المبحث الرابع والثلاثون دور التصوف المنوط به في التقريب بين شتى الفرق الإسلامية
[المفتاح الأول]: التصوف يمثل المرتبة الثالثة من مراتب الدين: وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان، فهو إذن جزء من الدين، ولا يشكل بحال من الأحوال تنظيماً أو حزباً أو فرقة أو جماعة أو حركة، بل هو روح الدين القادر على احتواء جميع المسلمين، وعلى التقريب بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه، بما حباه الله تعالى به من خلق التسامح الذي أرشد إليه القرآن الكريم بقولـه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
(التصوف) هو الوحيد من بين مدارس الإسلام الذي امتاز باحتواء كافة المدارس المذهبية المتخصصة في علوم الدين، وهو الوحيد من بين مدارس الإسلام الذي تميز بالمرونة والسعة، وهو الأقدر على وحدة المسلمين بكونه يحمل القواسم المشتركة بين كافة المذاهب، وهو الأجدر على حل مشكلات الامة في تآلف وتراحم، وهو الاقدر على جمع الجميع على مائدة واحدة، لأنه الوحيد الذي يملك مفاتح الحل، من خلال تفريقه بين المراتب العلمية، وما توجبه كل مرتبة علمية من علوم ومعارف، كما انه القائم على المرتبة العليا من الدين وهي مرتبة الغحسان، والمحسن يلم بكل جوانب المرتبة السابقة له سواء في مرتبة الإيمان او في مرتبة الإسلام.
[المفتاح الثاني]: لا خوف على الامة من الخارج، لأن الله تعالى يحفظها من الأعداء، إنما الخوف من الداخل، من الفرقة والاختلاف، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا) ([1]) .
إذن الخوف على الامة يتمثل في الفرقة والاختلاف والعداوة والبغضاء بين المسلمين أنفسهم، لقد تفرقت أمة الإسلام أحزابا وشيعا يضلل بعضها بعضا بسبب الغلو والخلل الذي آل بالفرق إلى تكفير بعضها بعضا واستحلال دماء وحرمات بعضهم بعضا مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزال الغمة في بيان من هم أهل الأمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([2]) .
فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا ولا أن يسبي بعضهم بعضا وقد جعلنا الله تعالى أمة واحدة من دون الأمم قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، فإنّ الطرح الصوفي لحل مشكلات الامة هو الطرح الأصح والأمثل لانهم الأوسع صدرا والأكثر رحابة في القضايا العلمية التي يتسبب الغلو فيها إلى الفرقة والاختلاف.
[المفتاح الثالث]: أهل التصوف هم على أعلى الهرم العلمي الإسلامي، لذا كان علمهم هو الزلال المصفى، هم الأعلى فهما لأحكام الإيمان والكفر، وهم الأبعد عن تكفير المسلمين، لان الله تعالى حباهم بقواعد غراء تحمي الامة من وقوع سيف التكفير واستحلال الحرمات، أهل التصوف الحق أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام فهم لا يتورطون في تكفير أحد من أهل القبلة أبدا، نبراسهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([3]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([4]) .
والمسلم عندهم: هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، منقادا لها ببدنه، هذا المسلم: لا يكفرونه بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة ويقيم عليه الفقهاء الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، فإن اختلف الفقهاء رجحوا لأنفسهم السلامة، فلا يتورطون في تكفيره، ورجحوا للمسلم جانب حسن الظن والمخارج الحسنة، ولسان حالهم يقول: لان نخطئ في إدخال كافر في الإسلام فنحقن دمه، خير لنا من أن نخطئ في اخراج مسلم من اسلامه إلى الكفر فنستحل دمه وماله وعرضه، وقواعدهم فيما يتعلق بموضوع الإيمان والكفر مفصلة في المبحث العشرون من هذا الكتاب.
[المفتاح الرابع]: وهم الأعلى فهما وادراكا لأحكام التوحيد والشرك، فهم الابعد عن اتهام مسلم موحد بالشرك في مسائل خلافية، حققوها دراسة وفقها ومعرفة وشهودا، وهم الأعلى فهما وادراكا لأحكام التوحيد والشرك، وهم أهل الفهم الواسع لحقائق التوحيد، وأنه يشمل الدين كله، استوعبوا كل أقسام التوحيد توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعاال وتوحيد الربوبية والعبودية، أمنوا حدوث ادنى خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام، ووضعوا لكل قسم ضوابطه التي تمنع من الغلو فيه، وبهذا يخرج دارس علم التوحيد على منهاج اهل التصوف على علم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة، بلا غلو ولا تقصير، وبلا إفراط ولا تفريط، وفي المقابل انحرف غيرهم من الوهابية في باب التوحيد بسبب اتباع المتشابهات من آيات التوحيد والشرك، فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة حقيقة الشرك، ولا حقائق التوحيد، وما دروا حقيقة الإسلام، ولا ما هو إطاره الواسع الذي يدخل فيه كل مسلم، لقد تسبب الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد عند بعض أهل الغلو (الوهابية)، إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وأدى إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس، وكذلك تسبب الذهول عن فقه توحيد العبودية إلى منزلق خطير، استحلوا به الدماء والحرمات، أهل التصوف اهل تفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، وان الأصل مقرون بالاعتقاد القلبي، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد، لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة، ففسروها بمعناها اللغوي دون وضع الضوابط الضابطة لفهمها فاستحلوا دماء اهل القبلة وحرماتهم، أما اهل التصوف فوضعوا الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد الربوبية، والأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية، وبينوا ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل، وأشاروا إلى أخطاء الآخرين المغالين في باب الشرك، من ذلك خطؤهم في المقارنة بين جهل بعض المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين، وخطأ المقارنة بين التوسل المشروع وبين الشرك بالله، لقد حبى الله أهل التصوف بقواعد نورانية تمنع من الخلل في باب التوحيد والشرك، وقواعدهم فيما يتعلق بموضوع أحكام التوحيد والشرك تم تفصيلها في المبحث الواحد والعشرون من هذا الكتاب.
[المفتاح الخامس]: الصوفية هو الاوسع إدراكا لأحكام السنة والبدعة، بما أدركوه وأقروه من ضوابط السنة والبدعة، فأهل التصوف هم على أعلى الهرم العلمي الإسلامي أكرمهم الله تعالى بقواعد واضحة راسخة في هذا العلم الشائك علم السنة والبدعة، فهم أضبط الناس فهما لمعاني هذا العلم، وهم أبعد الناس عن الخل في هذا العلم إفراطا او تفريطا، ومن قواعدهم التي تضبط هذا العلم: أنّ اكتمال الدين لا يعني أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بكل جزئيات الدين، وإنما أحاطت بالأصول، وطرق الاستنباط وكثير من الجزئيات وتركت للمجتهدين المجال واسعا في استنباط الاحكام وفق الأصول، وفهموا من حديث (كل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) [أخرجه مسلم]، أن لفظ (كل) في الحديث يُحمل على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه، والمعنى من الحديث أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، أما ما كان من الخير فيدخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ،، الحديث) ([5]) .
هذا الحديث تخصيص لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، والمراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة، واكرمهم الله بقواعد نورانية لضبط باب السنة والبدعة حيث تفرق بين المحدثة التي هي سنة حسنة (بدعة حسنة) من سنها كان له أجرها واجر من عمل بها، وبين المحدثة التي هي سنة سيئة (بدعة ضلالة) كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، وقالوا: من شروط كون المحدثة بدعة ضلالة ثلاثة شروط: (الاول): أن يكون مجالها في الدين فتنسب إليه، فالابتداع لا يكون إلا في شيء ينسب إلى الدين، والأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ضلالة، فإما ان تكون سنة أو مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، أو فعل خير يؤجر عليه، و(الثالث): أن لا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
ومن شروط كون المحدثة بدعة حسنة شروط: (الشرط الاول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وبهذه الشروط ينضبط الباب.
و(أهل التصوف): يثبتون وجود البدعة الحسنة، ويجزمون بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، فهل بعد هذا التحقيق من تحقيق، وهل بعد هذا الرسوخ من رسوخ يقضي على الهوس التبديعي الذي أصاب آخرين فأخرجهم عن حد الاعتدال إلى الغلو والتفريط، وقواعدهم فيما يتعلق بموضوع السنة والبدعة تم تفصيلها في المبحث الثاني والعشرون من هذا الكتاب.
[المفتاح السادس]: الصوفية وعلم التقديس: إذا كان السادة الأشاعرة هم أهل العلم بالتقديس والتنزيه عقيدة وبرهانا، فإن أهل التصوف هم سادة أهل التقديس والتنزيه لله تعالى، شهودا وعرفانا، بلغ بهم التقديس مجالا يضيق عن العبارة، لانهم العارفون بالله شهودا وكشفا، بلغوا مقام التوحيد أعلى منازل العرفان، ومن قواعد هذا العلم الجليل التي قال بها السادة الأشاعرة استدلالا وأيقن بها السادة الصوفية شهودا وعرفانا، تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وتنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق فلا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية وجود سرمدي مطلق لا اول له ولا آخر، وتنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لان الزمان محدث له أول والله هو الأول بلا ابتداء فليس قبله شيء، والزمان ليس له انتهاء لان اهل الجنة واهل النار خالدون مخلدون باقون بقدرة الله ومشيئة الله فليس للزمان انتهاء، فلا مجال لفهم معنى (الاخر بلا انتهاء) فهما صحيحا سوى التقديس عن الزمان، فهو خالق الزمان كان قبل المكان وقبل الزمان وخلق المكان واجرى الزمان فلا يحتاج إلى احد منهما، كما كان قبل خلقهما، لا يلحقه التغير والحدوث، وهو {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} تنزيه عن المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، من جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق، ومن تلك القواعد: تقديس ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، وانه من الخطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه، لان اعتقاد ظواهر المتشابه هو مذهب المجسمة الذين تتبعوا المتشابه، وجمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، تلك هي قواعد التقديس عند الاشاعرة استدلالا وعند اهل التصوف شهودا وعيانا، وقواعدهم تم تفصيلها في المبحث الثالث والعشرون من هذا الكتاب.
[المفتاح السابع]: الصوفية هو الاوسع إدراكا والأعمق فهما ومعرفة بأحكام السياسة الشرعية، وعلم السياسة الشرعية علم شائك لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحماء بهم، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، لقد قام اهل التصوف الحق على ثغر هذا العلم فأجلوا لبناته وأرسوا قواعده فلله درهم من علماء وأولياء وناصحين لأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن تلك اللبنات: وجوب طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر من المسلمين، ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة، ومن تلك القواعد: وجوب طاعة الحاكم المسلم وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وخطورة الخروج على الحاكم المسلم: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([6]) .
ووجوب أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([7]) .
ووجوب التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام لحديث: (فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([8]) . ووجوب الصبر على جور الحكام، والحرص على نصيحة الحكام وعدم مخالفتهم حتى لا تختلف الكلمة عليهم، ونصح الأمراء يكون بالقول اللين، {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، فهذه بعض لبنات علم السياسة الشرعية عند اهل التصوف الحق، وقواعدهم فيما يتعلق بموضوع السياسة الشرعية تم تفصيلها في المبحث الرابع والعشرون من هذا الكتاب.
[المفتاح الثامن]: الصوفية وأهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم، أهل التصوف يقولون: لا تنطبق أحاديث النجاة إلا لأهل السنة والجماعة الناجية، ولا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لانهم أهل القرآن وخاصته، وهم أهل الحديث وخاصته، وكل الفرق عالة عليهم في الإجماع ثالث مصادر الدين، وكل الفرق عالة عليهم في باب التخصص العلمي، وهم: هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، وهم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق، وهم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، ويقولون: الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة يمثله: في العقيدة ثلاث مدارس هي: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطارهم في الفقه مذاهب أربعة هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ويمثلهم في التصوف السادة الأقطاب، ومدارسهم التزكوية والربانية القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، يقولون: هذا هو الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار، وعلامتهم أنهم: لا ينتسبون إلا إلى السنة والجماعة، ولا يتلبسون ببدع الشيعة ولا المعتزلة ولا الخوارج ولا الحشوية ولا المجسمة، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتعرضون لما حدث بينهم، ويقولون هم السادة الكبار، أخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم، ويقولون كما أمرهم القرآن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، ويوالون آل البيت كلهم، ويحبونهم جميعا، بل يعشقونهم، ولا يرضون أبدا لما نالهم من الأذى، هم الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، وقال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([9]) . فمودتهم فرض، ومحبتهم واجبة، والصلاة عليهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ([10]) .
والحاصل: أنّ الصوفية يجمعون بين حب الصحابة حبا جما، وحب أهل البيت حبا جما، ولا يجعلون هناك تناقضا بين حب الصحابة وحب أهل البيت، بل كلاهما من مشكاة واحده، هؤلاء صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودائما يقولون اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الاطهار وصحبه الأبرار، فهذه بعض مفرداتهم فيما يتعلق بالجماعة الناجية أهل السنة والجماعة، وقواعدهم فيما يتعلق بهذا الموضوع قد فصلت في فصول الكتاب من التاسع والعشرين وإلى الثالث والثلاثين، وجميعها يتعلق بالطرح الصوفي الجدير بجمع أهل الإسلام في وحدة واحدة، يجمعها التآلف والتكامل.
وأهل التصوف ينظرون إلى الامة بأن الله تعالى أكرم الأمة بعوامل عديدة تمثل أصول الإسلام التي يمكن أن تكون أصول التصالح والتعايش بين جميع المسلمين، ومن أهم تلك العوامل: (العامل الاول): الانتساب المجمل إلى دين الإسلام الذي هو دين الله في الأرض وفي السماء قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وقال تعالى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، و (العامل الثاني): الإله الواحد والرب الواحد والمعبود الواحد وعقيدة جميع المسلمين هي قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وجميع المسلمين يؤمن باللَّه الواحد الأحد المنزه عن الشبيه والمثيل والصاحبة والوالد والولد.
(العامل الثالث) الرسول الواحد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجميع المسلمين يؤمن به نبيا ورسولاً أرسله اللَّه تعالى إلى الناس كافة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، ولا رسول بعده، (العامل الرابع) القرآن الواحد وجميع المسلمين يؤمنون بالقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
(العامل الخامس) القبلة الواحدة وكل المسلمين يستقبل القبلة في صلاته.
(العامل السادس) أصول الدين الواحدة وكل المسلمين متفقون على الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومتفقون على أركان الإسلام الخمسة شهادة أن لا اله إلا اللّه وان محمدا رسول اللّه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا.
(العامل السابع): العبادات الواحدة تجمع جميع المسلمين، فالصلاة واحدة فلا خلاف بينهم حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها وبقية أركانها والصيام في شهر رمضان واحد والزكاة واحدة وهي النصاب الذي فرضه اللَّه في أموال الأغنياء يتفق عليه جميع المسلمين والحج واحد والحلال بين والحرام بين والفرائض معلومة والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من أهل الإسلام.
(العامل الثامن) الانتماء الواحد جميع المسلمين ينتمي إلى أمة الإسلام وقد قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}
(العامل التاسع) الخطر المشترك الواحد قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، فلا مناص من الوحدة والتكامل بين كافة طوائف الامة من أجل مواجهة الاخطار الخارجية.
(العامل العاشر) مرونة الشريعة التي تقبل التصالح بين كافة الطوائف المنتسبة إلى الإسلام فإن الله تعالى أراد لشريعة الإسلام ان تصلح لكل مكان وزمان ولكافة العقول والافهام فأكرمها بوجود نوعين من الادلة الدليل القطعي الذي يجتمع عليه المسلمون والدليل الظني الذي يعطي مساحة واسعة للاجتهاد والخلاف، ومن سماحة الشرع أنّ من اجتهد فيما تعلق بالأدلة الظنية فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد بمعنى أنه لا يحرم الأجر ومن رحمة الله تعالى بالمسلمين أن أكثر قضايا الخلاف في الأمة هي القضايا الظنية، والعموميات أكثرها ظني الدلالة وإن كانت قطعية المتن وذلك لكثرة ما يرد عليها من التخصيص، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تكون مفصالا بين الحق والباطل، بل يتسع فيها الإعذار، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم.
([1]) صحيح مسلم 4/2215 ح 2889.
([2]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.