المبحث الخامس والثلاثون تصفية التصوف من دعاوى الأدعياء وجهل الجهلاء.
المطلب الأول:
تصفية التصوف من دعاوي الأدعياء.
المطلب الثاني:
تصفية التصوف من جهل الجهلاء.
المطلب الأول: تصفية التصوف من دعاوي الأدعياء.
[المفتاح الأول]: إنّ التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام ، والتصوف السنّي الصافي ليس منه: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس منه: القول بالحلول أو الاتحاد، أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو الله، والله هو الكون، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم فهو مؤول بما يوافق دين الله، أو هو مدسوس على القائل، أو هو مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل، ونحن نحسن الظن بكل مسلم فما بالنا بالأولياء والصديقين، الصوفية ككل الطائف الإسلامية انتسب إليها المحق والمدعي، والصادق والمغرض، لذا قد نجد على مر عصور التصوف من ادعى عقيدة الاتحاد والحلول على معناها الكفري الذي يقصدون به الاتحاد والحلول الحسي كما زعمت النصارى في نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام، وهذه عقيدة كفرية، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على كفر من اعتقد جواز الاتحاد والحلول على ذات الله تعالى، والقائل بهذا مرتد، ووحدة الوجود المطلقة على هذا المعنى هي العقيدة الكفرية التي حاربها السادة الصوفية وأعلنوا براءتهم ممن يقول بها، قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف الحق أهل المعرفة بالله -: (ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجعلوا آلهتهم عين الله بل قالوا: {ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط) أهـ ([1]) .
وقال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الصغرى: (تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها)، وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل في شيء أو يتحد في شيء)، وقال في الباب التاسع والستين والمائة: (القديم لا يكون قط محلا للحوادث ولا يكون حالا في المحدث)، وقال في الباب الثاني والستين ومئتين: (من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاته وإنما كان القمر محلا لها فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه)، وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: (لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته وذلك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار الحق خلقا والخلق حقا وما وثق أحد بعلم وصار المحال واجبا فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا)، وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة: (وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق ولا حل فيه الحق إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا)، وقال في باب الأسرار: (لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ولو بلغ أقصى درجات القرب وحاشا العارف من هذا القول حاشاه إنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل)، وقال في باب الأسرار أيضا: (من قال بالحلول فهو معلول فإن القول بالحلول مرض لا يزول وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول)، وقال في باب الأسرار أيضا: (الحادث لا يخلو عن الحوادث ولو حل بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم فالقديم لا يحل ولا يكون محلا) أهـ ([2]) .
[المفتاح الثاني]: الجواب عما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهرة الحلول والاتحاد: والجواب أمراً من أمرين: (الاول): إما أن يكون مدسوساً عليهم، و (الأمر الثاني): ان لا يقصدوه مطلقاً، وأن يكون مقصدهم من الكلام معنى آخر بعيد كل البعد عن الاتحاد والحلول الحسي الحقيقي، ألا وهو الاتحاد المجازي المعنوي، بأن تصيرَ نفسُ العبد فانية في شهود التجليات الإلهية غافلةً عن الشعور بجملتها شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة أسماء الله تعالى وصفاته، فيغيب عن نفسه في الله، ويشعر بأنه يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله، مصداقاً للحديث الصحيح فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رب العزة سبحانه: {وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحْبَبْته: كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِش بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها) ([3]) .
هذا حال الأولياء، أما الادعياء، فقد قال فيهم الحافظ السيوطي: في كتابه: ” القول بالحلول والاتحاد الذي هو أخو الحلول، أول من قال به النصارى إلا أنّهم خصّوه بعيسى إلى أن قال: وأما المتوسمون بسمة الإسلام فلم يبتدع أحد منهم هذه البدعة… غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يتبنون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله” أهــ، ([4]) . والقائلون بوحدة الوجود على المعنى الحسي وأن الكون أجزاء الله، وأنه تسري فيه روح الله فهذا كفر بواح، أما اهل التصوف الأولياء فلهم في وحدة الوجود معان صحيحة، ففي (مقام الفناء) وهي الحال التي يستغرق فيها الصوفي ويفنى عن نفسه وعن جميع من حوله، فلا يشاهد سوى تجليات الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية، فيقول بوحدة الوجود على معنى وحدة الشهود، وفي مقام (البقاء) فهو يرى الخلق ولكنها رؤية بالله، فهو يعلم بالفرق بين الوجودين – وجود الخالق ووجود المخلوق، ولكنه لا يشعر إلا بالوجود الأصلي الواجب الذي هو وجود الله تعالى وحده، فيقول بوحدة الوجود، على معان شرعية صحيحة، أما الأدعياء، فقد سقط بعضهم في القول بوحدة الوجود على النحو الفلسفي الذي قال به اهل الإلحاد.
[المفتاح الثالث]: لا نزعم الحفظ لجميع أهل التصوف، ففيهم الادعياء وفيهم الجهلاء، ومن الأخطاء والمخالفات الشرعية التي سقط فيها الادعياء: التفرقة بين الشريعة والحقيقة: أهل التصوف الحق هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بشيء من العقائد المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية، ومن ذلك اتهام البعض اهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة، وهذا باطل، لأن من أشهر قواعد أهل الطريق قولهم: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، هناك أُناس أدعياء ادَّعَوْا التصوف كذباً أو جهلا، انحرفوا عن الإِسلام، وقالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وقالوا: إِن المُعَوَّل عليه صلاح القلب، ويقولون: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]، ويذمون أهل العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعنون في أهله ويقولون: هم محجوبون وهم أصحاب قشور، وأن علمهم الظاهر حجاب بينهم وبين الحقيقة، وكلامهم هذا قد يؤول إلى القدح في الشريعة المطهرة وفي الأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها، وقد أنكر أئمة التصوف هذا التفريق، قال الإمام الغزالي: (من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان) ([5]) . وقد آل بهم ذلك الإهمال في علم الظاهر والاستهانة به إلى القول بسقوط التكليف، وأهل التصوف الحق أجمعوا على أن التكاليف الشرعية لا تسقط عن المكلف بأي حال، حتى ولو بلغ درجة الوصول، بل إن الوقوف عند حدود الشرع والتمسك بأحكامه، هو المقياس الذي يحكم به على صدق الصوفي الواصل مهما ظهرت عليه من كرامات وأحوال، يقول أبو يزيد البسطامي: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى ارتقى في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة “([6]) . وقال لسان الطائفة الإمام الجنيد: (قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها) ([7])
[المفتاح الرابع]: إن إصلاح أمر التصوف يبدأ أول ما يبدأ بإصلاح ما أفسده الأدعياء، ويكون ذلك بتصفية الاعتقاد من كل دعاوى الاتحاد والحلول والوحدة المطلقة على معناها الفلسفي المرفوض، ورفض كل دعاوى الشطح لأنها نقص ورعونه، ورفض كل دعاوى مخالفة الحقيقة للشريعة، ومخالفة الظاهر للباطن، وانكار تلك الدعاوى الباطلة، فلولا الظاهر ما حفظ الباطن، ورفض كل دعاوى سقوط التكاليف عن الواصل، لأنه بذلك واصلٌ إلى جهنم وسقر، وتصفية السلوك من المخالفات الشرعية، والبراءة من الممارسات الخاطئة، والتحذير من المخالفات الشائعة بين مدعي التصوف، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من أخطاء، ومما نسب إليه زوراً وبهتاناً من أعدائه، ومما نسب إلي الاولياء الصالحين زوراً وبهتاناً، وهم أجل الناس عن النطق به، مثل ما نسبوه إلى الاولياء: أبي يزيد البسطامي، وعبد القادر الجيلاني، ومحيي الدين بن عربي، من العظائم والمكفرات، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات عقائدية وشرعية، و لا باس بالنقد الواعي البناء، وقد كان السادة الصوفية هم اول من انتقدوا الأخطاء، وها هو الإمام أبو نصر السرّاج الطوسي (ت 378 هـ)، في كتابه (اللمع في التصوف) يفرد مائة صفحة في تصحيح الأخطاء التي ظهرت عند الأدعياء او الجهلاء او المخطئين دون قصد وهي تعدل أكثر من ثلث الكتاب، ولا باس من اعتماد مبدأ الإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة، وطرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الإسلام.
المطلب الثاني: تصفية التصوف من جهل الجهلاء
[المفتاح الأول]: إنّ التصوف الإسلامي الأصيل كما ابتلي بالأدعياء، فإنه كذلك قد ابتلي بالجهلاء، فأضروا بسمعته كما أضر بها أعداؤه، والتصوف السنّي الصافي ليس منه ما نراه من البعض من تحريف أسماء الله والرقص بها، مع القفز كما يفعله أهل الجهل، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف الأصيل، وهناك جماعة من الجهلاء، نسبوا أنفسهم إلي التصوف، شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، كاستعمال آلات الطرب المحظورة، فلم يَعُدْ هذا وسيلةً لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، والتصوف السنّي الصافي أيضا ليس منه البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، ولا ادعاء الغيب والدجل والشعوذة ، فهذه أخطاء شرعية يحمل وزرها الجهلاء والدخلاء ولابد من ردها إلى صوابها دون تجريح بالطائفة ورموزها.
[المفتاح الثاني]: التصوف السنّي الصافي ليس منه: الذكر على الطبل والزمر، (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فقد أجازه الفقهاء)، إن ذكر الله تعالى هو أعظم القربات، ولكنه مشروع بشروطه وآدابه التي قررها العلماء، ومن أهمها: السكينة والوقار والخشوع والاحترام، ولكن الذكر الذى يقوم به بعض الناس، بحركات موزونة مرتبة، وترنيمات متصنعة بأصوات مطربة، وقفز ووثب، ونط وجذب، وانحناء للأمام ورفع، والتفات عنيف ودفع، ودوران بالحلقات، وضرب للأقدام على إيقاع الكف والنغمات، فالقلب الخاشع ينبو منه، فإن كان التمايل بسبب وجد صحيح ووارد قوي، أفقد صاحبه التماسك فلا إثم عليه ولا لوم ولا محذور، ولكن الحاصل غير ذلك، لأنه لا يُعقل أن الجميع يحدث لهم ذلك في نفس الوقت بحيث يؤول إلى حركات جماعية موزونة معلومة، أشبه ما تكون بالرقص، فإن الشرع يلزم الوقوف عند الأدب الشرعي الإسلامي مع الذكر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في [فتح الباري:]: (قال القرطبي – هو المحدث أبو العباس أحمد بن عمر شيخ القرطبي صاحب التفسير – وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك [يقصد الرقص]، فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلا كالمجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب الُقرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنى الأحوال) انتهى، قال الحافظ ابن حجر عقبة: (وينبغى أن يعكس مرادهم، ويقرأ: (يثمر سيء الأحوال عوض سني الأحوال)،) انتهى،([8]) .
وقال القرطبى صاحب التفسير في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن: عند تفسيره لقوله تعالى في سورة الأنفال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون}، قال رحمه الله تعالى: (وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة إيمانهم، ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ونظير هذه الآية: {وبشر المخبتين الذين إذا ذكر اللهُ وجلت قلوبهم}، وقال: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} فهذا يرجع إلى كمال المعرفة، وثقة القلب)، والوجلُ: الفزع من عذاب الله، فلا تناُقض، وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي تسكُن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله، وإن كانوا يخافون الله، فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام، من الزعيق والزئير،، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ: الفهم عن الله، والبكاء خوفًا من الله ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} فهذا وصف حالهم، وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم،فمن كان مستنًا فليستن بهم، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، روى الترمذى وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، الحديث، ولم يقل: زعقنا، ولا رقصنا، ولا زفنا – أى ضربنا الأرض بأرجلنا كما يفعل الراقص – ولا قمنا) انتهى كلامه لله دره،([9]) .
[فإن الرقص في الذكر والاهتزاز يمينا ويسارا خصوصًا إذا صاحبته الطبول والمزامير بأنواعها خطا قد عمت به البلوى، ولم يفعل ذلك أحد من الأولياء، وجمهور الفقهاء على تحريم ذلك، وهو مناف للمرؤة والوقار، ولابد من تنزيه الذكر عن هذه الترهات، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره، لا يمكن أن يرضى بذلك، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة، لايتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر، في الذكر، ولكن ماذا يفعل الربانيون وقد صارت هذه موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون ينكرون ذلك، ولكن إصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة لمجموع أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله.[المفتاح الثالث]: التصوف السنّي الصافي ليس منه تحريف أسماء الله كما يفعله أهل الجهل، والواجب النطق باسم الله الكريم كما أنزله الينا دون تغيير، والتزام تصحيح حروفه والنطق به تاما كاملا، فإنه أكرم الأسماء وأمجدها، والأسماء توقيفية ليس للاختراع إليها سبيل، والبعض يذكر الله تعالى بقوله (آه) ويزعم انه من الأسماء الحسنى، وهو لم يثبت، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) ([10]) .
[المفتاح الرابع]: التصوف السنّي الصافي صدق وأمانة وليس منه الشعوذة والدجل، ما علاقة التصوف بأكل الزجاج والمسامير والثعابين، بعض المنتسبين إلى التصوف يأتون بأمور لا علاقة لها بالشرع ولا بالدين، يأكلون الزجاج والصبار والثعابين، ويلحسون النار، ويدفعون الدبابيس والمسامير في أجسامهم، فهذا إما ان يكون دجلا وغشا، وإما أن يكون كرامات، فإن أحسنا الظن وقلنا كرامات، فإن أهل الطريق الخلص قالوا: الكرامات لا تكون إلا عند الضرورات، والولي الكامل مخفى الكرامة، وكان أحدهم يخفي الكرامة كما يخفي أحدنا ذنوبه، فما هي الفائدة الدينية العائدة من جراء تلك الأعمال، سوى تشويه صورة التصوف الصافي النقي، وإلصاق التهمة به، وكأننا حواة ودجالين، وليس حملة رسالة دين الإسلام ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون،
[المفتاح الخامس]: ينبغي تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من رعونة البطالين، ولابد من رفض دعاوى الشطح الزائدة عن حد الاضطرار، لأنها نقص ورعونه، ولابد من تصفية السلوك من المخالفات الشرعية، وتنزيه الذكر عن المعازف، ولابد من احترام جناب الشريعة عند الأضرحة والقباب، ولابد من البراءة مما يحدث في بعض الاحتفالات من المنكرات والمخالفات، وينبغي اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات شرعية، واعتماد مبدأ التجديد والإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة، فإن التصوف الصافي سلوك وعمل وليس مصطلحات وشطحات، والتصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وجشع، والتصوف الصافي فتوة ورجولة وإيثار، وليس رعونة وتخنث وطمع، والتصوف الحق علم وعمل، وليس جهل وخرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، وليس دعاوى عريضة وترهات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه… ولا بكاءك إن غنى المغنونا… ولا صياح ولا رقص ولا طرب… ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا… بل التصوف أن تصفو بلا كدر… وتتبع الحق والقرآن والدينا… وأن تُرى خائفا لله ذا ندم… على ذنوبك طول الدهر محزونا ”
***
([1]) اليواقيت والجواهر: 1: 83.
([2]) اليواقيت والجواهر نقلاً عن الفتوحات المكية: 1: 80 و 81.