المبحث الثامن التصوف في الكتاب والسنة وعندالصحابة رضوان الله عليهم
المطلب الأول:
التصوف في القران الكريم.
المطلب الثاني:
التصوف في السنة.
المطلب الثالث:
الصحابة رضوان الله عليهم والتصوف.
المطلب الأول: التصوف في القران الكريم.
[المفتاح الأول]: لقد تناول القرآن الكريم كل ما يتعلق بمنهاج التزكية التي كانت إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]، وكل ما يتعلق بالإحسان الذي وضحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن مرتبة الإحسان تعليماً لأمــة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر دينهم: (قال صدقت فاخبرني عن الإحسان قال صلى الله عليه وآله وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([1]) .
وإذا كانت مناهج التزكية في التصوف تتناول العديد من الأقسام، قسم يبحث في الاجتهاد في العبادة مع تصحيحها، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، وقسم يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله، من تخليته عن صفاته الناقصة كالرياء والحقد والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والخوف والرجاء وغيرها من الصفات الحسنة، وقسم يبحث عن الاخلاق العظيمة مع الخالق والخلائق، وقسم يبحث عن المعارف الربانية والمقامات القلبية، فإن القرآن الكريم قد تناول جميع تلك الأقسام بالبيان والتوضيح.
[المفتاح الثاني]: القرآن الكريم نجد فيه الآيات التي تدعو إلى الاجتهاد في العبادة كقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 63، 64]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 إلى 19]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
[المفتاح الثالث]: القرآن الكريم نجد فيه الآيات التي تدعو إلى تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بالإخلاص والخشوع والحضور فيها مع الله تعالى مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11]، وقوله تعالى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 22 إلى 35]، وقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، وقوله تعالى: {{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الانفال: 2]، وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الانبياء: 90]
[المفتاح الرابع]: القرآن الكريم نجد فيه الآيات التي تبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله، من تخليته عن صفاته الناقصة كالرياء والحقد والغل والسمعة والجاه والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والإِخلاص، والصدق والخشوع والمراقبة وغيرها من الصفات الحسنة، فما أكثر الآيات التي تحث على مجاهدة النفس وإصلاحها كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]
[المفتاح الخامس]: القرآن الكريم نجد فيه الآيات التي تتناول اعمال القلوب وسلامته من عيوبه وتخليه عن آفاته وتحليه بالطاعات الباطنة والصفات الصالحة، ومنها قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: {) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]
[المفتاح السادس]: القرآن الكريم نجد فيه الآيات التي تتحدث عن حسن الخلق، منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وقوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 17 إلى 19]، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134]
[المفتاح السابع]: القرآن الكريم تناول بالتوضيح المقامات التي يمر بها السالك في سيره إلى مرتبة الإحسان مرتبة السابقين المقربين، ومن ذلك قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
ففي مقام التوبة يأتي قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [نور: 31]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، وقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]، وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، وقوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 118].
وفي مقام الخوف والرجاء، قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5]، وقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الْأَعراف: 55، 56]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الاسراء: 57]، وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الاحزاب: 21]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29]، وقوله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
وفي مقام الصبر: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 115]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 39].
وفي مقام الشكر، قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]، وقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، وقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243]، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، وقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [ابراهيم: 7]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78]، وقوله تعالى: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]، وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [النمل: 73].
وفي مقام الذكر، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الاحزاب: 41]، وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الاعراف: 205]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الانسان: 25]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
وفي مقام التقوي، قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 15 إلى 23]، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133 إلى 136].
وفي مقام العبادة، قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 63 إلى 76]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11].
وفي مقام الاستقامة، قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 112 إلى 115]، وقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 إلى 148].
وفي مقام المجاهدة، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ} [الحج: 78]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنْكبوت: 69].
وفي مقام اليقين، قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 23، 24]، قوله تعالى: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 3 إلى 5]، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
وفي مقام الصدق، قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 33، 34]، وقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
وفي مقام المحبة، قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]، وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المائدة: 54].
وفي مقام الزهد في الدنيا، قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15]، وقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45]، وقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]، وقوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]، وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]، وقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الاعلى: 16 إلى 19].
وفي مقام إخلاص الدين لله، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
وفي مقام الولاية، قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، وقوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا} [النساء: 45]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 19]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 إلى 64].
وفي مقام التوحيد، قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [البقرة: 36]، وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا َ} [الانعام: 151]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 58-59]، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وعلى ذلك فإن القرآن الكريم قد تناول بوضوح جميع الأسس التي تناولت منهاج التزكية الرباني (منهاج الإحسان)، بجميع جوانبه التزكوية التي كانت إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين، إن جميع الآيات التي تدعو إلى التقوى والإحسان، وجميع الآيات التي تدعو إلى الاجتهاد في عبادة الله تعالى مع إخلاصها وتصحيحها، وحسن إِقامتها مع الله تعالى بالإخلاص والخشوع، وجميع الآيات التي تأمر بأعمال القلوب كالتوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا والمراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والذكر والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين، وجميع الآيات التي تبين أخلاق المسلم، وما ينبغي أن يكون عليه من الخلق القويم والصفات الطاهرة الزكية مع الله تعالى ومع الناس، إن كل تلك الآيات تمثل في مجموعها المنهاج الرباني الذي قام عليه التصوف الحق الذي يمثل التزكية والإحسان، ولا تزكية ولا إحسان إلا من خلاله، فإنه فضل الله تعالى ورحمته، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21].
***
المطلب الثاني: التصوف في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
[المفتاح الأول]: لقد تناولت السنة النبوية المشرفة كما تناول القرآن الكريم كل ما يتعلق بمنهاج التزكية التي تكرر ذكرها في القرآن الكريم مرات عديدة على أنها واحدة من أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجزء أصيل من رسالته بين الناس، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 151، 152].
[المفتاح الثاني]: أهل التصوف لهم في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المثل الأعلى في التزكية، في الخلق العظيم، والاجتهاد العظيم في عبادة الله تعالى، فالخلق العظيم كما في قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، والاجتهاد العظيم في عبادة الله تعالى، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، وقد أخرج الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله علية وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) ([2]) .
لقد قام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمهمته في التزكية خير قيام ووضحها أحسن بيان، و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وقد تناولت السنة النبوية المشرفة منهاج التزكية الربانية بكل تفصيل، فمن ذلك جميع الاحاديث التي تحث على عبادة الله تعالى والاجتهاد في العبادة، مع الصدق والإخلاص فيها صدق التوجه بها إلى الله تعالى، وجميع الأحاديث التي تأمر بالصدق والتقوى ومحاسن الأخلاق، وكل الأحاديث التي تنهى عن الكبر والكذب والفواحش ودسائس الأخلاق، كما أن منهاج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العملي في التزكية متمثلاً في الحرص على العبادة وعلى الصلاة وصلاة التطوع وفي الصيام وصيام التطوع وفي قيام الليل وصلاة التهجد وفي الذكر والتسبيح والتحميد وتلاوة القرآن والتفاني في عبادة الله والتجرد لنيل رضا الله، حتى صدق فيه ما لم يصدق على غيره من الخلق من قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]
[المفتاح الثالث]: نظرة عابرة إلى دواوين السنة النبوية المشرفة نعرف منها المنهج المتكامل للتزكية من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ودراسة متأنية لموضوعات كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي، أو منهاج القاصدين لابن الجوزي أو رياض الصالحين للإمام النووي، نجد فيها المنهاج النبوي الذي قام عليه التصوف الحق الذي يمثل التزكية والإحسان، ولا تزكية ولا إحسان إلا من خلاله، فإنه فضل الله تعالى ورحمته، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]، فمن تلك الدواوين إذا نظرنا إلى أبواب كتاب رياض الصالحين من حديث سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم نجد فيه تلك الأبواب: باب الإخلاص وإحضار النية، باب باب التوبة، باب الصبر، باب الصدق، باب المراقبة، باب التقوى، باب اليقين والتوكل، باب الاستقامة، باب التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى، باب المجاهدة، باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر، باب بيان كثرة طرق الخير، باب الاقتصاد في العبادة، باب المحافظة على الأعمال، باب الأمر بأداء الأمانة، باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم، باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين، باب الوصية بالنساء، باب بر الوالدين وصلة الأرحام، باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم، باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان فضلهم، باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم، باب فضل الحب في الله والحث عليه، باب علامات حب الله تعالى للعبد، باب التحذير من إيذاء الصالحين، باب الخوف، باب الرجاء، باب فضل الرجاء، باب الجمع بين الخوف والرجاء، باب فضل البكاء، باب فضل الزهد في الدنيا، باب فضل الجوع وخشونة العيش، باب القناعة والعفاف والاقتصاد، باب الكرم والجود والإنفاق، باب النهى عن البخل والشح، باب الإيثار والمواساة، باب التنافس في أمور الآخرة، باب فضل الغني الشاكر، باب ذكر الموت وقصر الأمل، باب الورع وترك الشبهات، باب استحباب العزلة عند فساد الناس، باب فضل الاختلاط بالناس حضور جمعهم وجماعاتهم، باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، باب تحريم الكبر والإعجاب، باب حسن الخلق، باب الحلم والأناة والرفق، باب العفو والإعراض عن الجاهلين، باب الحياء وفضله والحث على التخلق به، باب فضل قراءة القرآن، باب فضل الوضوء، باب فضل الآذان، باب فضل الصلوات، باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض، باب استحباب جعل النوافل في البيت، باب بيان فضل صوم المحرم وشعبان والأشهر الحرم، كتاب حمد الله تعالى وشكره، كتاب الصلاة على رسول الله، كتاب الأذكار، كتاب الاستغفار… وقد جمع النووي فيه من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يمثل منهاجاً متكاملاً للتزكية والإحسان.
[المفتاح الرابع]: التصوف خلق، فمن زاد عيك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضرب المثل والقدرة الحسنة في حسن الخلق فلقد أثنى عليه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] و امتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، وحينما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم قالت (كان خلقه القرآن) ([3]) .
، فلقد صار امتثال القرآن أمراً ونهياً خلقاً له، فما أمره به القرآن الكريم فعله و ما نهاه عنه تركه و ما جاء فيه من خلق حسن إلا و اتصف به و ما ذكر له من خلق سيئ إلا ابتعد عنه، و كان صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن على رضي الله عنه، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها ولا يصرف عني سيئها إلا أنت) ([4]) .
و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذه عائشة تقول عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح) ([5]) . وتقول رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله) ([6]) .
و هذا انس رضي الله عنه يقول: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيء ألين من كف رسول الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ([7]) .
وهذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) ([8]) .
[المفتاح الخامس]: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الخلق العظيم:
ومن ذلك: أخرج مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ) ([9]) . وأخرج البخاري عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ مِن خِيارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلاقاً) ([10]) . وهو صلى الله عليه وآله وسلم القائل: (ما من شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة من حُسْنِ الخُلُقِ، وإِنَّ اللَّه يُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيِّ) ([11]) . وأخرج الإمام أحمد عن أبي هُريرة رضيَ اللَّه عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أَكْمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحسَنُهُم خُلُقاً، وخيارُكُم خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ) ([12]) . وأخرج أبو داود عن عائشةَ رضيَ اللَّه عنها، قالت سمعت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْركُ بِحُسنِ خُلُقِه درَجةَ الصائمِ القَائمِ) ([13]) .
[المفتاح السادس]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام العبودية، نجد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه، فقلت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)([14]).
ومن تحقق عبوديته لله كانت الصلاة قرة عينه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ([15]) .
وكان إذا حزبه أمر صلّى، وكان يقيم الليل حتى تورمت قدماه، وفيما يتعلّق بصيامه، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان) ([16]) . وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ديمة وأيكم يطيق ما كان يطيق) ([17]) . لو فاته شيء من النوافل قضاه.
[المفتاح السابع]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام الزهد، وجدنا ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ([18]) . وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: (ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) ([19]) .
وتارة يشير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى حقارة شأنها في نظر الحق سبحانه فيقول: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء) ([20]) .
[المفتاح الثامن]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام الصبر: وجدنا صبره صلى الله عليه وآله وسلم على أذى المشركين، فقد آذاه المشركون، ورموه بالكذب، والكهانة، والسحر، وهو في كل ذلك صابر ثابت محتسب يبلغ رسالته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ -وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ- فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْض وَأَنَا أَنْظُرْ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَّةُ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتُمُهُمْ) ([21]) .
بل بلغ بالمشركين الوقاحة، فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ؟)([22]) .
ومنه صبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مشاق الحياة وشدتها: أخرج البخاري: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: (إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نار، فقلت: ما كان يُعيِّشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء) ([23]) .
أما عن فراشه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ينام على الحصير حتى أثَّر في جنبه، فيراه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على تلك الحال فيبكي! فيقول له صلى الله عليه وآله وسلم: (مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) فيقول: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك؟! وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى؟! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفوته! وهذه خزانتك؟! فيضرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المثل الأعلى في الصبر ويحلق في معاني الإيمان والأمل بما عند الله والدار الآخرة قائلًا: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟!) ([24]) .
واما صبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على طاعة الله: كان صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في العبادة والطاعة حتى تتفطّر قدماه من طول القيام، ولا ينفك عن القيام بطاعة أو قربة لله عز وجل، شعاره في ذلك كله: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟) ([25]) .
واما صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المصائب: مات عمه أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة، وتوفي أولاده كلهم في حياته إلا فاطمة، وقتل عمه حمزة، فصلوات ربي وسلامه عليه، بل إن آخر أولاده (إبراهيم) عليه السلام مات بين يديه وعمرُه سنتان، فكان ينظرُ إليه ويقول: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرضى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ، يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُون) ([26]) .
[المفتاح التاسع]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام التواضع: فإن التواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب، كانت أوصافا له ـ صلى الله عليه وآله وسلم، تخلَّق بها مع الكبير والصغير، والقريب والبعيد، امتثالا لأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله سبحانه: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر:88]، قال أهل التفسير: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: ألِن لهم جانبك،وفي ذلك كناية عن التواضع لهم والرفق بهم، فكان صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الناس تواضعا، وأخفضهم جناحا، وألينهم جانبا، وسيرته وحياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مليئة بالمواقف والعبر في هذا الخلق العظيم، ما حفظ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه فاخر بنفسه أو مكانته، وقد نال أعلى المنازل، وحظي عند ربه بأكبر المقامات، فهو صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، وأُسري به إلى السموات العلى حتى بلغ سدرة المنتهى، وبلغ مقاما لم يبلغه مخلوق قبله ولا بعده، وأنعم الله عليه بالمعجزات، وأيده بالآيات، وما حكى شيئا من ذلك على وجه الفخر أو المدح لنفسه، بل كان التواضع صفته، فكان إذا أخبر عن منزلته تلك يقرن إخباره بها بنفي الفخر، تواضعا لله تعالى، أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ـ يومئذ آدم فمن سواه ـ إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)، ([27]) . ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا فخر: أي لا أقوله تكبرا وتفاخرا وتعاظما على الناس، بل أقوله تواضعا وشكرا لله، ومن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كره أن يُفضل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أنه خاتمهم وأفضلهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم (لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى) ([28]) .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم متواضعا في لباسه ومركبه، فيلبس ما تيسر من اللباس، ولا يأنف من ركوب البغال والحمير، وكان صلى الله عليه وآله وسلم متواضعا مع أسرته وفي داخل بيته، يعمل أعمالا يأنف منها كثير من الرجال، وسئلت عائشة رضي الله عنها: (ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع في البيت؟، قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج) ([29]) .
وعن عروة قال: سأل رجل عائشة رضي الله عنها: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في بيته؟، قالت: نعم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته) ([30]) . ومن شدة تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يُعرف من بين أصحابه رضي الله عنهم، فلا يتميز عليهم بملبس أو مركب أو مجلس، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل) ([31]) .
ومن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يكره أن يقوم الناس له، قال أنس رضي الله عنه: (ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك) ([32]) . ومن تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم أنه يجيب دعوة من دعاه وكان يقول: (لو دعيت إلى ذراع أو كُرَاع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كُرَاع لقبلت) ([33]) .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يمل من ذوي الحاجات، بل يستمع إليهم، ويقضي حاجاتهم، فيجيب السائل، ويعلم الجاهل، ويرشد التائه، ويتصدق على الفقير، ولا يرد أحدا قصده في حاجة، وما حفظ عنه صلى الله عليه وآله وسلم رغم كثرة فتوحاته وانتصاراته، أنه استبد به فتح، بل ازداد تواضعا إلى تواضعه، ويوم الفتح الأكبر حين دخل مكة منصورا مؤزرا، دخلها وقد طأطأ رأسه تواضعا لله تعالى، حتى إن رأسه ليمس رحله من شدة تواضعه، هو صلى الله عليه وآله وسلم سيد الخلق، وخاتم الرسل، وأعلى الناس مكانة في الدنيا والآخرة، وهو أيضا صلى الله عليه وآله وسلم أشد الناس تواضعا لله تعالى، صلى الله عليه وآله وسلم.
[المفتاح العاشر]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام الشكر: فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا) ([34]) .
ولهما من حديث المغيرةِ بن شعبة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حتى تنتفخ قدماه) ([35]) .
لقد غفر الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم جميع ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ولكنه أبى إلا أن يجاهد نفسه ويَحْملها على بلوغ الغاية في العبادة، شكرًا لله تعالى وتقربًا إليه، فكان إذا جنَّ الليلُ قام من فراشه وترك لذة النوم شوقًا لمناجاة ربه جل وتعالى، فيَصُفُّ قدميه الشريفتين ويصلي الصلاة الطويلة، قال تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} [المزمل: 20]، فكان يقوم صلى الله عليه وآله وسلم أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل، وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر ويتحجر الدم فيها من طول القيام.
[المفتاح الحادي عشر]: تحقق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقام الخوف والخشية: نجد انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أكثر الناس خوفًا لله، وأشد الناس خشية له سبحانه وتعالى، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية) ([36]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا) ([37]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات، تجأرون إلى الله) ([38]) .
إن خشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخوفه من الله تعالى، أمر قائم في قلبه ملازم له، لا يفارقه، والدليل على ذلك تأثره صلى الله عليه وآله وسلم بالحوادث الكونية، فيظهر أثر ذلك على وجهه الشريف، ويهرع إلى العبادة والذكر، فعن أنس رضي الله عنه، قال: (كانت الريح الشديدة إذا هبت، عرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ([39]) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى مخيلة في السماء، أقبل وأدبر، ودخل وخرج، وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه، قالت عائشة: فسألته فقال: (ما أدري لعله كما قال قوم: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ}) ([40]) .
وعنها رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا، عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته، عرفتُ في وجهك الكراهية، قالت: فقال: (يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا) ([41]) .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: خسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: (هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره) ([42]) .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي إذا سمع القرآن، فعن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرأ عليَّ، قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء، حتى إذا بلغت {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال لي: كفَّ، أو أمسك فرأيت عينيه تذرفان) ([43]) . وعن عبدالله بن الشخير قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني من البكاء) ([44]) .
(تنبيه): ليس تحقق النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المنازل كتحقق سائر البشر، فهو أعبد خلق الله وأتقى خلق الله تعالى لله، وهو صلى الله عليه وسلم بحر المعارف في حين ان لكل ولي من أولياء الامة قطرة من ذلك البحر المحيط.
***
المطلب الثالث: التصوف عند الصحابة رضي الله عنهم
[المفتاح الأول]: إنكار البعض على لفظ (التصوف) بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة، وبالتالي فإنه لا مستند له، هذا الإنكار مردود، لان أكثر الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والحديث والتفسير والفقه والعقيدة، ورحم الله القشيري حيث قال: (اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية عِلْمٍ سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ـ ممن لهم شدة عناية بأمر الدين ـ الزهاد والعُبَّاد، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة) أهــ.
[المفتاح الثاني]: ضرب الصحابة المثال الأعظم في كل مفردات التصوف، في التضحية والإيثار ومجاهدة النفس ومغالبة الهوى دون أن تستهويهم زخارف الحياة الزائلة، ضربوا المثال الأكبر، تمثلوا قول الله تعالى: {قلْ متاعُ الدنيا قليلٌ والآخرةُ خيرٌ لِمَنْ اتقى} [النساء: 77]، وصدق فيهم قول القائل:، (لا تنظرنَّ إلى القصور العامرة… واذكر عظامك حين تمسي ناخرة… وإذا ذكرتَ زخارف الدنيا فقل… لبيكَ إنَّ العيش عيش الآخرة)، تحققوا بمراتب الورع المتسامية، فقد روي أن الصدِّيق رضي الله عنه أكل طعاماً أتاه به غلامه، ثم أخبره الغلام أن فيه شبهة، فما وسع الصدِّيق رضي الله عنه إلا أن أدخل يده في فمه، فقاء كل شيء في بطنه.
[المفتاح الثالث]: في باب الصبر: كان الصحابة الكرام يُعَذَّبُون في مكة ويقلب عليهم ألوان التنكيل والإيذاء وهم يتلقون ذلك كله بقلوب راضية، ووجوه مبتسمة، وألسنة ذاكرة، وفي باب التسليم: روي أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قطعت رجله ومات أعز أولاده في ليلة واحدة، فدخل عليه أصحابه وعزوه فقال: (اللهم لك الحمد، كان أولادي سبعة فأخذت واحداً وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن كنتَ قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنتَ قد ابتليتَ فقد عافيت) ([45]) .
وفي باب المحبة: تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه، وظهر ذلك واضحا في حبهم للقاء الله، فكانوا يحبون الشهادة أملا في لقاء الله، وكانوا يقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله.
وفي باب المجاهدات والتجليات، رحم الله ابن خلدون حيث قال: (ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إِدراكُ شيء منها، والروح من تلك العوالم، وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه، وأعان مع ذلك الذكر، فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي،، إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم،، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على مثل هذه المجاهدة، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ، لكنهم لم يقع لهم بها عناية، وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها، وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم) ([46]) .
[المفتاح الرابع]: في باب الكشف فإن الكشف وراثة محمدية صادقة، وَرِثَها أصحابه رضي الله عنهم، بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم، على أن الكشف له صلى الله عليه وآله وسلم معجزة، وهو للصحابة رضي الله عنهم كرامة، وقد قيل: كلُّ كرامة لولي فهي معجزةٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كشفه صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته الناس من وراء ظهره، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإِني أراكم من وراء ظهري) ([47]) .
ومن كشفه صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته المسلمين في غزوة مؤته، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيداً، وجعفراً وابن رواحة، ورفع الراية إِلى زيد، فأُصيبوا جميعاً، فنعَاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إِلى الناس قبل أن يجيءَ الخبر، فقال: “أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، وإِن عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة، فَفُتِح له) ([48]) .
والصحابة كانوا من أهل الكشف، ومن ذلك: الكشف عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه: حيث علم أن ما في بطن زوجته انثى فقال وهو على فراش الموت لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أُلقي في روُعي أنها جاريةٌ فاستوصي بها خيراً، فولدت أُمَّ كلثوم) ([49]) .
ومن كشف الفاروق عمر، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه من الملهَمين، قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (كان عمر رضي الله عنه قد أمَّرَ سارية الخلجي على جيش من جيوش المسلمين، وجهزه على بلاد فارس، فاشتد على عسكره الحال على باب نهوند وهو يحاصرها، وكثرت جموع الأعداء، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي الله عنه بالمدينة، فصعد المنبر وخطب، ثم استغاث في أثناء خطبته بأعلى صوته: يا سارية! الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم، فأسمع الله تعالى سارية وجيشه أجمعين، وهم على باب نهاوند صوتَ عمر، فلجؤوا إِلى الجبل، وقالوا هذا صوت أمير المؤمنين، فنجوا وانتصروا)، ([50]) .
ومن الكشف عند عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: ذكر التاج السبكي رحمه الله تعالى في الطبقات: (أنه دخل على عثمان رضي الله عنه رجل، كان قد لقي امرأة في الطريق، فتأملها، فقال له عثمان رضي الله عنه: يدخل أحدكم، وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال الرجل: أوحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن) ([51]) .
ومن الكشف عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه: جاء في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري: عن الأصبغ رحمه الله تعالى قال: أتينا مع عليّ فمررْنا بموضع قبر الحسين، فقال علي: (ههنا مناخ ركابهم، وههنا موضع رحالهم، وههنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقتلون بهذه العَوصة، تبكي عليهم السماء والأرض) ([52]) .
[المفتاح الخامس]: لو أردنا أن نستقصي تراجم الصحابة الكرام رضي الله عنهم في كشفهم وكراماتهم لطال بنا المقام، ومنه ما أخرجه أحمد في مسنده : (أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، خرجا وبيد كل واحد منهما عصا فأضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، حتى إِذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله([53]) . وأخرج البخاري في صحيحه في باب غزوة الرجيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن خبيباً كان أسيراً عند بني الحارث بمكة، في قصة طويلة، وفيها أن بنت الحارث كانت تقول: (ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة وإِنه لموثَق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله) ([54]) . وأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: شكا ناس من أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إِلى عمر (فبعث معه من يسأل عنه بالكوفة، فطِيف به في مساجد الكوفة، فلم يُقل له إِلا خير حتى انتهى إِلى مسجد، فقال رجل يُدْعى أبا سعدة: أما إِذ أنشدتنا فإِن سعداً كان لا يقسم بالسوية ولا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية، فقال سعد: اللهم إِن كان كاذباً فأطلْ عمره، وأطل فقره وعرضه للفتن، قال ابن عمير: فرأيتُه شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وقد افتقر يتعرض للجواري في الطريق يغمزهن، فإِذا قيل له: كيف أنت؟ يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد) ([55]) . وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه: (أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إِلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طُوِّقه إِلى سبع أرضين” فقال له مروان: لا أسألك بَيِّنَةً بعد هذا، فقال: اللهم إِن كانت كاذبة فَعَمِّ بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إِذ وقعت في حفرة فماتت) ([56]) .
***
([2]) صحيح البخاري 2/50 ح 130. صحيح مسلم 4/2171 ح 2819.
([3]) مسند أحمد 41/148 ح 24601
([5]) سنن الترمذي 4/369 ح 2016.
([6]) صحيح مسلم 4/1814 ح 2328.
([7]) سنن الترمذي 4/368 ح 2015.
([8]) صحيح البخاري 1/7 ح 3، صحيح مسلم 1/139 ح 160.
([9]) صحيح مسلم 4/1980 ح 2553.
([10]) صحيح البخاري 4/189 ح 3559.
([11]) سنن الترمذي 4/362 ح 2002.
([12]) مسند أحمد 16/114 ح 10106.
([13]) سنن أبي داود 7/176 ح 4798 .
([14]) صحيح البخاري 2/50ح 1130.
([15]) مسند أحمد 21/433 ح 14037.
([16]) صحيح البخاري 3/38 ح 1969.
([17]) المصدر السابق 3/42 ح 1987.
([18]) المصدر السابق 8/89 ح 6416.
([19]) سنن الترمذي 4/588 ح 2377.
([20]) المصدر السابق 4/560 ح 2320.
([21]) صحيح مسلم 3/1418 ح 1794.
([22]) صحيح البخاري 6/127 ح 4815.
([23]) صحيح البخاري 3/153 ح 2567.
([24]) المصدر السابق 6/150 ح 4913.
([26]) صحيح البخاري 2/83 ح 1303.
([27]) سنن الترمذي 5/587 ح 3615، مسند أحمد 4/330 ح2546.
([28]) صحيح البخاري 4/159 ح 3413.
([29]) المصدر السابق 1/136 ح 676.
([30]) مسند أحمد 41/269 ح 24747.
([31]) سنن أبي داود 7/84 ح 4698.
([32]) مسند أحمد 19/350 ح 12345.
([33]) صحيح البخاري 7/25 ح 5178.
([35]) صحيح البخاري 8/99 ح 6471.
([36]) صحيح البخاري 9/97 ح 7301.
([37]) المصدر السابق 8/129 ح 6631.
([38]) سنن الترمذي 4/556 ح 2312.
([39]) صحيح البخاري 2/32 ح 1034.
([40]) صحيح البخاري 4/109 ح 3206.
([42]) صحيح البخاري 2/39 ح 1059.
([43]) المصدر السابق 6/45 ح 4582، صحيح مسلم 1/551 ح 800.
([44]) السنن الكبرى للنسائي 1/292 ح 549.
([47]) صحيح البخاري 1/145 ح 719.
([48]) المصدر السابق 2/72 ح 1246.
([49]) الطبقات الكبرى لابن سعد 3/178.
([53]) مسند أحمد 19/396 ح 12404.
([54]) صحيح البخاري 4/67 ح 3045.