انظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرف عن النظر اليهم) ([17]) .
قال النووي في شرح الحديث: (يزفنون في يوم عيد، هو بفتح الياء وإسكان الزاي وكسر الفاء ومعناه يرقصون وحمله العلماء على التواثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الراقص) أهـ، ([18]) . وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين: (والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط ولو كان حراما لما نظرت عائشة إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يزفنون)، ([19]) .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال إنه مجنون) ([20]) .
، والشاهد فيه أن الذكر لله تعالى إن كان ساكنا لا موجب لقول الناس عنه مجنون لو لم ير بحالة وهيئة تدفع غيره من الغافلين إلى إلقاء تهمة الجنون عليه، وأخرج احمد عن علي بن أ بي طالب رضي الله عنه: (اختصم علي وجعفر وزيد ابن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل علي، وقال لجعفر بن أبي طالب أشبهت خلقي وخلقي فحجل وقال لزيد بن حارثة أنت أخونا ومولانا فحجل زيد) ([21]) .
، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند شرح الحديث: (وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم أي وقف على رجل واحدة وهو الرقص بهيئة مخصوصة)، ([22]) .
والشاهد رقص هؤلاء الاكابر من لذة خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال النووي في الروضة (والرقص ليس بحرام)، ([23]) . وقال الرملي: (لا الرقص) فلا يحرم ولا يكره لأنه مجرد حركات على استقامة واعوجاج ولإقراره صلى الله عليه وآله وسلم الحبشة في مسجده يوم عيد، ونقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن الإمام أحمد رضي الله عنه قال عن الصوفية: لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغش عليه فقال: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)
وقال السنوسي في نصرة الفقير: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديما وحديثا شرقا وغربا أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ويقومون ويرقصون ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم) ([24]) .
، والحاصل: هو ما قيل: (ما في التواجد إن حققت من حرجٍ * ولا التمايل إن أخلصت من بأس)،
[المفتاح الرابع]: السيادة: قال تعالى: {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] أفيصح إطلاق لفظ [السيد] على سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام دون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفضله عليه وعلى بقية الأنبياء وسائر المخلوقات معلوم من الدين بالضرورة، على أننا لو نظرنا إلى عموم الآيات لوجدناها داعية إلى احترامه وتقديره عليه الصلاة والسلام ومنها قوله جل جلاله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63]، وأخرج مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، ([25])
وقد صح إطلاقه صلى الله عليه وآله وسلم لفظ السيادة على عدد من أصحابه وأتباعه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق سعد بن معاذ رضي الله عنه: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) ([26]) .
ولو كان غير جائز لقال: قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم ولم يأمر الجميع بالقيام بل كان يأمر البعض، وأخرج البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([27]) .، وأخرج الترمذي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([28]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين) ([29]) .، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للسيدة الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله عنها: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء الجنة)، ([30]) . وحيث أطلق صلى الله عليه وآله وسلم لفظ السيد على السيدة فاطمة وعلى سيدنا سعد وسيدنا الحسن والحسين رضي الله عنها وسيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وعلى الحليم مطلقا فإطلاقنا إياها عليه صلى الله عليه وآله وسلم أحق وأولى، ولما مر من الأدلة، ولما يحتمه الادب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قال جمهور المتأخرين من علماء أهل السنة والجماعة بجواز إطلاق لفظ السيادة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في الصلاة وفي الآذان بل وقال بعضهم: أنه مندوب في جميع الأوقات من صلاة وغيرها.
[المفتاح الخامس]: المدد: هو طلب النصرة والعون والمساعدة، فإذا قال المسلم: مدد يا الله أي أعنِّي وأمدَّني بقوتك وانصرني على عدوي وزدني بالرحمات والبركات وأمدني بالمقدرة على طاعتك ومحاربة نفسي وشيطاني، وإذا قال: مدد يا أولياء الله فمعناه: علمونا مما علمكم الله وأمدونا مما أمدكم الله سبحانه به من العلوم والعرفان وساعدونا بما ينفعنا لسيرنا وأرشدونا في سلوكنا إلى محبة الله بإذن الله، وهناك فرق بين مدد الخالق سبحانه ومدد المخلوق فكلمة مدد تأتي بمعنى المساعدة والمعاونة وهي مستحبة في كل أنواع البر بجميع الطرق التي أجازها الشرع الحنيف، قال الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]، فالتعاون بين الخلائق هو من المدد أي المساعدة ونصرة بعضهم لبعض، فلو طلب الإنسان من بني جنسه الإمداد فليس بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من ربه، فإن المدد الحقيقي لا يكون إلا بيد الله، الله سبحانه يمد من يشاء من عباده من خزائن فضله ورحمته بالمعونة متى شاء وكيفما شاء، وأما المدد المجازي، وهو طلب المدد من الأنبياء والاولياء والصالحين، فلا يكون إمدادهم إلا بإذن الله ومشيئته ورضاه وهو بالحقيقة مستمد من إمداد الله تعالى، لقد نسب الله تعالى إلى الملائكة التدبير فقال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، مع أن التدبير كله بيد الله، ولكنه الاسناد المجازي، كما في قوله تعالى على لسان جبريل عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 19]، فالواهب على الحقيقة هو الله، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرفع درجة وأجل قدرا عند الله من الملائكة عليهم السلام فلذلك أمدهم ببعض صفاته وأجرى على أيديهم الكثير من الخوارق، كما أكرم الله أنبياءه ورسله وأولياءه بشيء من الأسرار التي تجعلهم قائمين بها على نصرة دين الله ويمدون بها من شاؤوا بإذن ربهم ورضاه لإقامة دين الله جل جلاله، وهذا كله من باب المجاز فالمدد الحق بيد الله وحده، وهذه عقيدة كل مسلم، ولكن ذلك لا يمنع من جواز الاسناد المجازي، كما في قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52]، مع ان الهداية بيد الله وحده، فالمدد إذاً هو النور الرباني الذي يفيضه الله تعالى على قلوب أنبيائه وأوليائه من الرحمات والبركات، والامر أولا وآخرا بيد الله وحده، فقول السائل: مدد يا رسول الله أي استغفر لي وعلمني مما علمك الله بإذن الله، وقد قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64]، فالمغفرة بيد الله وحده، ولكن القرآن دلنا على طلب الاستغفار من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهل ذهاب المريض إلى الطبيب طلبا للشفاء، يعد شركا، ام انه من الأسباب المشروعة مع أن الله تعالى هو الشافي على الحقيقة، فإن طلب المريد المدد من شيخه لعلاج ما في قلبه من الآفات والكبائر، مع علمه التام بان الشفاء بيد الله، هذا ما لا بأس به أبدا.
[المفتاح السادس]: الذكر الجماعي: كثير من الآيات القرآنية دلت على جواز الذكر الجماعي، قال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}[الأحزاب: 35]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41 – 42)]، والأحاديث الشريفة بينت استحباب الذكر الجماعي وحثت عليه: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا،، الحديث)، ([31]) .وأخرج مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)، ([32]) وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ([33]) .
[المفتاح السابع]: الذكر الجهري: قال الله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}[آل عمران: 191)]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}[الأحزاب: 35]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41، 42]، وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: هل فيكم غريب يعني (أهل الكتاب) قلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم فقولا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ثم قال: (الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم) ([34]) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا عند ظن عبدي بي،، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([35]) . والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم([36]) . قال الشيخ عبدالوهاب الشعراني في الانوار القدسية: (وأجمعوا على انه يجب على المريد الجهر بالذكر بقوة تامة بحيث لا يبقى منه متسع إلا ويهتز من فوق رأسه إلى إصبع قدميه) ([37]) .
وقال الشيخ ابن عطاء الله: وينبغي إن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر مع توافق الأصوات بطريقة موزونة فذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا وأشد قوة فيرفع الحجب عن القلب)، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا عند ظن عبدي بي… وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([38]) .
، والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وأخرج أحمد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات)، ([39]) .
فإن قال قائل: أن هذا معارض بقوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول} [الأعراف: (205]، فالمقصود به الدعاء، وقيل فراءة القرآن، تعظيما للقرآن الكريم أن ترفع الأصوات عنده، وقيل: أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لانه معصوم، وأما غيره فمن هو محل الوساوس والخواطر، فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها، وكذلك قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}، فهو مخصوص بالدعاء، والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3]، وقد نص الفقهاء على أن الجهر بالذكر مشروع مندوب إليه بل هو افضل من الإخفاء، حتى قال الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}) أهــ،([40]) .
[المفتاح الثامن]: حكم الذكر بالاسم المفرد: الذكر بالاسم المفرد (الله،، الله،، الله) جائز لقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الإنسان: 25]، وقوله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]، وقوله تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25]، وقد أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)، “([41]) .
فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد (الله)، أما اهل التصوف الحق، ففد تواطأ السادة العارفون على ذكره والولوع به، ولا خلاف عندهم في فضله، ولا يصح عندهم الفتح والسير في المقامات إِلا بواسطته، وقالوا: ما دمت ملتفتا إِلى ما سوى الله فلا بد لك من النفي والإِثبات بلا إِله إِلا الله، وما دمت ترى في الوجود سواه، فلا بد من لا إِله إِلا الله، فإِذا غبت في الكل عن الكل استوحشت من نفي لا إِله، ووقفت على إِثبات لفظ الجلالة (الله،، الله)، وقالوا: وصورة ذكر الله بلفظ الجلالة مفردا: أن يحقق الهمزة ويسكن الهاء، وأن يقول: الله،، الله،، حتى ينقطع نفسه، فإِن فتح الهاء وأسقط الهمزة ووصل الهاء باللام المدغمة كان خطئا، فلا يُفتح عليه بشيء، وقالوا: (الله) هو اسم الله الأعظم، ولا ذكر لصاحب مقام فوق الذكر به، وقالوا: وليس للمسافر إلى الله في سلوكه أنفع من الذكر المفرد القاطع من الأفئدة الأغيار، وقالوا: الذكر باسم الله المفرد (الله،، الله،، الله) أسرع في قلع جذور النفس من منابتها من السكين الحاد فهو يزيل علائق الخلق من القلب ويفرغه من الأكوان فترتحل عن قلوب الذاكرين الغفلة حتى يكون الحق ساريا في عروقهم ممزوجا بأرواحهم ويكون المذكور تجاههم لا يغفلون إذا غفل الناس وعندها يتحققون بمقام الإحسان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،)، قال الجنيد: ذاكر هذا الاسم (الله) ذاهب عن نفسه متصل بربه قائم بأداء حقه ناظر إليه بقلبه قد أحرقت أنوار الشهود صفات بشريته، وقال ابن عجيبة: الاسم المفرد (الله) هو سلطان الأسماء وهو اسم الله الأعظم ولا يزال المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتى يمتزج بلحمه ودمه وتسري أنواره في كلياته وجزئياته، وقال أبو العباس المرسي: ليكن ذكرك (الله،، الله،، الله)، فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة فبساطه العلم وثمرته النور وليس النور مقصودا لذاته بل لما يقع به من الكشف والعيان فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه جميع ما في (لا إله إلا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقائق، وقد سُئل الشبلي: لم تقول: الله،، الله، ولا تقول: لا إِله إِلا الله؟ فقال: لا أبغي له ضدا، فقال السائل: أريد أعلى من هذا، فقال أخشى أن أوخذ بين وحشية النفي الإِثبات فقال أريد أعلى من هذا فقال: (قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) فزعق السائل ومات، فتعلق أولياؤه بالشبلي فقال لهم: روح دعيت فسمعت فلبت وأجابت فما ذنبي؟ فقال الخليفة: خلّو سبيله، لا ذنب له، وقال الشيخ الأكبر: من أراد أن يفتح عليه بذكر هذا الاسم الشريف فليتخذ خلوة وليترك سائر الأذكار والأوراد غيره، ولابد أن يستحضر أنه يذكر من لا تحصره الأكوان، ومَنْ له الوجود المطلق التام، فبهذا الاستحضار تحصل الثمرة التي هي النور الذي يقع به الشهود والعيان، ولهذا اختاره المشايخ ورجّحوه على سائر الأذكار، وجعلوا له خلوات، ووصلوا به إِلى أعلى المقامات والولايات، وإِن كان منهم من اختار في الابتداء لا إِله إِلا الله وفي الانتهاء الله،، الله… قال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: (ذكر لا إِله إِلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقاً بلسان أهل الظاهر، وأما عند أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك، فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إِلى النفي والإِثبات حتى يستولى عليه سلطان الذكر، فإِذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإِثبات أعنى: الله،، الله،،) أهــ،([42]) .
وهذا كلام غاية في التحقيق، واهل الله قالوا: إن نفي الشيء إِنما يحتاج إِليه عند حضور ذلك الشيء بالبال، فمن لا يخطر بباله شريك لا يكلف نفي الشريك، والكامل لا يخطر بباله ولا بخياله إِلا الله فيكفيه أن يقول: الله، الله، واعتراض بعض الفقهاء: على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله كريم، والجواب على ذلك: أن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً، لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه، وغاية ما قال المعترضون: إِنه لم ينقل عن السلف، كيف وفي السيرة، قول سيدنا بلال الحبشي رضي الله عنه حين كان يعذبه أمية بن خلف أشد العذاب تحت حر شمس مكة: أحد أحد، وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمع قوله ولا ينكر عليه، وكم من أشياء لم تنقل عن السلف وهي مشروعة، إِذ البدعة تنقسم إِلى سيئة وحسنة، ومن شروط الحسنة: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، وأن لا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، وأن لا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وهو هناك احسن من ذكر الله باسمه الأعظم، ومن شروط البدعة السيئة: أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ضلاله، وهل ما سبق من الادلة لا يكفي في إقرار الذكر المفرد، والحاصل: لا يوجد دليل واحد من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا عن ذكر الله عز وجل باسمه المفرد الله، وقد مر بنا كلام الأولياء، فيكفينا التسليم والتصديق، إِذ التصديق بطريقهم ولاية، والاعتراض عيلهم جناية، فلا ينبغي الإِنكار على من يذكر هذا الاسم الشريف.
[المفتاح التاسع]: المبايعة: (أخذ العهد): قال تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح: (10)]، قال أيضا {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91]، قال أيضا {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} [الإسراء: 34]، واخرج الشيخان عن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك([43]) .
وعنه رضي الله عنه أيضا أنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع في الأمر أهله وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ([44]) . وأخرج الترمذي عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نسوة يبايعنه فقلنا: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف قال (فما استطعتن وأطقتن) قالت: الله ورسوله أرحم بنا هلم نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة) ([45]) .
[المفتاح العاشر]: المرشد: قال تعالى: {ولكل قوم هاد} [الرعد: 7] فدل على أن قضية المعلم الهادي والدليل المرشد ضرورة لزومية طبعا وشرعا ومن هنا أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ولم يدع الناس لأفكارهم وحدها وإن سمت فإن العقل مهما بلغ فهو محل للخطأ ولأن العلم وحده قد يكون طريق الهلاك والأدلة شتى في تواريخ الفلاسفة والمفكرين بين العقليين وأصحاب المذاهب الاجتماعية المختلفة والواقع المكرر، ومن هنا وجد الإشراف والتوجيه البشري في كل شيء سواء كان وظيفة أو تجارة أو تعليما أو احترافا أو إدارة أو غير ذلك، ومن هنا جاء أمر الله باتخاذ القدوة الصالحة: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة: 4]، ولا تكون القدوة حسنة إلا إذا كان الله غايتها: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] {ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} [غافر: 38] {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 21] وعندما ذكر الله أنماطا من أهل القدوة الصالحة الداعية إليه تعالى في الأنعام قال لرسوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: (90)]، ولو شاء الله لأنزل كتابا بغير نبي ولكنه لم ينزل كتابا إلا وأنزل معه نبيه ليبين للناس ما نزل اليهم، ربما كان الأخذ السليم عن الكتاب السليم فيه الأجر فقط أما الأخذ عن الشيخ ففيه الأجر وفيه الوصول معا لأن فيه سر الإمداد بالبركة وربط المريد بالحبل المحمدي وذلك اشبه بالتيار الكهربائي لا ينتقل الا بالموصل، وفي قضية جبريل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معنى اتخاذ المرشد الهادي والدليل المعلم وإلا فربما كان يكفي النور الإلهي المنقدح في القلب المحمدي عن مصاحبة جبريل والأخذ عنه، وقد طلب سيدنا موسى الشيخ المعلم المرشد الهادي الدليل وسعى إليه حتى وجده في العبد الصالح وتتلمذ عليه ولم يكتف بأنه كان كليم الله، وهل يمكن لأي إنسان أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة بغير موفق خبير؟! وكذلك شأن جميع الصناعات والفنون، إن اتخاذ الشيخ مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما رأيت طبعا وشرعا ومؤيدا بالواقع العلمي والتاريخي والموضوعية التي لا تقبل النقاش ومجال اتخاذ الشيخ إن خلا شغله الشيطان بيقين وقد أشار الله سبحانه إلى أهمية القدوة والمرشد بآيات كثيرة منها قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7] وقوله تعالى {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، وقوله {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وقوله {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وقوله {الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان: 59]، إذن فلابد من هاد ذي قدرة ذي ذكر خبير بوسائل الفرار إلى الله والهجرة إليه وإن لم يكن للمريد شيخ في العلم ضل وافترسه الشيطان واستهواه وجعل إلهه هواه فهلك وما لم يكن للمرء معلم في بقية الصناعات لما أصاب ولما أجاد وربما هلك وهو يطلب الحياة ولابد للسالك أيضا إلى الله من إمام يرشده ويوجهه ويسدده ويكشف له أحابيل الشيطان في العبادات والمعاملات والخطوات النفسية والإرادات القلبية التي قد تكون على صاحبها أخطر من الكفر الصريح لأن من أراد الله هدايته هيء له مرشداً وإلا فقد قال الله تعالى {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17]، وإن المنهج التربوي يحتم وجود معلم ومتعلم والسلوك الصوفي يؤكد بشكل قطعي وجود المربي المعلم والمرشد ويشترط علماء التصوف في هذا المنهج وجود الشيخ المربي الذي سمت روحه إلى درجة الإحسان وعرجت نفسه في معارج الكمال وتهذبت أخلاقه وتنامت قدراته الروحية والعقلية إلى درجة القرب والأنس والطمأنينة الكاملة، والرسول عليه الصلاة والسلام كانت له وظيفة كبرى قبل التعليم وهي التزكية قال تعالى {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151]، والمعلم دوره خطير في تزكية النفوس وتطهيرها من عيوبها وتخليصها من امراضها ثم الرقي بالنفس إلى مراحل متقدمة في السلوك الإسلامي الصحيح ومكانة المربي هي وراثة للقدوة المحمدية الكاملة ولذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (العلماء ورثة الأنبياء) ([46]) .
والشيخ العارف بالله والعالم بكتابه والمقتدي بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام هو الصادق الذي لابد لنا من الحياة معه والاسترشاد بمواعظه والتأدب في مجلسه وحسن الاستماع له والعمل بالوصايا التي يأمر بها وخاصة إن كانت متقيدة بالدليل الشرعي القاطع، وهو من أولياء الله الذين قال عنهم في كتابه العزيز: {ألا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 62 – 64]، وقد أمر الله تعالى المسلمين أن يعيشوا مع الصادقين قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون في كتاب الله هم كما قال الله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]، ولذا نجد أن وجود المربي في العملية التربوية الروحية والسلوك الإيماني والتزكية النفسية حتم مطلوب شرعا وعقلا وعملا، والدليل الشرعي لأهمية المربي والمعلم والمرشد هو قول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] فهؤلاء الذين نفروا ليتفقهوا في الدين وليتعمقوا في السلوك التربوي السليم والذين تكاملت صفاتهم النفسية وازداد قربهم إلى الله تعالى سلوكا وفكرا ونضوجا فهم الذين يكونون قادرين على تزكية النفوس وتطهيرها من أمراضها المتعددة، فالشيخ العارف بالله تعالى يختصر لك طريق السلوك فيعطيك خلاصة ما وصل إليه ويعينك على كشف خفايا نفسك وأمراضها لتتخلص منها ولا ريب في أنك بصحبة الشيخ تأخذ منه حالا ترتقي به ولذا قيل: لا تصاحب من لا ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله، وقصة نبي الله موسى عليه السلام مع المعلم قد وردت بالتفصيل وترشد السالكين إلى درب العلم اللدني قال الله تعالى عن المعلم الذي اتخذه موسى عليه السلام: {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما، قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} [الكهف من: 65- 69] وهذا دليل شرعي على حاجة الناس إلى المعلم والمربي الذي علم ما لم يعلموا وفقه ما لم يفقهوا، وإن الارتباط الروحي بين الشيخ والمريد يولد الطاقة التربوية للعروج بالمريد السالك في مقامات واحوال السلوك، ومن شروط المرشد: أن يكون عالما بكتاب اله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وينبغي أن يكون موصوفا بصفات أهل الكمال ويكون معرضا عن حب الجاه والدنيا وما أشبه ذلك ويكون قد أخذ الطريق عن شيخ محقق تسلسلت متابعته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتاض بأمره رياضة بالغة من قلة الطعام والكلام والنوم وقلة الاختلاط مع الأنام وكثرة الصلاة والصيام والصدقة ونحو ذلك وبالجملة يكون متخلقا بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصلح للتربية والمشيخة المجذوب فإنه وإن ذاق المقصود لكنه لم يذق الطريق إلى الله وكذا لا يصلح للمشيخة السالك فقط، وكان أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى يقول: قد درج أشياخ الطريق كلهم على أن أحدا منهم لم يتصدر للطريق إلا بعد تبحره في علوم الشريعة ولم يكن أحد في عصر ممن العصور إلا وعلماء ذلك الزمان يتواضعون له ويعملون بإشارته.
[المفتاح الحادي عشر]: الصحبة: قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله تعالى بقوله{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23]، وقال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبيل تعليم أمته وإرشادها، وقال تعالى {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك (يعطيك) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة) ([47]) .
[المفتاح الثاني عشر]: الورد: هو الوظيفة من قراءة ونحو ذلك والجمع أوراد يطلقه الصوفية على أذكار يأمر الشيخ تلميذه بذكرها صباحا بعد صلاة الصبح ومساء بعد صلاة المغرب، والورد يضح ثلاثة صيغ من صيغ الذكر المطلوبة شرعا والتي دعا اليها كتاب الله عز وجل وبينت السنة الشريفة فضلها ومثوبتها: [كلمة التوحيد بصيغة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)] مائة مرة مع التفكير بأنه لا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا قابض ولا باسط،، إلا الله وحده مع محاولة محو ما يسيطر على القلب من حب الدنيا والأهواء والشهوات والوساوس والشواغل والعلائق والعوائق الكثيرة حتى يكون القلب لله وحده لا لسواه، ولهذا دعانا الله تعالى إلى هذا التوحيد الخالص فقال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19)] وكذلك رغبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإكثار من ترداد كلمة التوحيد وبين أفضليتها ومثوبتها فقال: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) ([48]) .
(لا إله) نفي لجميع أفراد الآلهة و (إلا الله) إثبات للواحد الحق الواجب لذاته المنزه عن كل ما لا يليق بجلاله فبإدمان الذكر لهذه المقولة ينعكس الذكر من لسان الذاكر إلى باطنه حتى يتمكن فيه فيضيئه ويصلحه ثم يضيء ويصلح سائر الجوارح، أخرج أحمد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال: اكثروا من قول لا إله إلا الله) ([49]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) ([50]) .
والصيغة الثانية (الاستغفار): بصيغة [استغفر الله] مائة مرة بعد محاسبة النفس على الزلات لتعود صفحة الأعمال نقية بيضاء وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [المزمل: 20]، وقال تعالى أيضا {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} [نوح: 10- 12]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الاستغفار تعليما لأمته وتوجيها كما روى سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قوله: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ([51]) . وعن سيدنا عبدالله بن بسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا) ([52]) .
والصيغة الثالثة: [الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم] وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]، وكذلك رغب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة الصلاة والسلام عليه فقال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا) ([53]) . وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر سيئات ورفعت له عشر درجات) “”([54]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) “([55]) .
ولما كان الورد منهج وسبيل السالكين إلى الله تعالى وقف الشيطان في طريقهم يصدهم عن ذكر ربهم سبحانه بمغاليط خفية وحجج شتى وتلبيسات منوعة فقد زين الشيطان لبعض الذاكرين أن يتركوا الذكر بحجة أن ذكرهم لا يسلم من الوساوس والذكر لا يفيد إلا إذا كان الذاكر حاضر القلب مع الله تعالى، ولكن مرشدي الصوفية حذروا مريديهم من هذا المدخل الشيطاني الخطير، فقال أحد ساداتنا الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز)([56]) .وقد يترك بعض المريدين قراءة أورادهم محتجين بكثرة أشغالهم وأعمالهم وعدم فراغهم لها ويوحي إليهم شيطانهم أن هذا عذر مشروع ومبرر مقبول وأنه لا بأس بتأجيل الأوراد لوقت الفراغ ولكن المرشدين حذروا السالكين من الإهمال والتسويف وانتظار الفراغ لأن العمر سرعان ما ينتهي والمشاغل لا تزال في تجدد قال الإمام ابن عطاء الله رحمه الله تعالى في حكمه: (إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس).
[المفتاح الثالث عشر]: المجاهدة: المجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهرة ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] وقوله: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41]، وقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وأخرج الترمذي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في الله) ([57]) .
وإذا كانت تزكية النفس فرض عين، وهي لا تتم إلا بالمجاهدة فإن المجاهدة تأخذ حكمها من باب: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فإن قال قائل: إن رجال التصوف يحرمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع وقد قال الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلال حراما إذ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرض عين وان للنفس أخلاقا سيئة وتعلقات شهوانية توصل صاحبها إلى الردى وتعيقه عن الترقي في مدارج الكمال وجدوا لزاما عليهم ان يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى، وقد تسرع بعض الناس وا التصوف امتدادا لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألو عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الثالث: أما أنا فاعتزل النساء ولا أتزوج ولما عرض أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحح لهم أفكارهم وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم ، والجواب على ذلك أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا دينا جديدا ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى واقتداء كامل برسوله عليه الصلاة والسلام، وهناك ثمة فرق كبير بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، المجاهدة أصل من أصول طريق الصوفية وقد قالوا: (من حقق الأصول نال الوصول ومن ترك الأصول حرم الوصول)
[المفتاح الرابع عشر]: مسألة المصافحة بعد الصلاة: المصافحة بعد الصلاة أمر مشروع يزيد المحبة بين المسلمين ويوثق أواصر الأخوة فيما بينهم والأدلة على ذلك ما يلي: عن سيدنا يزيد بن الأسود رضي الله عنه: أنه صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فمسحت بها وجهي فوجدتها (أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك) ([58]) . وفي رواية عن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ثم صلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ورائها المرأة وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي (أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك) ([59]) . وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: من تمام التحية أن تصافح أخاك ([60]) . وعن قلدة بن دعامة الدوسي رضي الله عنه قال قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم) ([61]) . وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) ([62]) . وعن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) ([63]) .
فالأحاديث الثلاثة الأخيرة عامة في مشروعية المصافحة وهي تشمل المصافحة بعد الصلاة وفي الأوقات كلها، والحديثان الأولان يخصصان ويبينان جواز السلام والمصافحة بعد الصلاة خصوصا، ومن أقوال العلماء في الصافحة بعد الصلاة: قال الإمام الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (تطلب المصافحة فهي سنة عقب الصلاة كلها وعند كل لقي)، ([64]) .
وقال الشيخ عبدالغني النابلسي عن المصافحة بعد الصلاة: (إنها داخلة تحت عموم سنة المصافحة مطلقا) ([65]) . وقال الشيخ الإمام أبو محمد عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله: (أنها من البدع المباحة)، ([66]) . وقال الإمام النووي في الأذكار: (أنها بدعة مباحة)، ([67]) .
على أن المصافحة بعد الصلاة ودعاء المسلم لأخيه المسلم بأن يتقبل الله منه صلاته بقوله (تقبل الله) لا يخفى ما فيهما من خير كبير وزيادة تعارف وتآلف وسبب لربط القلوب وإظهار للوحدة والترابط بين المسلمين.
[المفتاح الخامس عشر]: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان: إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي) ([68]) .وتصح بأي صيغة كانت وينبغي السلام مع الصلاة لقوله تعالى {صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: (56)]، قال ابن عابدين في حاشيته نقلا عن كتاب القول البديع في الصلاة على النبي الشفيع للإمام الحافظ السخاوي بعد أن ذكر ما يفعله المؤذنون عقب الأذان من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذكر اختلاف العلماء فيه وقال الصواب أنه بدعة حسنة، وقد وافقه على ذلك من الحفاظ الإمام الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر الهيثمي عن شيخه زكريا الأنصاري ولم نعلم أن أحدا من العلماء المعتبرين أنكر عليهم ذلك وقد ذكر صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول في تعليقه على ما يستحب لسامع الأذان فقال: الصلاة بعد الأذان سنة للسامع والمؤذن ولو برفع الصوت وعليه الشافعية والحنابلة وهي بدعة حسنة كما ذكر ذلك ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار([69]) .
[المفتاح السادس عشر]: مسألة رفع اليدين في الدعاء عامة وبعد الصلاة خاصة: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرا) ([70]) .وعن عمير مولى أبي اللحم انه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء يدعو رافعا كفيه قبل وجهه ([71]) .وعن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله جل وعلا يستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين) ([72]) .
وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه([73]) .
وهذه الأحاديث كلها عامة تشمل كل الأوقات، وفي مشروعية رفع اليدين أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في (الأذكار) وفي شرح المهذب جملة وعقد لها البخاري أيضا في (الأدب المفرد) بابا ذكر فيه عدة أحاديث وانظر كذلك فتح الباري([74]) .فرفع اليدين مشروع معهود بين السلف والخلف.
[المفتاح السابع عشر]: [التوسل، الاستعانة، الاستغاثة]: التوسل: هو أحد أبواب الدعاء والتوجه إلى الله تعالى لقضاء الحوائج، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة} [المائدة: 35]، وأما الاستغاثة: فهي طلب الإغاثة ممن يمملكها على وجه الحقيقة وهو الله عز وجل، أو ممن أعطاهم الله بحوله وقوته القدرة عليها، وهم أنبياؤه وأولياؤه، وأما الاستعانة: فهي طلب العون ممن يملكه على وجه الحقيقة وهو الله تبارك وتعالى أو ممن أعطاهم الله بمنه وكرمه القدرة عليها، وهم أنبياءه وأولياؤه، فيظهر لنا أن التوسل والاستغاثة والاستعانة شيء واحد، لأن المتوسل به أو المستغاث به أو المستعان به على الحقيقة هو الله وأما المتوسل به من العبيد فواسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا ولم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وغير ذلك، وأما التوسل بالأنبياء والصالحين، فالمقصود به التوسل بمكانتهم عند الله، فما هو في الحقيقة إلا توسل بأعمالهم الصالحة، والمسلم عندما يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بالرجل الصالح إنما يتوسل به لما يعلم من كرامته وجاهه عند الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى متصق بصفة تسمى صفة الاختصاص قال عز وجل: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74]، والنبوة والرسالة والولاية الخاصة ليست مكتسبة بل هي محض فضل الهي واجتباء واختصاص رباني يكون بسببها لذلك العبد منزلة عند الله تسمى الجاه، قال تعالى: {الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب} [الشورى: 13] وقال سبحانه في إثبات الوجاهة والمكانة لبعض أنبيائه وملائكته عليه السلام كسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام {وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 13] أي ذا وجاهة، وقال في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام {وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين} [آل عمران آية 45] وقال عن سيدنا جبريل عليه السلام {ذي قوة عند ذي العرش مكين} [التكوير: 20] أي صاحب مكانة، فالإنسان عندما يتوسل إلى الله تعالى بجاه نبي أو ولي فإن ذلك يعني أنه توسل إلى الله تعالى بفعل من أفعاله خلقه لذلك النبي وسماه جاها، وبصفة من صفاته سماها اختصاصا، وهذا من التوسل إلى الله بصفاته وأفعاله وهو مجمع على جوازه عند أهل الحق، والمتوسلون بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلمون حق العلم أن الله تعالى وحده هو النافع والضار ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولكنهم يتوسلون إلى الله بأفضل خلقه، طمعا في الإجابة لما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من منزلة عند الله، وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) ([75]) .
فيفهم منه الاستعانة المطلقة أما الاستعانة بالأسباب فجائزة، وقد قال تعالى: {استعينوا بالصبر والصلاة}، والحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستعانة بما سوى الله، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن كون ما جرى من الخير على يد الأسباب فهو من الله مسبب الأسباب، وقد أمرنا القرآن الكريم بالتوسل وذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة} [المائدة:: 35]، واجاز القرآن الاستغاثة بالمخلوق مع العلم واليقين بأن النفع والضر بيد الله وحده، وإنما هي الأسباب وحسب، قال تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}، فلو كانت الاستغاثة نوعا من الشرك لم يجز لسيدنا موسى أن يغيث هذا الرجل، وحاشا الأنبياء أن يقروا الناس على ما فيه مخالفة المولى عز وجل، وقوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاوؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}، فهو دليل على جواز التوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في سائر الأحوال لأنه في قبره الشريف حي يرزق تعرض عليه أعمال أمته فيدعو لهم ويستغفر، والأدلة على جواز التوسل بالنبي وأتباعه من الصالحين أكثر من أن تحصى وأقوى من ان ترد، وعلى جواز هذا الامر جمهور الأئمة الفقهاء، وبه أفتى أكثر فقهاء المذاهب الاربعة المعتمدة،
[المفتاح الثامن عشر]: بناء المساجد على قبور الصالحين: لا حرج في بناء المساجد على قبور الاولياء، ولا حرج في دفن الأولياء في المساجد، وقد قال تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء: قد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبور الصالحين، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك، لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار، أو السرد التاريخي لها، ويؤيد هذا القول: كون قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، فإن قالوا خصوصية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا: دفن بجواره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، لما ضاق المسجد النبوي عن المصلين، أمر الوليد بن عبد الملك، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد توسعة له، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة، ولم ير عمر بن عبد العزيز ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث، ومباين لمقاصد الشريعة، ولم يعترض على ذلك أحد من العلماء في عصره، وكان الإمام مالك ينشر العلم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعترض على ذلك، وكذلك أبو حنيفة والشافعي واحمد، ثم جاء أئمة المسلمين على مر عصور الإسلام لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور، ولم ينكروا ذلك، وعلى توالي القرون، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها، وهذا إجماع قطعي، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه، وقد تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يجمع الله أمتي على الضلالة) ([76]) .
أضف إلى ذلك: فقد صلى النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه أيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، ومنه أيضا ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، وقد أباح الفقهاء ذلك، ولم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم، ومما يهون الامر: معرفة رأي الفقهاء على المذاهب الأربعة: فقد قال الأحناف: تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة، وقال المالكية: الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة، وقال الشافعية: تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه، أو على يمينه أو على شماله، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة لوجود النجاسة بها، وقال الحنابلة: أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة، فقصارى الأمر عند المذاهب الفقهية أن الصلاة صحيحة مع الكراهة أو بلا كراهة، فإن قيل فما هي مفاتيح الفهم الصحيح للاحاديث التي يفهم منها خلاف ذلك، فالجواب: أنه وردت أحاديث صحيحة تنهى عن اتخاذ القبور مساجد: منها: حديث: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ([77]) . والمعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد، هو السجود عليها، واستقبالها بالصلاة إليها، وليس مجرد بناء المساجد عليها، بدليل معارضة هذا الفهم لما جاء في الكتاب والسنّة وعمل المسلمين على مر العصور بما يُخالف ذلك، ونحن إذا نظرنا إلى صنيع الامة مع علمائها وأوليائها على مر عصور الإسلام، ودفنهم في المساجد، وجدنا أن هذا الفهم بالمنع عن دفنهم في المساجد، موقوف عن العمل به، مما يؤيد انه غير داخل في معنى الحديث، ومعلوم أنّ: بناء المسجد على القبر معناه يختلف عن معنى اتخاذ القبر مسجداً، ولذا فالمعنى المراد هو هو السجود عليها، واستقبالها بالصلاة إليها، فإن قال قائل: فما معنى حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ، فذكرتا للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا، وصَوَّرُوا فيه تيك الصورَ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ) ([78]) .
فالجواب: حمل الفقهاء الذم في الحديث على التصاوير، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد، وإن قال قائل: فما معنى حديث: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) فالمعنى واضح: كان اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر أمته من ذلك، لان فيه معنى العبادة، ويشبه صنيع أهل الأوثان مع أوثانهم، وإن قال قائل: فما معنى حديث مسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، قال الفقهاء: النهي في الحديث للكراهة، قال البخاري: رأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر، القبر، ولم يأمره بالإعادة، وإن قال قائل: فما معنى حديث مسلم عن علي رضي الله عنه قال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) ([79]) .
والمقصود به من غير شك قبور المشركين لا من قبور المسلمين، ولذلك فإن أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين، ومما يؤكد ذلك: أن المسلمين بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام لم يهدموا قبر الخليل وقبور أولاده الأنبياء إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته، ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك 0 ولا يوجد دليل على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبور، ولم يقل أحدمن الأئمة بذلك، بل قد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهورة)، وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بإجماع العلماء، والخصائص لا تنسخ ولا يستثنى منها شيئا، وغاية الأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراج هذه المسالة ضمن مباحث التوحيد والشرك، والزعم بأنّ البناء على القبور يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، فهذا هو الغلو والجهل، لأن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه، والمسلمون بحمد الله على التوحيد، ولا يوجد من زوار الأنبياء والصالحين من أهل الإسلام من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة، ولم يقل أحد من أئمة الفقهاء: أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك، ولم يقل أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء الوهابيون فكفروا الأمة الإسلامية بمفاهيم مغلوطة.
***
([2]) صحيح البخاري 4/153 ح 3397.
([3]) باب حُسنُ المقصَدَ في عمل المولد، من كتابه الحاوي للفتاوى ص189.
([4]) صحيح البخاري 3/45 ح 2010.
([7]) صحيح البخاري 4/167 ح 3445.
([8]) المصدر السابق 7/131 ح 5735.
([9]) سنن الترمذي 3/246 ح 912.
([10]) صحيح البخاري 8/63 ح 6281.
([11]) المصدر السابق 8/14 ح 6036.
([12]) صحيح مسلم 3/1641 ح 2069.
([13]) شرح صحيح مسلم للنووي 14/44.
([14]) صحيح البخاري 1/84 ح 376، صحيح مسلم 1/360 ح 503.
([19]) احياء علوم الدين 2/304.
([20]) مسند أحمد 18/195 ح 11652.
([22]) غذاء الألباب للسفاريني 1/156.
([23]) فتح الباري 7/507. روضة الطالبين 11/229.
([24]) الفتوحات الإلهية ص 282 – 283.
([25]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278، مسند أحمد 17/10 ح 10978.
([26]) صحيح البخاري 8/59 ح 6262، صحيح مسلم 3/1388 ح 1786.
([27]) صحيح البخاري 3/186 ح2704.
([28]) مسند أحمد 18/161 ح 11618.
([29]) سنن الترمذي 5/611 ح 3666.
([30]) صحيح البخاري 8/64 ح 6285.
([31]) صحيح البخاري 8/86 ح 6408.
([32]) صحيح مسلم 4/2075 ح2701.
([33]) مسند أحمد 19/498 ح 12522.
([34]) مسند أحمد 28/348 ح 17121.
([35]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([36]) صحيح البخاري 1/168 ح 841، فتح الباري 2/259.
([37]) الأنوار القدسية (1: 38)
([39]) مسند أحمد 19/437 ح 12452.
([40]) حاشية الطحطاوي علي مراقي الفلاح ص 318.
([43]) صحيح البحاري 1/12 ح 18، صحيح مسلم 3/1333 ح 1709.
([44]) صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([46]) صحيح البخاري 1/24 «بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ»، سنن أبي داود 5/485 ح 3641.
([47]) صحيح البخاري 7/96 ح 5534.
([48]) سنن الترمذي 5/462 ح 3383.
([49]) مسند أحمد 14/328 ح 8709.
([50]) صحيح البخاري 4/126 ح 3293.
([51]) صحيح البخاري 8/67 ح 6307.
([52]) سنن ابن ماجة 4/721 ح 3818.
([54]) السنن الكبرى 2/77 ح 1221.
([55]) سنن الترمذي 2/354 ح 484.
([56]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم (1: 79)
([57]) سنن الترمذي 4/165 ح 1621.
([58]) مسند أحمد 29/24 ح 17479.
([59]) صحيح البخاري 4/188 ح 3553.
([61]) صحيح البخاري 8/59 ح 6263.
([62]) الأدب المفرد ص 538، سنن ابي داود 7/503 ح 5263.
([63]) مسند أحمد 30/517 ح 18546.
([64]) حاشية الطحاوي علي مراقي الفلاح ص 530.
([65]) شرح الطريقة المحمدية للشيخ النابلسي (2/150)
([69]) حاشية ابن عابدين 1/390. الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة ص (1615)
([70]) سنن أبي داود 2/160 ح 1489، سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([71]) مسند أحمد 36 / 275 ح 21944، سنن أبي داود 2/369 ح 1167، صحيح ابن حبان 7/453 ح 6781.
([72]) مسند أحمد 39/119 ح 23714.صحيح ابن حبان 1/356 ح 465.
([74]) (الأدب المفرد) (214 – 216) فتح الباري (11: 142 – 143)
([75]) مسند أحمد 4/488 ح 2764.
([77]) صحيح البخاري 2/88 ح 1330. صحيح مسلم 1/376. ح 529.