الفصل الأول وجود الله تعالي
[المفتاح الاول]: ركز القرآن الكريم على مسألة إقرار توحيد الله تعالى في مقابل الشرك الذي اقترفه المشركون، ولم يركز – نفس التركيز – على مسألة وجود الله تعالى – مع أنّها أصل الإيمان – في مقابل الإلحاد الذي اقترفه الملاحدة الدهريون، وذلك لأنّ وجود الله تعالى مسألة بديهية مركوزة في فطرة كل إنسان حتى الملاحدة الدهريون يحاولون طرد هذه الفطرة من أعماق نفوسهم ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلا، ففي أوقات الشدة والهلاك لا يلجؤون إلا إلى الله وحده، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]، وقال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8]، ولهذا خاطب الرسل أقوامهم بقول الله تعالى: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10]، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61]، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25].
[المفتاح الثاني]: الأدلة على وجود الله تعالى: كل ما في الوجود يدل على وجود الخالق الموجد لكل موجود والمدبر لكل ما في الوجود، ونذكر منها أربعة أدلة تتمثل في دلالة الفطرة، ودلالة الخلق والحدوث والإبداع في الكون، ودلالة العقل، ودلالة الشرع.
(الأول) دلالة الفطرة على وجود الله: الفطرة منبع كامن في باطن الإنسان يجذبه نحو الإيمان بالله، وهذه الفطرة موجودة في أعماق ذات كلّ إنسان، تتحرّك بوحي داخلي، ولا تحتاج إلى تعليم وتعلّم، ولا تخضع لتأثير العوامل الخارجية، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها، وجميع الناس على مرّ العصور واختلاف الشعوب لديهم الشعور الداخلي بوجود الرب الخالق الرازق، كل الناس تقريبا لديهم هذا الشعور، ولكن قد يهتدي للصواب فيعبد الله وحده لا شريك له وقد يضل الطريق فيعبد الاصنام والاوثان أو الشمس والقمر والكواكب ومنهم من يعبد البقر وفي الهند وحدها أكثر من 400 طائفة دينية كل منها يبحث عن الإله بطريقته، ويعبده بطقوس تختلف من طائفة إلى أخرى، وهذا من أدل الدلائل على انّ البحث عن الإله وعبادته مركوز في فطرة الإنسان، وهذا في حال الرخاء، اما في أوقات الهلاك والشدة فلا يلجأ الإنسان إلا إلى ربه وخالقه، لأنها الفطرة الاصلية المركوزة في القلب، وقد مرت الآيات الدالة على لجوء جميع الناس إلى الله في أوقات الشدة والضرورة، وأصل الفطرة هو ما جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الاعراف: 172]، وقد جاء في تفسير الآية أنها الفطرة التي فطر الله تعالى الناس جميعاً عليها من وجود الله واحتياجهم إليه، و(الفطرة) تعلل الشعور لدى كل إنسان بوجود إله والرغبة في عبادته، إن تيارات الإلحاد في العالم قد تؤدّي إلى ضعف الاتّجاه الفطري للإنسان نحو الإيمان بوجود الله، ولكن هذه التيارات لا تستطيع أبداً أن تستأصل هذا الإحساس أو تقضى عليه بالمرّة، وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ([1]) .
(والثاني): دليل الخلق والحدوث والإبداع لجميع الموجودات في الكون، إذ كل مصنوع لابد له من صانع، وكل مخلوق ولا بد له من خالق، وكل حادث لا بد له من محدث ولا خالق للخلق، ولا محدث للحوادث إلا الله عز وجل، ولهذا سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ٌ ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير، ومن أمثلة الآيات الكونية المتعلقة بالخلق والحدوث قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]، وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم: 20]، وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 22-25]، فهذه الآيات الكونية أكبر دليل على وجود الله.
(والثالث): دلالة العقل على وجود الله، فالعقل يحكم باستحالة وجود هذه الكائنات بنفسها، أو وجودها بالصدفة ولهذا قال الله عز وجل: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36]، فمن تدبر الآيات علم يقيناً بوجود الله تعالى، بل لو تدبر الإنسان في نفسه لكفاه ذلك في اليقين في وجود الله تعالى، كما قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، ولو تدبر في الآفاق لكفاه كما في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنه الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [فصلت: 53]
(والرابع): دلالة الشرع على وجود الله: وبيان ذلك في المعجزات التي أيد الله تعالى بها الرسل الكرام، وأهم تلك المعجزات القرآن الكريم وما حواه من إعجاز بلاغي وعلمي وتشريعي، ولهذا تحدى الله تعالى أهل البلاغة والبيان أن يأتوا بمثل القرآن، أو بمثل عشر سور منه،، كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14، 15]، فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23، 24]، فلما عجزوا أيقن أولوا الألباب أنه من عند الله الحق المبين، هذا من جهة بلاغة القرآن، فإذا أضفنا الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاء بها القرآن أيقن أنه من عند الله الحكيم الخبير.
[المفتاح الثالث]: (وجود الله تعالى وجود حقيقي)، لولاه سبحانه ما وجد من العالم شيء، ولولاه سبحانه ما تحرك ساكن ولا سكن متحرك، ولولاه سبحانه ما بدأت حياة ولا انتهت أخرى، ولولاه سبحانه ما انفلق عن الطين الضعيف شجر، ولا نبت في الشجر الجامد ثمر، ولا تعددت في البشر ألوانهم واختلفت ألسنتهم وتباينت آراؤهم وتنوعت أذواقهم وكلهم من جنس واحد وأفراد لنوع واحد، ولولاه سبحانه ما كان من الطين نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاما ولحما ثم بشرا سميعا بصيرا عاقلا مريدا متكلما، وجعل منه الزوجين الذكر والانثى، وإن العقل ليقضي بأن أحق من يوصف بالوجود ويُنادى بالموجود هو من منح عباده الوجود، ووهبهم الحياة، وتكرم عليهم بالمنن، وليس ذلك إلا لله رب العالمين، الذي أفاض على الممكنات من جوده وفضله، فأخرج ما شاء منها من العدم الخالص إلى الوجود، ووهب الحياة فيها لما شاء، ومن شاء، وخص كل جنس بصفات تخصه، وخص كل نوع بخصائص تميزه، ومنح كل فرد سماته الشخصية التي يتميز بها عن غيره، أفي الله شك؟ فاطر السموات والأرض، وخالق الجماد والنبات والطير والحيوان، وخالق الإنسان، إن وجود الله تعالى حقيقي لا شك فيه، ولكنه وجود مطلق، يختلف عن وجود الكائنات في أمور أهمها: أن وجود الله تعالى وجود ذاتي ليس مستمدًا من شيء ولا أثرًا لشيء، بل هو وجود أزلي لا مثل له ولا نظير، {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]، وأن وجود الله سبحانه وتعالى وجود أزلي لا أول له ولا بداية، فلم يسبق وجوده عدم، ولم يخلُ لحظة عن الوجود، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، فلو صرف الله تعالى نظره عن الوجود لحظة لصار عدما كما كان، فالحمد لله على الإيجاد والإمداد لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه، فالحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير،
***