الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أحاديث نبوية جامعة في بيان أكبر الكبائر والموبقات، أقول وبالله التوفيق: من الأحاديث الجامعة في بيان الكبائر التي ينبغي للمسلم أن يجتنبها: ثلاثة أحاديث جامعة:
[الحديث الأول]: ما أخرجه البخاري ومسلم النَّبِيُّ e قوله: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ) ([1]) .و[الحديث الثاني]: ما أخرجه البخاري ومسلم: عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي e: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ([2]) .
و[الحديث الثالث]: ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ:الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ،وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات)([3]) .
[الحديث الأول وشرحه]: أخرج البخاري ومسلم عن النَّبِيُّ e قوله: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ) وضح الحديث أن أكبرَ الكبائر ثلاثة: الشِّرك، والعقوق، وقول الزور، ونلاحظ أنه قد كرَّر ” كبيرة قول الزور ” لأنّ الناس قد تستهين بها، مع أنها من أكبر الكبائر، ففي التكرار تنبيه إلى خطورتها وتدليل على قُبح فعلها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور} [الحج: 30]، فقد جمع القرآن بين عبادة الأصنام وبين قول الزور، وفي الحديث قول الصحابي (فما زال يُكرِّرها، حتى قلنا: ليتَه سكَت) أي: شَفقةً عليه، وكراهية لِما يُزعجه، وهذا يدل على عظيم محبة الصحابة للنبي e، وما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبَّة له e.
وأول تلك الكبائر: (الشرك الأكبر بالله)، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: من الآية72]، وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: من الآية13]، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار، بخلاف بقية الكبائر، فإنها داخلة تحت المشيئة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء:48].
وثاني تلك الكبائر: (عقوق الوالدين)، لقد أولى القرآن الكريم بر الوالدين عناية فائقة ببر الوالدين، والنهي عن عقوقهما، وفي آيات عديدة قرن الله تعالى فيها بر الوالدين بعبادة الله، منها قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما، ومن ذلك: ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله e: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها). قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) ([4]) .أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: (أمك). قال ثم من قال:) ثم أمك). قال ثم من قال: (ثم أمك). قال ثم من قال (ثم أبوك) ([5]) .وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل إلى نبي الله e فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغى الأجر من الله. قال: (فهل من والديك أحد حي؟). قال نعم بل كلاهما. قال: (فتبتغى الأجر من الله؟). قال نعم. قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) ([6]) . وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي e يستأذنه في الجهاد فقال: (أحي والداك؟). قال: نعم. قال: (ففيهما فجاهد) ([7]) . وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، فقال: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)([8]) .
يراجع: الدرس الثاني من الباب السادس: القيم الأخلاقية العالية: القيمة الثانية بر الوالدين.
وثالث تلك الكبائر: (شهادة الزور)، والزور هو الكذب، ولهذا أخرج أحمد والترمذي عن أيمن بن خُرَيم قال: قام رسول الله – e – خطيبًا، فقال: (يا أيها الناس، عَدَلت شهادة الزور شِركًا بالله) ثلاثًا، ثم قرأ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}) ([9]) . وفي الحديث المتفق عليه: (عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ([10]) .وها هنا في الحديث: قول النَّبِيُّ e: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ) فجعل قول الزور من أكبر الكبائر، وهذا يدلنا على عظم شأن شهادة الزور، وخطورتها، ولذا لما أراد التحذير منها جلس، ثم كرر التحذير منها مراراً، فإن شهادة الزور تسفك بها الدماء المعصومة وتلوث بها الأعراض الطاهرة، وتسلب بها الأموال والحقوق، وليس معنى اهتمام النبي e بشهادة الزور أنها أكبر من الشرك ولكن أراد التنبيه على عظم خطرها فإن شناعة الشرك والعقوق أمر متقرر في النفوس لكن شهادة الزور قد يتساهل فيها كثير من الناس لينفعوا أنفسهم أو من يحبون، أو ليضروا ويؤذوا من يبغضون، فاستلزم ذلك التنبيه على خطورة هذه الكبيرة.
[الحديث الثاني وشرحه]: ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي e: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ([11]) . لقد كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يسألون النبي – e – عن الذنوب ومراتبها كي يجتنبوها، ويعلموا قبحها فيحذروها، وفي هذا الإطار سأل الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – النبي – e – عن أعظم الذنوب أي: أشدها إثماً وأعظمها قبحاً، فأخبره النبي – e – أن أعظمها هو الشرك بالله، بأن يجعل الإنسان لله ندا وشريكاً يعبده من دون الله، مع أنّ الله تعالى هو الذي خلقه ورزقه، فسأله عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – عما يلي ذنب الشرك من الذنوب في القبح وعظيم الإثم؟ فقال له: أن يقتل المرء ولده خوفاً من أن يشاركه طعامه وشرابه، وإذا كان القتل كبيرة عظيمة وجريمة شنعاء، فكيف إذا امتدت إلى قتل الأبناء، وهم أمانة في حق الآباء، ثم إن هذه الجريمة تدل على اعتقاد فاجر خبيث ألا وهو مخافة أن يُطعم معه، أليس الله تعالى هو الرزاق، الذي تكفل برزق جميع خلقه، إن هذا الجرم ينم عن تجرد عن الإنسانية، مما يجعله في المرتبة الثانية بين أسوأ الذنوب وأفظعها عند الله، ثم يسأل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه – عما يلي هذين الذنبين فيجيبه النبي – e – بأنه الزنا بزوجة الجار، وتتجلى شناعة هذا الجرم في كون أن الزنا بنفسه فاحشة ومقت وساء سبيلا، فكيف إذا اجتمع معه خيانة حق الجار، والجار مؤتمن على شرف جاره، فالاعتداء على محارمه يعد خيانة لحق الجوار الذي عظمه الله ورسوله، إذن أعظم الذنوب مرتبة عند الله: (الشرك الأكبر بالله)، وهو أن تجعل لله ندا وهو خلقك، والشرك مدعاة لتحريم دخول الجنة ووجوب عذاب النار، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: من الآية72]، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار، بخلاف بقية الكبائر، فإنها داخلة تحت المشيئة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}وثاني تلك أعظم الذنوب والكبائر: (قتل الأولاد مخافة الفقر)، وإذا كان قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه،عموما من أكبر الكبائر، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93]، وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32]، وقوله e قال:(لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.») ([12]) . وقوله e قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ([13]) . وما أخرجه النسائي: عن النبي e قوله: (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) ([14]) . هذا حال القتل المجرد، فكيف حال (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) لا شك أنّ ذلك أعظم ذنبا وأحط خطيئة، وقد أودع الله تعالى الولد عند أبيه ليربيه ويعلمه لا ليقتله، ولهذا لما سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي e: عن أعظم الذنوب عند الله تعالى، ذكر منها ثلاث: الأول: الشرك لأنه ليس بعد الشرك ذنب، والثاني هو (قتل الولد مخافة الفقر)، وهناك أمور لابد من التنبيه إليها منها أن الاجهاض بعد نفخ الروح في الجنين بسبب الفقر الحاجة يدخل في الحديث: (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)، فالإجهاض آنذاك من أعظم الذنوب عند الله، وأمر آخر ألا وهو: أن هناك من يحدد النسل بوسائل طبية معروفة، وإذا سألته عن السبب ذكر مخافة الفقر والحاجة، ولذلك تكرر في القرآن الكريم النهي عن ذلك في موضعين: الأول: قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، والثاني قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]، فدلت الآيتين على أنّ كثرة الذرية تزيد في الرزق ولا تقلله، وتحديد النسل في شرع الإسلام محرم، وتنظيم الناس مكروه، ومخالف لسنّة النبي e، وهو القائل: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) ([15]) . عن أبي هريرة رفعه: انكحوا فإني مكاثر بكم، ([16]) .وأخرج الشافعي عن ابن عمر: تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث: فإني مكاثر بكم؛ فصح من حديث أنس بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة. أخرجه ابن حبان، وذكره الشافعي بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم، وللبيهقي من حديث أبي أمامة: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى. وورد: فإني مكاثر بكم أيضاً من حديث الصنابحي وابن الأعسر ومعقل بن يسار بن حنيف وحرملة بن النعمان وعائشة وعياض بن غنم ومعاوية بن حيدة وغيرهم، ([17]) .
وثالث تلك الذنوب والكبائر: (الزنا بحليلة الجار): والزنا كبيرة من أكبر الكبائر، وفاحشة من أفحش الفواحش، وذنب من أسوا الذنوب، وخبث من أخبث الخبائث، لما فيه من اختلاط الأنساب وهلاك النسل، وضياع العفة والمرؤة والأخلاق، نهى الله تعالى عن مجرد الاقتراب منه، استدعاء دواعيه، فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32]، ووصف القرآن الكريم أهله بالخبث، فقال تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: 26]، ونفى النبي e عن صاحبه الإيمان فقال: : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ) ([18]) .والزنا من أبشع الفواحش التي حرمها الله جل وعلا وحرمها رسوله e، وأجمعت الأمة قاطبة على تحريمه، وقد رتب الشرع الحكيم عليه حداً صارماً وقاسياً، وهو رجم الزاني بالحجارة حتى الموت إن كان متزوجاً، والجلد والتغريب إن لم يكن متزوجاً، ليحصل بذلك الارتداع والابتعاد عن هذه الفاحشة القبيحة، وأدلة تحريم الزنا من القرآن الكريم كثيرة منها: قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} وقوله تعالى:{ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهاناً} وقوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذ كم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وقوله تعالى:{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين} وقوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} فصاحب الزنا خبيث وصاحبة الزنا خبيثة والخبيث للخبيثة، أما المؤمنون الطاهرون من هذه الفاحشة الشنيعة فهم الطيبون والطيبات فهؤلاء لبعضهم البعض، وأدلة تحريم الزنا من السنة كثيرة منها:قوله e:[خُذُوا عَنِّي. خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ] ([19]) . وقوله e: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ([20]) إن الزنا خبث ونجس وفاحشة وساء سبيلا وما انتشر إلا وانتشرت معه الأمراض الفتاكة الخطيرة المهلكة، أمراض نفسية من زوال العفة والأخلاق وانتشار الفواحش والرذائل، وأمراض جسدية معدية مدمرة، وأمراض اجتماعية تؤول إلى دمار الأمم والمجتمعات، هذا في حق الزنا بالأجنبية، فكيف إذا اجتمع معه خيانة حق الجار، والجار مؤتمن على شرف جاره، فالاعتداء على محارمه يعد خيانة لحق الجوار الذي عظمه الله ورسوله، ولهذا جاء ها هنا في حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي e: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ([21]) . فإن الزنا بحليلة الجار حري أن يكون من أعظم الذنوب والخطايا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. سبق الحديث عنه في الدرس السابع من الباب الثامن [أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة الإسراء.]
[الحديث الثالث وشرحه]: ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات) ([22]) . وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات، وأول تلك الكبائر والموبقات: (الشرك الأكبر بالله)، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: من الآية72]، وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}والكبيرة التالية هي (السحر)، والسحر هو عقد ورقى يتكلم به، أو يكتبها الساحر تؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، قال تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: من الآية102]، وقال تعالى عن هاروت وماروت: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: من الآية102]، قال الإمام النووي: “عمل السحر حرام, وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي e من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً, ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة, فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا, وأما تعلمه وتعليمه فحرام. فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه, ولا يقتل فإن تاب قبلت توبته, وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر ” أهـ،([23]) .
والكبيرة التالية هي (قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) أي قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93]، وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32]، وأخرج البخاري عن رسول الله e قال: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) ([24]) . وأخرج البخاري أيضا عن النبي e قال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) ([25]) . وأخرج البخاري أيضا عن النبي e قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ([26])
والكبيرة التالية هي (أكل الربا): قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:130] , وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275]، أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي قد مسه الشيطان وصرعه، ذلك الذي أصابهم بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، فإذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع كلما قام صرع؛ لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم يوم القيامة فهم كلما أرادوا النهوض سقطوا , ويريدون الإسراع مع الناس فلا يقدرون، وهذا وعيد عظيم بالخلود في النار لمن عاد إلى الربا بعد الموعظة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله e: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية) ([27]) . وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.وأخرج الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي e قال: (الرباء ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) ([28]) .وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله e آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) ([29]) . وجاء في تفسير ابن كثير في تفسير الآية: قال ابن عباس رحمه الله: في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق”([30]) . وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله، يقال: يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب “([31]) .
والكبيرة التالية هي (أكل مال اليتيم): اليتيم هو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ، أي بدون حق شرعي، قال الله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله e قال في المعراج: (فإذا أنا برجال وقد وكل بهم رجال يفكون لحاهم, وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم, وتخرج من أدبارهم فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) ([32]) .وفي فضل كفالة اليتيم بالمعروف أخرج البخاري عن النبي e قال:(أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا, وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) ([33]) . وفي صحيح مسلم أن رسول الله e قال: (كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة” وأشار مالك بالسبابة والوسطى.) ([34]) .
والكبيرة التالية هي (التولّي يوم الزحف): أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: («لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ. فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ} الْآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ».) ([35]) .
والكبيرة التالية هي (قذف المحصنات الغافلات المؤمنات): اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا والقذف هو رمي النساء المحصنات المؤمنات بالزنا، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]، بين الله تعالى في الآية أن من قذف امرأة محصنةً حرة مؤمنة عفيفة بالزنا والفاحشة أنه ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم , وعليه في الدنيا الحد ثمانون جلدة , وتسقط شهادته , ومعنى القذف أن يقول لامرأة حرة عفيفة مسلمة يا زانية , أو يقول: لزوجها يا زوج الزانية , أو يقول: لولدها يا ولد الزانية , فإذا قال ذلك وجب عليه الحد ثمانون جلدة، إلا أن يقيم بينة بذلك, والبينة كما قال الله: أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة , أو ذاك الرجل فإن لم يقم بينة فعليه حد الجلد، وله في الدنيا والآخرة اللعنة لقوله تعالى: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، ولا نقبل لهم شهادة لقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وقد شاع القذف في زماننا حتى على وجه اللغو واللعب والاستهزاء، ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله e أنه قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب،([36]) .وبعد فهذه هي السبع الموبقات، وهي أكبر الكبائر، لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلَّا باِلْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّباَ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَناَتِ الغَافِلاَتِ المؤمنات) وقد شمل الحديث بيان أكبر الكبائر وأعظم الموبقات والمهلكات، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) صحيح البخاري 9/13 ح 6919، صحيح مسلم 1/91 ح 87.
([2]) صحيح البخاري 8/164 ح 6811، صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([3]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([6]) صحيح مسلم 4/1975 ح 2549.
([7]) المصدر السابق 4/1975 ح 2545.
([8]) مسند أحمد 11/30 6489، سنن ابن ماجة 4/72 ح 2782.
([9]) مسند أحمد 29/580 ح 18044، سنن ابن ماجة 3/456 ح 2373.
([11]) صحيح البخاري 8/164 ح 6811، صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([12]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([13]) صحيح البخاري 8/111 ح 6533.
([14]) السنن الكبرى للنسائي 3/417 ح 3436.
([15]) مسند أحمد 20/63 ح 12613، السنن الكبرى للبيهقي 14/11 ح 13606.
([16]) سنن ابن ماجة 3/66 ح 1863.
([17]) فتح الباري لابن حجر 9/111.
([18]) صحيح البخاري 8/164 ح 6810، صحيح مسلم 1/77 ح 57.
([19]) صحيح مسلم 3/1316 ح 1690.
([20]) صحيح مسلم 3/1302 ح 1676.
([21]) صحيح البخاري 8/164 ح 6811، صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([22]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([23]) شرح النووي علي مسلم 14/ 176.
([24]) صحيح البخاري 9/50 ح 7077.
([25]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([26]) صحيح البخاري 8/111 ح 6533.
([27]) مسند أحمد 36/288 ح 21957، صحيح الترغيب والترهيب 2/376 ح1855.
([28]) المستدرك للحاكم 2/43 ح 2259. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
([29]) صحيح مسلم 3/1219 ح 1598.
([32]) مسند الحارث ابن أسامة 3/326ح 1747.
([33]) صحيح البخاري 7/53 ح 5304.
([34]) صحيح مسلم 4/2287 ح 2983.