المبحث السادس حقائق عن التصوف والغاية منه
المطلب الأول:
حقائق عن التصوف.
المطلب الثاني:
غاية التصوف.
المطلب الأول: حقائق عن التصوف.
[المفتاح الأول]: اشتقاق اسم التصوف: بعد انقضاء زمان الصحابة، دونت العلوم الإسلامية وسميت بأسماء ومصطلحات: فسمي من اشتغل بالحديث الشريف (محدثا) ومن اشتغل بالنحو (نحويا)، ومن اشتغل بالتفسير (مفسرا)، ومن اشتغل بالفقه (فقيها)، ومن اشتغل بالتربية والسلوك في طريق الله (صوفيا)، كل هذه الأسماء لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما هي إلا مصطلحات لأسماء العلوم الشرعية التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل من تسمى بواحد من هذه الأسماء وغيرها لا يخرج عن تسميته مسلما، وليس كل اسم أو وصف لم يأت في القرآن الكريم أو السنة الشريفة يحرم التسمي به بل جائز شرعا فقد سمى الله سبحانه وتعالى المسلمين بأسماء عديدة (السابقين، المقربين، الصادقين، الشهداء، الصالحين، المخبتين،،) فكل اسم ذكر له اشتقاق، فالشهداء (من الاستشهاد في سبيل الله) والمخبتين (من التواضع) والصادقين (من الصدق مع الله)، وكذلك فإن اسم التصوف قد كثرت فيه الأقاويل فمنهم من قال: أنّه نسبة إلى لبس الصوف الخشن، ومنهم من قال: أنه (من الصفاء)، والأظهر أنه لقب أطلق على هذه الطائفة يميزها عن غيرها.
[المفتاح الثاني]: قصة التصوف: وجد التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، إلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته، وهو تزكية الدين ومنازله، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه، و (الصحابة) هم سادة الصوفية، وهم الأولياء المرشدون، هم الذين تحققوا بمحبة الله ورسوله، وهل بلغ احد من المسلمين مهما بلغ محبة الصحابة لله ولرسوله، حملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه، وهل التصوف إلا المحبة لله ولرسوله، فكل ما سبق المحبة من منازل يؤهل لها، وكل ما تعدها فهو من آثارها، وهذا يعلل لنا لماذا أحب الصحابة الشهادة في سبيل الله، لأنهم مشتاقون لله، لسان حالهم ومقالهم مرحباً بلقاء الله، ولقد كان للصحابة من الكشف والكرامات أوفر النصيب، ولكنهم كما قال أكابر أهل التصوف لم تكن لهم عناية بمثل تلك الكرامات لأنهم مشغولون عنها بملازمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة الدين، ثم جاء (التابعون) فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضي الله عنهم، نشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ثم جاء (تابعو التابعين) فتربّوا على يد التابعين، وكان نور النبوة لا يزال عظيما، فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب تلامذة الصحابة، ودخل أناس في الإسلام كانوا حديثي عهد بكفر، ودخلت أمم بكاملها في الإسلام، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين، وبدأ النور المحمدي يتقادم أثره، فركن الناس إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف، فقام أهل الطريق (أهل النور والكشف) (اهل التصوف الحق) يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها، وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل، فقام هؤلاء الأكابر بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى طريق التصوف (تحقيق مرتبة الإحسان) أعلى مراتب الدين، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ (الزوايا) أو (التكايا) لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على أخلاق المحسنين، وتزكية المقربين.
[المفتاح الثالث]: نشأة علم التصوف: كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام، و(التصوف) هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: (أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([1]) .
وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية.
[المفتاح الرابع]: التصوف أشهر من أن يحتاج إلى تعريف، وأعظم من أن يناله أحد بسوء، وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ أن اكثر الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والعقيدة، واهل العلم لا يهتمون بالمصطلحات، بقَدْرِ اهتمامهم بالمعاني والحقائق، و(التصوف) يُقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، و(الأمة الإسلامية) قد توارثت اسم التصوف وحقيقته في عمق التاريخ الإسلامي، منذ بدايته وحتى يومنا هذا، فصار عُرفاً لا يمكن ان ينازع فيه عاقل من العقلاء، قال ابن خلدون في مقدمته: (وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) أهـ ([2]) .
إذن: لا يمكن تغيير مسمى التصوف: لأنه قد ترسخ واستقر في عمق التاريخ الإسلامي، وليس تغييره في مقدور أحد، وإذا كانت لا توجد جدوى من تغيير اسم الفقه مثلا إلى مسمى آخر كعلم الشريعة، كذلك التصوف: يقول القشيري: (اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم (الصحابة)، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين (الزهاد) و(العُبَّاد)، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم ” التصوف “، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة) أهــ،
[المفتاح الخامس]: تاريخ التصوف الاسلامي: يمكن اختصاره إلى أربع مراحل: (المرحلة الأولى): كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة، في بدايات القرن الثاني، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية: من أمثال الحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، وإبراهيم بن أدهم البلخي (ت ١١6 هـ)، ورابعة العدوية (185هـ)، والفضيل بن عياض الخراساني (ت ١87 هـ)، ومعروف الكرخي، (ت 201 هـ)، وأبو سليمان الداراني (ت205هـ)، وبشر بن الحارث الحافي (ت 227 هـ)، والحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ)، وذي النون المصري (ت 245 هـ)، وسري بن المغلس السقطي (ت 257 هـ)، ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ (ت 258 هـ)، وأبو اليزيد البسطامي (ت263هـ)، وأحمد بن عيسى الخراز (ت 277 هـ)، وسهل بن عبدالله التستري (ت 283 هـ)، وأبي القاسم الجنيد البغدادي (ت 297 هـ)، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد، وبداية التمييز عن علماء الفقه، بعلم التزكية والتصوف.
(المرحلة الثانية): وهي المرحلة التي ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف، منهم: أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، المتوفي سنة 378 هـ، وله كتاب: اللمع في التصوف، وأبو بكر الكلاباذي، المتوفي سنة 380 هـ، وله كتاب: التعرف على مذهب أهل التصوف، وأبو طالب المكي، المتوفى سنة 386 هـ، وله كتاب: قوت القلوب في معاملة المحبوب، وأبو قاسم القشيري، المتوفى سنة 465 هـ، وله الرسالة القشيرية، وهي من أهم الكتب في التصوف، وأبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ، ومن كتبه: إحياء علوم الدين، الأربعين في أصول الدين، منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، بداية الهداية، وغيرها الكثير، ويعد كتاب إحياء علوم الدين من أشهر كتب التصوف ومن أجمعها.
(المرحلة الثالثة): وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي، على يد الربانيين من أهل التصوف، ومن أشهر تلك الطرق التربوية: الطريقة القادرية التي أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ).
(المرحلة الرابعة): وهي مرحلة الكتابة في علوم الحقائق والوراثة، وهي المرحلة التي تكلم فيها الوارثون من أمثال الشيخ الاكبر العارف بالله: محيي الدين بن عربي، والعارف بالله: عبد الكريم الجيلي، تكلموا بما فتح الله تعالى عليهم من علوم الكشف والحقيقة، وهذه العلوم لدنية، قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، لا ينالها إلا الوارث بعد الوارث، ومعارف تلك العلوم لا عد لها ولا حد لها، لأنها من لدن القدوس المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، وقد تفرد بها الوارثون من أكابر اهل التصوف، لأنهم لما استقامت عندهم النفس وزكت وطهرت وكملت، وعزفت عن الدنيا، وزهدت فيما سوى الحق، أكرمهم الحق بالمكاشفات والمشاهدات وبعلوم الحقائق التي يدركون بها من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، فمن أُذن له في نشرها نشرها، ليعم نفعها على أمة الإسلام خير امة أخرجت للناس، وأدنى نصيب من هذا العلم: هو التصديق به وتسليمه لأهله.
[المفتاح السادس]: (الطرق الصوفية): هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، و توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات، فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة، وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه).
[المفتاح السابع]: الشيخ الصوفي (الولي المرشد): هو من قطع طريق السلوك إلى الله تعالى، وأُذن له مِن قِبل شيخه بتربية المريدين، وتهذيب نفوسهم، وتنقيتها من أدرانها وشهواتها حتى تصل إلى طريق الهداية، وصراط الله المستقيم، ولا يجوز لأحدٍ أن يتصدر للتربية إلا بعد أن يقطع مراحل السير في طريق الله تعالى، فالشيخ الصوفي عليه أن يعين المريد على ذكر الله، وعلى التفكر والتدبر في آيات الله تعالى، وعلى إصلاح النفس من العيوب، وشفاء القلب من الأمراض، كل ذلك في التزامٍ تامٍّ بالشريعة، ولا يعتقد طريقًا يوصل إلى الله يشتمل على مخالفة الشريعة، وعلى ما سبق: فالشيخ الصوفي لا يجوز له مخالفة الشرع بدعوى اختبار المريد، ومن يفعل ذلك لا يمكن أن ننسبه إلى التصوف، فالتصوف واضح وظاهر في التزامه بالكتاب والسنة وعدم خروجه على الشرع الشريف.
وأهم شروط الشيخ الصوفي: أن يكون الشيخ عالما بالشرع علما واسعا، وأن يكون قد سار في الطريق من مبداه إلى منتهاه وعرف كل خفاياه حتى أصبح قادراً على أن يدل أصناف الخلق جميعاً على هذا الطريق، وأن يكون بصيراً بأنواع القلوب وأنواع أمراضها قادراً بإذن الله على تطبيبها، وأن يكون عارفاً بأنواع الأدوية القلبية وما يناسب منها للأدواء، فتلك اهم شروط الولي المرشد، قال تعالى: {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}، دلت هذه الآية على أن الغاية في القدرة على الهداية هو الولي المرشد، فإذا أراد الله تعالى اضلال انسان حرمه نعمة الولي المرشد، ومن ثم نعلم أن الهداية تكون أكمل ما تكون إذا وجد الولي المرشد، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل هو الهادي الحقيقي إلى صراط الله، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، فالأولياء المرشدون هم الوراث الكاملون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم نواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هداية الامة، ومن هذا المعنى الذي ذكرناه ندرك أهمية وجود الولي المرشد لصلاح الفرد المسلم والمجتمع المسلم، والأمة المسلمة.
[المفتاح الثامن]: أركان علم التصوف: أركان علم التصوف أربعة: (الأول): معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، (الثاني): معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}، و (الثالث): معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده، قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، و(الرابع): معرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها، وكيفية الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأركان: دوام المجاهدة، وشدة المكابدة، وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومفارقة الراحات، والزهد في الدنيا الفانية، وإيثار الآخرة الباقية، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
[المفتاح التاسع]: أسس التصوف: من أسس التصوف: (الأساس الاول): محاسبة النفس: فمن سلك سبيل التصوف فعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله ويزن أعماله قبل أن توزن ويصفي نفسه من شوائبها ووساوسها قال سيدنا عمر رضي الله عنه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم).
(الأساس الثاني): الإخلاص وقصد وجه الله: فمن سلك سبيل التصوف فلابد أن يقصد وجه ربه في جميع أقواله وأفعاله غاسلا قلبه بماء الإخلاص، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وقال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} [الكهف: 28].
(الأساس الثالث): التمسك بالفقر والافتقار إلى الله تعالى، فالصوفية هم الفقراء، سماهم الناس بالفقراء لافتقارهم الدائم إلى ربهم ومولاهم، والعبد دائما فقير إلى سيده، وهم اهل العبودة لله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
(الأساس الرابع): الزهد في الدنيا ومتاعها عزوفا بالنفس عما يلهيها ويشغلها، فمن سلك سبيل التصوف فلابد له من التجرد عن الدنيا وزينتها، لينقطع إلى تقوى الله تعالى وعبادته، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]، والمراد أن تكون الدنيا في يده لا في قلبه والصوفي الحق: أغنى بما عند الله منه بما عنده وفي يده.
(الأساس الخامس): توطين القلب على الرحمة والمحبة: صفتان لازمتان لأهل التصوف لا غني للصوفي عنهما، المحبة لله ولرسوله وللمسلمين، يحب للمسلمين ما يحب لنفسه، قال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، وان يكون آية في الرحمة بهم، قال تعالى في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، قال تعالى في حق الصحابة خير الناس بعد الأنبياء: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وقال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54]، فمن سلك سبيل التصوف فلابد أن يلزم محبة كل المسلمين والرحمة عليهم، فإن رسخ في هذه القاعدة واستقام عليها أفاض الله عليه أنوار محبته ورحمته، وأذاقه حلاوة الرضا، وبرد اليقين.
(الأساس السادس): التجمل بالأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها: قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، فمن سلك سبيل التصوف فلابد من التحلي بالأخلاق الحسنة العظيمة، فهي زبدة الدين وحقيقة التصوف، فالتصوف خلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف، قال تعالى {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83]، والصوفي هين لين سمح بشوش مع أهل بيته وعشيرته وجميع المسلمين.
(الأساس السابع): احترام التخصص العلمي الإسلامي والرد إلى مذاهب العلم المتخصصة، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأهم ما يميز اهل التصوف تحديد المرجعية العلمية فهم يتبعون في العقيدة أحد ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه يتبعون مذهبا من أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، فبها اكتملت علوم الفقه، وفي التزكية يتبعون مدرسة من مدارس التزكية التي أسسها الربانيون، وبهذا التخصص الفريد، كان اهل التصوف على قمة الهرم العلمي الإسلامي هم السادة وهم القادة وهم العلماء وهم الاولياء، لا يشقى بهم جليسهم.
[المفتاح العاشر]: علوم اهل التصوف: قال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف): (اعلم أنّ علوم الصوفية علوم الأحوال، والأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحّح الأعمال، وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها، وهي علم الأحكام الشرعية… ثم علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها، وتهذيب أخلاقها…، وهذا علم الحكمة، فاذا استقامت النفس على الواجب وصلحت طباعها، سهل عليه إصلاح أخلاقها، وتطهير الظاهر منها، والفراغ مما لها وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها، فعند ذلك يمكن للعبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر، وهذا علم المعرفة، ثم وراء ذلك علم الخواطر وعلوم المشاهدات والمكاشفات وهي التي تختص بعلم الاشارة، وهو الذي تفرّدت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم التي وصفناها، وإنّما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار يصعب العبارة عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد لا يعرفها إلا من نازل الأحوال وحل تلك المقامات) أهــ([3]) .
، ويستفاد من ذلك: أن علوم اهل التصوف تتمثل في (أولا) علم الأحكام الشرعية ويدخل فيه العقيدة والفقه، و (ثانيا) علم التقديس والتنزيه للحق، وهو علم المعرفة بالله، و(ثالثا) علم تزكية النفس وتطهيرها بالتخلية والتحلية، وسمي علم الحكمة لأنه يرث النفس العزوف عن الدنيا، الزهد فيما سوى الله، والشوق إلى لقاء الله، و (رابعا) علم الأحوال والمقامات والمنازل، وهو علم السفر إلى الله والدخول على حضرة الحق، و (خامسا) علوم المشاهدات والمكاشفات والحقائق، وهي علوم النور الذي يحصل للواصلين بعد سيرهم إِلى الله تعالى، يُكشف لهم الحجاب، وينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على عوالمَ من أمر الله، ويدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، وهذا العلم من الحضرة الذاتية، قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، لا ينالها إلا الوارث بعد الوارث، أكرم الله تعالى بها الوارثين من أهل التصوف بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم، واخلاصهم للحق سبحانه.
[المفتاح الحادي عشر]: مناهج التصوف الحق: لقد اشتملت مناهج التصوف السني الصحيح على العديد من الأقسام، قسم يبحث في الاجتهاد في العبادة مع تصحيحها، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، وقسم يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وسلامته، بتخليته من صفاته الناقصة كالرياء والحقد والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والخوف والرجاء وغيرها من الصفات الحسنة، وقسم يبحث عن الاخلاق العظيمة مع الخالق والخلائق، وقسم يبحث عن المعارف الربانية والمقامات القلبية التي توصل إلى درجات الإحسان، وقد تناول القرآن الكريم جميع تلك الأقسام بالبيان والتوضيح.
فنجد فيه الآيات التي تدعو إلى الاجتهاد في العبادة كقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 63، 64]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 إلى 19]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
ونجد فيه الآيات التي تدعو إلى تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11].
ونجد فيه الآيات التي تبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
ونجد فيه الآيات التي تتناول اعمال القلوب وسلامته من عيوبه وتخليه عن آفاته وتحليه بالطاعات الباطنة والصفات الصالحة، ومنها قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61].
ونجد فيه الآيات التي تتحدث عن حسن الخلق وأصول الأخلاق العظيمة، منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134].
وقد تناول القرآن الكريم بالتوضيح المقامات التي يمر بها السالك في سيره إلى الله تعالى ومن ذلك قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
[المفتاح الثاني عشر]: أركان المنهج السلوكي لأهل التصوف: يقوم هذا المنهج على أركان ضرورية يمكن أجمالها كالتالي، (الركن الأول): صحبة العالم المربي، و (الركن الثاني): العدة المطلوبة للمريد الصادق وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق والآداب العظيمة، و(الركن الثالث): المجاهدة في ذات الله تعالى، و (الركن الرابع): المداومة على ذكر الله تعالى،
[الركن الأول]: صحبة العالم المربي: وهي ضرورة لابد منها، وذلك لان الترقي في مقامات الإحسان لا يكون صحيحاً إلا على يد عالم رباني شيخ مرشد يعرف آفات النفس ومداخل الشيطان، يبعده عن دروب العصيان، ويرشده إلى منازل الإحسان، ومن أهم صفات هذا العالم المربي:
(أ) العلم الشرعي الواسع، (ب) العلم الوافي بالنفس البشرية وعيوبها وعلم أحوال القلب وأمراضه المعنوية، والسبيل إلى تخليصه منها، (ث) التزام السنة وتجنب البدعة، فيشترط للعالم المربي أن يكون عمله متمسكا بالكتاب والسنة، ولا يأذن بأي حال تخالف الشريعة.
(تنبيه) صحبة العالم المربي والشيخ المرشد أمر مهم، وذلك لأنّ العلماء والاولياء هم ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم خلفاؤه صلى الله عليه وآله وسلم في الهداية والإرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي صحبة هذا العالم العامل قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119]، وأمرنا – سبحانه – أن نتبع سبيلهم بقوله تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]، فهم الاولياء المرشدون الذين جاء القرآن الكريم بالثناء عليه كما في قوله تعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف: 17]، و (الصوفي الحق): لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مرشد، يدله على الطريق إلى الله.
[الركن الثاني]: العدة المطلوبة للمريد الصادق: وتتمثل في طلب العلم الشرعي الصحيح، والتربية الحميدة، والأخلاق العظيمة، والآداب العالية، فلابد للمريد من طلب العلم الشرعي من خلال مدارسه المتخصصة، ولابد له من التحلي بالأخلاق العظيمة والآداب الربانية، فقد اتفق المربون الربانيون على أن من لا أدبَ له لا سيرَ له في طريق الإحسان، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له إلى مرتبة المشاهدة، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن مبلغَ الرجال، والطريق كلها آداب حتى قال بعضهم: (اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقاً)، فكثير الأدب مع قليل العمل خير من كثير العمل مع قلّة الأدب.
[الركن الثالث]: المجاهدة في ذات الله تعالى للنفس والشيطان والدنيا والهوى: وقد ضمن الله تعالى للصادقين المجاهدين في ذات الله تعالى بالهداية، قال تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69].
فالدنيا هي العدو الأول، والاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ومجاهدة الدنيا يكون بالزهد فيها والحث على التقلل منها، عملا بقوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد اللَّه حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}، فإنها غرور ولعب ولهو، قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.
والشيطان هو العدو الثاني، قال تعالى: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60]، ومجاهدة الشيطان تتمثل في المداومة على ذكر الله تعالى، فإنه أعظم سلاح لمقاومة الشيطان: قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36].
والعدو الثالث: هو (النفس) التي لا تفارق العبد لحظة من لحظات عمره، وإذا كان كيد الشيطان للإنسان المؤمن ضعيف كما قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، فإن كيد النفس ووسوستها للإنسان عظيمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، وقال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، [يوسف: 53]، ولهذا قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] وقال صلى الله عليه وآله وسلم (الْمُجَاهِدُ من جَاهَدَ نَفْسَهُ في طَاعَةِ اللَّهِ عز وجل) ([4]) .
وللنفس ميزة أنها إذا جاهدتها في الله تعالى تتحول من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة راضية مرضية، وأول مرحلة في مجاهدة النفس عدم الرضى عنها، ومخالفتها وفطامها عن شهواتها، ثم: (التخلية الظاهرة) ومعناها التخلي عن المعاصي الظاهرة، التي تتعلق بجوارح الإنسان السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، ثم (التحلية الظاهرة) والمقصود بها أن يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها، ثم: (التخلية الباطنة) ومعناها التخلي عن المعاصي الباطنة، معاصي القلب كالكبر والرياء والغضب، ثم: (التحلية الباطنة) ومعناها التحلي بالطاعات الباطنة، وتحلية القلب بالأخلاق العظيمة والصفات الكاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم، والعدو الرابع هو (الهوى): وهو أشد الأعداء، لان مرجعه إلى عبادة النفس، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]، وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]، ومجاهدة الهوى بان يكون الهوى تبعا لما جاء به الشرع، ولو كان الهوى يأباه.
[الركن الرابع]: المداومة على ذكر الله تعالى، و (الذكر) هو الركن المكين الذي يأوي اليه الطالب الصادق لمرتبة الإحسان، وهو أساس الدرجات جميعها، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41]، وقال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران: 191]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت) ([5]) .وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق [الورق: الفضة]، وخيرٍ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكرُ الله تعالى) ([6]) .
المطلب الثاني: غاية التصوف
[المفتاح الأول]: غاية التصوف: غاية السلوك عند الصوفية هو توحيد الشهود، وهو ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه) أي عبادة الله على المشاهدة القلبية، وتوحيد الشهود يعني عند أهل التصوف: الدخول على حضرة الحق سبحانه، وشهود تجلياته، وهذا هو حق اليقين، الذي دلنا عليه الخليل إبراهيم عليه السلام عندما قال: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، و(اليقين) ثلاث منازل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، الأول: {عِلْمَ الْيَقِينِ}، وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق السمع والخبر والقياس والنظر وهو علم أهل العقيدة، والثاني هو: {عَيْنَ الْيَقِينِ} وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق المشاهدة والنظر، وهو أقوى من اليقين الاول لأنّه ليس الخبر كالعيان، وليست المشاهدة كالسماع وهو علم الخاصة من أهل التصوف، والثالث: {حَقُّ الْيَقِينِ} وهو أعلى درجات اليقين لأنّه لا يقتصر على الرؤية والمشاهدة، وإنّما يتعداها إلى المعاينة والمعايشة الدائمة المستمرة، فتلك هي أعلى مراتب اليقين، وهو حال خاصة الخاصة الكمل من الوارثين، وأهل التصوف الحق يطلبون حق اليقين، لا يرضون بعلم اليقين – لأنه إيمان مبني على الخبر – حتى يترقوا منه إلى مشاهدة حقيقة الخبر، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ بِالْخَبَرِ، إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ بِالشُّهُودِ القلبي، ومن ثم من عين اليقين بالله شهودا قلبيا، إلى حق اليقين في الله معاينة وتحقيقا، فيخرجون من العلم إلى العيان ومن العيان إلى التحقيق، وهذه سنة الخليل عليه السلام، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، طلب الخليل وهو في مقام البقاء بالله، التحقيق، (حق اليقين) فيرى بالله كيف يحي الله الموتى، فيشهد الإحياء بالحق شهود معاينة وتحقيق، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.
[المفتاح الثاني]: غاية الصوفية: بلوغ حق اليقين بالله تعالى في الدنيا قبل الآخرة، ولا يكون ذلك إلا بالدخول على حضرة الحق القدسية وشهود تجليات أسمائه وصفاته، ولا يؤذن بالدخول إليها إلا لمحسن تجاوز مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان وتحقق بمرتبة الإحسان الظاهر والباطن: إحسان أعمال الجوارح وإحسان أعمال القلب، ولا يؤذن بالدخول إليها إلا لمن كان طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من عيوبه متحليا بأنوار الروح بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية، ولا يؤذن بالدخول إليها إلا لصاحب الأدب العالي، والعلم الصحيح، فلا يؤذن بالدخول إليها لسيء الأدب ولا لصاحب بدعة، ومن شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة القدسية (إزالة الحجب) التي تحجب عن شهود تجلياتها القدسية، وأشد تلك الحجب حجاب رؤية النفس والاعتداد بعملها، ولا يؤذن بالدخول إليها إلا لولي من أولياء الله تعالى زكى نفسه وطهر قلبه وأطلق روحه وبلغ بها منازل الولايات التي سيأتي بيانها.
[المفتاح الثالث]: حضرات الشهود: حضرات الشهود القلبي درجات ومراتب، وكلها متعلق بأسماء الله الحسنى.
(أولها): الدخول على حضرة شهود تجليات الأسماء الحسنى المتعلقة بالأفعال، وهو مقام تجلي أفعال القدرة الإلهية عيانا، وفيه يرى الشاهد أفعال الله السارية في الوجود و يرى الكون كله مسرحا لأفعال الله، فلا يرى حركة فيه ولا سكونا إلا ويرى الله فيه، ويرى يد القدرة الإلهية تحركه عيانا لا اعتقادا، وأعلى تجليات الأفعال توحيد الربوبية، وتجليات اسم الله تعالى الرب بالربوبية على الكون بما فيه، فهو سبحانه رب العالمين، الرب الخالق البارئ المصور الرزاق، وهو سبحانه المقدر المهيمن المدبر المصرف، وهو سبحانه الناصر المعين والهادي والمضل، وهو سبحانه المعز والمذل والخافض والرافع والقابض والباسط، سبحانه لا رب للعالمين سواه، ومن تجليات الربوبية تأتي تجليات الإلهية، لأن الرب هو الإله المستحق للعبودية، فلا معبود بحق سواه، وفيه جاء معنى الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه)، (ثاني الحضرات): حضرة شهود تجليات الأسماء الحسنى المتعلقة بالصفات، فيرى تجليات صفات الكمال من الحياة والقيومية، فهو سبحانه الحي القيوم، وصفات العلم والقدرة فهو سبحانه العليم القدير، وصفات المشيئة والإرادة، فهو على ما يشاء قدير، وصفات السمع والبصر والكلام، فهو السميع البصير الذي قام الكون بأمره، الا له الحكم والأمر، فهذه أسماء الكمال، وأسماء الجلال لها تجليات الجلال فهو سبحانه: الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وأسماء الجمال لها تجليات الجمال والإكرام فهو سبحانه الرحمن الغفور التواب الرؤوف الرحيم الوهاب الكريم، وفي حضرة هذا الشهود (شهود الصفات الأزلية القائمة بالذات) يذهل الشاهد عن جميع الأكوان، ويغيب عن جميع الأكوان بما بان له من شهود الصفات القديمة الأزلية المنزهة عن الحدوث أو التغير أو الفناء.
و(أجل حضرات الشهود على الإطلاق): حضرة شهود تجليات أسماء الله تعالى الحسنى المتعلقة بجناب الذات، من تجليات أسماء الله تعالى الغني الحميد حيث الغنى الأزلي والحمد السرمدي، ومن تجليات أسماء الله تعالى القدوس والسلام حيث التنزيه التام والكمال المطلق، و ومن تجليات أسماء الله تعالى: الحق المبين حيث الوجود الحق المطلق الدائم، الذي به وجود كل شيء، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، ومن تجليات أسماء الله تعالى الأحد سبحانه حيث العجز عن الادراك بلا غاية ولا بداية ولا نهاية، وفي هذا الشهود (شهود جناب الذات) يفنى الشاهد عن كل شيء، ويغيب عن كل شيء، وينمحي عن ذاته، وعن الشهود نفسه، ويبقى بين يدي الله عز وجل، ويترقى إلى ما لا نهاية له من تجليات الشهود، فإن جناب الذات تعالى وتقدس مقدس ومنزه عن الحد والغاية والبداية والنهاية، فإذا بلغ السالك هذا المقام، فإنه يترقى في منازل النهايات من أقسام منازل السائرين إلى الحق المبين، وهذا التوحيد لا يمكن وصفه بالعبارات، وكمل العارفين وقفوا على ساحل بحر هذا الشهود ولا يسمح بالولوج فيه إلا للأنبياء والمرسلين، ولا حد لهذا البحر الأطم العظيم، وكما أن الله تعالى بجناب ذاته وصفاته لا حد ولا غاية ولا نهاية للكمالات، كمال مطلق، فلا حد ولا غاية ولا نهاية للتجليات، وليس تجلى منها يشبه الآخر، فإنها من عالم التقديس المنزه عن الزمان والمكان والحدود والغايات والبدايات النهايات.
[المفتاح الرابع]: حضرة شهود التجليات الأسمائية: من المعلوم عند اهل التصوف أن الله سبحانه وتعالى إنما يتجلى على الكون بأسمائه، فلا شي في هذا الوجود إلا وله اسم إلهي يشرف عليه، فالعلم وأقسامه تحت اسمه العليم، والكرم وعوالمه تحت اسم الله الكريم، والرحمة وعوالمها تحت اسمه الرحمن الرحيم وأسماء الله سبحانه وتعالى مطلقة، فلا يشرك اسمان في تدبير عالم من العوالم المخلوقة، وإنما كل عالم من العوالم واقع تحت إشراف اسم إلهي واحد، وكلما تعمق الصوفي في المعرفة فإنه يرى الوجود آثارا لأسمائه الحسنى، فيتحول الكون من حوله إلى منصة عبور يعبر منها إلى أسماء الله، ويكون دائم الحضور مع أسمائه الحسنى، فلا يرى في كل ما يحيط به إلا آثار أسمائه سبحانه، وهذا ما يُعرف عندهم في علم التوحيد الصوفي بتوحيد الأسماء الحسنى، و(تجليات الأسماء الحسنى)، تشمل تجليات أفعال الله وصفاته وجناب ذاته، فإن من الأسماء الحسنى ما يتعلق بالأفعال، ومنها ما يتعلق بالصفات، ومنها ما يتعلق بجناب الذات، وإن كان كلها أسماء لجناب الذات، ولكن باعتبار تعلقها بظهور جناب الذات، أو ظهور الصفات أو ظهور الأفعال تسمى أسماء الذات والصفات والأفعال، فمن أسماء جناب الذات: الحق والغني والقدوس والسلام والأحد سبحانه، ومن أسماء صفات جناب الذات، صفات الكمال من الحياة والقيومية، فهو سبحانه الحي القيوم، ومن العلم والقدرة فهو سبحانه العليم القدير، ومن المشيئة والإرادة، فهو على ما يشاء قدير، ومن السمع والبصر والكلام، فهو السميع البصير الذي قام الكون بأمره، الا له الحكم والأمر، وصفات الجلال والإكرام، صفات الجلال من تجليات أسماء الله تعالى الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وصفات الإكرام من تجليات أسماء الله تعالى الرحمن الغفور التواب الرؤوف الرحيم الوهاب الكريم، ومن أسماء أفعال جناب الذات، الرب الخالق البارئ المصور الرزاق المهيمن المدبر المصرف، الناصر المعين الهادي المضل، المعز المذل الخافض الرافع القابض الباسط سبحانه لا رب للعالمين سواه، ومن الأسماء الحسنى ما يتعلق بها جميعا، كاسمه (الله) العلم على جناب الذات بأسمائه وصفاته وأفعاله.
وحضرة التجليات درجات أولها تجليات الأفعال، ثم تجليات الصفات، ثم أعلاها تجليات جناب الذات، والحضرة الأولى (حضرة تجليات الأفعال) تسمى حضرة الملك، والحضرة الثانية (حضرة تجليات الصفات) تسمى حضرة الملكوت، والحضرة الثالثة (حضرة تجليات جناب الذات) تسمى حضرة الجبروت، هذه بعض حضرات التجليات الأسمائية، وحضرات الاسماء الحسنى على التفصيل لا عد ولا حد ولا حصر، لان الأسماء الحسنى لا تنحصر وإنما أصولها تسع وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وفي الحديث: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [متفق عليه]، ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى (مائة إلا واحداً) دخل الجنة، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه لا يحصيها إلا الله عز وجل، وفي الحديث دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) ([7]) .
وكل اسم من الأسماء الحسنى له تجليات وله حضرة شهود، فإن كان العبد على بساط الحق مشاهداً لأفعاله تعالى، فيسمى ذلك الموطن: حضرة الأفعال، وإذا كان مشاهداً للصفات، فيسمى ذلك الموطن: حضرة الصفات، وإذا كان مشاهداً لتجليات جناب الذات، فيسمى ذلك الموطن: حضرة جناب الذات، وأول الحضرات حضرات تجليات الأفعال، (توحيد الأفعال) وهو مقام تجلي أفعال القدرة الأزلية القديمة عيانا، فإن تحقق العارف بهذا الشهود، انتقل إلى منزلة أعلى هي (توحيد الصفات) وهو مقام تتجلى فيه الصفات الأزلية القائمة بجناب الذات، حضرة مشاهدة الصفات الأزلية القائمة بالذات و بهذا الشهود يذهل الشاهد عن جميع الأكوان، ويغيب عن جميع الأكوان بما بان له من شهود الصفات القديمة الأزلية المنزهة عن الحدوث أو التغير أو الفناء، فإن تحقق العارف بهذا الشهود، انتقل إلى منزلة أعلى هي (توحيد جناب الذات) وهو مقام الشهود القلبي لجناب الذات، وهذا الشهود يغني الشاهد عن كل شيء، ويغيبه عن كل شيء، ويفنيه عن نفسه، ويمحيه عن ذاته، وعن الشهود نفسه، ويبقيه بين يدي الله عز وجل، يترقى إلى ما لا نهاية له من تجليات الشهود، فإن جناب الذات مقدس عن الحد والغاية وعن الحدود والنهاية، فإذا بلغ الولي هذا المقام، فإنه يترقى في منازل النهايات، منازل: المعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد، ومنازل النهايات أعلى المنازل، وفيها تتحقق المعرفة، ويفنى العارف في شهود تجليات جناب الذات، ويبقي ببقاء الحق في منزل البقاء، ويتم له التحقق بتحقيق الحق إياه في مقام التحقيق، ويظهر للناس في رسوم الخلق في مقام التلبيس هداية للخلق ورحمة بهم، يرونه معهم وهو بروحه في حضرة الحق، ويبلغ مقام الوجود الأزلي القديم بالله منخلعا عن ذاته المحدثة، وبعد ذلك يبلغ مقام التجريد فيذوب عن ذاته ويغيب عن نفسه مع تجليات الشهود القلبي، ثم مقام التفريد بالإشارة من الحق للحق فليس سوى الحق واجب الوجود، ثم مقام الجمع بتلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق، ثم مقام التوحيد وهو أعلى مقامات السالكين، توحيد الحق بذاته لذاته فلا يوحد القديم إلا القديم، والتوحيد الحق إنما هو توحيد الواحد لجناب ذاته، فما وحد الواحد من واحد، إذ كل من وحده جاحد لأن من زعم أنه موحد، فهو يرى نفسه مع ربه فكيف يزعم التوحيد وهو يرى لنفسه وجود، التوحيد الحقيقي هو توحيد الأحد لجناب ذاته حيث الأزل، وهذا التوحيد هو نهاية مطاف السالكين، ومنزلة التوحيد أوسع من الخلائق والمعارف، وكما أن كمالات جناب الذات لا تتناهى، فكذلك تجليات التوحيد لا تتناهى، وكمل العارفين وقفوا على ساحل بحر هذا التوحيد ولا يسمح بالولوج فيه إلا للأنبياء والمرسلين، ولا حد ولا غاية، ولا بداية ولا نهاية، لأنها من عالم التقديس المطلق المنزه عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات.
[المفتاح الخامس]: خلاصة المراد من التزكية والسلوك عند أهل الإرادة والعرفان، هو الدخول على حضرة الشهود، شهود الربوبية وشهود الإلهية، وشهود أسماء الله تعالى الحسنى المتعلقة بالأفعال والصفات وجناب الذات، ولكن كما ان لكل عبادة شروط لا تصح إلا بها، فكذلك الدخول على حضرة الشهود له شروط دقيقة واضحة لا يمكن السماح بالدخول إلا عند تحقيقها، إذ من شروط صحة الصلاة على سبيل المثال: الإسلام فلا تصح الصلاة من كافر أو مشرك، والعقل، فلا تصح الصلاة من مجنون لا يعقل أحكامها، والطهارة مِن الحَدَث الأصغر والأكبر، فلا تصح الصلاة إلا بتلك الطهارة بالغسل أو الوضوء، وأدنى حدث يفسد الوضوء والصلاة، و طهارة الثوْب والبَدَن والمكان مِن النجاسة، فلا تصح الصلاة إلا بتلك الطهارة، و سَتر العَوْرَة، فلا تصح الصلاة إلا بستر العورة، واستقبال القِبْلَة، والعلم المسبق بأحكام الصلاة وأركانها وشروطها ومبطلاتها، فلا تصح الصلاة إلا بتلك الشروط، وكذلك الدخول على حضرة الشهود لا يصح إلا بتحقق شروط الدخول إليها، فإذا كان من شروط صحة الصلاة الإسلام فلا تصح الصلاة من كافر أو مشرك، فكذلك من شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة (الإحسان) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمحسن تجاوز مرتبة الإسلام والإيمان وبلغ مرتبة الإحسان، وإذا كان من شروط صحة الصلاة العقل فلا تصح الصلاة من مجنون، فكذلك من شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة (العرفان) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لعارف بلغ أعلى منازل العلم والحكمة والبصيرة، وإذا كان من شروط صحة الصلاة: الطهارة الحسية مِن الحَدَث الأصغر والأكبر، فلا تصح الصلاة إلا بتلك الطهارة بالغسل أو الوضوء، وأدنى حدث يفسد الوضوء وبالتالي فإنه يفسد الصلاة، فكذلك من شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة (الطهارة المعنوية) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمن كان طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من عيوبه متحليا بأنوار الروح بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية، وإذا كان من شروط صحة الصلاة سَتر العَوْرَة، فلا تصح الصلاة من عريان، فكذلك من شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة (إزالة الحجب) التي تحجب عن شهود التجليات القدسية، وإذا كان من شروط صحة الصلاة العلم المسبق بأحكام الصلاة وأركانها وشروطها ومبطلاتها، فلا تصح الصلاة إلا بتلك الشروط، فكذلك من شروط الاذن بالدخول إلى الحضرة (الأدب المسبق والعلم المسبق) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمن تأهل بأدبه وعلمه للدخول على حضرة الحق.
([3]) التعرف لمذهب أهل التصوف ص 86.
([4]) مستد الإمام أحمد 39/375 ح 23951.