الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق العلماء وطلبة العلم، أقول وبالله التوفيق: أهل العلم بالله هم أهل الخشية من الله، قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28]، و أهل العلم بالله هم أهل القرب من الله، قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9]، وأهل العلم بالله هم أهل الدرجات العلا عند الله: قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، و أهل العلم بالله هم أهل الإخبات لله قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} و أهل العلم بالله هم أهل اليقين في الله، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} أهل العلم بالله هم أهل المعرفة بدين الله، قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وأهل العلم بالله هم أهل الزهد في الدنيا وأهل الرجاء في ثواب الله، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}
ومن أحاديث النبي e في بيان فضل العلم: أخرج البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) ([1]) . وأخرج مسلم عن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) ([2]) . وأخرج الترمذي عن أبي امامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول(فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ([3]) .ثم قال e: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير) ([4]) . وأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال e: (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) ([5]) . وأخرج البخاري: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: («إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».) ([6]) .
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (يا أبا ذر لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ”) ([7]) .
وأهل العلم هم أهل الإيمان والإحسان الواقفون على أهم ثغور الإسلام وهم قدوة المسلمين، وأخلاقهم لابد وان تكون أحسن الأخلاق، يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الله تعالى، من أخلاق: التوحيد والبراءة من الشرك، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله، والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، ويتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الرسول e من وجوب الإيمان به والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، ومن محبته e أكثر من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن تعظيمه وتوقيره e، والاستنان بسنته، و كثرة الصلاة عليه e، ومحبة آل بيته ومحبة أصحابه، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع أخلاق المسلم مع الدين: من الرضا به دينا، ومن التفاني في العمل من أجل نصرة هذا الدين، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق الفرد المسلم في ذات نفسه: وهي كثيرة أهمها: الصِّدْق، والأمَانَة، والعَدْل، والحِكْمَة، والكَرَم، والشَّجَاعَة، والحَيَاء، والعفة، والحِلْم، والأناة، والرِّفق، والتواضع، والرحمة، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المجتمع المسلم من التآخي في الله، والتحاب في الله، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والبر، والتضحية، والتآلف، والتَّودُّد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، والستر للعصاة والمذنبين والمقصرين، وبذل المعروف لهم، وسلامة الصدر لهم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وقضاء حاجات المسلمين والرحمة لهم والشفقة بهم وعموم البر والإحسان لهم، والعلماء هم خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، قال النبي e في حقهم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين) ([8]) .
من أهم أخلاق العلماء: خشية الله: رأس العلم خشية الله عزَّ وجلَّ، فإن من خشية الله أن يؤدي العالم ما يجب عليه، وكلما كانت خشيته لله أكمل صار إخلاصه أعظم، وصار أداؤه للأمانة أكمل، يقول عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] أي: العلماء بالله، العارفين به، المعظمين لحرماته، أهل البصيرة بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فهم أفضل الناس خشية، وأكثرهم تعظيماً لله.
من أخلاق العلماء: الإكثار من طلب العلم: كما قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114]، فهم يطلبون الزيادة ويسألون الله الزيادة، ويبذلون كل ما يستطيعون في طلب المزيد من العلم، من المذاكرة، ومراجعة الكتب، وسؤال أهل العلم، والرحلة في طلب العلم، والجد في طلب العلم وطلب المزيد قولاً وعملاً، فهم يسألون الله المزيد ويعملون في طلب المزيد، من العناية بكتاب الله عزَّ وجلَّ تلاوة وتدبراً وحفظاً وتعقلاً، ومراجعةً لكتب التفسير، ومذاكرةً في ذلك، وهكذا في الحديث النبوي، وأصول الفقه، وأصول المصطلح،، وهكذا في غير ذلك، هم دائماً وأبداً يطلبون المزيد، ويعملون المزيد من طلب العلم، لعلمهم وشعورهم بشدة الحاجة إلى ذلك، والله سبحانه يقول: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 85]، فمهما طلب العلم ومهما اجتهد ومهما حرص، فهو لم يؤتَ إلا القليل، وعلم الله أوسع وأكثر، هكذا ينبغي لطالب العلم، وهكذا ينبغي للعالم المسئول، أن يكون حريصاً على طلب العلم، مع الاهتمام بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعن طريق المذاكرة مع أهل العلم الذين يُرجى أن يكون عندهم من الفائدة ما لا يستغني عنها الشخص.
من أخلاق العلماء: التواضع: ومن أخلاقهم العظيمة: التواضع، وعدم التكبر؛ تأسياً بإمامهم وسيدهم محمد عليه الصلاة والسلام، فالعلماء هم أكثر الناس تواضعاً، اقتداءً بإمام المتقين وسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، فقد كان e أكمل المتواضعين، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وكان لا يستأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي له حاجته، عليه الصلاة والسلام، وهكذا أهل العلم يتواضعون في طلب العلم، وإبلاغ العلم، وفي قضاء الحاجة للمسلمين، وبذلك نالوا المراتب العالية، والدرجات الرفيعة، يقول مجاهد رحمه الله وهو تابعي جليل: [لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر]
من أخلاق العلماء: العمل بالعلم: ومن أخلاق العلماء العظيمة: العمل بالعلم، إذ المقصود من العلم هو العمل، وليس بعالم من لم يعمل، فالعلم الحقيقي هو العمل, ولهذا فإن من أعظم أخلاق أهل العلم العمل بالعلم، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].
من أخلاق العلماء: الصبر: وهناك أمر آخر من الأخلاق العظيمة لأهل العلم، وهو: الصبر على علمهم وعملهم ودعوتهم وتبليغهم،، فإنه قد يَنال العالم بعض الأذى، وقد يتعب في ذلك، قد تحصل له المشاق في دنياه وفي بدنه، وقد تحصل عليه أيضاً مشاق في دينه؛ لكن يجتهد في حفظ دينه، وفي الحرص على القيام بحق الله عليه، ومع ذلك يحرص على القيام بحق عباد الله، ويصبر على تعليم المسلمين أمور دينهم، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، وأن يصبر على الأذى، كما فعل الرسل، فقد أوذوا وصبروا عليهم الصلاة والسلام، فلا بد أيضاَ من الصبر من أهل العلم، المتأسين بالرسل عليهم الصلاة والسلام، يمتثل قول الله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}، وقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2699.
([3]) سنن الترمذي 5/50 ح 2685.
([4]) المصدر السابق 5/50 ح 2685.
([6]) المصدر السابق 1/31 ح 100.