الفصل الرابع مفاتيح علم التقديس المتعلقة بصفات الله تعالى
[المفتاح الأول]: صفات الله تابعة لجناب ذاته، لها الكمال المطلق والقدم الازلي، (جناب الذات الإلهي): له الكمال المطلق والتقديس المطلق وله القدم الأزلي والبقاء الأبدي، وصفات الله تابعة لجناب ذاته، فهي قديمة كقدم الذات، لها الأولية بلا ابتداء، ولها البقاء بلا انتهاء، أزلية أبدية، فلا بداية ولا نهاية، ولا حد ولا غاية، صفات مطلقة لها غاية الكمال والقدم، و (صفات الحق سبحانه): ليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، ولما كانت صفات المخلوق مكتسبة متغايرة، يكتسبها حينا ويفقدها حينا آخر، فهي غير الذات، ظن أهل الجهل بالله وصفاته أن صفاتِه غيرُه، وكيف تكون غيره وهي قديمة، ولا قديم إلا الواحد الأحد، وكيف تكون هي هو والصفات لا تقوم بنفسها وإنما بالذات، فـــ (القول الأمثل): أن نقول: الصفات لجناب الذات، فلا هي هو، ولا هي غيره، بل هي له، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، تأخذ حكم الذات من حيث القدم والبقاء والكمال الذي لا يقبل أي زيادة ولا نقصان، والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان اعتقاد ذلك كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، وليس كثرة الصفات دليل على تعدد القدماء، بل الإله قديم واحد أحد بجناب ذاته، وجناب ذاته تتصف بكمال صفاته، (إن قلنا): صفاته عين ذاته فقد جعلنا الصفة عين الموصوف، وجعلنا الموصوف عين الصفة، وتصير الذات صفة والصفة ذات، ويصير الذات معنى والمعنى ذات، وهذا محال، و (إن قلنا): صفاته غير ذاته افترضنا وجود قدماء مع القديم وهذا تعدد للآلهة وهذا باطل محال، وافترضنا وجود أشياء قديمة منفصلة عن الذات او متصلة به، وهذا ايضا باطل محال لان الله تعالى أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا أجزاء ولا ابعاض ولا تركيب ولا اتصال ولا انفصال، وعلى ذلك فــ (القول الأمثل): أن نقول: صفات الحق لا هي هو، ولا هي غيره، بل هي له، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، تأخذ حكمها من حيث الكمال والإطلاق، و (القول الأمثل) أنّ نقول أنّ الصفات للذات، فــ (العليم) سبحانه: هو الذي ينكشف له كل معلوم من غير خفاء، فالعلم هي الصفة التي يتم بها الكشف والادراك، ولا يجوز أن نتوهم أنّ صفة العلم هي التي تكشف كل معلوم بل الذات هي التي تعلم وتدرك من حيث أنّ لها صفة العلم المطلق بكل شيء، فالله هو العليم الذي له صفة العلم، و (القدير) في حقيقته هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، فالقدرة هي التي يتم بها الفعل والترك، ولا يجوز أن تتوهم أن الصفة هي التي توجد وتعدم، بل الذات هي التي توجد وتعدم من حيث لها صفة القدرة فالله تعالى هو القادر وهو الموجد وهو المعدم، وهو المحيي وهو المميت.
[المفتاح الثاني]: جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله، ومعنى ذلك أنّ جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات كمال وجلال وجمال تليق بجناب الذات الإلهي سبحانه، ليس كمثل جناب ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، (فالرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، وهكذا فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله.
[المفتاح الثالث]: من العلم الراسخ بالله: العلم بصفات الله تعالى العلا: إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله، فصفة العلم تدل على أنّ الله تعالى لا يغيب عن علمه شيء، وصفة الرحمة تدل على أنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء، والقول في الصفات كالقول في جناب الذات تماماً، فكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكفء والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (اللهم لا نحصي ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك)
[المفتاح الرابع]: الصفات الواجبة لله تعالى: منها ما هو واجب في الحكم العقلي، ومنها ما هو واجب بالشرع، (الصفات الواجبة من جهة العقل): هي صفات الكمال التي أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ولا يمنع كون وجوبها عقلا ان الشرع قد اتى بها، ولهذا قال علماء الاصول أن: صفات الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والمخالفة للحوادث، والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، واجبة لله تعالى عقلا، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ضد صفة (الوجود) العدم، وضد (القدم) الحدوث، وضد صفة (البقاء) الفناء، وضد (المخالفة للحوادث) المشابهة للحوادث، وضد صفة (الوحدانية) وجود الشريك، وضد صفة (الحياة) الموت، وضد صفة (القيام بالنفس) الاحتياج، وضد صفة (القدرة) العجز،، وضد صفة (الإرادة) الاضطرار، وضد صفة (العلم) الجهل، وضد صفة (السمع) الصمم، وضد صفة (البصر) العمى، وضد صفة (الكلام) البكم، ومنها ما هو واجب في الحكم الشرعي، وهناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي شرعي وليس عقلي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98].
ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة، وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى، والصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام وسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء الله عز وجل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها، أما الصفات الواجبة لله في الحكم الشرعي فإنّ الأسماء الحسنى التي وردت في القرآن والسنّة جميعها يدل على صفات لله عز وجل وقد تقدم في المبحث السابق (التقديس والتنزيه والتوحيد في أسماء الله الحسنى) أسماء الله الحسنى الدالة على صفاته العلى.
[المفتاح الخامس]: الصفة الأولى من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوجود: قال تعالى {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير، الله موجود، وجوده ذاتي لا يقبل العدم، وهو الواجد كل موجود، كل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم، ملك الملوك وخالق كل مخلوق، ورازق كل موجود، لولا وجوده سبحانه ما وجد من العالم شيء، ولولا وجوده سبحانه ما تحرك ساكن ولا سكن متحرك، ولولا وجوده سبحانه ما بدأت حياة ولا انتهت أخرى، ولولا وجوده سبحانه ما انفلق عن الطين الضعيف شجر، ولا نبت في الشجر الجامد ثمر، ولا تعددت في البشر ألوانهم واختلفت ألسنتهم وتباينت آراؤهم وتنوعت أذواقهم وكلهم من جنس واحد وأفراد لنوع واحد، ولولا وجوده سبحانه ما كان من الطين نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاما ولحما ثم بشرا سميعا بصيرا عاقلا مريدا متكلما، وجعل من هذا البشر الزوجين الذكر والانثى، إن العقل ليقضي بأن أحق من يوصف بالوجود ويُنادى بالموجود هو من منح خلقه الوجود، أفاض على الممكنات من فيوضات وجوده، فأخرج ما شاء منها من العدم الخالص إلى الوجود، وخص كل موجود بصفات تخصه، وخص كل نوع بخصائص تميزه، ومنح كل فرد سماته الشخصية التي يتميز بها عن غيره، أفي الله شك؟ فاطر السموات والأرض، وخالق الجماد والنبات والطير والحيوان، وخالق الإنسان، إن وجود الله تعالى حقيقي لا شك فيه، ولكنه وجود مطلق، ليس كمثل وجوده وجود.
(الوجود): يدل الوصف به على جناب الذات دون معنى زائد، وإنما قدم الوجود على بقية الواجبات له تعالى لأنه أصل، وما عداه كالفرع، إذ الحكم بوجوب الواجبات في حقه تعالى لا يتعقل إلا بعد الحكم بوجوب الوجود، ومعنى كونه تعالى واجب الوجود أنه لا يجوز عليه العدم ولا يقبله لا أزلاً ولا أبداً، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أنه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، وقال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج:65]، فالدليل على أنه واجب الوجود: أنّ العالم حادث، وكل حادث يفتقر إلى محدث، والمحدث للعالم هو الله تعالى، وكل من وجب افتقار العالم إليه فهو واجب الوجود، فوجب وجود الله تعالى.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الوجود: (أ) هناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات وهي كل ما عدا الله سبحانه، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود، (ب) وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء، ليس وجوده في إطار المكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في إطار الزمان لأنه خالق الزمان، فهو سبحانه قبل الزمان والمكان، (ت) الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوده سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء.
[المفتاح السادس]: الصفة الثانية من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدم: (الأول بلا ابتداء)، والمراد بالقدم في حقه تعالى: القدم الذاتي، وهو: عدم افتتاح الوجود، أو عدم الأولية للوجود، وأما القدم في حقنا فالمراد به الزماني، وهو طول المدة، وهذا مستحيل في حقه تعالى، لأنّه سبحانه لا يجري عيه زمان، فالقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([1]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ([2]) . ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([3]) . وفيه وصف سلطان الله عز وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدم: (أ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ، (ب) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، (ت) قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى هو الأزليٌّ الأبديٌّ وحده.
[المفتاح السابع]: الصفة الثالثة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البقاء: يجب وصف البقاء لله تعالى، والمراد بالبقاء في حقه تعالى عدم اختتام الوجود، ودليله: أنّ كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وقد ثبت له القدم، (البقاء): معناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 25]، وقال تعالى:: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) [أخرجه مسلم]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البقاء: (أ) بقاء الله ذاتي لا يقبل الفناء ولا يقبل العدم، بقاء الجنة والنار وخلود أهل الجنة والنار، فبقاء الله ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء أما بقاء الجنة أو النار فهو بقاء متعلق بإبقاء الله تعالى لها، فهي باقية لأن الله أراد لها البقاء، (ب) وكذلك فإن بقاء الله تعالى أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا بإيجاد الله تعالى لهما.
[المفتاح الثامن]: الصفة الرابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة المخالفة للحوادث: ومعناها نفي المشابهة في جناب الذات، فليس جناب ذاته من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك، (المخالفة للحوادث) تقديس عن (الجسمية) وسماتها من (الجرمية) ولازمها (التحيز) و(العرضية) ولازمها (القيام بالغير) و(الكلية) ولازمها (الكبر) و(الجزئية) ولازمها (الصغر) إلى غير ذلك من سمات الأجسام كالفوقية والتحتية، والحركة والسكون، تقدس عن سمات الجسمية فهو سبحانه أحد صمد ليس بجسم، ولا بعرض، قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي لم يكن له أحدا مكافئاً، مقدس عن المكان والزمان وعن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة المخالفة للحوادث: (أ) لو كان القدوس يشبِهُ شيئًا من خلقِهِ لجازَ عليه ما يجوزُ على الخلقِ من التغيُّر والتطورِ والفناءِ، ولو جازَ عليهِ ذلك لاحتاج إلى من يُغَيّرُهُ والمحتاجُ إلى غيره لا يكونُ إلها فثبت أنه لا يشبِهُ شيئًا، (ب) قوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهو أوضحُ دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرءانِ لأنَّ هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة الخلق، لا يُشبِهُ شيئًا من ذلك، ولا يشبهه شيء، (ت) ويشملُ هذا النفيُ {ليس كمثله شيء} تنزيهَهُ تعالى عن الكميةِ والكيفية، فالكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ كالأجرامِ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ لأنه لا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو جَعَلَ نفسَه بذلك الحدّ، والمحتاجُ إلى غيرِهِ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء غيب الغيوب لا يدرك.
[المفتاح التاسع]: الصفة الخامسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوحدانية: إن معنى الوحدانية يرجع إلى أن البارئ جلّ وعلا واحد لا شريك له، أحد لا جزء له، فالله الواحد نفي للشريك، والله أحد تقديس عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء، منزه عن التركيب، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له، أحد لا جزء له.
ومبحث (الوحدانية) أشرف المباحث، لذا سمي هذا العلم علم التوحيد، والله تعالى لما ثبت أنه لا خالق سواه، لزم أنه لا يستحق العبادة غيره، فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى لم ير مستحقاً للعبادة إلا هو سبحانه، والقرآن كله يدور على هذا التوحيد وحقوق أهله والثناء عليهم، وفي شأن ذم الشرك وأهله وجزائهم، والتوحيد يشمل وحدة الذات والصفات والأفعال، أما وحدة الذات بمعنى عدم التركب من أجزاء، ووحدة الصفات بمعنى عدم تعددها من جنس واحد، كقدرتين فأكثر، وأما وحدة الأفعال بمعنى أنه لا تأثير لغيره سبحانه في فعل من الأفعال في الوجود كله، ودليل (الوحدانية): أنه لو كان ثمة إلهان لما وجد شيء من الأكوان، لأنه لو كانا إلهين، فإما أن يتفقا أو يختلفا، ومحال أن يتفقا لأن مرتبة الألوهية تقتضي الغلبة المطلقة، كما يشير له قوله تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وعلى افتراض الاتفاق وهو محال فلا يمكن أن يوجداه معاً، لأنه إن أوجده الأول فالثاني لا محل له، ولا يمكن أن يختص أحدهما ببعضها والآخر ببعضها الآخر، لأنه إذا تعلقت قدرة الأول بشيء فمعناه انسداد الطريق أما قدرة الثاني للتعلق به، وهذا عجز يقضي بأنه ليس بإله، وإن اختلفا بأن أراد أحدهما إيجاد العالم، والآخر إعدامه، فلا يمكن أن ينفذ مرادهما معاً، لأنه يترتب عليه اجتماع الضدين، ولا يمكن أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، لأنه يعني عجز الذي لم ينفذ مراده، وهو بالتالي ليس بإله، إنما الذي نفذ مراده هو الإله، وإذا بطل التعدد لبطلان ما يترتب عليه ثبتت الوحدانية، وانتفى الشرك، وقد ذكر الله سبحانه هذا الدليل في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} أي لو كان فيهما آلهة مع الله -وهذا محال- لفسدتا بسبب التنازع، وأقسام التوحيد كثيرة ولا مشاحة في التقسيم إذ المقصود ان يشمل كافة أوجه التوحيد وأقسامه، فيجب اعتقاد وحدانية الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات، ويجب اعتقاد وحدانية الأسماء الحسنى فلا يشاركه سبحانه فيها كلها على حقائقها غيره، ووحدانية الصفات العلا لها الكمال المطلق لا حد لصفاته كما تقدس عن الحد ذاته، ووحدانية الأفعال فلا ثم إلا خلقه، ووحدانية الربوبية فلا رب سواه، ووحدانية العبودية فلا معبود بحق إلا هو، وكل هذه الأقسام يشملها توحيد الألوهية (لا إله إلا الله).
[المفتاح العاشر]: الصفة السادسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الحياة: ويجب الإيمان بوجوب الحياة في حق الله عزّ وجلّ وهى صفة قديمـة قائمـة بذات الله تعالى، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات اللائقة به تعالى، والحياة صفة من صفات الله عَزَّ وجَلَّ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان: 58]،.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الحياة: (أ) حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255]، (ب) وإذا كان كل حي حياتة قائمة بروح، فإن حياة الحي القيوم سبحانه ليست بروح، ودليل ذلك اقتران صفة الحياة مع صفة القيومية: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فهو سبحانه القائم على صفاته بذاته، والمستغني بذاته عمّن سواه، (ت) له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت، وهو الحي القيوم لا إله إلا هو، وكل حي فمحتاج إليه، مستمد حياته من فيض كرمه وجوده.
[المفتاح الحادي عشر]: الصفة السابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القيام بالنفس: ومعناه أنه سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه، له كمال الغنى والقيومية، فهو سبحانه الغنيُ الحميد، والحي القيوم، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه، فقير إلى فضله وحمده وغناه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، والمراد من صفة (القيام بالنفس) عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص، فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره إلى المكان، وأما المراد بالمخصص فيراد به عدم افتقاره إلى الموجد، ودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً، كيف وقد سبق وجوب وجوده، وقدمه، وبقائه.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القيام بالنفس: (أ) معنى قيامه تعالى بنفسه أنه تعالى منزه عن الحاجة، والحاجة نقص والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغـه، ويـدركه وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج فالنقص منفى عن القديم بكل حال والعجز غير جائز عليه، (ب) القيام بالنفس هو غناه تعالى عن المحل، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه أو عرش يحمله، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، وهو الواحد القهار، (ت) الله تبارك وتعالى مستغنٍ عن كل شيء ومحتاجٌ إليه كلُّ شيء سِواهُ، والله تبارك وتعالى من كمال غناه وقيامه بنفسه لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا يُضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء} [سورة محمد].
[المفتاح الثاني عشر]: الصفة الثامنة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدرة: وهي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه، وهي تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق، إما لإيجاده أو لإعدامه،، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى، فلا يجوز، ولا يصح أن يقال: أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم، ومتى شاء أن لا يعلم فإنه لا يعلم، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى، لا تعلق للقدرة بها، لأنه بكل شيء عليم، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى،، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً، والله تعالى على كل شيء قدير، بمعنى إيجاد الممكن – وهو كل ما يتعلق بالمخلوق – وإعدامه، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدرة: (أ) الفقه الصحيح لما تتعلق به القدرة: أن قدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها، قال تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير، ولكن قدرة الله تعالى لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود، (ب) قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى، كمثل شخص يقول: هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه؟، وهذا السؤال كفر والجواب عليه: لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً، فلا يكون إلهاً، ولا خالقاً، ومثل ذلك تماماً، زعم النصارى أن لله تعالى الولد، وهذا مستحيل، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد.
[المفتاح الثالث عشر]: الصفة التاسعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الإرادة: وهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتة بالكتاب والسنة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم كوجود المخلوق في زمن دون غيره وفى مكان دون آخر وعلى صفة أو هيئة دون غيرها وهكذا، لقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وقوله تعالى:{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]، وقوله تعالى:{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَم} [الأنعام: 25] وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم) ([4]) .
[المفتاح الرابع عشر]: الصفة العاشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة العلم: العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة وهي صفة أزلية متعلقة بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق انكشاف على وجه الإحاطة على ما هي به من غير سبق خفاء، فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو أنه يكون، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ويعلم أفعال عباده، وكل ما يكون منهم، عالم بكل شيء، عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه خافية، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات: قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] وقال تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98] وقال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة العلم: (أ) علم الله تعالى قديم كامل، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور، ووجد الكون على هذا الصنع البديع، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أنه خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]، وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، (ب) علم الله تعـالى لا يقال عنه أنه مكتسب لأن العلم المكتسب هو العلم الحاصل عن النظر والاستدلال، لأنه يلزم منه قيام الحوادث بذاته تعالى، ويلزم أيضاً سبق الجهل في حقه تعالى، وهو محال، فعلم الله قديم لا يوصف بانه كسبي ولا يوصف بكونه ضرورياً أو نظريا أو بديهياً أو يقينيا أو تصورياً أو تصديقياً، لأنه صفة أزلية تابعة لجناب الذات ليس لها نهاية ولا بداية، يعلم الله تبارك وتعالى جميع الأشياء، لا يضل ربي ولا ينسى، (ت) صفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي معلوم، وهو بكل شيء عليم، (ث) علم الله قديم يعلم ما كان وما سيكون، وهناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}، وقوله تعالى: {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والمراد ليظهر لهم متعلّق علمنا القديم، والمعنى: إلا لتعلموا أننا نعلم، (ج) علم الله قديم كامل لا يتجدد له سبحانه علم بتجدد المعلومات عبر الزمان، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يكون الزمان فاعلا في علمه، ولان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم لكان علمه قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا، والإلهية لا تقبل النقصان، ولا عجب فالله يعلم كل أحوالنا وأحوال الكون كله قبل أن نوجد لأننا كنا جميعا في علم الله القديم، قال تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40].
[المفتاح الخامس عشر]: الصفة الحادية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة السمع: صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسنة والإجماع ينكشف لله بها جميع المسموعات، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، و(السميع) من أسمائه تعالى: قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة السمع:
(أ) سمع الله تعالى ليس كمثله شيء، فهو سمع منزه عن الأذن والصماخ، فهو يسمع بلا آلات كما أنه يتكلم بلا آلات، ولا يطرأ على سمعه ضعف ولا انقطاع، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
(ب) صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان.
(ت) صفة (السمع) لا يجري عليها زمان، الله منكشف على سمعه الازلي القديم جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له، لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، فلا يتجدد له سمع بتجدد المسموعات، ولا يكون الزمان فاعلا في علمه الأزلي ولا سمعه الازلي ولا بصره الازلي، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، ولا عجب من ذلك فالله يسمعنا ويرانا ويعلم كل أحوالنا قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، وسمعه القديم وبصره القديم، قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134]،.
(ث) اختلاف السادة الاشاعرة المتخصصين في عقائد الإسلام مع الحشوية المتمسلفة في صفات السمع والبصر والعلم وسائر الصفات المحكمة، فالجميع يقولون الله سميع يوصف بالسمع، والله بصير يوصف بالبصر، والله عليم يوصف بالعلم، ولكن المتمسلفة يظنون ان السمع يتجدد مع تجدد الالفاظ، والعلم يتجدد مع تجدد المعلومات والبصر يتجدد مع تجدد المبصرات، وهذا حشو وتجسيم، فالله تعالى ليس كمثله شيء وليس كمثل صفاته صفات، فالسمع عندما نطلقه صفة لله يختلف عن معناه إذا أطلق صفة للإنسان، فنحن لا نعرف حقائق صفات الله، ولا نستطيع إدراك حقيقة السمع القديم المنزه عن الحدث وعن الزمان، فالمعنى المراد من السمع على سبيل المثال يغاير ما نعلمه من صفة السمع من كل الجهات إلا جهة اللفظ وجهة الارتباط، ومعنى جهة الارتباط أنّ الله يسمع الأصوات، ولكنه سبحانه يسمع بسمعه القديم الأزلي المقدس عن الزمان فتعلق سمع الله بالأصوات ليس كتعلق سمع البشر بالأصوات فنحن نسمع الأصوات في زمان حدوثها وقد تقدم بنا العلم فامكن تسجيلها وسماعها في المستقبل ولو قلت لاحد من مائتين عام مثلا أننا يمكن ان نسمع الأصوات الحاضرة في المستقبل لما استوعب ذلك والآن يستوعب ذلك، فلم لا نستوعب أن سمع الله قديم تنكشف عليه جميع الأصوات مقدسة عن جريان الزمان ولا تختلط عليه الأصوات، فمن ثم نثبت لله سمعا ليس كمثله شيء صفة قديمة ازلية قائمة بذات الله تعالى تتعلق بالمسموعات تعلق انكشاف، لا ندري حقيقتها ولا تفاصيلها ولا نستوعب ذلك لعجز علمنا عن بلوغ حقائق الصفات الإلهية، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فالأصوات اعراض تحدث متتالية يحكمها الزمان فيستحيل علينا الإحاطة بها عند تعلقها بالله كصفة قديمة ازلية مقدسة عن الزمان والمكان، فمقولة الصفة معلومة والكيف مجهول افتئات على صفات الله القديمة الازلية، لأنها عبارة قاصرة عن بيان الحقيقة لانّ حقائق صفة السمع القديم المتعلق بالله والذي به تنكشف كل المسموعات عبر المكان والزمان، والزمان لا ينقطع لبقاء أصوات اهل الجنة واهل النار بلا انقطاع إلى ما لا نهاية، فحقيقة صفة سمع الله تعالى عندنا لا نحيط بها علما ولا يعلمها إلا الله، فمع أنّ السمع صفة واحدة لا تتبعض وهي صفة كمال محكمة لأنّ من أسماء الله الحسنى السميع وضدها الصمم صفة نقص ومع ذلك فنحن لا نعلم عنها سوى اثباتها لله من جهة اللفظ وجهة الارتباط، بمعنى أنّ الله يسمع كلامنا أما اهل الحشو والتجسيم فيظنون انّ الله تعالى يجري عليه زمان فتتجدد له صفة السمع كلما تكلم مخلوق فهو يسمع حين كلامنا ويبصر حين وجودنا ويتجدد له السمع والبصر والعلم كل لحظة بمليارات المعلومات والصور والتسجيلات هذا ظنهم في الله وهذا تكييفهم لصفات الكمال فإنا لله وإنا إليه راجعون ولازم قولهم ان الله تعالى علوا كبيرا تتجدد له المعلومات والمسموعات والمبصرات كل لحظة وحين ومعنى ذلك ان صفاته جل وعلا تقبل الزيادة ومن قبل الزيادة كان قبلها ناقص عن الكمال بمقدار الزيادة التي زادت في تلك اللحظة وهكذا، فعندهم الإله تتجدد صفاته في كل لحظة، وهذا هو الافول الذي استدل به نبي الله إبراهيم عليه السلام في نفي الإلهية ومعناه التغير والحدوث، فالذي تتغير صفاته بفعل خلقه ليس إلها ولا له الكمال المطلق لان تعريف الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا وإن قبل النقصان وتقدس الله عن النقصان لم يكن إلها، فتعالى الله عما يصفون نعوذ بالله تعالى عن الجهل وأهله،
[المفتاح السادس عشر]: الصفة الثانية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البصر: صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه تحيط بجميع المبصرات وينكشف لله تعالى بها جميع الموجودات، و(البصير): اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً} [النساء: 58]، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أنه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البصر: (أ) الله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته، يرى سبحانه من غير احتياج لحدقة أو واسطة أخرى وإن رؤيته أزلية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع.
(ب) صفة البصر صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان، {إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً}.
(ت) الرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر: قال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]. (ث) البصر صفة واجبة لله تعالى لأنه تعالى لو لم يكن سميعاً بصيراً لكان ذلك نقص تنزه وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (ج) صفة (البصر) لا يجري عليها زمان، الله منكشف على بصره جميع المبصرات، فلا يتجدد له بصر بتجدد المبصرات، ولا يكون الزمان فاعلا في بصره القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، لا تقبل الزيادة ولا القصان، ولا عجب من ذلك فالله يسمعنا ويرانا ويعلم كل أحوالنا قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134].
[المفتاح السابع عشر]: الصفة الثالثة عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الكلام: صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، و (الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وكلامه تعالى صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، و(الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث، لربما يتوهم من إطلاق ذلك أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة، وصفاته كلها قديمة، ومن نسب القرآن لغير الله تعالى فهو على خطر عظيم، قال الطحاوي: “من سمعها – أي آيات القرآن – فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} “علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر” أهـ،([5]) .
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الكلام: (أ) القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله القديم، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله تعالى، (ب) كلام الله ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، ولا يقال عنه كما يقول اهل الحشو: أنه يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ومن اعتقد ذلك فقد جعل الكلام محدودا مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه، ونحن لا نملك إلا أن نقول: العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، (ت) كلام الله تعالى ليس كمثله كلام، وليس كلامه تعالى من جنس كلام البشر بحرف وصوت، ولا يوصف كلام الله تعالى بتقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، (ث) كلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، (ج) الكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، وصفة الكلام غير صفة العلم، رغم أنه عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله، و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، وكلامه سبحانه واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، (خ) القرآن الكريم كلام الله تعالى، مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور ليس كمثل كلامه كلام، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41،42]، وتحدى جميع الخلق ان ياتوا بمثله، وأعلمهم انهم لن يفعلوا، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23،24]، وقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، (د) أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فقالوا: صفة الكلام من صفات الفعل، فكأنما من لازم قولهم أنّ الله تعالى يخلق صفاته، لأنّ الكلام صفة لله، فكيف تكون من صفات الفعل كالخلق والرزق وهما متعلقان بالمخلوق محددان ومقدران، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار}، ومعنى هذه الآيات أن الخلق والرزق محدد مقدر فهل الكلام كذلك، وكيف يكون كذلك وقد قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
واخطأوا عندما قالوا: أنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنّ أصله قديم وأنّ آحاده محدثة، وأنه تعالى ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وهم هكذا جعلوا الزمان فاعلا في كلام الله، وجعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، صفة (الكلام) قديمة أزلية لا يجري عليها زمان، فلا يتجدد له كلام، ولا يكون الزمان فاعلا في كلامه القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، ومنها كلامه فلا يقبل الزيادة ولا القصان، لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أما مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) فلا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، يقولون على الله جل جلاله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
[المفتاح الثامن عشر]: الصفات الثابتة لله تعالى من جهة الشرع: جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى ثابتة لله تعالى من جهة الشرع: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و (الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و (القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و (السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و (المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و (المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و (العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و (الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و (المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و (البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و (المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، وهكذا جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد.
[المفتاح التاسع عشر]: المتشابهات أخبار لا تدل بالضرورة على صفات، وقد سماها بعض علماء أهل السنّة والجماعة الصفات الخبرية، و (الصفات الخبرية): هي الصفات التي وردت بها الأخبار من الكتاب والسنة الثابتة، وهي تدخل في المتشابهات لأنها توحي بالمشابهة أو الجارحة أو التغير والحدوث، ومن ذلك (الوجه) و (النفس) و (العين) و (اليد) و (الأصابع) و (القدم)، ومنها ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها على ظواهرها نقصاً يتنزه الله تعالى عنه، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى، ومثال ذلك (الوجه) اثباته على ظاهره قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، صمد لا تركيب فيه، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم.
وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها، (الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، مع الحذر – كل الحذر – من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية، واثبات للجزء والبعض والجارحة، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية، ومثال الصفات الخبرية أيضا (الاستواء) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو أكبر من الحدود، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود، كما أنه الواحد القهار الذي قهر الحدود، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر (الجلوس)، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق صحيحة لا رابع لها، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير، وإما تفويض علمه إلى الله، (استواء على مراد الله ومراد رسول الله) مع المنع من تفسيره على ظاهره (الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه، مع الحذر من اثبات الاستواء على أنه الجلوس، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، ومع الحذر من نفي (الاستواء) كأن يقول: ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال.
ومسالك علماء أهل السنّة والجماعة في اثبات تلك الصفات الخبرية: ثلاثة مسالك معتمدة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو.
والمسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه.
والمسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، واثبات الضحك والغضب صفات لله تعالى منزهة عن التغير والحدوث والانفعالات الحسية، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}.
والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا، وقد تقدم بيان ذلك، وحمل الضحك في حديث (يضحك ربنا) إلى علامة الرضا وإرادة الثواب، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة.
والفرق بين هذه المسالك: أن المسلك الأول: يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله، والمسلك الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى، والمسلك الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر من الليل وليس لبيان كيفية النزول، فنفسره بذلك، ولا نتعرض للنزول، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء، مع عدم نفي خبر النزول، وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه.
ومن أقوال العلماء في بيان مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة في باب الصفات الخبرية: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم، والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفاً بلسان العرب وقواعد الأصول الفروع ذا رياضة في العلم ” ([6]) .
وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات: ” ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، وقوله: {ثم استوى على العرش} [الأعراف 54]، وهو مذكور في سبع آيات من القرآن، فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به،، ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الاستواء فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الاستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر وكلام السلف مستفيض بمثل هذا “([7]) .
(تنبيه): الخلاف بين أهل السنّة والجماعة وبين الحشوية يكمن في الصفات الخبرية، لأنّ الحشوية والمجسمة -وحدهم- مصرون على اعتماد ظواهر تلك المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم شكل الذات، تعالى الله عما يصفون، وذلك لما ترسخ في أذهانهم من التشبيه والتجسيم، وهو داء عضال يشبه داء الكلب إذا تحكم في صاحبة فإنه يجري منه مجرى الدماء في العروق، ولهذا يمنعون التأويل ويحاربونه لأنه يعارض بدعتهم، كل الطوائف أقرت بالتاويل وقت الحاجة لضرورة التنزيه إلا هؤلاء، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه القيم أساس التقديس: (جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار، أما في القرآن: فبيانه من وجوه: (الأول): هو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه، وذكر العين، وذكر الجنب الواحد، وذكر الأيدي، وذكر الساق الواحدة، فلو أخذنا بالظاهر، يلزمنا اثبات شخص له وجه واحد، وعلى ذلك الوجه أعين كثيره وله جنب واحد وعليه أيد كثيره وله ساق واحده، ولا نرى في الدنيا شخصا اقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة، ولا اعتقد ان عاقلاً يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة، (الثاني): أنه ورد في القرآن: أنه تعالى نور السماوات والأرض وان كل عاقل يعلم بالبديهة: أن إله العالم ليس هو هذا الشيء المنبسط على الجدران والحيطان، وليس هو هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فلابد لكل واحد منا، من أن يفسر قوله تعالى: {الله نور السماوات والارض} بأنه منور السماوات والارض أو بأنه هاد لأهل السماوات والارض، او بأنه مصلح السماوات والارض، وكل ذلك تأويل، (الثالث): قال الله تعال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، ومعلوم ان الحديد ما نزل جرمة من السماء الى الارض، وقال: {وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج}، ومعلوم: أن الأنعام ما نزلت من السماء الى الارض، (الرابع): قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم}، وكل عاقل يعلم: ان المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية، (الخامس): قوله تعالى: {وأسجد وأقترب}، فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة: فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود، (السادس): قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، وقال تعالى: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}، (السابع): قال تعالى: {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا}؟ ولا شك أنه لا بد فيه من التأويل، (الثامن): قوله تعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد)، ولا بد فيه من التـأويل، (التاسع): قال تعالى لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وهذه المعية ليست إلا بالحفظ والعلم والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لا بد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل وبالله التوفيق، أما الأخبار: فهذا النوع فيه كثرة، (فالأول): قوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه وتعالى: (مرضت فلم تعدني، استطعمتك فما أطعمتني، أستسقيتك فما أسقيتني)، ولا يشك عاقلاً: أن المراد منه التمثيل فقط، و (الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم (حكاية عن ربه) من أتاني يمشى أتيته هرولة، ولا يشك عاقلاً في أن المراد منه التمثيل والتصوير،،، فثبت بكل ما ذكرنا: إن المصير الى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل، وعند هذا قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار: محملاً صحيحاً، لئلا يصير ذلك سبباً للطعن فيه) أهــ ([8]) .
[المفتاح العشرون]: موقف المسلم من متشابهات الأخبار التي تُعارض المحكم منعقيدة التقديس: الصفات الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم، والفقه في الدين عند الحديث عنها، وهذه لها ثلاثة مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة، المسلك (الاول): إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، و المسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، وتسير الآية أو الحديث وفق السياق والسباق واللحاق ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه، وكلاهما من البدع الضالة.
***
([4]) صحيح مسلم 4/2206 ح 2879.
([6]) شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20.