المبحث الرابع التصوف الحق ومبادئه
المطلب الأول :
التصوف الحق
المطلب الثاني:
مبادئ التصوف.
المطلب الأول : التصوف الحق
[المفتاح الأول]: اصطلحت الأمة الإسلامية منذ أقدم عصورها على تسمية العلم الذي يقوم على مرتبة الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإيمان بعلم العقيدة، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإحسان يبين حقائقها ومنازلها بعلم التصوف، (التصوف) هو السعي لتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، فكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي)، أو (العقيدة مذهب إسلامي)، فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه علم أساسي من علوم الدين يتناول بيان الحلال والحرام والعبادات والمعاملات الواجبة على كل مسلم، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، أدقها وأصحها المذاهب الفقهية الأربعة، وكذلك العقيدة علم أساسي من علوم الدين يتناول بيان الاعتقادات الواجبة على كل مؤمن، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، أدقها وأصحها الأشاعرة والماتريدية لأسباب ليس هاهنا مجال ذكرها وإنما مجالها كتب العقيدة، وكذلك التصوف تماما، فهو علم أساسي من علوم الدين يتناول بيان منازل المحسنين، الأولياء أهل عبادة الله على الشهود، ويرسم الطريق للوصول إلى المعرفة بالله عز وجل، وعلى ذلك فالتصوف جزء من دين الإسلام وليس مذهب إسلامي.
[المفتاح الثاني]: التصوف الحق: علم عظيم له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة، وهو القائم على التحقيق الأوفى لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، ويتناول: احسان الظاهر باتباع الشرع في الكف عن المحرمات والمكروهات، وأداء الواجبات والمندوبات والمسارعة في الخيرات، ويتناول: احسان الباطن بتحقيق منازل السير إلى الله، والتي تبدأ باليقظة وتنتهي بالتوحيد الخالص، حيث لا نهاية ولا غاية لتجليات ومعارف تلك المنزلة لأنها تتعلق بالحق المنزه عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، وأصول التصوف وآدابه مستمدة من القرآن والسنة، فإن شئت أن تطلق عليه علم التزكية أو علم الإحسان، أو علم الأخلاق، أو علم التصوف، فإن الأسماء لا تغير حقائق المسميات، ويتمثل في: سلوك الطريق إلى معرفة الله تعالى والقرب منه عن طريق مجاهدة النفس، وإدمان ذكر الله تعالى والتخلية والتحلية، وحمل الجوارح والجوانح على عبادة الله وطاعته، مع السير في منازل الإحسان من أجل بلوغ منازل المشاهدة والمعرفة بالله تعالى، والسائر من أهل التصوف في أول الطريق يسمى (مريد)، يسير إلى الله تعالى بنفسه، وله منازل أربعين تبدأ باليقظة وحتى الانبساط، والسائر في منتصف الطريق يسمى (سالك) أو (محب)، يسير إلى الله تعالى بقلبه، ومنازله ثلاثون تبدأ بالقصد وتنتهي بالذوق، والمتقدم في السير إلى الله تعالى يسمى (ولي) أو (عارف) أو (وارث) وهذا قد أُذن له في الدخول على حضرة الحق وشهود تجليات الحق، ومنازله ثلاثون أدناها اللحظ وأعلاها التوحيد الخالص.
[المفتاح الثالث]: التصوف الحق: أوله إرادة صادقة خالصة وسير بالنفس إلى الله، وأوسطه سلوك وسير قلبي إلى الله، ووقوف على باب الحق بانتظار الاذن بالدخول، واعلاها ولاية ووراثة ومعرفة وتحقيق وتجريد وتفريد وجمع وتوحيد، وإذن بالدخول على حضرة الحق ملك الملوك، والتصوف ليس له غاية سوى الله والصوفي لا يعدل بالدخول على حضرة الحق شيء لا من الدنيا ولا من الآخرة والصوفي الحق هو المأذون له بالدخول على حضرة الحق أنى شاء وقبل ذلك لا يستحق لقب الصوفي، وإنما هو مريد، أو سالك.
[المفتاح الرابع]: التصوف الحق: هو التحقيق الأوفى لمرتبة الإحسان الظاهر والباطن، فمن أهتم بالإحسان الظاهر والباطن فهو الصوفي، ومن أهتم بالإحسان الظاهر وحسب فهو عابد، ومن زهد في الدنيا من أجل الآخرة فهو زاهد، ومن زهد في الدنيا والآخرة من أجل الله فهو الصوفي، (الصوفي) لا يكون إلا عابدًا زاهدًا، لكن العابد والزاهد لا يكونان إلا في مقام واحد خصوا به، لأنهم شُغلوا بالأكوان عن مكون الأكوان عز وجل، أما (الصوفي) فهو المشغول بالمكون عن الاكوان، هو العالم العابد وهو الزاهد العارف، وهو الوارث للنبوة، وهو الولي المرشد الذي يسمع بالله ويرى بالله وينطق بالله، للحديث القدسي: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ([1]) .
[المفتاح الخامس]: (التصوف الحق): اسم يطلق على المنهاج الذي يسلكه الصوفي من أجل الوصول إلى الحق تعالى، ويتناول المجاهدة المستمرة التي تبدأ بالتخلي ثم التحلي لقبول فيض التجلي، تبدا (بالتخلي) عن جميع الصفات الذميمة الظاهرة والباطنة، ومن ثم (التحلي) بجميع الصفات الحميدة الظاهرة والباطنة، والتهيؤ لقبول فيض (التجلي)، وذلك بإزالة الحجب التي تحجب العبد عن الحق وانتظار الإذن بالدخول على حضرة الحق، حيث لا يؤذن إلا للأولياء الطاهرين المطهرين، الذين زهدوا فيما سوى الله، وفنوا عن السوى والأغيار وعن النفس والرسم في الحق، فإن شاء الله أبقاهم به، فبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، هؤلاء الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[المفتاح السادس]: التصوف الحق: ركن من أركان الدين يتناول المعرفة بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى المعرفة بالله رب العالمين، وذلك عن طريق مناهج سلوكية تشتمل على الاجتهاد في العبادات الظاهرة والباطنة، والاكثار من ذكر الله، والاجتهاد في تزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الصفات الناقصة والأخلاق السيئة، والتحلية بالصفات الحسنة والأخلاق العظيمة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، وألفوا فيه الكتب العظيمة التي بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، وتلك المؤلفات على قسمين: الأول علم المعاملات، وهو علم تزكية النفس وأحوال القلب، ويتناول التخلية والتحلية، التخلية مما يذم كالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل والفخر والخيلاء والمداهنة والاشتغال بعيوب الناس، والتحلية ما يحمد كالصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والتقوى والسخاء وحسن الظن والصدق والإخلاص، وهذا العلم يناسب الجميع، ومن أهم مؤلفات علم المعاملات: اللمع في التصوف لأبي نصر السرّاج الطوسي (ت 378 هـ)، والتعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر محمد الكلاباذي (ت 380 هـ)، وقوت القلوب لأبي طالب المكي (ت 386 هـ)، والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري (ت465هـ)، وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي (ت 505 هـ)، والعلم الثاني: علم الحقائق وهو يناسب الخاصة وخاصة الخاصة من أهل العناية والولاية والمعرفة، وهذا العلم خاص بالأولياء، وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته عن صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور ما كان مجهولاً له من المعرفة بالله ودينه وانبيائه ورسله، وهذا العلم ليس له نهاية، لأنه من علوم الفتح الذي يفتح الله به على قلوب أوليائه في فهم كلامه ومستنبطات خطابه، ومن مؤلفات علم الحقائق: أكثر مؤلفات الشيخ الاكبر محيي الدين ابن عربي، وهذه لا يُنصح المبتدؤون في السلوك بقراءتها، لأنها أعلى من مستوى فهمهم وادراكهم فقد يفهموها على غير وجهها، وأدنى نصيب من هذا العلم: هو التصديق به وتسليمه لأهله، أما من أكرمه الله بتصديقها ورزقه نوعا من الفهم لها فهذه نعمة لا يمكن شكرها، لأن هذه العلوم تفرد بفهمها الوارثون من أكابر اهل التصوف، استقامت أنفسهم وزكت وطهرت وكملت، وفنت عما سوى الله، فأبقاهم الله به، فبه يفهمون وبه يعلمون، وبه ينطقون، أكرمهم الحق سبحانه بالمكاشفات والمشاهدات والحقائق التي يدركون بها من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، فمن أُذن له في نشرها نشرها، ليعم نفعها على أمة الإسلام خير امة أخرجت للناس.
[المفتاح السابع]: التصوف الحق: يكفيه فضلا وشرفا، أن أهله الصادقون فيه – لا الأدعياء ولا الدخلاء – زهدوا في الدنيا والآخرة يريدون وجه الله، هم أهل السفر إلى الله عندما سافر أفاضل غيرهم إلى الجنة، وهم أهل الطريق إلى الله، وحدهم يعرفون منازل الطريق إلى الله، ووحدهم يسيرون في تلك المنازل، ولم يتكلم في منازل الطريق سواهم، أماتوا أنفسهم في الله فأبقاهم به، فبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، هم الاولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هم أهل الشرف الحقيقي لو كان الناس يعلمون، ابتداء أمرهم: الصلاح، وانتهاؤه: الصِّدِّيقية، وهي غاية مراتب الأولياء الوارثين، ليس فوقهم إلا النبوة والرسالة، والنبوة والرِّسالة منقطعان عن أحوال بقية الخلق، ومباينان لها، لأنهما اصطفاء رباني لا دخل للاجتهاد فيه، فالأنبياء والمرسلون لهم كمال الأحوال، والأولياء والصديقون يمرّون على الحواشي والأطراف، ولو كُشف لهم ذرة مما كشف للأنبياء والمرسلين لذابوا وتقطّعوا، فهم أفضل الطوائف بعد الانبياء والمرسلين، قال الإمام الجنيد لسان الطائفة (297 هـ): (لو علمتُ أن لله تعالى عِلماً تحت أديم السَّماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا، لَسَعيتُ إليه وأخذته)
[المفتاح الثامن]: التصوف الحق: علم جليل له مصطلحاته الخاصة به، لا يعلمها على وجهها إلا أصحابه المتخصصون فيه، وهذا موجود في كافة العلوم، كالفقه والحديث والنحو وغيره، فإِن لكل علم من العلوم اصطلاحات خاصة به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، وللصوفية اصطلاحاتهم الخاصة بهم، التي انفردوا بها عمن سواهم، لها معان شرعية صحيحة جليلة ومقاصد كريمة جليلة، فربما نظر البعض إلى هذه المصطلحات على أنها أمور مبتدعة، فيضلل أصحابها جهلا منه بهذا العلم ومصطلحاته، فلابد لمن يريد معرفة التصوف الحق أن يرجع إلى أصحابه، حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم، فيستبين له مرادهم، ومن أكمل وأجمل الكتب التي تناولت مصطلحات هذا العلم الشريف: كتاب (معراج التشوف إلى حقائق التصوف للعارف بالله الإمام ابن عجيبة الحسني)، وكتاب (معجم اصطلاحات الصوفية للعارف بالله الإمام عبد الرزاق الكاشاني)، فهذان الكتابان من أدق من كتب عن مصطلحات اهل التصوف، على أنّ (التصوف) ليس علما مجردا يُنال بقراءة الكتب، أو معرفة الاصطلاحات، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، والتعلم على أيديهم، فإن التصوف علم وخلق وسلوك لا ينال بقراءة الأوراق، ولكن بالمجاهدات وبصحبة أهل التصوف، حتى يكرمه الله بما أكرمهم به من التذوق والمعرفة، فإنك لو ظللت أياما وشهورا تشرح لأحد ما طعم العسل، لن يعرفه حتى يتذوقه، وآنذاك يعرف، ومن لم يتذوق معاني التصوف فليس بصوفي حتى يتذوق، فإن ادمن التذوق صار من اهل العرفان.
[المفتاح التاسع]: الصوفي الحق: هو المسافر إلى الله، وزاده في سفره يتمثل في: المجاهدة المستمرة التي تبدأ بالتخلي ثم التحلي ثم الطهارة الكاملة الظاهرة والباطنة التي تهيئ لقبول فيض التجليات الإلهية، ولا يكون هذا التجلي إلا بالفناء عن السوى والأغيار، واماتة النفس والرسم في الله والفناء في الحق، ومن ثم البقاء بالله، فيرى بالله ويسمع بالله ويتكلم بالله، وقد قال اهل الخبرة والمعرفة في التصوف: لكي يصل الصوفي إلى ذلك لابد له من عدة أسفار: (السفر الأول): وهو السفر من الخلق إلى الحق: وهو على ثلاثة مراحل: سفر المريد إلى الله تعالى، ويكون بتزكية نفسه إلى الله، ثم سفر المحب إلى الله تعالى، ويكون بطهارة قلبه إلى الله، ثم سفر الولي إلى الله تعالى بصفاء روحه إلى الله، و(السفر الثاني): السفر بالحق إلى الحق في الحق: وهو سفر العارف بالله إلى الله، وذلك بعد فنائه في مقام الفناء عن أفعاله وصفاته وذاته في الله، وبقائه في مقام البقاء بالله فيسافر بالحق إلى الحق في الحق، و(السفر الثالث): السفر من الحق إلى الخلق بالحق: وهو سير كبار العارفين بالله من أكابر الاولياء، وهذا السير معناه: الرجوع إلى الخلق ٬ بعد السير في الحق بالحق، ولكنه في حالة الجمع مع الله يعيش حالة المعية مع الله وهو بين الخلق يعلم حالهم ويصلح من شانهم قدر جهده، و(السفر الرابع): السير في الخلق بالحق: بمعنى القيام بمهمة الدعوة إلى الله بين الناس، والقيام بمهام الهداية بين الخلق، وهذا السير خاص بالوارثين الذين هم ورثة الانبياء، وهم في أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كالأنبياء في بني إسرائيل، إلا أنه لا نبوة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، أما (السفر الخامس): فهو خاص بالأنبياء والمرسلين مقصور عليهم، وهو السير بالوحي المعصوم، وأعظمه سير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ لا مثل له في السير إلى الله، وفيه نزل قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
[المفتاح العاشر]: الصوفي الحق: في سيره إلى الله يقطع ثلاثة مراحل، أولها (التخلق) وأوسطها (التذوق)، وآخرها (التحقق)، ففي بداية السير يكون سيره بالتخلق، وهو التطبيق العملي والسلوكي لكل ما جاء به الشرع من أوامر ونواهي ظاهرة وباطنة، وهو ما يسميه أهل التصوف: بالتخلية والتحلية، وصاحب هذا التخلق هو المريد، وبالتقدم في التخلق يحصل للمريد (التذوق) وهو الأثر المستفاد من التخلق، وهو المعرفة المستفادة في القلب من التطبيق العملي لأوامر الشرع، وصاحب هذا التذوق هو المحب السالك، ومع دوام التخلق والتذوق يزداد الصوفي السائر إلى الله قربا من الله ويزداد فهما لكلامه، ويتحول باطنه عبر الأحوال والمنازل نحو (التحقق) وهو التمكن من العلم والمعرفة بالله، وأهله هم الأولياء العارفون أهل المخاطبات والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات، وهم أهل التحقق والتمكين، والتجريد والتفريد والجمع والتوحيد.
[المفتاح الحادي عشر]: (الصوفي الحق): لا يأبه بالدنيا، ويرى أنها لا تستحق حتى الزهد فيها لأنها جيفة نتنة، وهو يزهد في الآخرة من أجل الله، كما يزهد الزاهدون في الدنيا من أجل الآخرة، وهذه المعاني لا تحتمل أي انتقاص لمنزلة الجنة والنار كما يظن الجاهلون، ولا أي معنى لاستغناء الصوفي عن (الجنة) لأنها مستقر رحمة الله ورضاه، وإنما ذلك لأن التصوف يقتضي التجرد عما سوى الله، وأن يفنى عن الأغيار، ولا يلتفت إلى سوى الله، ولا يشوب عبادته بعوض، ولا يطلب لها أجرا، بل يعبد الله بمقتضى شكر الله، اقتداء بالحبيب صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (أفلا أكون عبدا شكورا)، فالحامل لهم على الطاعة والعبادة، هو المحبة للإله الحق المستحق للعبادة، والرب الحق المستحق أن يشكر، لا إله إلا هو ولا رب سواه، و(الصوفي الحق) مثال لكمال لزهد، (أولا) يزهد في المال وعلامته أن يستوي عنده الذهب والتراب والفضة والحجر والغني والفقر والمنع والعطاء، و(ثانيًا) الزهد في الجاه والمراتب، وعلامته أن يستوي عنده العز والذل والظهور والخمول والمدح والذم والرفعة والسقوط، و(ثالثًا) الزهد في الكون بأسره بشهود المكون والزهد في الخلق بشهود الخالق، و(رابعا) وهو أعلى مراتب الزهد: الزهد في المقامات والكرامات والخصوصيات، يستوي عنده الخوف والرجاء والقبض والبسط، يسير بهذا كما يسير بهذا، المهم أن يكون مع الله على مراد الله، فإذا تحقق الزاهد بهذه المقامات في الزهد كان صوفيا، وإلا فهو زاهد وحسب.
[المفتاح الثاني عشر]: (الصوفي الحق) يحاول التخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اهم اخلاقه (التواضع)، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض) ([2]) .
ومن أخلاقه المداراة واحتمال الأذى من الخلق: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) ([3]) .
ومن أخلاقه الإيثار والمواساة، يؤثرون بالموجود ويصبرون على المفقود، لقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9]، ومن أخلاقه التجاوز والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة، لقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}، ومن أخلاقه البشر وطلاقة الوجه، فالصوفي بكاؤه في خلوته وبشره وطلاقة وجهه مع الناس، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) ([4]) .
ومن أخلاقه ترك الادخار، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) ([5]) .
ومن أخلاقه التودد والتآلف والموافقة مع الإخوان وترك المخالفة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) ([6]) .
ومن أخلاقه غيرته لله تعالى: إذا انتهكت حرمات الله، فلا يصحب أحدا إلا إذا علم رضا الله تعالى فيه، فلا يحب احدا ولا يبغضه لعلة دنيوية، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ([7]) .
ومن أخلاقه: تقديم أعمال الآخرة على أعمال الدنيا: فيقدم ورده على سائر مهماته، فمن أصبح وهمته الدنيا فهو خارج عن طريق التصوف، ومن أخلاقه عدم الغفلة عن ذكر الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يجلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم تره يوم القيامة) ([8]) . كل أوقاته ذكر لله تعالى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها) ([9]) .
ومن أخلاقه أن يكون هينا لينا ينقاد في الخير للصغير كما ينقاد الجمل، لقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159]، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لينوا في يد إخوانكم) ([10]) .
(الصوفي الحق) أخلاقه ما هي إلا اقتداء بأخلاق سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وصفه الله تعالى بقوله: {وإنك على خلق عظيم} [القلم: 4]،
[المفتاح الثالث عشر]: (الصوفي الحق) مثال للخلق العظيم، فلا يخاصم أحدا على حقه، ولا يطالب أحدا بحق، وهو يتغافل عن الزلة، وينسى الأذية، لأنه مشغول بصفاء نفسه ووقته مع الله، وهو يقرب من يقصيه، ويكرم من يؤذيه، ويعتذر إلى من يجنى عليه بسماحة نفس وطيب خاطر، وهو يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، صفَّى نفسه وقلبه لله عز وجل، مشغول بالمكون عز وجل عن الأكوان، يترك ما لا يعنيه، ويقطع كل علاقة تحول بينه وبين مقصوده، وليس له مقصود سوى الله، يقنع بقليل الدنيا عن كثيرها، ويكتفي بالقوت الذي لا بد منه، ويقتصر على ما لا بد منه من مهنة الدنيا من الملبوس والمفروش والمأكول، ومما اختص به: إيثار الجوع على الشبع، والقليل على الكثير، وترك العلو والترفع، وبذل الجاه، والشفقة على الخلق، والتواضع للصغير والكبير، والإيثار ولو كان به خصاصة، ومما اختص به: حسن الظن بالله، والإخلاص في المسابقة إلى الطاعات، والمسارعة إلى جميع الخيرات، والتوجه إلى الله والانقطاع إليه، والصبر على بلائه والرضا عن قضائه، والعكوف على دوام المجاهدة فيه، طمعاً في الوصول إلى المراد، وهو عبادة الله على المشاهدة: (أن تعبد الله كأنك تراه).
[المفتاح الرابع عشر]: (الصوفية الحقة): هم أهل الفتــــــوة: و(الفتوة): كف الأذى، وبذل الندى، وأن يكون العبد أبداً في مساعدة غيره، وهذا الخُلُق لا يكون كماله إِلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإِن كل أحد في القيامة يقول: نفسي نفسي: وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول (أُمَتي أُمَتي) ([11]) . والفتوة تطبيق عملي لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يزال الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه المسلم) ([12]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من نفّس عن مسلم كُربةً من كُرب الدنيا نفّس اللهُ عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يَسّر على مُعسر في الدنيا يسّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مُسلمٍ في الدنيا ستر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، واللهُ في عونِ العبد ما كان العبد في عون أخيه) ([13]) .
و(الفتوة): مرجعُها إِلى سخاوة النفس، وهو شرط في أهل التصوف فلا يوجد صوفي بخيل، وهي تشتمل على عدة معان: أهمها: (الإِيثار)، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، و ” الثاني “: كرم الضيافة، ويكفي فيه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكرِم ضيفه)، والصوفية لهم في القيام بحقها القدح المعلى، لا ينزل بهم غريب إِلا لقي إكراما وحفاوة ومساعده، و ” الثالث “: صلة الإخوان والأرحام، وأهلُ التصوّف مَضرب المثل في التواصل والتعاون، ومساعدة أصحاب الحوائج في قضائها.
[المفتاح الخامس عشر]: (الصوفية الحقة): مثالهم بين المسلمين، كمثال أناس أدعوا حب الملك سبحانه لذاته، فعرض عليهم الدنيا وزينتها، فافتتن بها أكثرهم، قال تعالى {منكم من يريد الدنيا}، وبقي القليل، فعرض عليهم نعيم الجنة فانصرف إليها أكثر الباقين، قال تعالى {ومنكم من يريد الآخرة}، وبقي أقل القليل، {يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}، لا يريدون سواه، لم يفتتنوا بدنيا ولا بآخرة، ولم تشغلهم عن ربهم جنة ولا نار فهؤلاء هم الصوفية، قالوا بلسان الحال: ما عبدناك إلا لوجهك، فإن قيل لهم: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة صدقكم، فإنهم سيقولون: إن عبدناك يا ربنا ابتغاء جنتك فاحرمنا منها، وإن عبدناك خوف نارك فاجعلنا اول الداخلين لها والمصطلين بجحيمها، ما عبدناك إلا لجناب ذاتك، وجميل صفاتك، أنت وحدك المستحق أن تعبد، لا إله إلا انت، ولا معبود بحق سواك، فسلط الله تعالى عليهم البلاء كاختبار فاستعذبوا في ذات الله البلاء، وقالوا: وعزَّتك يا رب وجلالك لو صببت علينا البلاء صبًّا ما تحولنا عنك، لا نريد إلا إياك ولا يشغلنا عنك شيء، فهؤلاء هو الصوفية الحقة ومن عداهم أدعياء للصوفية، أو جاهلون بحقيقة التصوف، ولا ينبغي أن نفهم قولهم: (ما عبدناك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك) على الإطلاق، ولا على المعنى المغلوط، لأنه قد يحتمل معنى احتقار (الجنة والنار) وقد عظمهما الله تعالى، فلا يصح احتقارهما من مسلم أبدا، فضلا عن صوفي تحقق بالإحسان، وقد يحتمل معنى (الاستغناء)، ولا غنى لمؤمن عن رحمة الله وفضل الله ورضا الله، فضلا عن صوفي ذاب في محبة مولاه، نعم لم يقصدوهما بالعبادة، بل عملوا لله لا لشيء سواه، ولا يشغلهم عن الله شيء، ولكنهم يعظمون ما عظم الله ويجلون ما أجل الله، ويعلمون أن النار موضع غضبه وسخطه وعقابه، وهم أهل المحبة لا طاقة لهم لغضبه، ولا غنى لهم عن بركته ورحمته، ولكنهم يعبدون الله آداء لحق العبودية، والعبد الحق لا يطلب آجرا من سيده ومولاه فكيف بخالقه الرب الإله، وهم يقولون: إذا لم يخلق الرب تبارك وتعالى جنة ولا نار، ألم يكن اهلا لأن يعبد، وأن يطاع، وقد جاء في الخبر: (لا يكن أحدكم كالعبد السوء، إن لم يخف لم يعمل، ولا كالأجير السوء، إن لم يعط الأجرة لم يعمل) ([14]) .
، فالحامل لهم على طاعة الله محبة الله وابتغاء رضاه، وانه وحده الإله الحق المستحق للعبادة، والرب الحق المستحق أن يشكر لعظيم صفاته، وكريم هباته.
[المفتاح السادس عشر]: [17] الصوفية الحقة: هم وحدهم من تفرد بسلوك الطريق إلى الحق، عندما اكتفى غيرهم بأدنى من ذلك، هم المهاجرون إلى الله حقيقة، تركوا الدنيا والآخرة ابتغاء وجه الله، هم المهاجرون إلى الله إذا هاجر غيرهم إلى الدار الآخرة، قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100]، وهم المجاهدون في الله، عندما جاهد المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وهم المجاهدون في الله حق جهاده لا يتوقف جهادهم حتى يلقونه، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، جمعوا بين جهاد النفس والشيطان والدنيا والهوى وجهاد الاعداء، جاهدوا النفس حتى فنوا عنها في الله، وجاهدوا الدنيا حتى استوى عندهم حجرها وذهبها، وجاهدوا الشيطان حتى آيس منهم {إلا عبادك منهم المخلصين}، وأماتوا الهوى في الله، حتى صار هواهم تبع لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا دائما على الرباط في الثغور أمام الاعداء، وهم احق الناس بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليّاً، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعـطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ([15]) . فهو الذي يسمع بالله ويبصر بالله ويتحرك بالله.
[المفتاح السابع عشر]: (الصوفية الحقة): في أول سيرهم (مريدون) لا همة لهم إلا ذكر الله وشكره، وقطع المنازل من اجل الوصول إلى قربه ورضاه، وفي وسط السير (محبون سالكون) يقفون على باب الحق، يطرقون الباب لا يكلون ولا يملون انتظار رحمة الله، وحتى يُفتح الباب، فينعمون برؤية الله وشهوده بقلوبهم وبصائرهم، وعند تقدم السير هم (الاولياء العارفون المحققون)، هم أهل الفناء عن السوى بالله وهو أهل البقاء بالله عما سواه وهم أهل التجريد والتفريد والجمع والتوحيد، وجميعهم يشملهم اسم التصوف، لا يشغلهم عن الله شاغل ولا يردهم عن طريق الله راد ولا قاطع، رفضوا العلائق التي تشغلهم عن الله، وقطعوا العوائق التي تعوقهم عن السير في طريق الله، وغابوا في الأحوال مع الله، وأفناهم الجمع بالله عما سوى الله، وهؤلاء هم عباد الله حقا وأولياؤه صدقا، ومن عداهم متمصوفة، لا يستحقون اسم التصوف ولا رسمه، وهم عبء على التصوف وأهله.
[المفتاح الثامن عشر]: الصوفية الحقة: هم سادة وقادة أهل الطريق إلى الله، هناك أهل الطريق إلى الدنيا يعملون بعمل الآخرة ابتغاء الدنيا، يطيعون الله ويؤدون الفرائض ويجتنبون الكبائر من أجل أن يوفقهم الله تعالى في الدنيا، قال تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}، وهناك أهل الطريق إلى الجنة، يعملون من أجل الآخرة، يعملون من أجل أن يصرف الله تعالى عنهم عذاب النار وان يمن عليهم بالجنة، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، وهناك أهل الطريق إلى الله، يريدون وجهه ورضاه، يعبدون الله لله، لا يشغلهم عن الله نعيم جنة ولا عذاب نار، وهؤلاء قال الله تعالى فيهم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}، وهؤلاء هم الصوفية الحقة.
[المفتاح التاسع عشر]: الصوفية الحقة: هم السائرون إلى الله وحده، لا إلى شيء سواه، يسيرون بالله لأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بالله، ودافعهم من السير هو الوصول إلى الله، يظلون سائرين يقطعون المنازل حتى يصلوا إلى الحضرة الأحدية حيث تجليات الحق بجناب ذاته، وهي جنة المعارف يغترف فيها العارف في كل لحظة من المعارف والتجليات ما هو فوق الحصر والعد والوصف، لا حد لها ولا غاية ولا نهاية، فجناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء، كيف وله الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل ولا اتصال ولا انفصال، ولا كفء ولا مثيل، إذ جناب الذات أحد صمد لم ينفصل منه شيء ولا يتصل به شيء ولم يكن له كفوا أحد، ومهما بلغ العبد وترقى في تجليات التوحيد ومعارفه، فإنّه قاصر عن بلوغ كمال التوحيد الذي لا حد له ولا منتهى، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا نهاية.
[المفتاح العشرون]: (التصوف الحق): قام على قضية رئيسة هي السير إلى الله والدخول على حضرته ولذلك تعلقت كافة مجالاته بهذا الامر، والصوفية الحقة: هم العارفون بالطريق إلى الحق، وآداب الدخول على الحق، وهم العارفون بأن هناك حجب تمنع من دخول الحضرة القدسية فاجتهدوا في معرفة تلك الحجب والوسائل إلى إزالتها، وعلموا أن أعظم الحجب عن السير هو النفس الامارة بالسوء فنشا عندهم ما يعرف بعلم تزكية النفس وتبديلها من أمارة بالسوء إلى زاكية راضية مرضية كاملة، وهم العارفون بأنه لا يصح السير إلا لصاحب القلب السليم، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم المعاملات، وتكلموا في كبائر القلوب وكيفية السلامة منها حتى يشفى القلب المريض ويتهيأ للسير إلى الله، وهم العارفون بأن هناك أعداء للإنسان يمنعون من سيره كالشيطان والدنيا والنفس والهوى فنشا ما يعرف بالمنهج السلوكي للتغلب على هؤلاء الاعداء، وهم العارفون بأن الدخول على الحق لا يكون إلا لأهل الطهارة الكاملة ظاهرا وباطنا فنشأ عندهم ما يعرف بالتخلية الظاهرة والباطنة والتحلية الظاهرة والباطنة، وقالوا بمنهج التخلي ثم التحلي ثم التهيؤ لقبول فيض التجلي، وهم العارفون بأن السير إلى الله والدخول على حضرته يستلزم قطع مراحل ونزول منازل، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم المنازل وضبطت تلك المنازل بحيث يكون السائر على بينة من سيره إلى الله، وهذا العلم هو أساس التصوف، أكرمهم الله تعالى بالدخول على حضرات التجليات الأسمائية المتعلقة بأفعال الله تعالى وصفاته وجناب ذاته، فعاشوا مع تجليات الأسماء، ونشا عندهم ما يعرف بعلم التخلق والتعلق والتحقق بالأسماء الحسنى، ثم أكرمهم الله تعالى بالسرائر النقية والمعارف الوهبية، فنشأ عندهم ما يعرف بعلم الحقائق، وتكلموا في حقائق الوجود بما لا يتهيأ لأحد غيرهم، ولا يقاربهم فيه أحد، هذا هو التصوف الحق، علم راسخ ومنهاج تربوي قويم وسلوك عملي يتناول تحقيق (مرتبة الإحسان)، أعلى مراتب الدين.
[المفتاح الحادي والعشرون]: أهل (التصوف الحق): أهل احترام للتخصص العلمي، اتفقوا مع المتكلمين والفقهاء من أهل السنة والجماعة في معتقداتهم وقبلوا علومهم، ومن لم يبلغ من الصوفية مراتب المتكلمين والفقهاء فإنه راجع إليهم فيما أشكل عليه، ثم إنهم بعد ذلك ارتقوا إلى درجات عالية وتعلقوا بأحوال شريفة ومنازل رفيعة وأخلاق عظيمة، هم أهل حقائق التقوى، وهم أحق الناس بالآية: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، ولهذا فإن الصوفي المتحقق لا يكون إلا فقيها أصوليا، يحتاج إليه غيره، وهو في غنى بالله عن غيره، لذا تتلمذ اكابر الفقهاء والأصوليون على أيدي الصوفية الحقة، وإذا اكتمل فقه الفقيه وإذا اكتمل علم الأصولي وأراد الله به الخير جلس تلميذا على بساط الصوفية ينهل من علومهم ما لا يمكنه ان يتعلمه من غيرهم، ولذا قال العارفون نهاية العالم بداية الصوفي، أما نهاية الصوفي فهي الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
[المفتاح الثاني والعشرون]: هناك صنف من اهل التصوف: اعتقدوا التصوف الرهباني، واستغرقوا في الأوراد وكثرة العبادة، وهؤلاء على خير ولا يلام أحدهم، وأصدق ما يقال عن هؤلاء أنهم عباد، لانهم ليسوا على ثغر التصوف الكامل، لان أهل التصوف الحق يجب أن يقوموا على جميع ثغور الدين وجوانبه، مع حراسة دائمة على القلب ألا يلتفت إلى غير الله، هم القائمون على ثغور الدين، وهم الدعاة إلى الله وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وهم الساعون في الاصلاح، وهم ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حمل دعوته وتبليغ رسالته ونصرة دينه.
وهناك صنف آخر: غالوا في تتبع الكرامات وسرد الحكايات، شغلوا أنفسهم بسرد القصص الخرافية والمبالغات الخيالية في كرامات الأولياء دون تحقق، وقد تجد أحدهم لا يقيم الصلاة كما ينبغي، ثم يشغل نفسه عن أعمال الطاعة والعبادة بسفاسف الامور، والقيل والقال، هؤلاء ليس لهم من التصوف إلا اسمه، وليس لهم من طريق التصوف إلا رسمه، (تصوف هؤلاء) قائم على مراعاة المظاهر دون الغوص في الحقائق، (تصوف هؤلاء) مشوه اتخذ الركون إلى الدعة والراحة طريقا، والخرافة والهروب من الواقع مذهبا، وهؤلاء عالة على التصوف، وهم في واد والتصوف في واد آخر.
وهناك صنف ثالث: أدعياء متمصلحون من الانتساب للتصوف، يأخذون منه عرض الحياة الدنيا، وهؤلاء أجرموا في حق التصوف، فإن مبدؤه الزهد في الدنيا ابتغاء وجه الله.
وهناك صنف رابع: غلاة مبتدعون، ضررهم على التصوف أكبر من نفعهم، لأنهم يشوهون سمعته وينفرون الناس منه.
وهناك صنف خامس: مغرضون انتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف الحق من أمثال هؤلاء وهؤلاء براء، ووجودهم لا يقدح في التصوف الحق، لان التصوف الحق هو روح الإسلام، ولا حياة لجسد الإسلام بلا روح، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف، وبين الصوفية الصادقين، عندما نقول (الصوفية) فإن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي والجنيد لسان الطائفة، والسادة القادة الهداة المهديين: عبد القادر الجيلاني، وأحمد الرفاعي، وأبي الحسن الشاذلي وأحمد البدوي وإبراهيم الدسوقي ونظراؤهم من الأولياء المرشدين على مر عصور الإسلام، ولا تخلو الأرض من أمثالهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
***
المطلب الثاني: مبادئ التصوف
مبادئ أي علم من العلوم عشرة: الاسم، الحدُّ، الموضوع، الواضع، الاستمداد، الحكم، المسائل، النِّسبة، الفضل، والثمرة،، وهذا مثال تطبيق هذه المبادئ على علم التصوف.
[المفتاح الأول]: اسم التصوف الإسلامي: اسم التصوف: قد يكون مشتقا من الصوف لأنه لباس الانبياء وشعار الزهاد، وكان رواد التصوف الأُول يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والزهد، فنسبوا إليه، وقد يكون مشتقا من صوفة القفا للينها فالصوفي هين لين، وقد يكون مشتقا من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحامد وترك الأوصاف المذمومة، وقد يكون مشتقا من (صُفة المسجد النبوي)، التي كان يسكنها قدوة أهل التصوف من المهاجرين الذين زهدوا في الدنيا وزينتها، والذين امتدحهم الله تعالى بقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف]، وقد يكون مشتقا من (الصَفاء) وهو الأصح، وهو الصفاء من أدران الكفر والفسوق والعصيان، وهو الصفاء من وسخ المخالفات، وهو صفاء الأقوال والأفعال والآداب والأخلاق مع الله ومع الناس، وهو صفاء الحال مع الله، وهو الصفاء مع الله برفض العلائق التي تشغله عن الله، وقطع العوائق التي تعوقه عن السير في طريق الله، وهو الصفاء من التعلق بالمحدثات، وهو الصفاء عن الغير والسوى والنفس والرسم، وهو صفاء المعاملةِ مع الله تعالى، فكل من صفى حاله مع الله فهو صوفي، صافاه الله فأوصله إليه، كما قال أبو الفتح البستي: (تنازع الناس في الصوفي واختلفوا… وظنه البعض مشتقاً من الصوف… ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً… صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي)، واعتراض البعض على التسمية باطل، لأنه لا مشاح في الاصطلاح، وقد أحدث غيرهم أسماء لما اختصوا به من العلوم، كالفقهاء للأحكام، والأصوليين للعقيدة، والمحدثين للحديث والقراء للقرآن، وقد أرجع بعض المتحاملين على التصوف، الكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (صوفيا)، ومعناها عندهم الحكمة، وهذا الأمر لا دليل عليه ولا يرضى به أهل التصوف لأنهم يقولون: إن (التصوف) إسلامي النشأة والاستمداد، يتعلق بتحقيق مرتبة الإحسان، يستمد أصوله من الكتاب والسنة، ولا علاقة له بغير الإسلام، ولا يهم ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر المعنى الحقيقي له ولمعانيه، ألا وهو العلم والسلوك المتعلق بتزكية النفس وسلامة القلب وتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن أعلى مراتب الدين.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف: فـ(اسمه): تصوف، من (الصَفاء)، اصطلاحاً لا اشتقاقاً، فإن القوم أطلقوا على (السَّالك المتحقق): اسم (صوفي)، نِسْبَةً للفعل إلى الله، ثمّ إنهم جعلوا ذلك اسماً اشتقوا منه اسم الـ: (تصوف)، قال سيد الطائفة: الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد (297 هـ):” التصوف: هو صفاء المعاملةِ مع الله تعالى “اهـ، وقال بُنْدَارُ بن الحسين (353 هـ):” إن الصُّوفي: مَن اختاره الله لنفسه فصافاه، وعن نفْسِه برَّاه، ولم يردَّهُ إلى تعمّلٍ وتكلفٍ بدعوى، و(صوفي): على زِنة عُوفي، (أي: عافاه اللهُ)، وكُوفي، (أي: كافأه الله)، وجُوزي، (أي: جازاه اللهُ)، ففِعلُ الله تعالى ظاهِرٌ على اسمه “اهـ، وقال – أيضاً -:” الـ(صوفي): على وزن (عُوْفِي) أي: صُوفِيَ عن جميع ما له بِمَا وَرَدَ من الحق عليه من بوادي الأنوار “اهـ، وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي (412 هـ):” إذا صَفَى المريدُ في إرادته، صُوْفي في صَفَائه، فَسُمِّي: صوفياً “اهـ، وقال أبو حمزة الخراساني (290 هـ):” الصوفي: مَن صُفِّيَ مِن كل دَرَن، فلم يبق فيه وسخُ المُخالفات بحال “اهـ، وقال الإمام أبو بكر الشّبلي (334 هـ):” الأرواح تلطفت، فتعلقت عند لذعات الحقيقة، فلم تر غير الحقّ معبوداً يستحق العبادة، فأيقنت أن المُحْدَثَ لا يُدرك القَديمَ بصفاتٍ معلولة، فإذا صَفَّاه الحَقُّ أوصَلَه إليه، فيكون الحقُّ أوصله إليه، لا وَصَل هو “اهـ، قال الإمام أبو بكر البغدادي:” الصوفي: هو الخارج عن النعوت والرسوم، وصفاء الصوفي عن النعوت والرسوم ألزمه اسم: (التصوف)، فصُفِّيَ عن ممازجة الأكوان كلها بمُصافاة مَنْ صافاه – في الأزل – بالأنوار والمَبَارّ “اهـ، وقال أبو بكر البغدادي:” التصوف: صفوة الأحوال، فمن صفي في أحواله، وأخذ من كل صفوته، فهو: صوفي، والتصوف: الأخذ من كل صافٍ في الأحوال والأخلاق والأفعال أصفاه “اهـ، وقال أحدُ الكُبراء:” لفظ الـ(تصوف): أربعة أحرف: (تاء)، من التوبة، و(صاد)، من الصَّفاء، و(واو)، من الوِلاية، و(فاء)، من الفناء “اهـ، وهذا معنى (المُصافاة) على التحقيق، فمرده إلى ما تقدَّم، وليس معنى آخر، وقد عبر السابقون بآلاف من الحدود، هي عند التحقيق: أحوال وأعمال، قد خاطب بها المسؤولُ السائلَ لما فُتح عليه من حاله، بمقتضى الحكمة، قال بُندار بن الحُسين:” (الصوفية): متفقون في الوحدانية – في الجملة – قولاً، مُتفرّقون في الوصول إليها مُعاينةً ومُنازلةً، وكل واحد: يستحق اسمَ ما ظهر عليه من حاله الذي هو به موصوف، بعد اتفاقهم في الوحدانية قولاً “اهـ، وأما ما توصل إليه بعضُ الباحثين، سعياً خلف الاشتقاق من أصل اللغة، ونحو ذلك، ككونه مشتقاً من الصوف، أو من لغة أعجميَّة: فهو مرجوحٌ أو باطل بما قدّمناه على التحقيق، سيما وقد صدق الإمام أبو عبد الرحمن السّلمي، حيث قال:” (التصوف) حقيقة: كان حيث لم يكن لسانٌ ولا كلامٌ “اهـ، وقد أُحْدَثَ اسمَ (تصوف): المتصوفة في عهد التابعين أو تابعي التابعين، بينما عبَّر عنه الشرع بـ: (الإحسان)، كما عبَّر عنه السابقون بـ: (الزهد)، وآخرون بـ(الفَقْر)، وآخرون بـ: (الباطن) – وهو غير (فرقة الباطنية الملحدة بالله) -، ويُعبر عنه البعضُ حتى زماننا هذا بـ: (الآداب) و: (الأخلاق)، وبعض ما تقدم، سئل أحمد بن الجلاء: ما معنى (صوفي)؟! فقال: ” لا نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيراً مجرداً من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه من علم كل مكان، فسُمي: (صوفياً) “اهـ، وسُئل الإمام أبو الحسن البُوشَنْجِيُّ (348 هـ) عن التصوف؟ فقال:” اسمٌ ولا حقيقة، وقد كان قبلُ حقيقةً ولا اسم “اهـ، في إشارة إلى التفريط الذي كان قد أحدث في زمانه، ومقارنة له بعمل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا شك أنه: لا مشاح في الاصطلاح، وقد أحدث غيرهم أسماء لما اختصوا به من العلوم، كالـ(عقيدة) للإيمان، وعليه، فما يتشدق به المبتدعةُ الذين يَدُورون حول اشتقاق اسم (تصوف)، أو وُرُوْدِه على لسان الشارع، ثم يُغررون العوام به: ساقط لا اعتبار له، ولا يزيد عن كونه دليلاً على عمى هؤلاء واتباعهم أهواءهم، إذ لا يُتابعون ما ينكرونه، ليروا أعَلَى حق هم أم على سواه؟! علماً بأن الواجب على العبد: أن لا يحكم على شيءٍ لم يتحقق منه بالحقِّ، بكونه حقاً أو باطلاً، فلا حول ولا وقوة إلا بالله سبحانه وتعالى. ([16]) .
[المفتاح الثاني]: حَدّ التصوف الإسلامي: حُد التصوف بوجوه تبلغ نحو الالفين ترجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى وإنما هي وجوه فيه، وصدق التوجه مشروط بالشرع، فلزم العمل بالإسلام والإيمان، فلا تصوف إلا بفقه إذ لا تعرف أحكام الله تعالى الظاهرة إلا منه، ولا فقه ألا بتصوف إذ لا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان إذ لا يصح واحد منهما بدونه فلزم الجمع بين الإسلام والإيمان والإحسان، كما لزم الجمع بين الفقه والعقيدة والتصوف، لتلازم الكل في الحكم كتلازم الأرواح للأجساد، وحَدّ التصوف الإسلامي هو أعْمَالُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ الْمُوْصِلَةِ إلى حقيقة مرتبة الإحْسَان، وأعمال الظاهر تظهر على الجوارح كالآداب والاخلاق والعبادات والمعاملات، واعمال الباطن التي تبطن في القلب فلا يطلع عليها أحد إلا الله، من الحب والخشية والخوف والرجاء والتوكل واليقين والصبر والشكر وغير ذلك من المنازل القلبية، وللإحسان درجات عديدة، أعلاها: تحقيق العبودية على المشاهدة: (أن تعبد الله كأنك تراه)، وأدناها: تحقيق العبودية على المراقبة: (فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك).
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف و(حَدّه): أعْمَالُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ الْمُوْصِلَةِ إلى حَقِيْقَةِ الإحْسَان، فأما (الأعمال): فهي ما يَحْدُثُ من العَبْد، وإضافة الأعمال إلى (الظاهر والباطن): لكون حوادث العبد في ظاهره وباطنه، قال الله تعالى: {وأسبَغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة}: فـ(الظاهرة): الآداب والمعاملات، كالعبادات، والتعامل مع الناس، تحت ظل مكارم الأخلاق، و(الباطنة): الإيمان والأخلاق والنيات، وهي ما تبنى عليه أعمال الظاهر وتُعتبر به عند العبد وربِّه تعالى، فتحدِّد العمل أنه شكر وغبطة، أم كفر وحسد مثلاً، وكون تلك الأعمال هي (الموصلة): أي: الوسيلة الصحيحة (إلى): أي: حتى بلوغ الغاية من هذا الأمر، وهي: (حقيقة الإحسان): أي: الفناء في الله، المُعَبَّر عنه شرعاً بـ: {أن تعبد الله كأنك تراه}، قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}، قال جبريل وهو يسأل سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عن أركان الدّين:” فأخبرني عن الإحسان؟ “، قال: {أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك}، أخبرني سيدي وأستاذي حضرة الشيخ إبراهيم غنيم، قال:” الذي فهمته من ساداتنا: أن (التصوف) هو العمل بالشرع على هذا الإحسان “اهـ،.
(لطيفة): وقول الله تعالى: {بالعدل والإحسان}: إشارة إلى مرتَبَتي القَبُول، فإن العدل: تنفيذ العبدِ الشَّرعَ، والإحسان: ما حدَّه سيدنا رسول الله محمد، وهو التمام، وقال الله تعالى: {واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقين}، أي: حتى تبلغ حقيقة الإحسان، وتلقى الله تعالى عليها، أو على طلبها، وقال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}، قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {أسلمت نفسي إليك، وفوَّضت أمري إليك}، قال الإمام أبو بكر دُلَفُ الشِّبْلِي (334 هـ):” الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق، كقوله تعالى: {واصطنعتك لنفسي} “اهـ، قال أبو عبد الله الرازي:” التصوف: استقامة الأحوال مع الحق “اهـ، وسوف يأتي من أقوال السادة الأكابر ما يعود إلى هذا الفصل، وإنما أخرناه لحكمة الشاهد الظاهر فيه، فنكتفي بهذا هنا.
[تنبيه]: فالمُتصوف: لا يتصوف طلباً لعوضٍ أو عائدٍ، بل يسعى إلى بلوغ مرتبة الإحسان، التي تبتني على تمام مكارم الأخلاق، وهو ما يتعارض مع تلك المطالب، لأنها دليل على عدم التمام: كيف! وإن مِنَ الخُلُق: رؤية النعمة ونسبتها إلى أهلها؟!! وقد قال الله تعالى: {فاستقم كما أمِرت}، وبيَّنَ حقيقةَ الأمر فقال تعالى: {اتقوا الله ما استطعتم}، فمن قدر على عمل طولب به، قال أبو علي الجوزجاني:” كن طالباً الاستقامَة، لا طالبَ الكرامةِ، فإن نفسَك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة “اهـ، وذلك: تحقِيْقاً لوظيفة العُبُوْدِيَّة التي خُلِقَ للقِيَام بها، على وجه التمام، فقد قال الله: {وما خلقت الجِنَّ والإنْسَ إلا ليعبدون}، وحرصاً – منه – على سلامة الدنيا والآخرة على التحقيق، أي: باعتبار حقيقة الأمر، لا ما يلاقيه العبد من أثر ذلك في الدنيا، فإنه قد يُبتلى بحاسِدٍ أو فَاسِدٍ وغير ذلك مما يعرضه لأنواع الفتن والبلايا، ولكنه في حقيقة أمره مُوَقَّر عند أهل الرشاد، مثاب مقرَّب عند رب العباد، ومن بلغ ذلك المقام العزيز، كان حقيقة المقصود والمطلوب عنده: هو الله، قال الله: {ففِرُّوا إلى الله}، {يريدون وجهه}.([17]) .[المفتاح الثالث]: موضوع التصوف الإسلامي: موضوع التصوف هو تحقيق العبودية لله، إما على المراقبة للطالبين، وإما على المشاهدة للواصلين، (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وقيل موضوعه النفوس والقلوب والأرواح لأنه يبحث عن تصفيتها وتهذيبها وتزكيتها، وقيل: موضوع التصوف هو التخلي ثم التحلي ثم التهيؤ لقبول فيض التجلي، فأما (التخلية الظاهرة) فمعناها التخلي عن المعاصي التي تتعلق بالجوارح السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، وأما (التحلية الظاهرة) فمعناها التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة، والمقصود بها أن يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها، فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره، و(التخلية الباطنة) معناها التخلي عن المعاصي القلب كالكبر والرياء والحقد والحسد، و(التحلية الباطنة) معناها التحلي بالطاعات الباطنة، وتحلية القلب بصفات الخلق العظيم كالتواضع والصدق والإخلاص، فمن تخلى عن المعاصي الظاهرة والباطنة وتحلى بالطاعات الظاهرة والباطنة، فقد تعرض لتجليات الحق الجلالية والجمالية، وتلك هي جنة الصوفي، جنة المعارف التي يرى فيها تجليات الحق بجناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولكمال التخلي والتحلي والتهيؤ للتجلي، لابد من صحبة الولي المرشد المؤتمن على دين الله عز وجل، ومتابعته على إرشاده جملةً وتفصيلاً، و(الصوفي): لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مرشد، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، ويدله على الطريق إلى الله، ولذا قالوا: (مَن صَحِب نَفْسَهُ صَحِبَه العُجبُ، ومَنْ صَحِبَ أولياءَ الله وُفِّقَ للوصول إلى الطريق إلى الله)، وقالوا: (من لا شيخ له في الطريق فشيخه الشيطان)، لأنه لا مناص للمسافر إلى الله، من دليل يدل على الطريق الطويل والوعر، فإن لم يكن له دليل من الأولياء المرشدين، تمشيخ عليه الشيطان من حيث لا يدري، ودله على الباطل.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف وموضوعه: أعمالُ الظاهرِ والباطن مِنْ حَيْث التخلية والتحلية، فأما (التخلية): فالتهذيب، أي: التزكية والتصفية من مَسَاوئها، إذ الناس: قد خُلِقوا بطبيعتهم يَقْبَلون معاني ويُقبِلون عليها، قد حَدَّ فيها الشارعُ حدوداً، لتمييز ما سَنَّ خيريَّتَه وقضاه مقبولاً، مما سَنَّ سوءَه وقضاه مردوداً، فيسعون من خلال (المعرفة) إلى الوقوف على حدِّ الشرع – الضامن لما يُعتبر خلقاً كريماً -، فيتطهرون من السيئات، ويُبقون على الحسنات، (فائدة): والجدير بالذِّكر عند الحديث عن طبيعة الناس: أنهم يَقبلون المعاني ويُقبِلون عليها بدافع الغريزة أو الشهوة أو الهوى أو العلم، فقد يكون العبد صالحاً، ويتفاجأ من نفسه تحدثه بسوء، يشككه بصلاحه، سيما وقد سارع إليه الشيطانُ عندما بلغه ذلك، ليضله عن السبيل، موهماً إياه بالضلال!! وليس حقيقة الأمر إلا موافقة معنى من ذلك لِداعِيه، فيتحرك في العبد طبيعةً، فليتنبه، لذلك قال الله: {إن الإنسان لفي خُسْرٍ * إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات وتواصَوا بالحقّ وتَوَاصَوا بالصَّبر}.
(لطيفة): وقول الله: {آمنوا}: إشارة إلى العقيدة، وقوله: {وعملوا الصالحات}: إشارة إلى الفقه، وقوله: {وتواصَوا بالحق وتواصوا بالصَّبر}: إشارة إلى التصوف، فقوله: {وتواصَوا بالحَقّ}: إشارة إلى النظر في الحقائق، وقوله: {وتواصوا بالصَّبر}: إشارة إلى العمل بمقتضى الحقائق.
وأما (التحلية): فالإتمام، أي: إتمام مكارمها، إذ طبيعة الناس ليست تامَّة، بل فيهم النِّسبَةُ والشاهِدُ والاستعدادُ، فيسعون من خلال (المعرفة) إلى العمل بالمتمِّمَات.
(تنبيه): والإشارة بـ(المعرفة): إلى وسيلة تحقيق ذلك الآتي ذكرُها إن شاء الله تعالى، فتمييز خبيث الأعمال ظاهراً وباطناً من الطيب، والدليل على سبيل الطهارة منه، والتحلي بالطيبات: هو الذي يتناوله هذا العلم في موضوعه، قال الله تعالى: {قل إنما حرَّم ربي الفواحش، ما ظهر منها وما بطن}، قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {ما أحد أغير من الله تعالى، ومن غيرته حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن}، وقال: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح مَنْ زكاها * وقد خاب مَن دسَّاها}، وقال: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرونَ}، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب}، {إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم}، وذلك: أن أعمال الظاهر مبنية على الباطن، مُعتبرة به، ألا ترى سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى}، وقد اتفقت الأمة على: أن الأمور بمقاصدها، لذلك قال الله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}، من باب إطلاق السبب وإرادة المُسَبَّب، أي: إلا مَن أتى الله وقد سَلِمَ ظاهره لسلامة باطنه. (تنبيه): وكون أعمال الظاهر مبنية على الباطن لا يعني استغناء الباطن عن الظاهر ابتداء، فإن سلامة الباطن تنشأ من الظاهر اكتساباً، ثم تُكوِّن مملكةَ الباطن، ألا ترى سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: {كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه،،}.
قال الإمام الجنيد:” (التصوف): استعمال كل خلق سَنيّ، وترك كل خلق دَنِي “اهـ، وفي رواية:” (التصوف): العُلوُّ إلى كل خُلُقٍ شريف، والعُدُول عن كل خُلُقٍ دنيء “اهـ، وقال:” (التصوف): تصفية القلب عن موافقة البريّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعيّة، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصّفات الروحانيّة،، “اهـ، وقال مُظَفَّرٌ القِرْميسِينيُّ (289 هـ):” التصوف: الأخلاق المرضيَّة “اهـ، وقال أبو حفص النيسابوري (270 هـ):” التّصوف كله آدابٌ: لكل وقت أدبٌ، ولكل مقام أدبٌ “اهـ، قال العلامة أمين الكردي (1332 هـ):” ينبغي لك أن تتخلى عن الأوصاف الذميمة، لأنها نجاسات معنويَّة، لا يمكن التقرّب بها إلى الحضرة القدسية الإلهيَّة، كما لا يمكن التقرب بالنجاسات الصوَريَّة إلى العبادات الإلهيَّة، فلا بُدَّ للسالك أن يزكى من جميعها، ويتحلّى بالأوصاف الحميدة “اهـ، فإن تبين ذلك، بقي السؤال عن الأعمال: كيف يتم تخليتها وتحليتها؟ والجواب مجملاً: إنما يتم ذلك بصحبة شيخ صوفيٍّ متصل السند بسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومتابعته على إرشاده جملةً وتفصيلاً، قال الإمام أبو عبد الرحمن السّلمي:” (التصوف) حقيقة: كان حيث لم يكن لسانٌ ولا كلامٌ، وإنما هو بركات تعود على أربابها من جهة الأولياء والمشايخ وتأثير آداب وأخلاق “اهـ، وقال الإمام أبو علي محمد الثقفي (328 هـ):” لو أن رجلاً جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدّب ناصح، ومَن لم يأخذ أدبه من آمرٍ له وناهٍ، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات “اهـ، وقال الإمام أبو عثمان الحِيريُّ (298 هـ):” مَن صَحِب نَفْسَهُ صَحِبَه العُجبُ، ومَنْ صَحِبَ أولياءَ الله وُفِّقَ للوصول إلى الطريق إلى الله “اهـ، وقال أبو عبد الله السَّجْزِي:” أنفع شيء للمُريدين: صُحْبَةُ الصالحين، والاقتداءُ بهم في أفعالهم وأخلاقهم وشمائلهم، وزيارةُ قبور الأولياء، والقيامُ بخدمة الأصحاب والرُّفقاء “اهـ، قال أبو بكر الترمذي:” مَنْ لم تُرضِه أوامر المشايخ وتأديبهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سُنة “اهـ، وشرط ذلك ما بيّنه الإمام أبو علي الثقفي بقوله:” مَنْ صَحِبَ الأكابرَ على غير طريق الحُرمةِ: حُرِمَ فوائدهم وبركات نظرهم، ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء “اهـ.
وفي تفصيل ذلك: يقول الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ):” مباني المتصوفة المتحققة في حقائقهم على أركان أربعة: (1) معرفة الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، (2) ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها، (3) ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله، (4) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأبنية: دوام المجاهدة، وشدة المكابدة، وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومفارقة الراحات، والتلذذ بما أيدوا به من المُطالعات، وصيانة ما خُصُّوا به من الكرامات، لا عن المُعاملات انقطعوا، ولا إلى التأويلات ركنوا، رغبوا عن العلائق، ورفضوا العوائق، وجعلوا الهموم هماً واحداً، ومزايلة الأعراض طارفاً وتالداً، اقتدوا بالمهاجرين والأنصار، وفارقوا العُروض والعِقار، وآثروا البذل والإيثار،، فهم الأتقياء الأخفياء، والغُرَباء النجباء، صحَّت عقيدتُهم فسلمت سريرتهم ” اهـ ([18]) .
ويقول تاج الإسلام الإمام محمد الكلاباذي (380هـ):” علوم الصوفية: علوم أحوال والأحوال: مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا مَن صحَّح الأعمال، وأول تصحيح الأعمال: معرفة علومها، وهي: علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه: من الصلاة، والصوم، وسائر الفرائض، إلى المعاملات: من النكاح، والطلاق، والمبايعات، وسائر ما أوجب الله تعالى ونَدَب إليه، وما لا غناء به عنه من أمور المعاش، وهذه: (علوم التَّعلم والاكتساب)، فأول ما يلزم العبد: الاجتهاد في طلب هذا العلم وإحكامِه، على قَدر ما أمكنه ووسِعه طبعه، وقوي عليه فهمه، بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة، على طريق الكتاب والسّنة وإجماع السلف الصالح عليه، القَدْر الذي يتيقن بصحّة ما عليه أهل السّنة والجماعة، فإن وُفّق لما فوقه من نفي الشبه التي تعترضه: من خاطر أو ناظر: فذاك، وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاماً بالجملة التي عرفها، وتجافى عن المُنَاظر الذي يحاجَّه فيه ويُجادله عليه، وباعده: فهو في سِعة إن شاء اللهُ، واشتغل باستعماله علمه وعمل بما علم، فأول ما يلزمه: علم آفات النَّفْسِ، ومعرفتها، ورياضتها، وتهذيب أخلاقها، ومكائد العدو، وفتنة الدنيا، وسبيل الاحتراز منها، وهذا العلم: (علم الحكمة)، فإذا استقامت النفس على الواجب، وصلحت طباعُها، وتأدبت بآداب الله،، يمكن العبد مراقبة الخواطر، وتطهير السرائر، وهذا هو: (علم المَعرفة)، ثم وراء هذا: علوم الخواطر، وعلوم المشاهدات والمُكاشفات، وهي التي تختص بـ(علم الإشارة): وهو العلم الذي تفرَّدت به الصوفية، بعد جمعها سائر العلوم التي وصفناها،، ثم لكل مقام بدء ونهاية، وبينهما أحوال متفاوتة، ولكل مقام علم، وإلى كل حال إشارة، ومع كل مقام إثبات ونفي، وليس كل نفي في مقام كان منفياً فيما قبله، ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتاً فيما دونه ” اهـ ([19]) .
وقال الإمام الجنيد:” (التصوف): تصفية القلب عن موافقة البريّة، ومفارقة الأخلاق الطبيعيّة، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصّفات الروحانيّة، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبديّة، والنّصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة “اهـ، وقال عمرو المكي (291 هـ):” التصوف: أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت “اهـ، قال أبو الخير الأقطع (340 هـ):” ما بلغ أحد حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة، الأدب، وأداء الفرائض، وصُحبة الصالحين “اهـ، ويتلخص ذلك جميعاً بقولنا: الانضباط الظاهري والباطني بتمام الحكم الشرعي، قال الإمام الجنيد:” ما أخذنا التصوفَ مِنَ القِيل والقال، ولكن: عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمُستحسنات، وكثرة ذكر الله، وأداء فروضه وواجباته وسُننه، والاتِّباع لجميع ما أمر به، والانتهاء عن جميع ما نهى عنه “اهـ، وقال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم:” (التصوف): هو الالتزامُ بأحكام الشَّرع، والعملُ بها في عمقها – لا في ظاهرها فقط -، واجتناب العملِ بالحيلة، ورجاءِ شيءٍ من الناس بالعمل “اهـ.
(فائدة): ولا شك أن في ذلك من الكلفة والبلاء على النفس ما لا يعلمه إلا الله، لذلك قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، {أم حسب الذين آمنوا أن يقولوا آمنا ولمَّا يُفتنون}، فمسيئ هو المريدُ الذي يظن أن الطريق سهل بسيط، بل إن مَن ظن ذلك لا يزال يُقدِّم قدماً ويؤخر أخرى، حتى يُفارق القوم يأساً، أو يوقن الحق في هذا الأمر: أن طريق التصوف، طريق محتف بالمكاره، مليءٌ بالصِّعاب، لا يصلح إلا لمن صحح هِمَّته، وجعل وظائفه همومه، وعلى رأس أولوياته، بحيث يفرغ منها للدنيا – ولو كانت للآخرة -، لا العكس، قال سيدنا رسول الله محمد: {أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما}.
(فائدة): ومع بيان هذا الأمر، يظهر: أن الأعمال تزداد بازدياد الدرجات وارتفاع المقامات، فيبطل ما ينسبه بعض المبتدعة إلى الصوفية: أنهم ينتهون إلى رفع التكليف!! كيف! ومدار العبادة على الأعمال الظاهرة والباطنة؟! قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي (380 هـ):” أجمع الصوفية: أن جميع ما فَرَض اللهُ تعالى على العباد في كتابه، وأوجبه رسول الله: فرضٌ واجِبٌ، وحتم لازمٌ على العُقلاء البالغين، لا يجوز التخلف عنه، ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحدٍ من الناس: مِنْ صِدِّيقٍ ووليٍّ وعارِفٍ، وإن بلغَ أعلى المراتب، وأعلى الدَّرجات، وأشرف المقامات، وأرفع المنازل “اهـ([20]) .
(تنبيه): وهذه العبارة قد يطلقها القوم ويريدون رفع الكلفة (أي: المشقة) في الأعمال، كما قال سيدنا رسول الله محمد: {أرحنا بها يا بلال}، فيختلط على الجاهل بأحوالهم وأقوالهم الأمر، ويظن بهم الظنون! وحول المعنى الباطل – وهو الذي يُروجه المبتدعة لهذه العبارة، فِتْنَةً للناس -، يقول الإمام الجنيد – وقد سُئل عن مقالة لبعض المبتدعة الذين يزعمون ذلك فعلاً -:” إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال!! وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى: أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البِرِّ ذرَّة، إلا أن يُحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي، وأقوى في حالي “اهـ، وبهذا يتبين بطلان شبهة العصمة في مباشرة المحرمات، التي ينسبها المبتدعة إلى الصوفية، قال الإمام الكلاباذي:” أجمع الصوفية: أنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة: من إباحة ما حظر الله، أو تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل اللهُ، أو سقوط فرض من غير عُذر ولا عِلَّة: (والعُذر والعِلة: ما أجمع عليه المسلمون، وجاءت به أحكام الشريعة)، ومَن كان أصفى سِرّاً، وأعلى رُتبةً، وأشرفَ مقاماً: فإنه أشد اجتهاداً، وأخلص عملاً، وأكثر توقياً “اهـ [التعرف: 59]، قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ (367 هـ):” ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مخاطبون به، ولن يجترئ على الشبهات إلا مَن تعرَّض للحُرُمات “اهـ، وسئل الإمام أبو علي الروذباري (322 هـ) عمَّن يسمع الملاهي، ويقول: هي لي حلال، لأني قد وصلت إلى درجة لا يؤثِّر فيَّ اختلاف الأحوال؟! فقال:” نعم!! قد وصّلَ لَعَمْري: ولكن إلى سَقَر “اهـ، وأما ذمُّ المبتدعةِ الصوفيةَ في طلبهم الله تعالى لِذاتِه وقولهم:” ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا رجاء بجنَّتك “: فإنه محض الجهل المُركب، لأن ذلك لا يعني عدم خوف ورجاء لنفس الأمر، وإنما معناه: أن الخوف والرجاء لم يكونا شرطَ العِبادة أو سببها، ولا وجهاً من ذلك فيها، وذلك قول الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعَشِي يُريدون وجهه}، وقوله تعالى: {ومن الناس من يشتري نفسَه ابتغاء مرضاة الله}، وقد قال الله تعالى: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تتدعون}، والمقصود – بالنسبة للسادة الصوفية -: فلا تُردون إلا معنى سوانا في الدنيا والآخرة، رغم ما ستنالونه من نعيم أخروي تتمناه النفوس وتباشره عن شهوة، إذ تلك الدار يكون الاشتغال فيها بتلك الأمور نعمة من كل وجه بعد انقطاع الفتن، وقد تكفل الله أنه جمعها لهم دون أن تصرفهم عنه جل جلاله، كما هو حال أمثال بعضها في الحياة الدنيا، لذلك قيل:” إن لله تعالى عباداً لو حَجَبَهُم في الجنة عن رؤيته، لاستغاثوا من الجنَّة كما يستغيث أهل النار من النار “اهـ، قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ (367 هـ):” مَن عملَ على رؤية الجزاء: كانت أعماله بالعدد والإحصاء، ومَن عمل على المشاهدة: أذهلته المشاهدة عن التعداد والعدد، ومَن عمل بالعَدد: كان ثوابه بالعَدد، قال الله تعالى: {مَن جاء بالحسنةِ فله عشرُ أمثالها}، ومَن عمل على المُشاهدة: كان أجره بلا عدد، قال الله تعالى: {إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حِساب} “اهـ، وليت شعري! أي عوض يطلبه بالعمل من عرف الحقيقة وسمع قول الله تعالى: {إن الله اشترى منَ المؤمنين أنفسهم وأموالهم}؟! بل أي عوض يطلبه على أعمال توجب له الحياء والاستغفار في صفة فعلها؟!! قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ:” العباداتُ إلى طلب الصّفحِ والعفو عن تقصيرها، أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء بها “اهـ، لذلك قال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم:” المُتَصَوِّف: هو مَن يعمل بالشَّرع لله كأنَّه يراه، لا لأي غاية “اهـ، أي: من بلغ مقامَ التصوّف.
(تنبيه): فينبغي أن يعلم السالك أن هذا مقام ينزله بفضل الله تعالى، فلا يُقحم نفسه فيه قبل ارتقائه، بل لا يزال يلتفت إلى الأغيار الطيبة، الصحيحة شرعاً، بحسب منزلته، حتى يفنيه الحق فيه، قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ:” إذا بدا لك شيءٌ من بوادي الحقِّ، فلا تلتفت – معه – إلى جنة ولا إلى نار، ولا تُخطرهما ببالك، وإذا رجعت عن ذلك الحال، فعَظّم ما عظّمه الله تعالى “اهـ، وقال:” الراغب في العطاء: لا مِقدار له، والراغبُ في المعْطِي: عزيز “اهـ، وأما أن أعمال الصوفية تشغلهم عن كتاب الله تعالى كما يُروِّج بعض المبتدعة!! فهو محض افتراء، كيف وكتاب الله تعالى دستورنا وقربة يُتقرب إلى الله تعالى به؟!، قال أحمد بن أبي الحواري (230 هـ):” إني لأقرأ القرآن، فأنظُرُ في آية، فيَحارُ عقلي فيها، وأعجب من حُفَّاظ القرآن: كيف يَهنيهم النومُ، ويسعُهم أن يَشْتَغلوا بشيءٍ من الدنيا، وهم يتلون كلام الرحمن؟! أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقّه، وتلذَّذوا به، واستَحْلُوْا المُناجاة به، لذهب عنهم النومُ، فرحاً بما رُزقوا ووُفِّقوا “اهــ.
(فائدة): ومما يشتبه على البعض: أن اشتغاله بأعمال الصوفية، بل والبعض يشتبه عليه أن الاشتغال بأعمال الإسلام جملة: يضيع عليه دنياه، ويعيق له منافعها!! وهي شبهة ساقطة، كيف وشأن تلك الأعمال تنظيم السلوك والحياة على وِفق مكارم الأخلاق؟! يقول الإمام الحارث المحاسبي (243 هـ):” خِيار هذه الأمة: الذين لا تَشْغَلُهم آخرتُهم عن دُنياهم، ولا دنياهم عن آخرتهم “اهـ، وقال أبو سليمان الداراني (215 هـ):” كلُّ عمل ليس له ثواب في الدنيا، ليس له جزاءٌ في الآخرة “اهـ، ودعوى تعطل الصوفية عن الكسب واتخاذ الأسباب!! لا تقل عن سابقاتها: قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي:” أجمع الصوفية على إباحة المكاسب (من الحِرَف والتجارات والحرث وغير ذلك) مما أباحته الشريعة، على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات،، وهي عندهم واجبة لمن رُبِط به غيرُه ممن يلزمه فرضه “اهـ([21]) ويقول حمدون القصَّار (271 هـ):” قُعود المؤمن عن الكَسْبِ إلحافٌ في المسألة “اهـ، وقال أبو سعيد الخراز:” مَن ظنّ أنه إذا بذل الجهدَ يصل إلى مطلوبه فهو مُتَعنٍّ، ومَن ظنَّ أنه بغير الجهدِ يصل فهو مُتمَنٍّ “اهـ، قال سيدي وأستاذي الشيخ إبراهيم غنيم:” على المريد أن يعمل،، فلا يجوز له أن يقعد حتى تأتيه العطايا أو الصدقات “اهـ([22]) .
[المفتاح الرابع]: واضع التصوف الإسلامي: واضع هذا العلم هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، علمه الله له بالوحي والإلهام، فالدين إسلام وإيمان وإحسان، وقد قرر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصول الإسلام من العبادات والمعاملات، وأصول الإيمان من العقائد التي تتعلق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وأصول الإحسان التي بها تحقيق الإحسان الظاهر والباطن، وأوضح أهم المنازل التي تتعلق بالإحسان والتي تبدأ بالمراقبة وتبلغ بالعبد عبودية الله على المشاهدة والعرفان، قال صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: (أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([23]) .
فأولها عبادة الله على المراقبة وأعلاها عبادة الله تعالى على المشاهدة، والتصوف أخلاق، ولذا قالوا: من زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف، ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي رسالة الاخلاق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (بُعثت لأتممَ صالح الأخلاق) ([24]) .
واثنى عليه الحق سبحانه بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ولما كان التصوف أعلى علوم الدين لتعلقه بأعلى مراتب الدين، فقد خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الصحابة دون بعض، وأبرز من تكلم فيه وأظهره من الصحابة سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري، وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب، أبو سليمان داوود الطائي، وأخذه عن داوود، معروف الكرخي، وأخذه عن معروف، أبو الحسن سري السقطي، وأخذه عن السري أمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة أبو القاسم الجنيد، وهو الذي ورث حال هؤلاء الأكابر، كشف كنوز معارفهم، وقام إماما للخلف جمع لهم مذهبا، وبنى لهم طريقا يتوصل الناس به إلى حقائق الإحسان، أسس المدرسة الأولى للتصوف: فهي مدرسة الإمام أبو القاسم الجنيد، اتخذت من المساجد منابر لدعوتها، وجعلت من حلقاتها معاهد لتخريج الرجال، وكان من بركة هذه المدرسة بعد ذلك: ظهور الأئمة الأقطاب أصحاب الطرق المتبعة المعروفة، وكبارهم: الشيخ عبدالقادر الجيلاني، والشيخ احمد الرفاعي، والشيخ إبراهيم الدسوقي، والشيخ أحمد البدوي، والشيخ أبو الحسن الشاذلي، أهل الهمم العلية والآداب القدسية، وبعد الجنيد ظل التصوف سلوكا إلى أن أتى الإمام أبو نصر السراج الطوسى، فأسس المدرسة الثانية: هذه المدرسة التي اتخذت من الكتب منابر لبيان التصوف الحق، وشرح رسالته، ونشر علومه وأذواقه ومعارفه ومعارجه ومنازله، وجعلت من صفحات هذه الكتب معاهد لتخريج الفحول من الرجال، وخزائن خالدة تحفظ للأجيال هذا التراث المضيء العظيم، اقتفى أثره الهجويري في كتابه (كشف المحجوب)، وتتلمذ عليه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب الطبقات، وعلي السلمي: تتلمذ أبو القاسم القشيري، وقد حفظت هذه المدرسة للمسلمين تراث الجنيد وتلاميذ مدرسته، وأصبحت مدرسة السراج هي موسوعة التصوف العلمي، كما أصبحت مدرسة الجنيد هي مرجع التصوف السلوكي، وقد اشتملت مناهج (التصوف) العلمي والسلوكي على العديد من الأقسام، التي تتناول تزكية الأنفس، ومنازل الإحسان التي توصل إلى الحق المبين.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف والواضع: اللهُ تعالى: أوحاه إلى رُسُله وأنبيائه، وألهمَهُ خواصَّ أوليائه، قال الله تعالى: {ألا لله الدِّين الخالِص}، {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة}، (لطيفة): فقوله تعالى: {ليعبدوا الله}: إشارة إلى العقيدة، فقد خص العبادات المشار بها للفقه في قوله تعالى: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}، وقوله تعالى: {مخلصين له الدين}: إشارة إلى التصوف، وقال تعالى: {ونفسٍ وما سوَّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسَّاها}، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {بُعثت لأتممَ صالح الأخلاق}، وبهذا مع ما تقدم من توضيح في اسم التصوف وحدّه وموضوعه، يتبين: أنه ليس بدعة حادثة في الإسلام، أو أنها من أعمال أهل الملل والنحل الضالة، تحمَّلها مبتدعةُ الأمة عنهم بعد الفتوحات المباركة، والانفتاح على العالم!! كما يُرَوّج مَن لا خلاق لهم من أهل البِدع، وإنما هو خُلاصة التشريع، وصفة كُمَّل العِباد، ولو أنصف هؤلاء المبتدعة في شأن تصوف أهل الملل والنحل الضّالة، لقالوا: لما كان التصوف روح الشرائع،، إلى آخر ما سيأتي بيانه في فضله، نشأ في تلك الأمم مبتدعة حرّفوا أحكامه، وأحدثوا فيه ما ليس منه، كما يحدث لنا أهل الإسلام: ينبغ من العباد من يبتدع في التصوف أو في العقيدة أو في الفقه ما يُرده عليه أهل الحق بتوفيق من الله تعالى، حتى أننا لولا حفظ الله تعالى دينه إنجازا لوعده {إنا نحن نزلنا الذّكر وإنا له لحافظون}، لقطعنا أن لا يصلنا شيء منه على الصفة المُنزلة، لكثرة المبتدعة والفتن، فالحمد لله رب العالمين، ومما يشفي الصدور من تلك الشُّبُهات بإذن الله تعالى: ما دوّنه الإمام الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ) في كتابه (حلية الأولياء)، سيما في المقدمة، وقد قال فيها:” فقد استعنت بالله تعالى [على] جمع كتاب يتضمّن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم، من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم، وترتيب طبقاتهم من النّسّاك ومحجتهم، من قرن الصّحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، ممن عرف الأدلة، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المتنطعين والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى من المتسوفين، ومِن الكسالى والمتثبطين، المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال، وذلك لما بلغك من بسط لسننا ولسان أهل الفقه والآثار، في كل القطر والأمصار، في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، وليس ما حلَّ بالكَذَبَة من الوقيعة والإنكار، بقادحٍ في منقبة البَررة الأخيار، وواضع من درجة الصفوة الأبرار، بل في إظهار البراءة من الكذابين، والنكير على الخونة الباطلين: نزاهة للصادقين، ورفعة للمتحققين “اهـ([25]) . ([26]) .
[المفتاح الخامس]: استمداد التصوف الإسلامي: استمداد التصوف أساسا من القرآن والسنة، قال الإمام الجنيد لسان الطائفة: (علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة) اهـ، وقال: (الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على مَن اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتَّبع سُنَّته، ولزمَ طريقته)، وقال الإمام سهل التُّسْتَرِيّ: (أصولنا،، التمسكُ بكتاب الله تعالى، والاقتداء بِسُنّة رسوله)، وقال إبراهيم النصر آباذي: (أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ)، وقال أبو سليمان الدَّاراني: (ربما يَقعُ في قلبي النّكتة من نُكت القومِ أياماً، فلا أقبلُ منه إلا بشاهِدَينِ عدلين: الكتاب، والسنة)، وقال الإمام ابو يزيد البسطامي: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند: الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة)، فالتصوف استمداده أولا من القرآن والسنة ثم بعد ذلك، يستمد كمثل كل علم، من اجتهادات علمائه: الأولياء المرشدين، ومن فتوحات العارفين الوارثين، وإلهامات الصديقين والصالحين، وقد أدخلوا في علم التصوف أشياء من علم العقيدة والفقه لمس الحاجة إليها في علم التصوف، وقد حررها حجة الإسلام الغزالي في الإحياء في أربعة كتب: كتاب العبادات وكتاب العادات وكتاب المهلكات وكتاب المنجيات.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف واستمداده: من القرآن والسنة، قال الإمام الجنيد (297 هـ):” علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة “اهـ، ” الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على مَن اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتَّبع سُنَّته، ولزمَ طريقته، فإن طُرُقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه “اهـ، وقال الإمام سهل التُّسْتَرِيّ (283 هـ):” أصولنا،، التمسكُ بكتاب الله تعالى، والاقتداء بِسُنّة رسوله “اهـ، وقال إبراهيم النصر آباذي (369 هـ):” أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ،، “اهـ، وقال أبو سليمان الدَّاراني (215 هـ):” ربما يَقعُ في قلبي النّكتة من نُكت القومِ أياماً، فلا أقبلُ منه إلا بشاهِدَينِ عدلين: الكتاب، والسنة “اهـ، وقال أبو بكر الطَّمَسْتَاني (340 هـ):” الطريق واضح، والكتاب والسنة قائمان بين أظهرنا، وفُضِّلَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيئين: بصحبتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظواهر، وهجرتهم إلى الله تعالى في السرائر، وغُربتهم مع أنفسهم، ألا ترى الله تعالى يقول: {ومَن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يُدركهُ الموتُ فقد وقع أجره على الله}، فمَن صحب – منا – الكتابَ والسنة، وغُرِّبَ عن نفسِه والخَلق والدّنيا، وهاجر إلى الله بقلبه: فهو الصادق المُصيب، المُتّبعُ لآثار الصّحابة “اهـ، وقال الإمام أبو عمر الزجاجي (348 هـ):” كان الناسُ – في الجاهلية – يتَّبعون ما تستحسنه عقولهم وطبائعهم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّهم إلى الشريعة والاتباع، فالعقل الصحيح: هو الذي يستحسن محاسن الشريعة، ويستقبح ما تستقبحه “اهـ، وقال الإمام أبو عمرو بن إسماعيل:” لا بد للعبد من مُلازمة العُبوديَّة على السّنة، ودوام المراقبة “اهـ، وقال يحيى بن معاذ الرازي (258 هـ):” العبادة حِرفةٌ،، رأس مالها: الاجتهادُ بالسُّنّة “اهـ، وقال أحمد بن أبي الحواري (230 هـ):” مَن عمل عملاً بلا اتباع السُّنَّة فباطلٌ عملُه “اهـ، وقال الإمام ذو النون المصري (245 هـ):” من علامات المحب لله تعالى: متابعة حبيب الله تعالى في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسُننه “اهـ، وقال الإمام أبو الحسين الوَرَّاق:” لا يصل العبدُ إلى اللهِ إلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه، ومَن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضِلُّ من حيث ظن أنه مُهتدٍ “اهـ، وقال أبو حمزة البزار (289 هـ):” لا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله “اهـ، وقال الإمام أبو علي الثقفي (328 هـ):” لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابا، ومِن صَوابها: ما كان خالصاً، ومِن خالِصها: إلا ما وافق السّنّة “اهـ، وقال الإمام سَرِيُّ السَّقَطِي (253 هـ):” المتصوف لا يتكلم بباطن ي علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة “اهـ، وقال أيضاً:” قليلٌ في سُنَّةٍ خير من كثيرٍ مع بدعة، كيف يَقِلُّ عَمَلٌ مع التقوى؟! “اهـ، وقال أحمد بن أبي الخواري (230):” من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباطل عمله “،اهـ، وقال أحمد النوري (295 هـ):” من رأيته يدّعي مع الله تعالى حالاً تُخرجه عن حدّ العلم الشرعي، فلا تقربنَّ منه “اهـ، وقال سعيد الحيري (298 هـ):” مَن أمرَّ السنة على نفسه قولاً وفعلاً: نطق بالحكمة، ومَن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً: نطق بالبدعة، قال الله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين} “اهـ، وقال الإمام ابو يزيد البسطامي (180 – 261 هـ):” لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند: الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة “اهـ، وقال عمر الحداد (260 هـ):” من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة،، فلا تعدّه في ديوان الرجال “اهـ، وقال الإمام أبو العباس أحمد الأدمي (309 هـ):” مَن ألزم نفسَه آدابَ السُّنَّةِ نوَّرَ اللهُ قلبَه بنُور المَعرفة، ولا مَقام أشرف من مقام متابعةِ الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه، والتأدب بآدابه قولاً وفعلاً وعَزْماً وعَقداً ونيَّةً “اهـ، وقال الفضيل بن عياض (105 – 187 هـ):” مَن جلس مع صاحب بدعةٍ لم يُعط الحكمة “اهـ، وقال الإمام محمد السلمي (412 هـ):” ليس بصوفي مَن جهل أحكامَ الله تعالى، وأحكام رسول الله، ومَن لم يحكم أحكام الظاهر، لم يُوفّق لتهذيب أحكام الباطن،، فمن جهل أحكام الله تعالى عليه في الظاهر فليس بصوفي، ومن خالف أحواله العلم فليس بصوفي،، ومَن باينَ أحواله السنةَ فليس بصوفي،، ومَن لم يكن أخلاقه وآدابه على مُوجب الكتاب والسنة فليس بصوفي “اهـ، وقال الإمام إبراهيم الرقي (326 هـ):” علامة محبة الله تعالى: إيثار طاعته، ومتابعة نبيِّه صلى الله عليه وسلم “اهـ، وقال رويم رضي الله عنه (305 هـ):” (التصوف): استرسال النفس مع الله تعالى على ما يُريد “اهـ، وقال علي المزين (328 هـ):” (التصوف): الانقياد للحق “اهـ، وقال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم:” (حقيقة التصوف) هو: العمل بحقيقة الشرع، يعني: [الشَّرط: أن] يعمل السالك بشرع الله تعالى، ولا يخالفه قَيدَ أنملة، فإن وُجِد هذا: كان من أهل الإحسان، وإن فُقِدَ هذا: كان مخالفاً، فلا يُقال له: متصوف “اهـ، (فائدة): فالخلق الصحيح: ما انضبط بالحكم الشرعي، ومن هنا ترى بطلان المتخلق بالهوى: أي: لا يقف عند حدود الشرع في أخلاقه، بل يُطلق لها العنان، فتراه يتورع في غير ورع!! وهكذا، وحول هذا تدور كلمة الإمامين الجليلين: مالك بن أنس، وسيدي محمد بن إدريس الشافعي – الآتي ذكرها -، في تلازم التصوف والفقه. ([27]) .
[المفتاح السادس]: حكم التصوف الإسلامي: ذهب حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله إلى أنه فرض عين على كل مؤمن، ولو لم يكن متدسيا بالأخلاق الذميمة، فيلزم كل أحد أن يتعلم أمراض القلب وكيفية تطهيرها، وقد استند الغزالي في رأيه هذا إلى أن الأصل عنده في الإنسان هو وجود هذه الأمراض وليس السلامة منها، لقوله تعالى في وصف الإنسان: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}، وقوله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، ولان الله تعالى يقول: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه}، وباطن الإثم هو الذنوب الباطنة كالكبر والعجب والحسد والحقد، فيجب تطهير القلب منها ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتصوف، قال الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، وقال العارف بالله أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر)، وذهب جمهور أهل العلم إلى ان تزكية النفس فرض عين في حق من تحقق أو ظن وجود مرض من الأمراض فيه، فيلزمه حينئذ تعلم سبل علاج ذلك المرض، وقالوا: إن تعلم أمراض القلوب فرض كفاية على المسلمين أن يوجد فيها العالم المتخصص في تزكية الانفس، كما أنه فرض كفاية على الأمة أن يوجد فيها العالم المتخصص في علوم العقيدة والفقه.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف وحكمه: الوجوب العيني في غير القُرُبات، أما (الوجوب العيني)، فمعناه: أنه لازم على كل مسلم مُكلفٍ، لا يسعه تركه، وأما (القُرُبات): فهي ما طلب الشارعُ فعله من الأعمال، على وجه الندب والاستحباب، لا الفرض والإيجاب، بحيث تكون سبباً للرفعة والزيادة، وتمام العمل بالعبادة، فالواجب شرعاً: ما لم يكن قربةً بهذا المعنى، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء}، {فاستَقِم كما أمرت}، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: {الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام}اهـ، قال الإمام الجنيد:” إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة “اهـ، وقال أبو الحسن الشاذلي: {من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر}اهـ، ومن ثم، قال الإمام أبو بكر البغدادي:” مَن لم ينظر في التصوف، فهو: غبي “اهـ([28]) .
، والحاصل: أن التصوف هو روح الدين، ولا حياة للجسد بلا روح، وهو بالتالي يتناول كل مراتب الدين وفق أولويات كل مرتبة، فهو في مرتبة الإسلام ينهى عن كبائر الإثم الباطن كالكبر والبخل والغل والحقد، وهو في مرتبة الإيمان يأمر بالواجبات القلبية كالتوبة والمحبة والخوف والرجاء والتوكل، وهو في مرتبة الإحسان يدعو إلى تحقيق الإحسان الباطن بالسير إلى الله وارتقاء منازله القلبية والسير إلى عبادة الله تعالى بالمراقبة ومن ثم على المشاهدة، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
[المفتاح السابع]: مسائل التصوف الإسلامي: مسائل هذا العلم هي القضايا التي يبحث عنها السالك في حال سيره ليعمل بمقتضاها، وتتناول: كل ما يتعلق بالتصوف، تعريفه، وحقيقته، أعماله وآثارها، غايته الكبرى، أهدافه ووسائله، أركانه ومناهجه، أسسه وأصوله، آدابه واخلاقه، أحواله ومنازله، أوراده ومجاهداته، قصته وتاريخه، أعلامه ومدارسه، أنماطه وانواعه، مفاهيمه ومصطلحاته، مفرداته وادلته عليها، علومه ومعارفه، نظرياته عن الوجود وحكمته، هذا كله يدخل في مسائل التصوف وسوف نفرد لها تعريفا وتوضيحا مستقلا إن شاء الله.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ومسائله: أعماله وآثارها والمصطلحات فيه، فأما (الأعمال): فهي حوادث الظاهر والباطن التي يدور عليها التصوف، ويبتني بها، وهي ما تقدمت الإشارة إليها في فصل (حد التصوف الإسلامي)، وأما (الآثار): فهي الأحوال والمَدارج والمقامات التي ينزلها العبدُ في سلوكه، وأما (المُصطلحات): فهي العِبارات والألفاظ التي وضعها الصوفيَّةُ للدلالة على الأعمال والآثار، قال الإمام الكلاباذي:” اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها، تعارفوها بينهم ورمَزُوا بها، فأدركه صاحبُه، وخفي على السامع الذي لم يحلّ مقامه، فإما أن يحسن ظنُّه بالقائل فيقبله، ويرجع إلى نفسِه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه، أو يسوء ظنُّه به، فيُهَوِّس قائله، وينسبه إلى الهذيان!! وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره “اهـ، (فائدة): وقد فصلت هذه المسائل وجميع أمور التصوف في كتابي (القول السَّامي)، ولله تعالى الحمد،([29]) .
[المفتاح الثامن]: نسْبَة التصوف الإسلامي: التصوف هو العلم القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدبن، ومراتب الدين ثلاثة: هي: (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، ومثلما اهتم علم العقيدة بأركان الإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لذلك فإن (التصوف): علم عظيم له مباحثة القائمة على جهود علمائه في فهم أدلة الكتاب والسنة، وكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي) لأن الفقه جزء من الإسلام، أو (العقيدة مذهب إسلامي) لان العقيدة جزء لا يتجزأ من الإسلام فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه يتناول العلم بالشريعة، فليس الفقه مذهب إسلامي ولكنه ركن من أركان الدين، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، وكذلك علم العقيدة، ركن من أركان الدين، وفيه مذاهب لفهمه على منهاج أهل السنة والجماعة، وكذلك التصوف، فهو ركن من أركان الدين يتناول العلم بحقائق الدين التي هي أعمق علوم الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى الله، وذلك عن طريق معارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة، والتحلية بالأخلاق الحسنة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ (علم التصوف)، وألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، وأما نسبة التصوف من العلوم الأخرى فهو بالنسبة إليها كنسبة الروح إلى الجسد، إذ لا حياة للجسد إلا بالروح، وكذلك لا علم ولا عمل إلاَّ بالتصوف ويمثله الإخلاص وصدق التوجه إلى الله تعالى فالإخلاص شرط في جميع العلوم، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: (نسبة التصوف من الدين نسبة الروح من الجسد لأنه مقام الاحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل عليه السلام أن تعبد الله كأنك)، وأما باعتبار الوجود الخارجي فالعلوم الإسلامية الأخرى توجد في الخارج بدون التصوف لكنها ناقصة، ولذلك قال السيوطي: (نسبة التصوف من العلوم كعلم البيان مع النحو)، يعني هو كمال فيها ومحسن لها.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ونسبته: الأصوليَّة، لكونه وسيلة التقوى، وسبيل الإخلاص، فالتصوف: أصل للتحقّق من كل علم وفنٍّ، قال الله تعالى: {واتقوا الله ويُعلمكم الله}: في الخبر: {مَن أخلص لله أربعين يوماً ظهرت ينابيعُ الحِكمةِ من قلبِه على لسانه}، قال الإمام مالك (179 هـ):” من تفقه ولم يتصوف فقد تفسَّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق “اهـ، أي: من طلب علم الأحكام الشرعية الفقهيَّة الكُبرى والصُغرى (أعني: العقيدة، والفقه)، دون تخلية وتحلية، أوقعه ذلك في الفِسق، لما طبع عليه الناس من معانٍ تستلزم ذلك قبل تهذيبها وتحليتها، ومَن طلب علم التصوف مجرداً عن الأحكام الشرعيَّة الفقهيَّة الكبرى والصغرى، فسوف تزل قدمه في وحول الزندقة، لأن أخلاقه مطلقة عن قيود الشرع، وقد تقدم: أن الشرع هو ضابط الأخلاق: فوضع حدوداً لها كغيرها من شؤون خلقه، ومن أمثلة ما قد يسقط فيه هذا الضرب: الجمع بين المتناقضات، وتعطيل حكم الشرع، وتغير حكم الله،، الخ، بدافع رحمة أو شفقة أو ورعٍ أو غير ذلك مما لو لم نقف فيه على حكم الشرع لما قاتلنا ولا أقمنا حدوداً وقِصاصاً ولا حتى فرَّقنا بين مسلم وغيره، وقال أبو بكر الوراق:” مَن اكتفى بالكلام من العِلم، دون الزهد والفِقه: تزندق، ومَن اكتفى بالزهد، دون الفقه والكلام: تَبَدَّع، ومَن اكتفى بالفقه، دون الزّهد والكلام: تفسَّق،ومّن تَفنَّنَ في هذه الأمور كلها: تَخَلَّص “اهـ، قال يوسف الرازي (304 هـ):” بالأدب تفهم العِلم، وبالعِلم يصح لك العَمَلُ، وبالعَمَل تنال الحِكمة، وبالحِكمة، تفهم الزّهدَ وتُوَفّقُ له، وبالزّهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا ترغبُ في الآخرة، وبالرّغبة في الآخرة تنالُ رضى الله “اهـ، وقال الإمام أبو بكر البغدادي:” مَن لم ينظر في التصوف، فهو: غبي “اهـ، وقال سيدي وأستاذي الشيخ إبراهيم غنيم:” هذا الإحسان [الذي ورد به الحديث عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم]: هو الذي يعمل به خاصَّة الأولياء، فهم يعبدون الله سبحانه وتعالى عبادَةً حقيقيَّة، وهذا النوع من العِبادةِ: هو مُخُّ العِبادةِ فعلاً “اهـ، قال رُوَيْمُ ابن أحمد البغدادي (303 هـ):” قُعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قُعودك مع الصوفية، فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفةُ على الحقائق، وطالب الخلقُ انفسَهم بظواهر الشرع، وطالبوا هم أنفسَهم بحقيقة الوَرَع ومُداوَمة الصِّدق “اهـ([30]) .
[المفتاح التاسع]: فضل التصوف الإسلامي : يكفيه فضلا وشرفا، أن أهله الصادقون فيه – لا الأدعياء ولا الدخلاء – زهدوا في الدنيا والآخرة يريدون وجه الله لا غير، هم أهل السفر إلى الله، وهم أهل الطريق إلى الله، وهم وحدهم يعرفون منازل الطريق إلى الله، ووحدهم يسيرون في تلك المنازل، أماتوا أنفسهم في الله فأبقاهم به، فبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، هم الاولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هؤلاء أهل الفضل الحقيقي والشرف الحقيقي، ليس فوقهم إلا الأنبياء والمرسلين، قال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي (412 هـ): (إن الصوفية أمان الله في أرضه، وأخدانُ أسراره وعِلمِه، وصفوته من خلقه، فمن أنكر هذا المذهب فلقلة معرفته وقِلة الاهتداء لحقائقه، وقل من يعرفهم إلا من يكون من جنسهم {وإذا لم يهتدوا به، فسيقولون هذا إفك قديم}) أهـ([31]) .
وقال الإِمام عبد القاهر البغدادي (429 هـ) في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ – وهو يذكر أصناف أهل السنة والجماعة -: قال: (اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:،، إلى أن قال: والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، واختَبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدُّوا خير الإِعداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقَيْ العبارة والإِشارة على سَمْتِ أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إِلى الله تعالى، والتوكلُ عليه والتسليمُ لأمره، والقناعةُ بما رزقوا، والإِعراضُ عن الاعتراض عليه، {ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ})([32]) .
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف وفضله: الشَّرف الحقيقي، لتعلقه بالله تعالى، وتحقيقه معنى العبوديَّة، قال الله تعالى: {ومَن أحسَنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}، وقال تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّديقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما}، {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم}، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى يوم القيامة: سَيَعلم أهل الجمْع مَنْ أهلُ الكَرَم))، فقيل: ومَن أهل الكَرم يا رسول الله؟ قال: {أهل مجالس الذّكر}، وفَصَّل ذلك في خبر آخر فقال: {ليبعثن اللهُ أقواما يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس: ليسوا بأنبياء ولا شهداء، هم المتحابون في الله، من قبائل شتى، ومن بلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله تعالى يذكرونه}، قال الإمام أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ):” الصوفية: أرباب القلوب، المتسوّرون بصائب فراستهم على الغيوب، المراقبون للمحبوب، التاركون للمسلوب، المحاربون للمحروب، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، ومَن نحى نحوهم من المتقشفين والمتحققين، العالمين بالبقاء والفناء، والمميزين بين الإخلاص والرياء، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية، والمحاسبين للضمائر، والمحافظين للسرائر، المخالفين للنفوس، والمحاذرين من الخنوس، بدائم التفكر، وقائم التذكر، طلبا للتداني، وهربا من التواني، لا يستهين بحرمتهم إلا مارق، ولا يدعي أحوالهم إلا مائق، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق، ولا يحن إلى موالاتهم إلا تائق، فهم سُرُجُ الآفاق، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق، بهم نقتدي، وإياهم نوالي إلى يوم التلاق “اهـ ([33]) .
وقال الإمام عبد الكريم القشيري (465 هـ):” لقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفَضَّلهم على كافَّة عباده بعد رُسُلِه وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وجعلَ قلوبهم معادِنَ أسراره، واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره، فهُم الغَياثُ للخلقِ، والدائرونَ في عموم أحوالهم مع الحق بالحَقِّ، صفَّاهم من أكدار البَشَريَّة، ورَقَّاهم إلى مَحَالِّ المُشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحَدِيَّة، ووَفَّقهم للقيام بآداب العُبوديَّة، وأشهدهم مجاري أحكام الرُّبوبية، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحقَّقوا بما منَّه سبحانه عليهم من التقليب والتصريف، ثم رجعوا إلى الله تعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال، عِلماً منهم: بأنه جل وعلا يفعل ما يُريد، ويختار مَن يشاءُ من العبيد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجب عليه لمخلوق حق، ثوابه ابتداء فضل، وعذابه حكم بعدل، وأمره قضاء فَصْل “اهـ ([34]) .
وقال مجدِّدُ القَرن الخامس: حُجَّةُ الإسلام ِالإمامُ أبو حامد محمد الغزالي (505 هـ)، بعد انتهاء بحثه إلى التصوف ورحلته فيه:” أني علمت يقيناً: أن الصوفية: هم السَّالِكُوْن لطريق الله تعالى خاصَّة، وأن سيرتهم: أحسن السِّيَر، وطريقهم: أصوَبُ الطّرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جُمِعَ عقل العُقلاء، وحِكمةُ الحُكماء، وعِلمُ الواقِفين على أسرار الشَّرعِ مِن العُلماء، لِيُغَيّرُوا شيئاً مِن سِيَرهم وأخلاقهم، ويُبَدِّلوه بما هو خير منه، لم يجِدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم: مُقتَبَسَةٌ مِن نُور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوّة على وجه الأرض نورٌ يُستضاء به “اهـ ([35]) .
وقال مُجدد القَرن السَّادس فَخرُ الدِّين الإمام محمد الرَّازي (606 هـ):” هؤلاء [يعني: المتحققين من المتصوفة]: خيرُ الآدميين “اهـ ([36]) .
وقال الإمام شهاب الدين محمد السَّهروردي (632 هـ):” إن المشايخ من الصوفية،، شمَّروا عن ساق الجد في طلب العلم المفترض حتى عرفوه، وأقاموا الأمر والنهي، وخرجوا من عهدة ذلك بحسن توفيق الله تعالى، فلما استقاموا في ذلك متابعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله تعالى بالاستقامة فقال تعالى: {فاستقم كما أمِرتَ ومَن تاب معك}، فَتَحَ الله عليهم أبوابَ العلوم،، “اهـ ([37]) .
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل:” لا أعلم على وجه الأرض أقواماً أفضل من الصوفيَّة “اهـ([38]) .
وأسند الإمام اليافعي إليه: أنه كان يتردد إلى بعض الصوفية العارفين، فقيل له: أتتردَّد لروايةٍ عند هذا الشيخ؟ فقال:” عنده رأس الأمر: تقوى الله “، وفي رواية، قال:” معرفة الله “اهـ([39]) .
وقال الإمام اليافعي:” قال جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي: (إذا أوصى إنسان بماله لأعقل الناس، صُرِفَ إلى الزُّهاد في الدنيا) “اه([40]) .
يعني: الصوفية، وقال الإمام الجنيد:” لو علمتُ أن لله تعالى عِلماً تحت أديم السَّماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا، لَسَعيتُ إليه وأخذته “اهـ، وقال:” التصديق بعلمنا هذا: ولايَةٌ “اهـ أي: صغرى، وسُئل الإمام عبد الله بن المُبارك (181 هـ): مَن المُلوك؟ فقال:” الزُّهاد “اهـ يعني: الصوفية، وقال أبو عبد الله المغربي (299 هـ):” ما فَطِنَت إلا هذه الطائفةُ، واحترقت بما فَطِنت “اهـ، وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي:” إن الصوفية: أمان الله في أرضه، وأخدانُ أسراره وعِلمِه، وصفوته من خلقِه، وهم ممدوحون بلسان النبوة،، فمن أنكر هذا المذهب فلقلة معرفته، وقِلة الاهتداء لحقائقه… {وإذا لم يهتدوا به، فسيقولون هذا إفك قديم} “اهـ، قال بِشْرُ بن الحارث:” بحسْبِكَ أن قوماً موتى تحيى القلوبُ بذكرهم، وأن قوماً أحياءَ تقسُو القلوبُ برؤيتهم “اهـ، (تنبيه): وأما ما يشيعه أهل البدع من المنتسبين إلى التصوف الإسلامي وخصومه: أن الصوفي يرتقي فضلاً فوق الأنبياء والمرسلين!! فبهتان يوجب الحرمان والخسران، قال الإمام السلمي:” ابتداء المقامات والمراتب: الصلاح، وانتهاؤه: الصِّدِّيقية، والنبوة والرِّسالة منقطعان عن أحوال الخلائق، ومباينان لها، لأن لهم كمال الأحوال، والخلق يمرّون على حواشيها “اهـ([41]) .
وقال الإمام الشبلي:” رفع اللهُ قَدْرَ الوسائط بعلو هِممهم، فلو أجرى على الأولياء ذرَة مما كشف للأنبياء لبطلوا وتقطّعوا “اهـ([42]) .
[المفتاح العاشر]: ثمرة التصوف الإسلامي: ثمرَات التصوف عظيمة، لا تقدر بثمن، لانّ أهل التصوف الحق لما تحلوا بالأخلاق المحمدية العظيمة، وحققوا العبودية الخالصة لله، وأتموا التزكية الكاملة للنفس، أكرمهم الله بثمرات عديدة، منها تحقق المحبة لله ولما يحبه الله، ومنها: الكشف: وهو نور يحصل للسالكين في سيرهم يضيء لهم الطريق إلى الله، ومنها: الإِلهام: وهو ما يقع في القلب من علم رباني، يرى به حقائق الأشياء، ومنها: الكرامة وخرق العادة، تكريماً لهم على إِخلاصهم، وتثبيتا لأفئدتهم، وتأييداً لهم في سيرهم، ومنها: تحقيق الاستقامة الدينية، ونوال الصديقية، وهي أعلى المراتب وليس بعدها إلا النبوة والرسالة.
يقول الشيخ طارق بن محمد السعدي في كتابه اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف وثمرته: التحقق من المعارف الدينيَّة، والتحلي بالأخلاق المحمدية، فالإحسان بالعبوديَّة، والتنعم بالرَّحمة الأبديَّة، ونوال المكارم الدنيويَّة والأخرويَّة، قال الله تعالى: {إن الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكةُ: أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشِروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسُكم ولكم فيها ما تدَّعون، نزلا من غفور رحيم}، وقال تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبينَ يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنةَ بما كنتم تعملون}، وقال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا}، وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحُسنى وزيادة}، وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى: {ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولإن استعاذني لأعيذنَّه}، قال الإمام الجنيد:” (التصوف): أن يميتك الحقّ عنك، ويحييك به “اهـ، وقال محمد الترمذي:” ليس الفوز هناك بكثرة الأعمال، إنما الفوز هناك بإخلاص الأعمال وتحسينها “اهـ، وكرامة الله تعالى للصوفية في كافَّة الوجوه كثيرة جداً، قد صنف بعض العلماء كتبا خاصَّة دون فيها بعض ما بلغه منها، ككتاب (روض الرياحين) للإمام اليافعي، ومن قبل كتاب (حلية الأولياء) للإمام الحافظ الأصبهاني، وكذا كتاب (الرسالة القشيرية) للإمام القشيري، وغيرهم، قال الإمام أبو حامد الغزالي:” من أول الطريقة نبتدئ المُكاشفات والمُشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكةَ، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد “اهـ، وأما تعبير السادة الصوفية بـ(الاتصال): فمعناه عندهم: الانفصال بالسِّرِّ عما سوى الله تعالى، فلا يشتغل العبدُ إلا به جل جلاله، فهو مقامٌ للصفاء، وليس كما يروج المبتدعة ممن ينتسبون إلى التصوف الإسلامي أو خصومه: أنه اتصال ذات بذات!! والعياذ بالله تعالى، وكذا (الفناء): إنما معناه عندهم: انقطاع الحظوظ عما سوى الله تعالى، فيفنى العبد عن الأشياء كلها شغلاً به جل جلاله، وليس كما يدعي هؤلاء المبتدعة: أنه الاتحاد الحقيقي!! والعياذ بالله تعالى من هذا الإلحاد. ([43]) .
(أولا) تحقق المحبة، والمحبة هي كما قالوا: سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة، المحبة هي: (سمة الطائفة) أي علامة أهل التصوف الحق بها يُعرفون وإليها ينتسبون، والمحبة هي (عنوان الطريقة) والعنوان يختصر كل ما في موضوعه، فعنوانهم المحبة وكثرة ذكر المحبوب، ولذلك فهم أهل المحبة، ولولا المحبة لما سار في الطريق سائر، ولما نزل على المنازل سالك، و (الصوفية) هم اهل المحبة، وعنوان طريقتهم المحبة ومعقد نسبتهم هي المحبة، وهم أهل منازل المحبة يتحركون بالمحبة، حتى يتذوقون طعم الأنس بالله فلا يعلق بهم شاغل ولا يفتنهم عارض ولا تكدرهم تفرقة، و (المحبة لله) هي الغاية القصوى من المقامات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها، قال تعالى: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
(ثانيا) الكشف: وهو نور يحصل للسالكين في سيرهم إِلى الله تعالى، يكشف لهم حجاب الحس، ويزيل دونهم أسباب المادة نتيجة لما يأخذون به أنفسهم من مجاهدة وخلوة وذكر، والكشف باب الفوز الأكبر، لأنه باب الفوز بلقاء الله تعالى، تنعكس أبصارهم في بصائرهم، فينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على عوالمَ من أمر الله اطلاعاً لا يستطيعه مَنْ لا يزال في قيد الشهوات والشبهات، ولا تتسع له إِلا تلك القلوب التي زالت عنها ظلمات الدنيا، واستنارت بنور الله، إن اهل التصوف لما غضوا أبصارهم عن المحارم، وكفَّوا أنفسهم عن الشهوات، وعمَّروا باطنهم بمراقبة الله تعالى، وتعوَّدوا أكل الحلال، وأدمنوا ذكر الله كان كل ذلك بمثابة الغذاء الذي يقوي الروح فتتغلب على النفس، فحينئذ يحصل الكشف والفتح، ويتلقى العبد واردات الإِلهام، ولا يزال الكشف يتزايد حتى ينكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي، وبهذا الكشف يدرك أهل الكشف من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، وهذا الكشف وراثة محمدية صادقة، وَرِثَها أهل التصوف الحق بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم، وقد كان كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإِني أراكم من وراء ظهري) ([44]) .
(ثالثا) الإِلهام: وهو ما يُلقَى في الرُّوع، وما يقع في القلب من علم يدعو إلى العمل من غير استدلال، ومثاله الإلهام في قوله تعالى: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ النَّخلة تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جَنياً * فكُلِي واشرَبي وقرِّي عيناً} [مريم: 25]، وقوله تعالى: {وأوحينَا إلى أُمِّ موسى} [القصص: 7]، وأهل التصوف الحق لما صفت قلوبهم للحق وفرغت من علائق الدنيا وهمومها، واستقامت على شرع الله، وأدمنت الذكر، وأصبحت ترى بنور الله، سطعت عليها شمس التجليات، وكانت في عداد الأحياء، كما جاء في قوله تعالى: {أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحيَيناهُ وجعلنا لهُ نوراً يمشي بهِ في الناسِ} [الأنعام: 122]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت) ([45]) .
(رابعا) الكرامة: لقد ثبتت كرامات الأولياء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفي آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومَنْ بعدهم إِلى يومنا هذا، ومثالها: قصة أصحاب الكهف وبقائهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلاثمائة وتسع سنين، ومثالها: هزُّ مريم عليها السلام لجذعَ النخلة اليابس، فاخضرَّ وتساقط منه الرُّطَبُ الجني في غير أوانه، قال تعالى: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جنيّاً} [مريم: 25]، ومثالها: ما قص الله علينا في القرآن الكريم بقوله تعالى: {كلَّما دخَلَ عليها زكريا المحرابَ وَجَدَ عندَها رِزْقاً قال يا مريمُ أنَّى لكِ هذا قالَتْ هوَ مِنْ عندِ اللهِ} [آل عمران: 37]، ومثالها: قصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السلام في قوله تعالى: {قالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتيكَ بهِ قبْلَ أنْ يرتَدَّ إليكَ طرفُكَ} [النمل: 40]، فجاء بعرش بلقيس من اليمن إِلى فلسطين قبل ارتداد الطرف، ومن السنة النبوية المشرفة: قصة جُرَيْجٍ العابد الذي كلمه الطفل في المهد، وهو حديث متفق عليه، وقصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، وانفراج الصخرة عنهم بعد أن سَدَّتْ عليهم الباب،، وهو حديث متفق عليه، اقتضت حكمة الله تعالى أن يكرم أحبابه وأولياءه بأنواع من خوارق العادات، تكريماً لهم على إِيمانهم وإِخلاصهم، وتأييداً لهم في جهادهم ونصرتهم لدين الله، وأهل التصوف الحق ليس المقصد من سيرهم إلى الله تعالى هو الوصول إِلى الكرامات، على العكس هم يستترون من الكرامة بعداً عن شبهة الرياء، لذلك كانوا يقولون: (الكُمَّل يخافون من وقوع الكرامات على أيديهم، ويزدادون بها وجلاً وخوفاً)، إِلا إِنْ كانت لنصر دين أو جلب مصلحة، فإنهم لكونهم فانون عن أنفسهم يرونها بالله، لأن الله تعالى هو الفاعل، ثم إِن الصوفية يعتبرون أن أعظم الكرامات هي الاستقامة على شرع الله تعالى، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات) ([46]) .
- (خامسا): نوال الاستقامة الدينية، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الاحقاف: 13]، ونيل الولاية الإلهية، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 إلى 64]، ونوال الصديقية، وهي أعلى المراتب وليس بعدها إلا النبوة، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 70، 71]، والتحقق من المعارف الربانية، ودخول جنة المعارف الإلهية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، قال الإمام أبو حامد الغزالي: (من أول الطريقة تبتدئ المُكاشفات والمُشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكةَ، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق) أهـ([47]) .
([2]) صحيح مسلم 4/2198 ح 2865.
([3]) سنن الترمذي 4/662 ح 2507.
([4]) المصدر السابق 4/347 ح 1970.
([5]) صحيح البخاري 8/98 ح 6460.
([6]) المعجم الأوسط للطبراني 6/58 ح 5787.
([7]) سنن أبي داود 7/69 ح 4680.
([8]) مسند أحمد 15/357 ح 9583.
([9]) المعجم الكبير للطبراني 20/93 ح 182.
([10]) سنن ابي داود 2/8 ح 666.
([11]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510.
([12]) المعجم الكبير للطبراني 5/118 ح 4801.
([13]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2699.
([16]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([17]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([19]) التعرف لمذهب أهل التصوف: 86 إلى 88.
([20]) التعرف لمذهب أهل التصوف:ص 58،59.
([21]) التعرف لمذهب أهل التصوف: ص 85.
([22]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([24]) السنن الكبرى للبيهقي 21/28 ح 20818
([26]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([27]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([28]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([29]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([30]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([32]) الفَرْقُ بين الفِرَقِ ص 302.
([35]) المنقذ من الضلال ص 178.
([36]) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 73.
([42]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([43]) اعلام المؤمنين بمبادئ علم التصوف ص
([44]) صحيح البخاري 1/145 ح 719.
([45]) المصدر السابق 8/86 ح 6407.