الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثالث من أخلاق المسلم مع الله: إسلام الوجه لله: أصل الإسلام في اللغة العربية (لغة القران) الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض، وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان]، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله، والنبي e هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي e أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، وكان هو e أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه، فأسلم عبادته وأعماله، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، والناس جميعا بعده e متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في (الإسلام) وفق تحقيق معانيه السابقة (الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره)، وأفضل الناس إسلاما لله عز وجل بعده e إخوانه أولي العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حيث ذكرهم الله تعالى بقوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7]، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، فأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما، قال تعالى – على لسان نوح عليه السلام -: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]، وإبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 130 إلى 133]، ويوسف عليه السلام كان مسلما، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وموسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وعيسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 52]، فالدين واحد، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر، وهذا هو أول الاخلاق وأعظمها في حق الله تعالى، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، و قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، و قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، إذن الدين عند الله تعالى واحد، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر، ومعناه: الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض، وهذا هو أول الاخلاق وأعظمها في حق الله تعالى، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان، وقد تأهل لمنازل الإيمان والإحسان.
والإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا دين واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة ومن حيث اتفاقه على طاعة ذلك الرسول ومتابعته في كيفية تلك العبادة ومن حيث المبادئ الأساسية في العقائد والتوحيد وأصول الأخلاق وأصول التشريع وبيان الكبائر والمحرمات، ولكنه يختلف سعة وشمولا وفق رسالة الرسول ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر وفق حاجات قومه وعصره وما يصلحه، ومن الأمور الأساسية التي اتفقت عليها دعوات الأنبياء: (أ) الأمر الأول: جميعهم – صلى الله عليهم وسلم – جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى – عن نوح عليه السلام -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]، وقال تعالى – عن هود عليه السلام -: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50]، وقال تعالى – عن صالح عليه السلام -: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 61]، وقال تعالى – عن شعيب عليه السلام -: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84]، وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، الى عبادته وحده، والتبرؤِ من عبادة ما سواه، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها الى الناس.
(ب) الأمر الثاني: كل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق الأوحد إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وقال تعالى – حكاية عن نوح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 106 إلى 108]، وقال تعالى – حكاية عن هود عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 124 إلى 126]، وقال تعالى – حكاية عن صالح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 142 إلى 144]، وقال تعالى – حكاية عن لوط عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 161 إلى 163]، وقال تعالى – حكاية عن شعيب عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 177 إلى 179].
(ت) الأمر الثالث: جميع الرسل والمرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة، فجميعهم أمروا بالتوحيد ونهي عن الشرك، وجميعهم أمر بتقوى الله وخشيته وتقوى ناره التي أعدها للعاصين من عباده، وجميعهم أمر بطاعة الله ورسوله وكلهم نهى عن معصية الله ورسوله، وجميعهم أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وجميعهم نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وجميعهم عليهم السلام نهى عن المحرمات الأساسية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام، حيث حرم الله تعالى على البشرية جمعاء على طول عصرها على لسان الأنبياء محرمات أساسية:تتمثل في الشرك بالله في عبادته وطاعته وعقوق الوالدين وقتل الأولاد بسبب الفقر أو خشيته واقتراف الفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وأكل مال اليتيم بغير وجه حق وتطفيف الكيل والميزان والظلم، وإتباع السبل الأخرى التي تبعد عن طاعة الله، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151- 153].
والإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول، ولكنّه مختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع: إنّ التشريع الذي جاء به أولئك الرسل كانت تختلف أحكامه أحيانا في حيث التحريم والحظر والإباحة والفروض والواجبات والنواهي والمحرمات، وكذلك كانت تختلف الرسالة سعة وشمولا من نبي إلى آخر فقد كانت رسالة موسى عليه السلام بما سبقتها من الرسالات قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، وعيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مصدقا لتوراة موسى عليه السلام، وليحل لهم بعض ما كان حراما عليهم في شريعة موسى عليه السلام، قال تعالى – على لسان عيسى عليه السلام -: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}، لقد تدرج التشريع سعة وشمولا وأحكاما حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي e النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، وجعله تفصيلاٍ لكل شيء، وتبياناً لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، والإسلام بعد بعثة النبي e وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله e في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده، ودين الإسلام بعد بعثة النبي e وإلى قيام الساعة يعني: ذلك النظام الكامل الذي يذعن في العبد ويسلم وجهه إلى ربه وخالقه وإلهه وحده لا شريك له ويعبده وحده لا شريك له ويعطي له حقوق الحكم والتشريع والأمر والنهي والحظر والإباحة، ويستسلم لأمره وينقاد لطاعته ويسير وفق شرعه، ولا يعلم هذا النظام الكامل إلا من خلال رسوله e خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله e، فيتبعه على دينه وشرعه ويفرده e من جهة التلقي لشرع الله ودينه الذي لا يقبل من العباد جميعا بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وهذا المعنى الشامل للإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي e وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي e ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته e –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي e ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال e: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([1]) .
يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله e لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) أهــ([2]) .، فكل من سمع برسالة النبي e ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي e من عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته e وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، [فائدة]: جاء في الحديث المتفق على صحته: قوله: e: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) ([3]) . وجاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور الذي أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه (وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال له: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: ” صدقت “، فعجبنا له يسأله ويصدقه،)([4]) .
ومنه نعلم أن أركان الإسلام التي يجب أن يتحلى بها ويتحقق بها كل مسلم خمسة: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إنّ أدنى الواجب الذي ينبغي أن يحلى به المسلم: (الأمر الأول) تحقيق ما تصح به الشهادتان، من النطق بهما مع التصديق القلبي الجازم لمفهومها ومعناها وعدم الإتيان بشي من نواقضها التي تخرج من الدين بالكلية، أما التحقيق الأوفى لمعاني الشهادتين (قولا وعملا واعتقادا) فهذا من أعلى شعب الإيمان وصفات المحسنين، (الأمر الثاني): تحقيق ما تصح به الصلاة من شروط وأركان، أما تحقيق الصلاة وإتقانها والخشوع التام فيها والاقبال عليها والمحافظة على متمماتها فذلك من أعظم درجات الإيمان وهو من شعب مرتبة الإيمان، قال تعالى{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ,,, إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة المؤمنون]، (الأمر الثالث) إيتاء فرض الزكاة على الأموال والزروع والثمار والأنعام متى تحققت شروطها على مالكها، أما إنفاق المال على حبه ذوي قربه واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وغيرها من وجوه البر فهذا من أعالي درجات المتقين، (الأمر الرابع): صيام شهر رمضان بما تصح به فريضة الصيام، أما إتقان الصيام، والصوم عن محارم الله، والمتابعة بين الصيام، وصيام النافلة، فهذا من أعالي درجات مرتبة المحسنين، (الأمر الخامس) أداء فريضة الحج مرة واحدة للمستطيع إليه سبيلا بما يصح به حجه من أعمال وأحكام شرعية.أما تحقيق الحج بتحقيق أعماله والكف عن الرفث والفسوق والجدال فيه فذلك الحج المبرور الذي ليس له ثواب إلا الجنة، وأما المتابعة بين الحج والعمرة والمداومة على ذلك وتحقيق أعماله فهو من شعب مرتبة الإحسان ودرجاتها، وبعد فتلك هي حدود الإسلام وأركانه، والواقف على تلك الأركان لا يتعداها ولا يزيد عليها فهو وإن كان من عباد الله المسلمين الذين اصطفاهم الله عز وجل لدينه الحق إلا انه ظالم لنفسه وذلك لأن بدين الإسلام فرائض وواجبات يجب أن تؤدى وبه محرمات ونواهي يجب أن تجتنب، والظالم لنفسه مفرط في بعض تلك الفرائض والواجبات وواقع في بعض المحرمات وهو الى مشيئة الله عز وجل إن شاء الله عذبه بها في الدنيا أو في الآخرة وإن شاء غفر الله تعالى له، ولكنه لقيامه بأركان الدين مسلم معه أصل الإيمان، إن مات على إسلامه، لا يخلد في النار فمآله إلى الجنة برحمة الله وفضله وكرمه، أما التفريط في حق أركان الإسلام الخمسة ذاتها فالحذر كل الحذر منه لأنها الأعمدة التي لا يستقيم بناء الإسلام إلا عليها، الركن الأول (الشهادتان) لا مجال إلى التفريط فيه لأنه باب الإسلام الأوحد، وأمّـا التفريط في الأركان العملية الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلا) فهو أعظم من الكبائر والمحرمات وعواقبه وخيمة، ولهذا جاء في الشرع ما يدل على أنّ ترك هذه الأركان ليس بمثابة الفسوق والعصيان، وإنما هو أعلى وأخطر من ذلك، ولهذا أطلقت الشريعة على تاركها لفظ الكفر، ولفظ الكفر بمجرده خطير لأنه أشد من ألفاظ الوعيد الأخرى كالفسوق والعصيان، وهو كفر في إطار الملة لمن حافظ على شهادة التوحيد واعتقدها وما أصعب ذلك لتارك هذه الأركان العملية الأربعة لأن الإيمان إن لم يزد فهو عرضه للنقصان، وأصل الإيمان (الإقرار بالتوحيد واعتقاده) لو نقص لصار صاحبه إلى الكفر الأكبر وخاتمة السوء وسوء العاقبة نسأل الله السلامة، لذا الحذر الحذر من التفريط في هذه الأركان وأهمها على الإطلاق الصلاة لأنها صلة العبد بربه التي تمد الإيمان بما يمثل له عنصر البقاء، والمفرط في هذه الأركان الأربعة لاسيما الصلاة) على خطر عظيم لتفريطه في حرم الشهادتين ومن حام حول الحمى، يوشـك أن يقـع فيـه، فليحذر المغرور من التفريط في هذه الأركان (الصلاة والزكاة والصيام والحج) والتي هي بمثابة الحرم الحصين لشهادة التوحيد، اللهم ارزقنا التوحيد والإسلام والإيمان، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، فلا اعتزاز إلا بالإسلام ولا انتماء إلا إلى الإسلام، ولله در القائل: (أبي الإسلام لا أب لي سواه * * * إذا افتخروا بقيس أو تميم)، ، اللهم اجعلنا من عبادك المسلمين، اللهم أحيينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([2]) شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص 188.