الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: مدخلا لبيان أهمية الدعوة إلى الله، وفضلها وحكمها وأهدافها، أقول وبالله التوفيق:
(1) تعريف الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله تعالى تطلق على كل عمل يدعى فيه إلى الله أو إلى توحيد الله تعالى أو عبادته أو طاعته أو التزام دينه الحق (الإسلام) أو أي من عقائده أو شرائعه أو شعائره أو كل ما من شأنه إعلاء كلمة الإسلام، وأول من دعا إلى الله هو الله سبحانه دعا العباد جميعا إلى دينه الحق، قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} ومعناه نداء الحق سبحانه وتعالى للخلق ليوحدوه ويعبدوه، قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} قال: التوحيد، وقال ابن عباس (شهادة لا إله إلا الله) ([1]) .والدعوة إلى الله تعالى علم واسع يشمل:
(أ) تعريف الناس بهذا الدين وتبصيرهم بأهميته وتذكيرهم بضرورة اتباع هديه وقيمه وعقائده وشرائعه، ودعوتهم إلى اعتناق ما جاء به، وتبشير من اتبعه برضوان الله تعالى ونيل ثوابه وجنته والنجاة من عذابه وعقابه، وإنذار من تركه وأعرض عنه بالعذاب والهلاك، لأنّه دين الله تعالى الذي لا يقبل الله من عباده جميعا دينا سواه قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، (ب) نشر عقائد وشرائع وأخلاق هذا الدين والبناء على الدعوة لبناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، (ت) الأمر بكل معروف جاء به الدين والنهى عن كل منكر نهى عنه الدين، (ث) إعداد المسلمين للانتصار على أنفسهم وعلى أعدائهم، بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فرض كفاية إذا قام بها من يكفى لتبليغ رسالة الإسلام إلى مشارق الارض ومغاربها بلاغا صحيحا تقوم به الحجة على عباد الله تعالى أجمعين سقط الإثم عن الباقين، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104 [، فهذه الآية من الأدلة التي تبين أنه لا بد أن يوجد من أفراد الأمة الإسلامية من يتصـدى للدعــوة إلى الله سبحانه وتعالى: سواء كان في صفوف المسلمين بتذكيرهم ووعظهم وإرشادهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم، أو في صفوف الكفار بدعوتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى حيّز التوحيد والإسلام، وقد تكون فرض عين على فئة من الناس قام على اكتافهم ثغر الدعوة إلى الله تعالى، أو توجب عليهم ذلك لضرورة الزمان أو المكان.
(2) وجوب تحمل المسلمين أعباء الدعوة إلى الله حتى تعم الأرض كلها: لا مفر على أهل الإسلام ولا مناص لهم من القيام بأعباء الدعوة إلى الله تعالى حتى تعم الناس جميعا وذلك للأسباب التالية: (أ) ما دام أنّ الدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، (ب) وما دام أنّ الله تعالى لا يقبل من عباده جميعا دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، (ت) وما دام أنّ الرسول e هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، (ث) وما دام أنّ دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة: قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، (ج) وما دام الله عز وجل تكفل بنفسه سبحانه أن بحفظ هذا الدين القيم، وذلك بحفظ مصادره الأساسية – القرآن والسنة – وذلك إلى قرب قيام الساعة وظهور علاماتها الكبرى حيث يرفع المولى جل وعلا كتابه كما أنزله محفوظا في التبديل والتحريف والزيادة والنقصان وتأتي ريح طيبة تأخذ كل نفس مؤمنه ولا يبقي إلا شرار الخلق ليس الله فيهم حاجة تقوم عليهم الساعة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، (ح) وما دامت شريعة الإسلام الحكيمة تامة كاملة شاملة بحيث أنّ أصولها وقواعدها العامة تناولت كل ما يحتاجه البشر في شئونه وحياتهم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ثم تركت المجال لعلماء المسلمين المجتهدين أن يقرروا الأحكام التي تُلائم البشر وفق أصول الشريعة وقواعدها الحكيمة التي من أهم مقاصدها تحقيق مصالح البشر في دينهم ودنياهم، (خ) وما دامت كل تلك المعاني السابقة يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي e وإلى قيام الساعة، وكل من بلغته دعوة النبي e ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته e –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي e ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال e: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([2]) . يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله e لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) ([3]) . فكل من سمع برسالة النبي e ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي e من عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته e وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ما دامت هذه هي قطعيات الدين التي لا مراء فيها فإنّ فريضة الدعوة إلى الله عز وجل قائمة على جميع المسلمين، حتى يقوم بها من يبلغها إلى جميع الأرض وغلى جميع الإنس بما تقوم به الحجة عليهم.
(3) فضل الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله تعالى أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول e قال تعالى: {يَأَيّهَا النّبِىّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً} [الأحزاب: 45]، والدعوة إلى الله هي سبيل النبي e وأتباعه إلى يوم القيامة قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف: 108]، وحمل أمانة الدعوة إلى الله تعالى سبب خيرية هذه الأمة وفلاحها قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104] وقال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع من فروع الدعوة إلى الله، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً، قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وأجر الداعي إلى الله عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا…) ([4]) . وأخبر رسول الله e ما للداعية من أجر عظيم، فقال لعلي رضي الله عنه: (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم) ([5]) .
(4) أهمية الدعوة إلى الله: لولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين، ولا انتشر توحيد وإسلام، ولهذا أمر الله تعالى رسوله e بتبليغها إلى الناس كاملة، قال تعالى {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..} الآية. [المائدة: 67]، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل أتباعه إلى قيام الساعة، قال تعالى {قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأمر سبحانه المسلمين بأن يتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة (أمانة الدعوة إلى الإسلام)،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104].
(5) حكم الدعوة إلى الله: الدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين، وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ}، [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويتعين الوجوب على أهل العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم وعدم كتمانه كما قال تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..} (آل عمران:187) والمقصود به تحذير العلماء من المسلمين من فعل ذلك، وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة:159-160). وقـال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [البقرة:174]، ويتأكد الوجوب في هذه الأيام نظراً إلى بعد الناس عن الإسلام وجهلهم به وغفلة المسلمين عن دينهم وعن التمسك به وبعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه وتزكيته و نظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة والدعوات المضللة التي تخالف الإسلام، فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت اليوم أكثر وجوبا على جميع العلماء ليبلغوا دين الله عز وجل ويحملوا أمانته.
(6) الداعية إلى الله على خطر عظيم: الدعوة إلى الله هي بالأساس مهمة الرسل، والرسل الكرام عليهم السلام اصطفاهم الله تعالى من الناس، لهم مؤهلات أخلاقية وعلمية وعملية خاصة، لأنهم حملة دينه سبحانه إلى الناس، قال تعالى: {اللّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ} الآية. [الحج: 75] والاصطفاء معناه الاختيار لمن هو أفضل وأجدر لحمل أمانة الدعوة إلى الله والحديث عن دين الله، الداعية إلى الله هو الركن المهم والمحور الأساس في الدعوة إلى الله تعالى، ومقامُه مقامٌ بالغُ الأهمية والخطورة، لأنه ينوب عن النبي e في تبليغ أعظم رسالة في الوجود، رسالة الإسلام دين الله القيم.
(7) البصيرة في الدين هي أساس الدعوة إلى الله: الداعية إلى الله تعالى لابد وان يتصف بالبصيرة في الدين، قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف]، والبصيرة أقوى وأعلى مراتب العلم، لأنها الفقه في دين الله، وفي الحديث (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)، فالداعية إلى الله لابد أن يكون مؤهلا لحمل أمانة الدعوة بالعلم والفهم والبصيرة في الدين، وإلا أفسد من حيث مقصوده الصلاح، وأضل من حيث مقصوده الهدى والرشاد، ويكون والعياذ بالله داعية إلى البدعة أو الضلالة ويناله شيء من وعيد الله تعالى في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]، فالأمر جد خطير، وخطره جسيم فإما أن يكون الداعية إلى الله عالما فقيها بالدين على بصيرة من دعوته فيتصدر لها، وإما أن يتأنى حتى يطلب العلم من منابعه الصحيحة، ثم يتصدر لها بعد ذلك، إذ سبيل الدعوة مستقيم لا اعوجاج فيه، وما أكثر السبل التي تؤدي إلى مهالك الداعية، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَنعام: 153].
(8) أهداف الدعوة إلى الله: (أولا): بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام: قال الله تعالى لرسوله e: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[آل عمران: 20]، وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21]، وقد امتدح الله تعالى الدعاة إلى الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39]، (ثانيا): إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة: قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وأتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، قال تعالى في حق أصحاب السبت: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، (ثالثا): دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم ودينه القويم: قال تعالى في حق رسوله e:{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم:1 إلى 4]، وقال تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} [المؤمنون:17]، وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران:110]، وجعلها خير الأمم لقيامها بحق الرسالة فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران:110]، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ([6]) .(رابعا): إيجاد المؤمن الصالح: إيجاد مؤمن واحد هو تحقيق عظيم لواحد من أهم أهداف الدعوة إلى الله، وفي ذلك جاء قول النبي e: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) ([7]) . وقوله e: (يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك) ([8]) . (خامسا): إيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام: قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران:164]، (سادسا): نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض: قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف، قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، [النور: 55]، (سابعا): نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد: الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه لعباده على الأرض لذا فهو دين الدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف ولإرشاد إلى الصلاح، وهو دين النهي عن أي شر أو منكر أو فساد، وكل ما في كلمات الخير والمعروف والصلاح من معاني وأعمال فإن الإسلام يأخذ به و يدعو إليه وكل ما في كلمات الشر والمنكر والفساد من معاني وأعمال فإن الإسلام يأباه وينهى عنه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، وقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117، 118]، فالصلاح والنهي عن الفساد هما سبب النجاة من الهلاك، وكل الرسل الذين أرسلهم الله نشروا الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وعن الشر والفساد، وعلى الرغم من تركيزهم الشديد على التوحيد وهو أعظم الخير والمعروف والصلاح وضده الشرك وهو أعظم المنكر والشر والفساد إلا أن ذلك لم يشغلهم عن النهي عن الفساد في الأرض، وكان دائما منهاجهم قوله تعالى {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الْأَعراف: 74] وقوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]، وقوله تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151، 152]، وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الْأَعراف: 85] وقوله تعالى مخاطبا نبيه e {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، وفي ذلك الهدف الجليل خاطب الله تعالى أمة الرسول بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)} [الحج: 77] وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وجعلهم خير الأمم لقيامهم بهذا الواجب فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…} الآية [آل عمران: 110]، (ثامنا): عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة والقيم الفاضلة: من أهداف الدعوة إلى الله عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة كالصدق والأمانة والوفاء والرحمة والعدل والإحسان، والقيم الفاضلة كبر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ومساعدة المحتاج وكفالة اليتيم والعدل في الحكم ولو مع الأعداء، وقد وصف الله تعالى رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وجعله سبحانه رحمة لجميع الخلائق فقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبياء: 107]، وجعل رسالته المتممة لمكارم الأخلاق، فقال e (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([9]) . (تاسعا): التعارف مع الشعوب والقبائل والأجناس البشرية لنشر ثقافة الإسلام ومبادئ الدين القيم: قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقد جعل الله تعالى أهل الإسلام شهداء على الأمم الباقية لما لهم من فضل علم عليهم بالله وبدينه، قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…} الآية [الحج: 78]، وإن من أهم أهداف الدعوة الإسلامية التعارف مع الشعوب الأخرى المنتشرة على سطح الأرض من أجل إيصال دعوة الإسلام ومبادئ ذلك الدين القيم إليهم ونشر ثقافة الإسلام بينهم، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13]، (عاشرا): الدفاع عن الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام: إن مع أكثر ما يعوق الدعوة الإسلامية ونشر دين الإسلام هو الفهم الخاطئ لدين الله، مع أنه دين الفطرة والاعتدال، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، فدين الله يلائم فطرة الناس ولو أفسح المجال أمام الناس بصدق لكانوا أمة واحدة على دين التوحيد، ولما كان أعداء الله تعالى يعرفون ذلك أخذوا يحاربون انتشاره بين الناس بنشر المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عنه، ومن أهم أهداف الدعوة إلى الله الدفاع عن الإسلام ومحاربة الانحراف عن صراطه المستقيم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام لأن ذلك من أعظم الدعوة والجهاد من أجل نشر الدين ونصرته.
(9) أهم أخلاق الداعية إلى الله: إنّ الداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يتحلى بمنظومة متكاملة من الأخلاق العظيمة التي تكون زاداً له على طريق الدعوة إلى الله، وهذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق تبلغ عشرين خلقا أساسيا مصدرها جميعاً الكتاب والسنة، فالقرآن الكريم وصف النبي e بقوله تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم}، والقرآن الكريم خاطب المسلمين جميعا بقوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، وعندما سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله e قالت: (كان خلقه القرآن) ([10]) . ومن أبرز أخلاق الداعية إلى الله تعالى التي لا يصلح الداعية إلا بها: عشرون خلقا لابد وأن يتميز بها الداعية، وأن يتخلق بها ويتأدب بصفاتها: (1): الصدق فلا يكون الكاذب داعية إلى الله، (2) والأمانة فلا يكون الخائن داعية إلى الله، (3) والصبر فلا تصح الدعوة إلا بالصبر لها وعدم استعجال ثمرتها، (4) والرحمة فلا يكون الفظ غليظ القلب داعية إلى الله، (5) والتواضع فلا يكون الجبار المتكبر داعية إلى الله، (6) والعدل فلا يكون الظالم داعية إلى الله، (7) والعلم فلا يكون الداعية إلى الله تعالى جاهلا بما يدعو إليه، (8) والحلم، فإن الحلم سيد الأخلاق، (9) والبصيرة في الدين، فلا تكون الدعوة إلى الله تعالى إلا على بصيرة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، (10) والحكمة، (11) والموعظة الحسنة، وهما من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وبدون الحكمة والموعظة الحسنة يفسد الداعية من حيث يريد الإصلاح، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، (12) والتجرد، واحتساب أجر الدعوة إلى الله عند الله تعالى وحده، قال تعالى: – آمراً نبيه e: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنعام: 90]، وأمر سبحانه جميع رسله أن يقولوا {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109]، (13) والاستقامة بمعنى أن يصدق العمل القول وأن يكون عمل الداعية مطابق لما يدعو إليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، (14) والإخلاص في الدعوة إلى الله، فلا يريد بها إلا وجه الله، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} و قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}، (15) واليقين في الله تعالى، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، (16) وتقوى الله عز وجل، قال تعالى: {إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ}. [المائدة: 27]، (17) وحسن التوكل على الله والاتصال الوثيق بالله قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ق والتجرد، (18) والحرص البالغ على هداية الناس، قال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، (19) والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]،دْرًا} [الطلاق: 3]، (20) النزاهة والقدوة الحسنة، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، اللهم اجعلنا هداة مهديين، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
الدرس الرابع أخلاق الدعاة إلى الله (2)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتصف بها الداعية إلى الله: أقول بالله التوفيق: إنّ الداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يتحلى بمنظومة متكاملة من الأخلاق العظيمة التي تكون زاداً له على طريق الدعوة إلى الله، وهذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق مصدرها الكتاب والسنة، فالقرآن الكريم وصف النبي e بقوله تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم}، والقرآن الكريم خاطب المسلمين جميعا بقوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، وعندما سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله e قالت: (كان خلقه القرآن) ([11]) . فالداعية لابد أن يلتزم بأخلاق القرآن والسنة الثابتة عن النبي e حتى يكون لدعوته تأثير ويكون لدعوته قبول، ومن أبرز أخلاق الداعية إلى الله تعالى التي لا يصلح الداعية إلا بها: عشرون خلقا لابد وأن يتميز بها الداعية، وأن يتخلق بها ويتأدب بصفاتها: (1): الصدق فلا يكون الكاذب داعية إلى الله، (2) والأمانة فلا يكون الخائن داعية إلى الله، (3) والصبر فلا تصح الدعوة إلا بالصبر لها وعدم استعجال ثمرتها، (4) والرحمة فلا يكون الفظ غليظ القلب داعية إلى الله، (5) والتواضع فلا يكون الجبار المتكبر داعية إلى الله، (6) والعدل فلا يكون الظالم داعية إلى الله، (7) والعلم فلا يكون الداعية إلى الله تعالى جاهلا بما يدعو إليه، (8) والحلم، فإن الحلم سيد الأخلاق، (9) والبصيرة في الدين، فلا تكون الدعوة إلى الله تعالى إلا على بصيرة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، (10) والحكمة، (11) والموعظة الحسنة، وهما من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وبدون الحكمة والموعظة الحسنة يفسد الداعية من حيث يريد الإصلاح، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، (12) والتجرد، واحتساب أجر الدعوة إلى الله عند الله تعالى وحده، قال تعالى: – آمراً نبيه e: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنعام: 90]، وأمر سبحانه جميع رسله أن يقولوا {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109]، (13) والاستقامة بمعنى أن يصدق العمل القول وأن يكون عمل الداعية مطابق لما يدعو إليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، (14) والإخلاص في الدعوة إلى الله، فلا يريد بها إلا وجه الله، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} و قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}، (15) واليقين في الله تعالى، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، (16) وتقوى الله عز وجل، قال تعالى: {إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ}. [المائدة: 27]، (17) وحسن التوكل على الله والاتصال الوثيق بالله قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ق والتجرد، (18) والحرص البالغ على هداية الناس، قال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، (19) والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]،دْرًا} [الطلاق: 3]، (20) النزاهة والقدوة الحسنة، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
(أول أخلاق الدعاة إلى الله: الصدق): والصدق أهم صفات المرسلين لأنهم يبلغون عن الله عز وجل دينه، فيستحيل عليهم الكذب، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي e قبل البعثة (بالصادق الأمين) بأهم صفتين تميز بهما ألا وهما الصدق والأمانة، وأولى الناس بهذه الفضيلة بعد الأنبياء والمرسلين هم الدعاة إلى الله.
(الخلق الثاني من أخلاق الدعاة إلى الله: الأمانة): الأمانة من أهم صفات المرسلين لأنهم يبلغون عن الله عز وجل دينه، فيستحيل عليهم الخيانة، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي e قبل البعثة بالصادق الأمين، فأهم صفتين تميز بهما الصدق والأمانة، وأولى الناس بهذه الفضيلة (الأمانة) بعد الأنبياء والمرسلين هم الدعاة إلى الله، وفي كتاب الله تعالى آيات كثيرة تتحدث عن ضرورة التخلق بخلق بالأمانة والبراءة من أي نوع من أنواع الخيانة، منها قوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ومن أحاديث الرسول e، وقوله e: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ([12]) .
(الخلق الثالث من أخلاق الدعاة إلى الله: الصبر): معية الله تعالى مع الصابرين، قال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الْأَنْفال: 46]، ومحبة الله تعالى للصابرين، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، والصابرون يوفون أجورهم يوم القيامة بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، والصبر من فروض الإسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم أكثر من ثمانين موضعاً، كلها تدل على فضل الصبر، وتأمر به، والصبر سنة من سنن الابتلاء، لابد وأن يتعرض لها المسلم فضلا عن الداعية إلى الله، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، وبالصبر واليقين ينال الدعاة إلى الله الإمامة في الدين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}[السجدة: 24].
(الخلق الرابع من أخلاق الدعاة إلى الله: خلق الرأفة والرحمة): من أبرز أخلاق سيد الدعاة إلى الله رسولنا الكريم e الرحمة على جميع الخلائق، حتى خاطبه الله تعالى بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، ومن شفقته e على الناس جميعا كادت نفسه الشريفة أن تزهق حزنا على عدم استجابة الكفار لدعوته، وفي هذا يخاطبه المولى تبارك وتعالى بقوله تعالى {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}، هذه رحمته مع الكافرين، فما بالنا برحمته ورأفته وشفقته على أمته، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وترسيخا لمبدأ الرحمة في مجال الدعوة إلى الله، ومع عظيم رحمته e بالناس جميعا وأمته خاصة، خاطبه الله تعالى في حق الناس جميعا بقوله تعالى{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وفي حق أتباعه بقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، ومن مظاهر رحمة الداعي إلى الله بالناس وشفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، والحرص الشديد على قبولهم لتلك الدعوة، لأن فيها نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى، ومن مظاهر رحمة الداعي إلى الله بالناس أن يحب لهم ما يحب لنفسه من الإيمان والهدى، وأن يحرص على إبعادهم عن الكفر والشرك والمعصية وكل ما يغضب الله لأن فيه الهلاك لهم، ومن مظاهر رحمة الداعي إلى الله بالناس أن لا يكف عن دعوته لهم ولا يسأم من الرد والإعراض، ولا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم، لأن هذا منهج سيد الدعاة الرحمة المسداة إلى العالمين e، ومنهج الأنبياء جميعا من قبله عليهم السلام في الدعوة إلى الله، منهج لا يصدر إلا عن قلب رحيم وشفقة ظاهرة ورأفة بالغة، يصبر على أذى الناس ويرد عليهم بالرفق واللين، والقرآن الكريم يوضح منهاجهم الرحيم في الدعوة إلى الله، والداعي إلى الله لابد وأن يكون ذا قلب يمتلئ بالرحمة والشفقة على الناس والنصح لهم وإرادة الخير لهم، وليعلم أن الله تعالى خاطب الرسول e بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فالرحمة ورقة القلب خلق أصيل للداعية إلى الله، ونقيضها (الفظاظة وغلظ القلب)، والفظاظة تؤدي إلى انفضاض الناس، والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب لا ينجح في عمله ولا يقبل الناس عليه وإن كان ما يقوله حقاً وصدقاً. هذه هي طبيعة الناس ينفرون من الغليظ القاسي ولا يقبلون قوله، والداعية إلى الله تعالى إذا كان غليظ القلب خشن الطبع كان منفراً عن دين الله، ولا يصلح أبداً لحمل لواء الدعوة إلى الله.
(الخلق الخامس من أخلاق الدعاة إلى الله: التواضع): من الأخلاق الأساسية التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة إلى الله التواضع ولين الجانب وعدم الكبر، والنبي e سيد المتواضعين، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}وقال تعالى في بيان فضل المتواضعين: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، والداعي إلى الله أحوج من غيره إلى خلق التواضع، فهو يخالط الناس ويدعوهم إلى الحق و إلى أخلاق الإسلام فكيف يكون عارياً من التواضع، وهو من ركائز أخلاق الإسلام، ثم إن من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها أنهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم، وان كان ما يقوله حقاً وصدقاً، هكذا جبلت طبائع الناس فإنهم ينفرون عن المتكبر ويغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده. فلا يصل إليها من قوله شيء بل قد يكون ذلك سبباً إلى كرههم الحق منه ومن غيره. فعلى الداعي إلى الله أن يفقه هذا الأمر جيداً وليتق الله ربه ولا يكون سبباً لنفرة الناس من الدعوة إلى الله.
(الخلق السادس من أخلاق الدعاة إلى الله: العدل): قال تعالى في بيان فضيلة العدل بين الناس: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وقال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ}، وقال تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، والداعية إلى الله لابد وأن يتصف بالعدل في كل أموره، لاسيما تلك التي تتعلق بالدعوة وأهمها العدل والتوسط والاعتدال في تقييم الأفراد والجماعات، والعدل في النظر إلى الجهود و الأعمال، والعدل في الحكم على الدعوات و الحركات و العدل في تقييم المخالفين والحكم عليهم بذكر الحسنات والسيئات، وحمل الخلاف على أحسن الوجوه، وعدم المبالغة في ذكر السيئات، فهذا كله من العدل الذي ينبغي أن يتصف به الداعية إلى الله.
(الخلق السابع من أخلاق الدعاة إلى الله: العلم الراسخ بالله): من أهم أخلاق الداعية إلى الله تعالى: العلم بالله وبدين الله وبشرع الله، أهل العلم بالله هم أهل الخشية من الله، قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28]، وطلب العلم الصحيح لا يكون إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، أوضحت الآية أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة، لذا جاء الأمر الرباني باحترام أفهام المتخصصين لأدلة الكتاب والسنة، فقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون، وزاد القرآن الكريم الأمر تأكيدا، وذلك بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم، (الخلق الثامن من أخلاق الدعاة إلى الله: الحلم): وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم، وتدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل، والحثِّ على الدَّفع بالتي هي أحسن، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة، قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133- 134]، وقال عزَّ وجلَّ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، والحلم خلق عظيم من أخلاق الداعية إلى الله، يتذكر بها حلم الله تعالى على عباده، قال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235]
(الخلق التاسع من أخلاق الدعاة إلى الله: البصيرة في الدين): فلا تكون الدعوة إلى الله تعالى إلا على بصيرة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، والبصيرة في الدين هي أول الصفات التي ألزم الله به الدعاة في دعوتهم، وإن من أعظم ضروريات الدعوة إلى الله تعالى أن يكون الداعية إلى الله على بصيرة من دينه، والبصيرة أخص من العلم لأنها تشمل العلم والفهم والفقه والإدراك، ومن البصيرة، أن يدرك الداعية أولويات الدعوة إلى الله ولا يجوز للمسلم أن يدعو إلى الله إلا بعد أن يكون على بصيرة من دينه يحمل قدراً كافيا من العلم في كافة جوانب الدين العلمية والعملية، وفضلاً عن هذا، فإن الداعية إلى الله بغير بصيرة آثم عند الله لمخالفة أمر الله، ولأنه آنذاك لا يُضل نفسه فحسب، بل يُضل معها غيرها ممن يدعوهم،، فلربما جعل السنة بدعة، والبدعة سنة، ولربما جعل المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، و، ولربما دعا إلى أمر غير مشروع باسم الدين، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فإن العلم قبل العمل، والبصيرة في الدين قبل الدعوة إلى الله، وهل ظهرت الفرق الضالة إلا بسبب دعاة متعالمون ضالون مضلون يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إن أهم صفات الداعي إلى الله أن يكون عالماً بما يدعو إليه، موقناً أن الذي يدعو إليه هو الإسلام الصحيح الصافي، وذلك لأن كثيرا من الدعاة ممن لم يوفقوا إلى البصيرة يدعون إلى الإسلام بصبغة بعض الفرق الضالة أو المذاهب المخالفة، أو على أقل تقدير بغير صبغة الإسلام الأولى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} وهم بذلك ليسوا دعاة إلى الإسلام الصافي، بل هم حجر عثرة أمام الدعوة إلى الله، وأمام دين الله، يفرقون المسلمين وينفرون غير المسلمين، ولما كانت العلوم التي جاء بها الدين على قدر عظيم من السعة والعمق والشمول مما لا يحيط به إلا الأفذاذ من العلماء، ولا يجمعه إلا الراسخون في العلم، كان لزاما على كل داعية إلى الله أن لا يهجم على أمر من أمور الدين إلا بعد العلم به، ولا يفتي في مسألة إلا بعد فقه أبعادها ومعرفة أقوال المتخصصين من العلماء فيها، ولا يدعو الناس إلا بعد العلم أن ما يدعو إليه هو ما أمر به الله ورسوله ولا ينهى عن شيء إلا بعد العلم أن ما ينهى عنه هو مما نهى الله ورسوله عنه، ولزاما على كل داعية إلى الله أن يحترم المدارس المتخصصة في علوم الدين وأن يتتلمذ عليها، فلا يفتي في أمور الإيمان والكفر إلا بعد دراسة علم الأسماء والأحكام، ولا يفتي في الأسماء والصفات إلا بعد دراسة علم التنزيه ومعرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الله، ولا يفتي في الحلال والحرام إلا بعد دراسة الفقه في هذه الأمور، ولا يجوز له أن يجعل الأمور الاجتهادية، وما لا نص فيه في منزلة الأمور المنصوص عليها المقطـوع بها.. ويجب على الداعي أن يضع كل أمر في نصابه الذي جعله له الشرع الحكيم بغير إفراط ولا تفريط، ودليل هذا كله قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} (يوسف:108) فالبصيرة هي العلـم الراسخ والفقه في الدين والفهم الواسع لجوانب الدين، والجهل بالدين من أعظم آفات الدعوة إلى الله، وكم من دعاة أقاموا دعوتهم على الجهل فضلوا وأضلوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فجروا أتباعهم إما إلى الغلو والإفراط بالتكفير والتبديع واستحلال حرمات الله، وإما إلى التفريط بالشطح والبدع والمنكرات.
(الخلق العاشر والحادي عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: الحكمة، والموعظة الحسنة): وهما من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وبدون الحكمة والموعظة الحسنة يفسد الداعية من حيث يريد الإصلاح، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، لقد أمر الله سبحانه وتعالى أن تكون الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالحسنى، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125]، فالدعوة إلى الله عز وجل لا تكون إلا بالحكمة، والنبي e سيد الحكماء، وهو معلم الناس الحكمة، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]،، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125].
(الخلق الثاني عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: التجرد، واحتساب أجر الدعوة إلى الله عند الله تعالى وحده): قال تعالى: – آمراً نبيه e: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنعام: 90]، وأمر سبحانه جميع رسله أن يقولوا {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} والدعاة إلى الله يجب أن يتأسوا بالرسل في دعوتهم إلى الله فتكون دعوتهم إلى الله من أجل دينه، واحتساباً لله وحده، لا لدنيا زائلة أو هدف رخيص، وبهذا تجد دعوتهم القبول، وتنتفي عنهم الظنة وتبتعد عنهم الشبهة، وحتى لا يتهم الداعي إلى الله تعالى في دعوته، وأنه لم يدع إلا للدنيا، ولذلك لا يطلب على دعوته أجراً من الناس، بل يعلمهم دائما أن الدعاة إلى الله إنما يحتسبون أجرهم على الله وحده.
(الخلق الثالث عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: الاستقامة )بمعنى أن يصدق العمل القول وأن يكون عمل الداعية مطابق لما يدعو إليه): قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، و قال تعالى:- على لسان نبي الله شعيب عليه السلام – {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، من أهم صفات الداعي أن يكون عامـلاً بما يدعو الناس إليه، فإذا دعا غيره إلى خير كان أسبق الناس إليه، وإذا نهاهـم عن شر كان أبعد الناس منه، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، إن الداعية إلى الله يجب أن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عن شيء ثم يرتكبه، وان يكون داعيا إلى الله بالقول العمل، إنّ الاستقامة من أهم أخلاق الداعية، وفيها جاء قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]
(الخلق الرابع عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: الإخلاص في الدعوة إلى الله): فلا يريد بها إلا وجه الله، إنّ قبول الأعمال موقوف على وجود الإخلاص فيها، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} و قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}، وقال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وأوضح الحق سبحانه أن السبيل إلى لقاء الله تعالى يوم القيامة لقاء رضى وإنعام هو العمل الصالح الخالص لوجه الله، السليمُ من ملاحظة الخلق فقال: {فمَنْ كان يرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعِبادَةِ رَبِّهِ أحداً} [الكهف: 110]، ولا يبتغى الداعية بعمله لدين الله تعالى إلا وجه الله، ومن قصد بعمله غير الله، فليس له عند الله تعالى شيئاً، قال رسول الله e: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ([13]) .وأخرج البخاري ومسلم عن النبي e قوله: (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل أمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) ([14]) .
(الخلق الخامس عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: اليقين في الله تعالى): قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، الصبر على الدعوة واليقين في الله هما طريق الدعاة إلى الله إلى نشر دين الله تعالى والتمكين له على أرض الله، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، ولابد للداعي إلى الله من التحلي بالصبر لأنه لا بد وأن يؤذى في دعوته فكل الرسل تعرضوا للبلاء، وهم أشد الناس بلاءً ثم الأمثل فالأمثل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)} [يوسف]، ولابد للداعي إلى الله من التحلي باليقين، واليقين هو الإيمان العميق بالدعوة إلى الله، وأنها الحق{فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس: 32]، وأنه الهدى {قل إن هدى الله هو الهدى} [البقرة: 120]
(الخلق السادس عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: تقوى الله عز وجل): لا يتقبل الله تعالى إلا من المتقين، قال تعالى: {إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ}. [المائدة: 27]، والتقوى سبيل إلى صلاح الأعمال ونجاحها قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب 70، 71]، والتقوى خير زاد الدعاة إلى الله، قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، وبالتقوى يعين الله الداعية، ويجعل له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، قال تعالى:{يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إَن تَتّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]
(الخلق السابع عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: حسن التوكل على الله والاتصال الوثيق بالله): قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قدرا}، والتوكل على الله هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى وهو الثقة باللّه في كل حين، به أمر الله تعالى الأنبياء والمرسلين، فقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ}، والتوكل على الله وسيلة الدعاة إلى الله تعالى لتحقيق غاياتها، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، وهو سلاحهم عند الشدائد، قال تعالى: {وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12]، وعند نزول المصائب، قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} إنّ من أهم صفات الداعية إلى الله التوكل على الله والتعلق بالله والثقة به سبحانه في جميع أموره لتيقنه بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير والضرر والنفع والمنع والعطاء وانه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وان الله تعالى يكفي من يتوكل عليه ويفوض الأمور إليه، لاسيما من يتوكل عليه في أمور الدين والدعوة إلى الله ونصره وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، ويزداد هذا الاتصال بالله تعالى إذا استحضر الداعي المسلم معاني ولاية الله تعالى لعباده العاملين من أجل دينه ونصرته لهم، قال تعالى: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}، وقال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}،وقال تعالى: {{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون} وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى:{{ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}
(الخلق الثامن عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: الحرص البالغ على هداية الناس): قال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، الحرص على هداية من يدعوه: من أهم صفات الداعي إلى الله الحرص على هداية من يدعوه فإذا كان من يدعوه كافراً كان حريصاً على إيمانه ساعياً في ذلك بكل سبيل، وقد كان سيد الدعاة نبينا e ليحزن أشد الحزن حتى يكاد يقتله الغم أسفاً على نفور الناس من دعوته، قال تعالى: {لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} [الكهف: 6]، وقد وصفه الله تعالى بالحرص الشديد على هداية الناس. قال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} والداعي إلى الله متى كان حريصاً على هداية من يدعوه سعى إلى ذلك بكل سبيل ولم يدخر وسعاً في إيصال الحق له، واستخدم معه كل وسيلة ناجعة، وأزال كل عقبة تصده عن الحق، يحمله هذا على إخلاص النية، وبذل قصارى الجهد، والفرح بهداية من يدعوه، والحزن إذا لم يستجب له، وأما إذا اتصف بعدم الحرص على هداية من يدعوه،أهمل في دعوة من يدعوه، ولم يكترث لهدايته أو ضلاله، وبالتالي لا تؤتي الدعوة ثمارها.
(الخلق التاسع عشر من أخلاق الدعاة إلى الله: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة): قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة: من أجمل صفات الداعية إلى الله الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، فالدنيا دار الغرور، ولا يؤثرها على الآخرة إلا المغرور، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} لا شيء أفسد لقلب الداعية من التعلق بالدنيا والركون إِليها وإيثارها على الآخرة فان هذا الفساد يقعده عن التطلع إلى الآخرة والعمل لها، وإتعاب الجسد في سبيل الله والدعوة إليه وهيهات لقلب ركن إلى الدنيا أن يقوى على مهام الدعوة إلى الله.
(الخلق العشرون من أخلاق الدعاة إلى الله: النزاهة والقدوة الحسنة): قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، والمقصود من الأُسوة أو القدوة أن يكون الداعية المسلم قدوةً صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعله قوله، وقد حذر النبي e الدعاة من المخالفة لِمَا يقولون، فبيّن e في الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم، قال: (أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به)([15]) .إن استقامة الداعية ستؤدي إلى استقامة اتباعه، كما أنّ انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه، فليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله، وليرِ الله تعالى من نفسه خيرًا، إنّ من الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاةالحق يعملون به وينشطون فيه، ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله – جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِـمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ}، هذه الآية الكريمة تُبيِّن لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضًا؛ ولهذا قال بعده: {وَعَمِلَ صَالِـحًا}، فالداعي إلى الله عز وجل يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجِّهون الناس بالأقوال والأعمال فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم، اللهم خلقنا بأخلاق الدعاة الربانيين والعلماء الصالحين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([3]) شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص 188.
([4]) صحيح مسلم 4/2060 ح 2674.
([5]) صحيح البخاري 4/47 ح 2942، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.
([8]) مسند أحمد 18/112 ح 11558، سنن ابن ماجة 5/347 ح 4284.
([9]) مسند البزار 15/364 ح 8949.
([10]) مسند أحمد 42/183 ح 25302.
([11]) مسند أحمد 42/183 ح 25302.
([13]) صحيح مسلم 4/2289 ح 2985.