المبحث الخامس عشر التصوف وتزكية الأنفس (منهاج الصوفية في التزكية)
[المفتاح الأول]: التصوف وتزكية الأنفس: قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، و(التزكية) لها في اللغة معنيان (الاول التطهير) والثاني (النماء) وكلاهما مراد، التطهير بتخلية النفس من طباعها الدنيئة، والثاني نماء النفس بتحليها بكريم الاخلاق، المعنى الاول: (التطهير)، تطهيرها من الأدران والأوساخ وتخليتها من الاخلاق الذميمة والصفات الرديئة، والثاني: تنميتها بزيادتها وتحليتها بالأوصاف الحميدة والأخلاق العظيمة، وتزكية النفس واجبة، فيلزم كل مسلم أن يعرف أمراض قلبه وكيفية تطهيره منها، وأن يعرف مراتب النفس وكيفية تزكيتها، وقد أقسم الله عز وجل في كتابه أحد عشر قسماً على فلاح من زكى نفسه وعلى خسران من أهمل ذلك، قال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 1 إلى 10]، والنفس من أشد أعداء الإنسان لأنها تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، وسائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانبها، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله عز وجل بقوله: (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها)، كما أن تزكية النفس طريق الجنة، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، فهي إذن شرط لدخول الجنة.
[المفتاح الثاني]: تزكية النفس: تنقسم إلى قسمين رئيسين هما: التخلية، و التحلية، فالتخلية: يقصد بها تطهير النفس من أمراضها وأخلاقها الرذيلة، وأما التحلية: فهي ملؤها بالأخلاق الفاضلة وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة بعد أن خليت منها، فالأخلاق الرذيلة مثل: الكفر والنفاق، والشرك والرياء، والعجب، والكبر، والبغض والحسد، والشح والبخل، والغضب، والحرص على الدنيا وإيثارها على الآخرة، وأما الأخلاق الفاضلة كالإخلاص والصدق، والتوكل والإنابة والتوبة، والصبر والشكر، والخوف، والرجاء، وحسن الخلق في التعامل مع الناس، والشفقة عليهم، ولكي يستطيع الإنسان الانتصار على نفسه ينبغي لـه يعتاد دائما على: اتهامها، وعدم تبرئتها، فإنه إذا لم يتهمها الإنسان أغوته وقادته إلى التهلكة، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}، وأن يعتاد على ترك الانتصاف لها من الغير، وعدم الانتصار لها من أحد حتى وإن كانت مظلومة، فإنها ظلومة جهولة، وإذا كانت هي المظلومة فقد قال الله عز وجل: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}، وقال سبحانه: {ادفع بالتي هي أحسن}، والنفس إذا سرت وراءها وأطلقت لها الزمام سارت بك إلى أسفل سافلين، وإن زكاها المسلم ودفعها إلى المراتب العالية انقادت له، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، والنفس كالطفل تماماً كما يقول البصيري: (والنفس كالطفل إن تهمله شب على ** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم)، فإذا عامل الإنسان نفسه على هذا النحو ملكها واستطاع توجيهها نحو الخير، ونحو التزكية ونحو الرشاد.
[المفتاح الثالث]: لابد للسالك إلى الله من معرفة نفسه ومعرفة مراتبها السبعة، ولابد للسالك من معرفة السبل إلى تزكيتها، وهذه المراتب السبعة هي: أمارة، ولوامة، ملهمة، ومطمئنة، وراضية، ومرضية، وكاملة، يقول الإمام العارف بالله الشيخ الرباني أبو الحسن الشاذلي: (فإذا ما ارتقت من نفس أمارة بالسوء إلى نفس لوامة، ومن لوامة إلى ملهمة، ومن ملهمة إلى مطمئنة، ومن مطمئنة إلى راضية، ومن راضية إلى مرضية، دخلت في حيز النفس الكاملة، وحينئذ تكون قد تخلصت من ران الطباع وكثافة ذميم الخصال وتحكم سجن الجسد فيها، فيكون لها الشفافية والإطلاق، فتتحكم هي في الجسد ولا يتحكم الجسد فيها، ويكون صاحبها روحانياً، وهذه المرتبة هي التي تسمى فيها النفس: روحاً)
(النفس الأولى): النفس الأمارة بالسوء، جاء فيها قوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، والنفس الأمارة بالسوء عدوة للإنسان تأمره بالسوء، وهي من جند إبليس الرجيم لعنه الله، وهي سلاحه الذي يصيد به أهل المعصية والضلال، يستغل هواها وشهواتها وطباعها وشرورها من البخل والحرص والأمل والكبر والشهرة والحسد والغفلة والأمن والراحة والفترة والكسل والعجز والغرور، يستغل تلك الصفات الموجودة فيها من اجل إغواء الإنسان وإهلاكه، وهي امارة بالسوء إن غفل الإنسان عن محاسبتها هلك، وإن عجز عن مخالفتها قادته إلى النار، وهي رأس البلايا، ومأوى كل شر نعوذ بالله من شرها، والنفس الأمارة بالسوء هي نفوس الكفار ومن حذا حذوهم، لا تأمر صاحبها بخير، وإنما تأمره بالسوء، وهي مع ذلك راضية بأفعالها محسنة لها.
(النفس الثانية): النفس اللوامة: أقسم به الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة}، النفس اللوامة هي التي تفعل الخير وتحبه، وفي نفس الوقت تعمل المعصية وتكرهها، وتجدها إذا فعلت المعصية، شعرت بالندم والحسرة، وتلوم نفسها أي حال فعلها، وتمنت أنها لم تفعلها، وقد ذكر الله النفس اللوامة في القرآن الكريم لما لها من تأثير طيب على صاحبها في تبديل حاله من الشر إلى الخير ومن الخطيئة إلى الطاعة.
(النفس الثالثة): هي النفس الملهمة، قال تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها تقواها}، والنفس الملهمة بالتقوى: من صفاتها السخاوة والقناعة والعلم والتواضع والتوبة والصبر وتحمل الأذى، وهذه النفس قنطرة بين النفس اللوامة والنفس المطمئنة، وهي النفس التي الهمت معرفة الفجور والتقوى، وعلامتها أن يعرف صاحبها الدسائس الخفية الدقيقة من الرياء والعجب والتي قد تخفى على النفس اللوامة.
(النفس الرابعة) النفس المطمئنة: هي نفس تحب الخير وتفعله، وتكره المعصية وتجتنبها فعلاً وقولاً، ولا تشعر بالسعادة إلا بفعل الخير والطاعة لله، وتوصف هذه النفس بالنفس المطمئنة، والنفس المطمئنة تكون غاية ما تكون من الاطمئنان إذا تحققت في طاعة الله تعالى، ولهذه النفس صفات تتحلى بها وأهمها: الورع والإخلاص، قال الله تعالى في حق صاحبها: {الذين آمنـوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، و النفس المطمئنة نفس زالت عنها الشهوات وتبدلت عندها الصفات المذمومة بصفات محمودة، وصاحب النفس المطمئنة لابد وان يتنبه إلى أنها مع اطمئنانها لا تخلو من دسائس خفية جدا كالشرك الخفي وحب الرئاسة والاعجاب والثناء من الخلق، و (النفس الخامسة): النفس الراضية: والرضى فوق الاطمئنان، فإذا تحققت النفس بهذه المنزلة، كان صاحبها راضيا بالله تعالى ربا وإلها وراضيا بقضاء الله وقدره، وراضيا عن دينه وشرعه، ومنقطعاً عن دعوى الاستقلال لنفسه، راضياً بكل ما يأتي مـن ربـه مستسلماً إليه بكامل الرضا والقناعة، و (النفس الراضية) هي التي رضيت عن الله في جميع حالاتها، وهي النفس التي انقطع عنها عرق الرياء، واستوى عندها المدح والذم، وهي التي تواضعت ورضيت بكل ما يأتي به القضاء والقدر من غير أدنى اعتراض، تلك هي النفس الراضية.
(النفس السادسة): النفس المرضية، هي التي حازت رضا الله، فهي راضية عن الله مرضية عند الله، وهي النفس التي جاء ذكرها في سورة الفجر، قال تعالى: {يا أيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}، و (النفس المرضية) أعلى من الراضية، لأنها لما رضيت عن الله فكان جزاؤها رضا الله عنها، فمن رضي فله الرضا، كما أنه: من سخط فله السخط، و (النفس المرضية): تدخل في زمرة عباد الله المقربين الذين تتحقق فيهم صفات العبودية الخالصة لله وحده.
(النفس السابعة): النفس الكاملة المستقيمة، التي صارت صفات الكمال لها طبعا وسجية، وهي النفس التي صارت روحا نورانيا شريفا ساميا تؤهل صاحبها للدخول إلى عالم الولاية وعالم الشهود، وتجليات حضرة الحق، هذه النفس الكاملة ترفع صاحبها إلى كمال الخلق الإنساني، وتسمو بصاحبها إلى عالم الملائكة والطهر والمثال.
(تنبيه) العواقب مجهولة، والاعمال بالخواتيم، والنفس لا امان لها وإن بلغت مراتبها السبعة، فلا يأمن احد على نفسه، فلابد من مجاهدتها وتزكيتها في كل وقت وحين آناء الليل وأطراف النهار، لأنه لا يامن مكر الله إلا القوم الخاسرون، قال بعض العارفين: (النفس حية تسعى وإن بلغت مراتبها السبعة) نسأل الله حسن الختام،
[المفتاح الرابع]: وسائل تزكية النفس: أول الوسائل التي يتوصل بها إلى تزكية هذه النفس: تخلية النفس من أخلاقها الرذيلة التي منها الرياء والعجب والشح والبخل، والحرص والطمع، والأمن من مكر الله، وثاني تلك الوسائل العمل على تحليتها بالأخلاق الحميدة الفاضلة كالإخلاص والصدق والكرم والسخاء والجود، مع المحافظة على الفرائض، لأنها أفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى مولاه، قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وفي الحديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، والإكثار من النوافل، وفي تكملة الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ([1]) .
ثم (لزوم الاستغفار) لقول الله عز وجل: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}، وقوله تعالى: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما}، وقوله تعالى: {وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم مِنْ خير تجِدُوه عند اللهِ هوَ خيراً وأعظَمَ أجراً واستغفروا اللهَ إنَّ اللهَ غفورٌ رحيم} [المزمل: 20]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الاستغفار تعليماً لأمته وتوجيهاً، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قوله: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ([2]) .
، ثم (لزوم الذكر، والمداومة على ذكر الله) لقوله سبحانه: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}، وقوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خير لكم من أنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى، قال: ذكر الله تعالى)، ([3]) .
وقوله صلى الله عليه و سلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، و أنا معه إذا ذكرني، فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و ان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، و ان تقرب إلي شبرا تفربت اليه ذراعا و ان تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا و ان اتاني يمشي أتيته هرولة) ([4]) .
وقوله صلي الله عليه و سلم: للذي سأله فقال: (يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به)، قال صلي الله عليه و سلم: (لا يزال لسانُك رَطْباً من ذكر الله) ([5]) .
ثم (المداومة على الأوراد)، وأعظم الأوراد تلاوة القرآن، فلا بد من ورد يومي لقراءة القرآن، ويختلف الورد في القرآن الكريم من شخص إلى شخص وفق القدرة والهمة والوقت، وفي الحديث الذي رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم: (قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) ([6]) .
وأقل مدة لختمة القران ثلاثة أيام، والحد الوسط أن يختم القرآن مرة كل أسبوع إذا تمكن من ذلك، والحد الأبعد أن يختم القرآن مرة كل شهر، وأفضل أوقات الأوراد ما كان بعد الصلوات المفروضات، فإنها من خير الاوراد فضلا وبركة،وما كان بعد صلاة الفجر، وورد السحر وأفضله الاستغفار، لقوله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وورد ما بعد صلاة العصر، وكذلك أوراد ختم الصلوات، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها،
[المفتاح الخامس]: اجتهد بعض العارفين من أهل الله تعالى المجربين الصادقين في الارتقاء بالنفس من اللوامة إلى النفس الكاملة عبر ذكر الله تعالى، وأهل الطريق اهل تجربة ومجاهدة وخبرة وكشف فلا يستهان بتجاربهم ومعارفهم، وذكر أنّ: الأنفس سبعة يمكن الارتقاء بها من خلال الذكر: (النفس الأولى: النفس الامارة بالسوء، قال: وذكرها (لا إله إلا الله) مائة ألف مرة، و بعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه الأمارة بهذه المائة ألف ” لا إله إلا الله “، قال: [و] النفس الثانية: النفس اللوامة (قال: وذكرها (الله) مائة ألف مرة، و بعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه اللوامة بهذه المائة ألف “الله”، قال: [و] النفس الثالثة: النفس الملهمة، قال: وذكرها: (هو) مائة ألف مرة، و بعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه الملهمة بهذه المائة ألف ” “هو”، قال: [و] النفس الرابعة: النفس المطمئنة، قال: وذكرها: (حي) مائة ألف مرة، وبعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه المطمئنة بهذه المائة ألف اسم الله ” الحي”، قال: [و] النفس الخامسة: النفس الراضية، قال: وذكرها: (قيوم) مائة ألف مرة، وبعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه الراضية بهذه المائة ألف اسم الله ” القيوم”، قال: [و] النفس السادسة: النفس المرضية قال وذكرها: (حق) مائة ألف مرة، وبعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه المرضية بهذه المائة ألف اسم الله ” الحق”، قال: [و] النفس السابعة: النفس الكاملة الصافية، قال: وذكرها: (قهار) مائة ألف مرة، وبعد إكمال العدد يصلي السالك ركعتين حاجة لله تعالى بنية شراء نفسه الكاملة بهذه المائة ألف اسم الله ” القهار”، هذا والله أعلم).
[المفتاح السادس]: الهدف من السلوك والتزكية هو وصول المرء إلى مقام الإحسان : وفي صحيح مسلم من حديث جبريل المشهور: (قال فأخْبِرني عن الإحسان؟ قال “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال الهروي في “منازل السائرين”: هذا الحديث إِشارة جامعة لمذهب هذه الطائفة، قال شارحه: لأن أصل هذه الطريقة الخاصة كمال المعرفة ودوام المراقبة للحق سبحانه في الحركات والسكنات، بل في الأنفاس واللحظات، حتى يستولي سلطان الحق على القلوب، فيضمَحل ما تعلقت به أو سكنت إِليه من الأحوال والخطوب، فالإحسان يشتمل على مقامين (المراقبة ثم المشاهدة)، والحديث بدأ بالمشاهدة إِشارة إِلى علوّها وسُموّها، وأنها المقصد الأهم، أما في السلوك والتَرقّي فيكون البدءُ بالمراقبة، لأن دوامها يورث المشاهدة، ولهذا لما أراد الجُنيد الدخول في الطريق وذهب إِلى خاله وأستاذه السري السقطي يفضي إِليه برغبته، قال له: يا بني إِني ألقنك ثلاث كلمات، إِذا أردت أن تنام من الليل فقل عند نومك: الله معي، الله ناظر إِليَّ، الله شاهد عليَّ، قال الجُنيد: فواظبت عليها نحو شهر، ثم قال لي أستاذي: يا بُني إِذا كان الله معك وناظر إِليك وشاهد عليك، فهل يصح أن تعصيه؟ قال الجُنيد فنفعني الله بهذه الكلمات طوال حياتي، كلما هَمَمت بمعصيةٍ تذكرتها فما عصيت الله قط، فانظر كيف لقَّنَ السري تلميذه الجُنيد مقام المراقبة لأنه يُوصل إِلى المشاهدة القلبية، أما المشاهدة البصرية فهي في الدنيا خاصة بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لم تُعطَ لغيره، قال ابن عباس: إن الله أعطى الخُلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي صحيح مسلم في حديث الدجّال وأنه يقول للناس أنا ربكم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم “واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت” وسُئل الإمام مالك لِمَ لَمْ يرَ المؤمنون ربهم في الدنيا وإِنما يرونه في الآخرة؟ فأجاب بأنهم في الدنيا فانون، والفاني لا يرى الباقي، وفي الآخرة أعطوا أبصاراً باقية، فرأوا الباقي بالباقي، إن مذهب أهل التصوف إنما يدور على تحقيق مرتبة الإحسان – أعلى مراتب الدين -، وهـذه المرتبة العالية (مرتبة الإحسان) يسميها العلماء كذلك مرتبة السابق بالخـيرات وذلـك لقـوله تعـالى السابقين {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى {والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} [الواقعة: 10-12]، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه، وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته، ولهذه المرتبة العالية مقامات عظيمة متفاوتة تبدأ (بمقام المراقبة) وهو يُعلم من قوله صلى الله عليه وسلم (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ويندرج المحسن في منازلها ومقاماتها حتى يبلغ (مقام المشاهدة القلبية)، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (أن تعبد الله كأنك تراه))، (فالمراقبة) تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله، ويتدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات، فبإحسـان أعمال القلب، وبإحسـان أعمال اللسان، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله، حتى يصبح من أولياء الله تعالى الصالحين، كما جاء في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال (إِن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحب إِليَّ مما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سَمْعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينّه، ولئن استعاذني لأُعيذنّه)) ([7]) . وآنذاك يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة القلبية، وهي (أن تعبد الله كأنك تراه))، وهذه منزلة الصديقين الذين قرب علم يقينهم في الله من عين يقينهم فيه ففتح الله تعالى عليهم من أنواع القربى والمعرفة وأعمال القلوب ما شاء، ومهما وصل العبد في القربى من الله، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين، وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير، وكما قيل [حسنات الأبرار سيئات المقربين]، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم إن ربك واسـع المغفـرة} [النجم: 31]، ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة والقدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وفي اليوم والليلة أكثر من مائة مرة، وحاشى لله أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذنب لله رب العالمين، حاشا لله أن يكون له ذنوب وخطايا من جنس ذنوبنا وخطايانا، بل هو من باب فضل الله العظيم على الرسول صلى الله عليه وسلم وطاقة البشر المحدودة فيكون الاستغفار بموجب عظم النعمة التي منَّ الله تعالى بها على رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأل جهداً في عبادة الله فهو أعبد الناس وأشكرهم وأحمدهم لله رب العالمين، ولذلك كانت المغفرة من الله تعالى له لكون ذلك الشكر خارج عن مقدور الخلق وجهدهم فمن من الخلق يستطيع القيام بحق الربوبية والألوهية وشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال وهذه لا يقدرها قدرها إلاّ الله جل وعلا فهي فوق طاقة الخلق إلاّ أن أعظمهم شكراً لتلك الحقوق هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان استغفاره صلى الله عليه وسلم لعلمه بأن القيام بشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال والقيام بحق الربوبية والألوهية هو فوق مقدور الخلق، وقد كان صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه جل وعلا صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين صلاة وتسليماً دائمين مضاعفين إلى يوم الديــن.
[المفتاح السابع]: الطريق الصوفي والمقامات والأحوال الصوفية: إن التصوف – في المقام الأول – خبرة عملية ذاتية، وليس ضربًا من العلوم النظرية مثل علم الفقه وعلم العقيدة، والمعرفة الصوفية لا تأتى من دروس نظرية فى الأمور بقدر ما تُحصَّل من مجاهدات ورياضات ذاتية، لذلك فإن الصوفية يتكلمون في التصوف عن تجربة وتذوق لا كعلم نظري مجرد، يتدرج السلوك الصوفي عبر عدد من (المراحل الروحية) التي تُسمَّى عندهم (بالمقامات والأحوال)، والمقامات تأتى في الغالب من المجاهدات الذاتية للصوفي كدوام الذكر والفكر والصيام والاجتهاد في العبادة والطاعة لاسيما عبادات القلب من الخشية والورع والتقوى والمحبة وغيرها، والأحوال تأتى فى الغالب من المواهب الإلهية بفضل من الله تعالى ومنة منه، ويختلف عدد وترتيب هذه المراحل الروحية من صوفي لآخر، ومجموع هذه المراحل الروحية يشكل ما يسمَّى (بالطريق الصوفي)، والطريق الصوفي لا بدَّ من سلوكه لكل من أراد الوصول إلى غايته، فلذلك يُسمَّى أيضًا (بالسلوك الصوفي)، ونظرًا لصعوبة هذا الطريق فهناك مبدأ عام عند المتصوفة يُثبت أن هذا السلوك الروحي يجب أن يتم تحت إرشاد شيخ محقِّق يساعد المريد في تقدمه الروحي مع تجنب مخاطره الخطرة لاسيما مع تلبيس إبليس الذي أقسم على إضلال الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين، الطريق الصوفي طويل وعر وشاق لا يسلكه إلا الرجال الصادقون ولا يصل إلى درجاته العليا إلا المفردون من الاولياء الصالحين، وهو درجات بعضها فوق بعض – أوصلها العارفون إلى مائة درجة – تمثل في مجموعها مرتبة الإحسان، وتدور جميعها بين المراقبة والمشاهدة، كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ف (كأنك تراه) نهاية الطريق، و(فإنه يراك) بداية الطريق، وبينهما من المقامات والأحوال ما يشيب له رؤوس الولدان من الاجتهادات والمجاهدات، ولكي تعلم مدى صعوبة بلوغ تلك المقامات انظر إلى ما جاء في حلية الأولياء: ” قال أبو بكر الكتاني وأبو الحسن الرملي رحمهما الله تعالى: سألْنا أبا سعيد الخراز، فقلنا: أخبرنا عن أوائل الطريق إلى الله تعالى؟ فقال: (التوبة)، وذكر شرائطها، ثم يُنقل من مقام التوبة إلى مقام (الخوف)، ومن مقام الخوف إلى مقام (الرجاء)، ومن مقام الرجاء إلى مقام (الصالحين)، ومن مقام الصالحين إلى مقام (المريدين)، ومن مقام المريدين إلى مقام (المطيعين)، ومن مقام المطيعين إلى مقام (المحبين)، ومن مقام المحبين إلى مقام (المشتاقين)، ومن مقام المشتاقين إلى مقام (الأولياء)، ومن مقام الأولياء إلى مقام (المقربين)، وذكروا لكل مقام عشر شرائط، إذا عاناها وأحكمها وحلَّت القلوب هذه المحلة أدمنت النظرة في النعمة، وفكرت في الأيادي والإحسان، فانفردت النفوس بالذكر، وجالت الأرواح في ملكوت عزه بخالص العلم به، واردةً على حياض المعرفة، إليه صادرة، ولِبابهِ قارعة، وإليه في محبته ناظرة، أما سمعت قول الحكيم وهو يقول: أُراعي سواد الليل أنساً بذكره و شوقاً إليه غير مستكره الصبر ولكن سروراً دائماً وتعرضاً وقرعاً لباب الرب ذي العز والفخر فحالهم أنهم قَرُبُوا فلم يتباعدوا، ورُفعت لهم منازل فلم يُخفَضوا، ونُوِّرتْ قلوبهم لكي ينظروا إلى مُلْك عدن بها ينزلون، فتاهوا بمن يعبدون، وتعززوا بمَنْ به يكتفون، حلَّوا فلم يظعنوا، واستوطنوا محلته فلم يرحلوا، فهم الأولياء وهم العاملون، وهم الأصفياء وهم المقربون، أين يذهبون عن مقام قربٍ هم به آمنون، وعزوا في غرف هم بها ساكنون، جزاءً بما كانوا يعملون، فلمثل هذا فليعمل العاملون) ([8]) .
ولكي يقطع المرء عقبات الطريق، ويجتاز مقاماته لا بد له من مجاهدات نفسية ومواصلة للذكر والمراقبة والمحاسبة والخلوات، فالوصول إلى الله تعالى لا يُنال بالتشهي والتمني بل لا بد من إيمان وتقوى، وصدق في القصد، وإخلاص في الغاية، وعند ذلك يكرم الله السالكين إليه بالمعرفة الكاملة، والمنزلة العالية، والغاية الكبرى التي ليس دونها غاية من سلوك الطريق الصوفي بمقاماته العظام من (المراقبة) إلى (المشاهدة) هي تحقيق رضا الله سبحانه وحب لقائه، وقد أيقنوا بالرجوع إلى الله لقوله تعالى: {أفَحَسِبْتُم أنَّما خلقْناكُم عبَثاً وأنَّكُم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، فأحبوا لقاء مَنْ سيرجعون إليه، وجدُّوا واجتهدوا في سيرهم الحثيث رغبة في لقاء الله تعالى وهو عنهم راض، والسالك الصادق المخلص لا يطلب المقامات ولا يقصد المراتب والكرامات، وإنما هي منازل يقطعها في طريقه إلى الغاية الكبرى، قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كُشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك) ([9]) .
ويختلف الواصلون في وصولهم إلى الله تعالى كل على حسب مقامه وهمته، فمنهم من وصل في سيره إلى وحدة الأفعال ذوقاً وشهوداً، ويفنى فعله وفعل غيره، ويتذوق معنى قوله تعالى: {وما رميتَ إذ رميتَ ولكِنَّ اللهَ رمى} [الأنفال: 17]، وهذه رتبة في الوصول، ومنهم من يصل في سيره إلى وحدة الصفات ذوقاً وشهوداً، فيتذوق معنى قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء اللهُ} [الدهر: 30]، ويتذوق معنى الحديث القدسي: “فإذا أحببْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أبي هريرة رضي الله عنه]، وهذه رتبة في الوصول، ومنهم من يترقى إلى مقام الفناء في الذات، فيشهد عَرَضية كل شيء مقابل وجود الحق عز وجل، وتفيض عليه أنوار اليقين، ولسان حاله يقول: وجودي أن أغيبَ عن الوجود ِبما يبدو عليَّ من الشهود ويتذوق قول الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عليها فانٍ، وَيَبقى وَجهُ ربِّكَ ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 – 27]، وقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: “أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ…” ([10]) .
والصوفية الصادقون في طريقهم للوصول إلى الله تعالى قد جعلوا الكتاب دليلهم، عاملين بقوله تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا لِيَعبُدونِ} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، فلم تغرَّهم الدنيا بزخارفها ولم توقفهم بعلائقها، ومقتدين بسيد الأنبياء والمرسلين وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم، عندما خاطبه المولى سبحانه بقوله تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فساروا وراءه صلى الله عليه وسلم متبعين له في جميع حالاته وأخلاقه وأفعاله، عملا بقوله تعالى: {قل إنْ كنْتُم تحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبْكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران: 31]، فساروا في طريقه الحنيف غير منحرفين إلى دنيا، ولا ملتفتين إلى عرض زائل، عملا بقوله تعالى: {وأنَّ هذا صراطي مُستقيماً فاتَّبِعوه ولا تتَّبِعوا السُبُلَ فتفرَّقَ بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]، يعلمون الغاية من وجودهم، ويحبون لقاء مَنْ سيرجعون إليه، عملا بقوله تعالى: {أفَحَسِبْتُم أنَّما خلقْناكُم عبَثاً وأنَّكُم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، فجدُّوا واجتهدوا في سيرهم الحثيث إلى الله.
والمقامات التي يمر بها السالك في سيره إلى الله تعالى كثيرة جدا، أولها التوبة إلى الله، فمن لا توبة له لا سير له، وهي منطلق السالك في سيره إلى ربه، قال الله تعالى – في ذكر بعض تلك المقامات: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقال تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].
وقد ذكر القشيري في رسالته [الرسالة القشيرية] عدداً من تلك المقامات والأحوال والأخلاق، جاء منها باب التوبة وباب المجاهدة وباب الزهد وباب الصمت وباب الخوف وباب الرجاء وباب وباب الجوع وباب الخشوع وباب التواضع وباب مخالفة النفس وذكر عيوبها وباب الحسد وباب الغيبة وباب القناعة وباب الشكر وباب اليقين وباب الصبر وباب المراقبة وباب الرضا وباب العبودية وباب الإرادة وباب الإخلاص وباب الحياء وباب الفراسة وباب الخلق وباب الجود والسخاء وباب الغيرة وباب الولاية وباب الفقراء وباب التصوف وباب الأدب وباب الصحبة وباب التوحيد وباب الخروج من الدنيا وباب المعرفة بالله وباب الشوق، وكذلك فإن الكلاباذي في كتابه: [التعرف لمذهب أهل التصوف] ذكر مقامات السالكين، وذكر منها: مقامات التوبة والزهد والصبر والفقر والتواضع والخوف والتقوى والإخلاص والشكر والتوكل والرضا واليقين والذكر والأنس والقرب والمحبة والتجريد والتفريد والوجد والسكر والغيبة والشهود والجمع والتفرقة والفناء والبقاء والتوحيد، وكذلك ذكر الإمام الغزالي في كتابه [إحياء علوم الدين في الربع الرابع منه ربع المنجيات]، مقامات التوبة والصبر والرجاء والخوف والزهد والفقر والتوحيد والتوكل والمحبة والشوق والأنس والرضا والمحاسبة والمراقبة والتفكر، وذكر الإمام أبو نصر السراج الطوسي في كتابه [اللمع] مقامات التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا والمراقبة والقرب والمحبة والخوف والرجاء والشوق والأنس والطمأنينة والمشاهدة واليقين، وذكر الهروي في كتابه [منازل السائرين] أنها ألف مقام، ذكر أصولها وجعلها مائة مقام، وقسمها عشرة أقسام، في كل قسم عشر مقامات، وقال في مقدمة كتابه: ” وبعد فإن جماعة من الراغبين في الوقوف على منازل السائرين إلى الحق عز اسمه من الفقراء من أهل هراة والغرباء طال علي مسألتهم إياي زمانا أن أبين لهم في معرفتها بيانا يكون على معالمها عنوانا فأجبتهم بذلك بعد استخارتي الله واستعانتي به، وسألوني أن أرتبها لهم ترتيبا يشير إلى تواليها ويدل على الفروع التي تليها وأن أخليه من كلام غيري وأختصره ليكون ألطف في اللفظ وأخف للحفظ، وإني خفت أني إن أخذت في شرح قول أبي بكر الكتاني إن بين العبد والحق ألف مقام من نور وظلمة طولت علي وعليهم فذكرت أبنية تلك المقامات التي تشير إلى تمامها وتدل على مرامها وأرجو لهم بعد صدق قصدهم ما قال أبو عبيد البسري إن لله عبادا يريهم في بداياتهم ما في نهاياتهم، ثم إني رتبته لهم فصولا وأبوابا يغني ذلك الترتيب عن التطويل المؤدي إلى الملال ويكون مندوحة عن التسآل فجعلته مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام، إلى أن قال: وإني مفصل لك درجات كل مقام منها لتعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقق ولكل منهم شرعة ومنهاج ووجهة هو مولاها قد نصب له علم هو له مبعوث واتيح له غاية هو إليها محثوث وإني أسأل الله أن يجعلني في قصدي مصحوبا لا محجوبا وأن يجعل لي سلطانا مبينا إنه سميع قريب، واعلم أن الأقسام العشرة التي ذكرتها في صدر هذا الكتاب هي: (قسم البدايات): وهو عشرة أبواب وهي: اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع، ثم (قسم الأبواب): وهو عشرة أبواب وهي: الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة، ثم (قسم المعاملات) وهو عشرة أبواب وهي: الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، ثم (قسم الأخلاق): وهو عشرة أبواب وهي: الصبر، والرضى، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط، ثم (قسم الأصول) وهو عشرة أبواب وهي: القصد، والعزم، والإرادة، والأدب، واليقين، والأنس، والذكر، والفقر، والغنى، ومقام المراد، ثم (قسم الأودية): وهو عشرة أبواب وهي: الإحسان، والعلم، والحكمة، والبصيرة، والفراسة، والتعظيم، والإلهام، والسكينة، والطمأنينة، والهمة، ثم (قسم الأحوال) وهو عشرة أبواب وهي: المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، والبرق، والذوق، ثم (قسم الولايات) وهو عشرة أبواب وهي: اللحظ، والوقت، والصفاء، والسرور، والسر، والنفس، والغربة، والغرق، والغيبة، والتمكن، ثم (قسم الحقائق) وهو عشرة أبواب وهي: المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والحياة، والقبض، والبسط، والسكر، والصحو، والاتصال، والانفصال، ثم (قسم النهايات): وهو عشرة أبواب وهي: المعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد، ثم أخذ في بيان تلك المقامات المائة، وجعل لكل مقام منها ثلاث درجات، درجة العامة، ثم درجة السالك، ثم درجة المحقق [أنظر منازل السائرين لشيخ الإسلام الهروي]، وبعد فتلك هي بعض المقامات والأحوال التي يقابلها الصوفي في طريقه إلى الله، حتى يصل إلى (وحدة الشهود) ومفادها أن: يصل الصوفي إلى نهاية الطريق أو إلى مقصده الأسمى في المراحل العليا من أمثال المعرفة والمحبة، حتى الفناء التام في الحقيقة العليا، أي في الله، وهناك يصير الصوفي في حضرة “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من الأسرار الإلهية، وقد عبر بعض الصوفية عن تلك التجربة العميقة الفريدة بعبارات غريبة عُرفت بالشطحات الصوفية، التي أثارت الاستنكار بل الشك والرفض من طرف بعض الناس بسبب صياغتها اللفظية المذهلة المُغربة، فدارت المناقشات والمجادلات واختلفت الآراء حول تلك العبارات عبر القرون، كما سنرى فيما بعد.
وقد وُصفت هذه المراحل الثلاث من السلوك الصوفي بأسماء أخرى من أهمها التقسيم الثلاثي الذى كثيرًا ما نجده عند المتصوفة على النحو التالي: المرحلة الأولى: التي تتمثل في التزام الشريعة (حيث يلتزم السالك بالحفاظ على أحكام الشريعة أشد التزام)، ثم تأتى مرحلة الطريقة (وهى مرحلة تهذيب الأخلاق والارتقاء بها بكسب الفضائل الحميدة وبالاتصاف بالصفات الإلهية حسب الحديث الشريف المشهور: “تخلَّقوا بأخلاق الله وأخيرًا تأتى مرحلة الحقيقة، وهى المرحلة النهائية وغاية السلوك الصوفي الذى يتم باللقاء بين العبد وربه، فيتحول العبد فيه تحولاً جذريًا إذْ إنه يدخل في حضرة الحقيقة الأسمى مع الفناء التام عن نفسه وعن كل ما سوى الله.
[المفتاح الثامن]: أركان المنهاج العملي للتصوف الصحيح في التزكية وبلوغ مرتبة الإحسان: المنهج العملي للتربية عند الصوفية يقوم على أركان ضرورية يمكن أجمال أهمها في ثمانية أركان هي (1) الصحبة، (2) الوارث المحمدي والشيخ المرشد، (3) أخذ العهد، (4) العلم، (5) مجاهدة النفس، (6) الذكر، (7) المذاكرة، (8) الخلوة، وفي بيان تلك الأركان التي تمثل المنهج العملي في بلوغ مرتبة الإحسان، ومنزلة الصوفية السنّية الحقة، يقول الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه القيّم ” حقائق عن التصوف ” باب المنهج العملي في التصوف – باختصار يسير –
[1] الصحبة، وبيان أهميتها وفائدتها وآثارها والدليل عليها من الكتاب والدليل عليها من السنة وأقوال العلماء والمحدثين في أهمية الصحبة وأقوال العارفين بالله
1 – أهميتها وفائدتها وآثارها: إن للصحبة أثراً عميقاً في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثر الروحي والاقتداء العملي، والإنسان اجتماعي بالطبع لا بد أن يخالط الناس ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء، فإن اختارهم من أهل الفساد والشر والفسوق والمجون انحدرت أخلاقه، وانحطت صفاته تدريجياً دون أن يشعر، حتى يصل إلى حضيضهم ويهوي إلى دركهم، أما إذا اختار صحبة أهل الإيمان والتقوى والاستقامة والمعرفة بالله تعالى فلا يلبث أن يرتفع إلى أوج علاهم، ويكتسب منهم الخُلق القويم، والإيمان الراسخ، والصفات العالية، والمعارف الإلهية، ويتحرر من عيوب نفسه، ورعونات خُلُقِهِ، ولهذا تُعرف أخلاق الرجل بمعرفة أصحابه وجلسائه، وما نال الصحابة رضوان الله عليهم هذا المقام السامي والدرجة الرفيعة بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية إلا بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له، وما أحرز التابعون هذا الشرف العظيم إلا باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما أن رسالة سيدنا محمد عليه السلام عامة خالدة إلى قيام الساعة، فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وُرّاثاً من العلماء العارفين بالله تعالى، ورثوا عن نبيهم العلم والخُلق والإيمان والتقوى، فكانوا خلفاء عنه في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الله، يقتبسون من نوره ليضيؤوا للإنسانية طريق الحق والرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ نصرهم فقد نصر الدين، ومن ربط حبله بحبالهم فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الوراث هم الذين ينقلون للناس الدين، مُمَثَّلاً في سلوكهم، حيَّاً في أحوالهم، واضحاً في حركاتهم وسكناتهم، هم من الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ” لا ينقطع أثرهم على مر الزمان، ولا يخلو منهم قطر، ومن ناحية أخرى، فكل إنسان لا يخلو من أمراض قلبية، وعلل خفية لا يدركها بنفسه، كالرياء والنفاق والغرور والحسد، والأنانية وحب الشهرة والظهور، والعجب والكبر والبخل… بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خُلقاً، وأقومهم ديناً، وهذا هو الجهل المركب، والضلال المبين، قال تعالى: {قُلْ هل نُنَبِّئُكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون صنعاً} [الكهف: 103ـ104]، فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية، تكشف له عن حقيقة حاله، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق، أحسن منه حالاً، وأقوم خُلقاً، وأقوى إيماناً، يصاحبه ويلازمه، فيريه عيوبه النفسية، ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: “المؤمنُ مِرآةُ المؤمن “، وعلينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال، فمنها الصافية المستوية، ومنها الجرباء التي تُشوِّهُ جمال الوجه، ومنها التي تُكبِّر أو تُصغِّر، وهكذا الأصحاب، فمنهم الذي لا يريك نفسك على حقيقتها، فيمدحك حتى تظن في نفسك الكمال، ويُدخل عليك الغرور والعجب، أو يذمك حتى تيأس وتقنط من إصلاح نفسك، أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته بصحبة مرشد كامل، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى للإنسانية الفاضلة، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنةٌ لِمَنْ كان يرجو الله واليومَ الآخرَ وذكرَ اللهَ كثيراً} [الأحزاب: 21]، فالطريق العملي الموصل لتزكية النفوس والتحلي بالكمالات الخلقية هو صحبة الوارث المحمدي والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيماناً وتقوىً وأخلاقاً، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته التي هي صورة عن الشخصية المثالية، شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يتبين خطأ من يظن أنه يستطيع بنفسه أن يعالج أمراضه القلبية، وأن يتخلص من علله النفسية بمجرد قراءة القرآن الكريم، والاطلاع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الكتاب والسنة قد جمعا أنواع الأدوية لمختلف العلل النفسية والقلبية، فلا بد معهما من طبيب يصف لكل داء دواؤه ولكل علة علاجها، {هو الذي بعثَ في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمةَ} [الجمعة: 2]، فالتزكية شيء، وتعليم القرآن شيء آخر، إذ المراد من قوله تعالى: {يزكيهم} يعطيهم حالة التزكية، ففرقٌ كبير بين علم التزكية وحالة التزكية كما هو الفرق بين علم الصحة وحالة الصحة، والجمع بينهما هو الكمال، وكم نسمع عن أناس متحيرين يقرؤون القرآن الكريم، ويطلعون على العلوم الإسلامية الكثيرة، ويتحدثون عن الوساوس الشيطانية، وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتخلصوا منها في صلاتهم!،
2 – الدليل على أهمية الصحبة من كتاب الله تعالى: 1 – قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119]، والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله بقوله: {مِنَ المؤمنين رِجال صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عيهِ} [الأحزاب: 23]، 2 – قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذينَ يدعون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدونَ وجهَهُ ولا تَعْدُ عيناك عنهُم تُريد زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتَّبَعَ هواهُ وكان أمرُه فُرُطاً} [الكهف: 28]، الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قبيل تعليم أُمته وإِرشادها.
3 – الدليل على أهمية الصحبة من الأحاديث الشريفة: 1 – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (يعطيك) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد فيه ريحاً منتنة) ([11]) .
2 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أيُّ جلسائنا خير؟ قال: “مَنْ ذكَّركُم الله رؤيتُهُ، وزاد في علمكم مَنْطقُه، وذكَّركم في الآخرة عملُه” ([12]) .
4 – أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة وآدابها: يقول الشيخ الفقيه المحدث أحمد شهابُ الدين بن حجر الهيثمي المكي في كتابه “الفتاوى الحديثية”: (والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة، فإنه هو الطبيب الأعظم، فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية، يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح لغذائها) ([13]) .
[2] البحث عن الوارث المحمدي: مما سبق يتبين أهمية صحبة الوارث المحمدي للترقي في مدارج الكمال، وتلقي دروس الآداب والفضائل، واكتشاف العيوب الخفية والأمراض القلبية، ولكن قد يسأل سائل: كيف الاهتداء إليه؟ والوصول إلى معرفته؟ وما هي شروطه وأوصافه؟ فنقول: حين يشعر الطالب بحاجته إليه كشعور المريض بحاجته إلى الطبيب، عليه أن يصدق العزم، ويصحح النية، ويتجه إلى الله تعالى بقلب ضارع منكسر، يناديه في جوف الليل، ويدعوه في سجوده وأعقاب صلاته: (اللهم دلَّني على من يدلني عليك، وأوصلني إلى من يوصلني إليك)، عليه أن يبحث في بلده، ويفتش ويسأل عن المرشد بدقة وانتباه غير ملتفت لما يشيعه بعضهم من فقد المرشد المربي في هذا الزمن، وللمرشد شروط لا بد منها حتى يتأهل لإرشاد الناس وهي أربعة: 1 – أن يكون عالماً بالفرائض العينية، 2 – أن يكون عارفاً بالله تعالى، 3 – أن يكون خبيراً بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها، 4 – أن يكون مأذوناً بالإرشاد من شيخه.
الشرط الأول: فينبغي أن يكون المرشد عالماً بالفرائض العينية: كأحكام الصلاة والصوم والزكاة إن كان مالكاً للنصاب، وأحكام المعاملات والبيوع إن كان ممن يتعاطى التجارة… الخ، وأن يكون عالماً بعقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد، فيعرف ما يجب لله تعالى، وما يجوز وما يستحيل إجمالاً وتفصيلاً، وكذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهكذا سائر أركان الإيمان.
الشرط الثاني: فينبغي أن يتحقق المرشد بعقيدة أهل السنة عملاً وذوقاً بعد أن عرفها علماً ودراية، فيشهد في قلبه وروحه صحتها، ويشهد أن الله تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، ويتعرف على حضرات أسماء الله تعالى ذوقاً وشهوداً، ويرجعها إلى الحضرة الجامعة، ولا يشتبه عليه تعدد الحضرات، إذ تعدد الحضرات لا يدل على تعدد الذات.
الشرط الثالث: فلا بد أن يكون قد زَكَّى نفسه على يد مربٍ ومرشد، فخبَرَ مراتب النفس وأمراضها ووساوسها، وعرف أساليب الشيطان ومداخله، وآفات كل مرحلة من مراحل السير، وطرائق معالجة كل ذلك بما يلائم حالة كل شخص وأوضاعه.
الشرط الرابع: فلا بد للمرشد من أن يكون قد أُجيز من شيخه بهذه التربية وهذا السير، فمن لم يشهد له الاختصاصيون بعلم يَدَّعيه لا يحق له أن يتصدر فيه، فالإجازة: هي شهادة أهلية الإرشاد وحيازة صفاته وعليها أُسِّسَتْ الآن فكرة المدارس والجامعات، فكما لا يجوز لمن لا يحمل شهادة الطب أن يفتح عيادة لمداواة المرضى، ولا يصح لغير المجاز في الهندسة أن يرسم مخططاً للبناء، وكما لا يجوز للذي لا يحمل شهادة أهلية التعليم أن يُدَرِّس في المدارس والجامعات، فكذلك لا يجوز أن يدَّعي الإرشاد غير مأذون له به من قِبَلِ مرشدين مأذونين مؤهَّلين، يتصل سندهم بالتسلسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [على غرار علماء الحديث الذين تناقلوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند رجلاً عن رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبروا السند أساساً لحفظ السنة النبوية من الضياع والتحريف ولهذا قال ابن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)]، وكما أنه لا يصح من العاقل أن يتداوى عند جاهل بالطب، كذلك لا يجوز للمرء أن يركن إلى غير المرشد المأذون المختص بالتوجيه والإرشاد، وكل من درس الوضع العلمي في الماضي يعرف قيمة الإجازة من الأشياخ وأهمية التلقي عندهم، حتى إنهم أطلقوا على من لم يأخذ علمه من العلماء اسم (الصحفي)، لأنه أخذ علمه من الصحف والمطالعة الخاصة، قال ابن سيرين رحمه الله: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر رضي الله عنهما بذلك فقال: (يا ابن عمر دينَك دينَك إنما هو لحمك ودمك فانظرْ عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا)، ([14]) .
وقال بعض العارفين: ثم اعلم أن من علامات المرشد أموراً يمكن ملاحظتها: (منها): أنك إذا جالسته تشعر بنفحة إيمانية، ونشوة روحية، لا يتكلم إلا لله، ولا ينطق إلا بخير، ولا يتحدث إلا بموعظة أو نصيحة، تستفيد من صحبته كما تستفيد من كلامه، تنتفع من قربه كما تنتفع من بعده، تستفيد من لحظه كما تستفيد من لفظه، (ومنها): أن تلاحظ في إخوانه ومريديه صور الإيمان والإخلاص والتقوى والتواضع، وتتذكر وأنت تخالطهم المُثُلَ العليا من الحب، والصدق والإيثار والأخوة الخالصة، وهكذا يُعرف الطبيب الماهر بآثاره ونتائج جهوده، حيث ترى المرضى الذي شُفوا على يديه، وتخرجوا من مصحه بأوفر قوة، وأتم عافية، علماً أن كثرة المريدين والتلاميذ وقلتهم ليست مقياساً وحيداً، وإنما العبرة بصلاح هؤلاء المريدين وتقواهم، وتخلصهم من العيوب والأمراض واستقامتهم على شرع الله تعالى، (ومنها): أنك ترى تلامذته يمثلون مختلف طبقات الأمة، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[3] أخذ العهد: مما سبق ثبت أنه ينبغي لمريد الكمال أن يلتحق بمرشد يتعهده بالتوجيه ويرشده إلى الطريق الحق، ويضيء له ما أظلم من جوانب نفسه، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين، يبايع المرشد، ويعاهده على السير معه في طريق التخلي عن العيوب والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان، والترقي في مقاماته.
وأخذُ العهد ثابت في القرآن، والسنة، وسيرة الصحابة: فمن القرآن: قول الله تعالى: {إنَّ الذينَ يُبايعونَك إنَّما يبايعونَ اللهَ يدُ اللهِ فوق أيديهم فمَنْ نكث فإنَّما ينكث على نفسه ومَنْ أوفى بما عاهَدَ عليهُ اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً} [الفتح: 10].
ومن السنة: فإن أخذ العهد والبيعة في السنة المطهرة ما كان يتخذ صورة واحدة من التلقين أو يختص بجماعة من المسلمين، وإنما كان أخذ العهد في السنة جامعاً بين بيعة الرجال، وتلقين الجماعات والأفراد، ومبايعة النساء، بل وحتى من لم يحتلم.
فأما بيعة الرجال: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك([15]) .
، وأما التلقين جماعة: فعن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد بن أوس رضي الله عنه، وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “هل فيكم غريب؟” ـ يعني من أهل الكتاب ـ فقلنا: لا يا رسول الله، فأمر بغلق الباب فقال: “ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله”، فرفعنا أيدينا وقلنا: لا إله إلا الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد”، ثم قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أبشروا فإنَّ الله قد غفر لكم”،([16]) .
وأما التلقين الإفرادي: فإن علياً كرَّم الله وجهه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله، وأسهلها على عباده، وأفضلها عنده تعالى)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “عليك بمداومة ذكر الله سراً وجهراً”، فقال علي: (كلُّ الناس ذاكرون فخصَّني بشيء)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، ولو أن السموات والأرضين في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهم، ولا تقوم القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله”، ثم قال علي: (فكيف أذكر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “غَمِّضْ عينيكَ واسمع مني لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم قلها ثلاثاً وأنا أسمع، ثم فعل ذلك برفع الصوت”
[رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن]، وأما بيعة النساء: فعن أُميمة بنت رُقَيْقِة قالت: (أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة يبايعنه فقلن: نبايعك يا رسولَ الله على أن لا نشركَ بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فيما استطعتن وأطقتن”، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هَلُمَّ نبايعك يا رسول الله، فقال: “إني لا أُصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة، ([17]) .وأما بيعة من لم يحتلم: فقد أخرج الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وهم صغار ولم يُبْقِلوا [يقال: أبقل وجهه، إذا نبتت لحيته] ولم يبلغوا، ولم يبايع صغيراً إلا منَّا، ثم نهج الورَّاث من مرشدي الصوفية منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في أخذ البيعة في كل عصر، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كتابه “رجال الفكر والدعوة في الإسلام”: (أن الشيخ عبد القادر الجيلاني فتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله، ويعاهدون على ألاَّ يشركوا ولا يكفروا، ولا يفسقوا، ولا يبتدعوا، ولا يظلموا، ولا يستحلوا ما حرَّم الله، ولا يتركوا ما فرض الله، ولا يتفانوا في الدنيا، ولا يتناسوا الآخرة، وقد دخل في هذا الباب ـ وقد فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني ـ خلق لا يحصيهم إلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم، وعلى تقدمهم، فأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان)
[تناقل الإذن]: منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا تناقل هذا الإذنَ والتلقينَ والعهدَ رجالٌ عن رجال، فوصل إلينا محققاً مسلسلاً مسجلاً، والصوفية يُسمُّون البيعة والإذن والتلقين باسم “القبضة”، يتلقاها واحد عن واحد، يقبض كل منهما يد الآخر، فكأنما الْتقى السالب بالموجب فارتبط التيار واتصل السند، ونفذ التأثير الروحي المحسوس المجرب، وما هؤلاء المرشدون المجددون على توالي العصور والأزمان الذين يربطون قلوب الناس بهم حتى يوصلوها بنور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا كالمراكز الكهربائية التي توضع في الأماكن البعيدة عن المولِّد الكهربائي فتأخذ النور من مركز التوليد لتعطيه لمن حولها قوياً وهَّاجاً، فهذه المراكز ليست مصدر النور ولكنها موزعة له وناقلة، ولكن لبعد المسافة يضعف نور الشريط المتصل بالمولِّد، فاحتاج الأمر إلى هذه المراكز التي تعيد لهذا النور قوته وحيويته، وهكذا فإن المرشدين يجددون النشاط الإيماني في عصرهم، ويعيدون النور المحمدي إلى ضيائه وبريقه بعد تطاول الزمن وتعاقب القرون، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: “العلماء ورثة الأنبياء”[أدب المريد مع شيخه وإخوانه]:
1 – آداب المريد مع شيخه: وهي نوعان: آداب باطنة، وآداب ظاهرة.
فأما الآداب الباطنة فهي:
1 – الاستسلام لشيخه وطاعته في جميع أوامره ونصائحه، وليس هذا من باب الانقياد الأعمى الذي يهمل فيه المرء عقله ويتخلى عن شخصيته، ولكنه من باب التسليم لِذي الاختصاص والخبرة، بعد الإيمان الجازم بمقدمات فكرية أساسية، منها التصديق الراسخ بإذنه وأهليته واختصاصه وحكمته ورحمته، وأنه جمع بين الشريعة والحقيقة،، الخ، وهذا يشبه تماماً استسلام المريض لطبيبه استسلاماً كلياً في جميع معالجاته وتوصياته، ولا يُعَدُّ المريض في هذا الحال مهملاً لعقله متخلياً عن كيانه وشخصيته، بل يُعْتَبَرُ منصفاً عاقلاً لأنه سلَّم لذي الاختصاص، وكان صادقاً في طلب الشفاء.
2 – عدم الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه، لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه، فهذا من شأنه أن يُضْعِفَ ثقته به ويَحجُبَ عنه خيراً كثيراً، ويَقطعَ الصلة القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه، قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومَنْ فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا يَنْتُج قط، ومن ثَمَّ قالوا: [من قال لشيخه لِم؟ لَمْ يفلح أبداً]، وإذا أورد الشيطان على قلب المريد إشكالاً شرعياً حول تصرفٍ من تصرفات شيخه بغية قطع الصلة ونزع الثقة فما على المريد إلا أن يُحسِنَ الظن بشيخه ويلتمسَ له تأويلاً شرعياً ومخرجاً فقهياً، فإن لم يستطع ذلك فعليه أن يسأل شيخه مستفسراً بأدب واحترام، كما سيأتي في بحث مذاكرة المريد لمرشده. ([18]) .
3 – أن لا يعتقد في شيخه العصمة، فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم، إذ قد تصدر منه الهفوات والزلات، ولكنه لا يصر عليها ولا تتعلق همته أبداً بغير الله تعالى، ولكن لا ينبغي للمريد حين يعتقد في شيخه عدم العصمة أن يضع بين عينيه دائماً احتمال خطأ شيخه في كل أمر من أوامره أو توجيه من توجيهاته، لأنه بذلك يمنع عن نفسه الاستفادة، كمثل المريض الذي يدخل إلى طبيبه وليس في قلبه إلا فكرة احتمال خطأ الطبيب في معالجته فهذا من شأنه أن يُضعف الثقة ويُحدثَ الشكَّ والاضطراب في نفسه.
4 – أن يعتقد كمال شيخه وتمام أهليته للتربية والإرشاد، وإنما كَوَّن هذا الاعتقاد بعد أن فتش ودقَّقَ بادىء أمره، فوجد شروط الوارث المحمدي التي سبق ذكرها قد تحققت في شيخه، ووجد أن الذين يصحبونه يتقدمون في إيمانهم وعباداتهم وعلمهم وأخلاقهم ومعارفهم الإلهية.
5 – اتصافه بالصدق والإخلاص في صحبته لشيخه، فيكون جاداً في طلبه، منزهاً عن الأغراض والمصالح.
6 – تعظيمه وحفظ حرمته حاضراً وغائباً، قال إبراهيم بن شيبان القرميسيني: (من ترك حرمة المشايخ ابتلي بالدعاوي الكاذبة وافتضح بها)
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: (من وقع في عِرض وليٌّ ابتلاه الله بموت القلب)
7 – أن يحب شيخه محبة فائقة شريطة أن لا ينقص من قدر بقية الشيوخ، وأن لا يصل غلوه في المحبة إلى حدٌّ فاسد، بأن يُخرج شيخه عن طور البشرية، وإنما تقوى محبة المريد لشيخه بموافقته له أمراً ونهياً.
8 – عدم تطلعه إلى غير شيخه لئلا يتشتت قلبه بين شيخين، ومثال المريد في ذلك كمثل المريض الذي يطبب جسمه عند طبيبين في وقت واحد فيقع في الحيرة والتردد [ينبغي الملاحظة أن المقصود بالشيخ هنا هو شيخ التربية لا شيخ التعليم، إذ يمكن لطالب العلم أن يكون له عدة أساتذة، ويمكن للمريد أن يكون له أساتذة في العلم لأن ارتباطه بهم ارتباط علمي، بينما صلة المريد بشيخ التربية صلة قلبية وتربوية]
وأما الآداب الظاهرة فهي:
1 – أن يوافق شيخه أمراً ونهياً، كموافقة المريض لطبيبه.
2 – أن يلتزم السكينة والوقار في مجلسه، فلا يتكىء على شيء يعتمده، ولا يتثاءب ولا ينام، ولا يضحك بلا سبب، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلم حتى يستأذنه لأن ذلك من عدم المبالاة بالشيخ وعدم الاحترام له، ومن صحب المشايخ بغير أدب واحترام حرم مددهم وثمرات ألحاظهم وبركاتهم.
3 – المبادرة إلى خدمته بقدر الإمكان، فمن خَدَم خُدِم.
4 – دوام حضور مجالسه، فإن كان في بلد بعيد فعليه أن يكرر زيارته بقدر المستطاع، ولذلك قيل: (زيارة المربي ترقي وتربي)، وإن السادة الصوفية بنوا سيرهم على ثلاثة أصول “الاجتماع والاستماع والاتباع” وبذلك يحصل الانتفاع.
5 – الصبر على مواقفه التربوية كجفوته وإعراضه… الخ، التي يقصد بها تخليص المريد من رعوناته النفسية وأمراضه القلبية.
6 – أن لا ينقل من كلام الشيخ إلى الناس إلا بقدر أفهامهم وعقولهم لئلا يسيء إلى نفسه وشيخه، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولُهُ؟)
2 – آداب المريد مع إخوانه:
1 – حفظ حرمتهم غائبين أو حاضرين، فلا يغتاب أحداً منهم، ولا ينقص أحداً، لأن لحومهم مسمومة كلحوم العلماء والصالحين.
2 – نصيحتهم بتعليم جاهلهم وإرشاد ضالهم، وتقوية ضعيفهم، وللنصيحة شروط ينبغي التزامها، وهي ثلاثة للناصح، وثلاثة للمنصوح، فشروط الناصح: أن تكون النصيحة سراً، وأن تكون بلطف، وأن تكون بلا استعلاء، وشروط المنصوح: أن يقبل النصيحة، وأن يشكر الناصح، وأن يطبق النصيحة.
3 – التواضع لهم والإنصاف معهم وخدمتهم بقدر الإمكان إذ “سيد القوم خادمهم”.
4 – حسن الظن بهم وعدم الانشغال بعيوبهم وتوَكيلُ أمورهم إلى الله تعالى.
5 – قبول عذرهم إذا اعتذروا.
6 – إصلاح ذات بينهم إذا اختلفوا واختصموا.
7 – الدفاع عنهم إذا أُوذوا أو انتُهكِتْ حرماتهم.
8 – أن لا يطلب الرئاسة والتقدم عليهم لأن طالب الولاية لا يُوَلَّى،
[4] العلم: إن المسلم حين يعمل على تزكية نفسه وتطهير قلبه وتصحيح ظاهره وباطنه لا بد قبل ذلك أن يكون قد صحح إيمانه، وقام بجميع عباداته المفروضة واستقام في معاملاته، ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الصحيح، وهذا أمر بدهي واضح لأن فضل العلم أمر ظاهر، واشتراطه في تصحيح الأعمال أمر متفق عليه، وإننا نثبت بحث العلم في هذه الطبعة تأكيداً لبيان منزلته وشرفه ورداً على كثير من المتسرعين الذين يتوهمون أن رجال التصوف يقللون من شأن العلم ولا يعطونه ما يستحق من الاهتمام والعناية]أساس الأعمال وإمامها ومصححها، فكما أنه لا فائدة للعلم بلا عمل، كذلك لا ينفع عمل بلا علم، فالعلم والعمل توأمان لا ينفكان عن بعضهما، والسالك في طريق الإيمان والتعرف على الله تعالى والوصول إلى رضاه لا يستغني عن العلم في أية مرحلة من مراحل سلوكه، ولهذا اعتُبِرَ اكتساب العلم الضروري من أهم النقاط الأساسية في المنهج العملي للتصوف، إذ ليس التصوف إلا التطبيق العملي للإسلام كاملاً غير منقوص في جميع جوانبه الظاهرة والباطنة.
فضل العلم في القرآن الكريم: قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28]، و قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9].
فضل العلم في السنة الشريفة: عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر لَهُ مَنْ في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وإنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر([19]) .
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر لأَنْ تغدو فتَعَلَّمَ آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتَعَلَّمَ بابا من العلم عُمِلَ به أو لم يُعْمَلْ به خير لك من أن تصلي ألف ركعة”، وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء” ([20]) .
حكم تعلم العلم: ينقسم العلم من حيث حكمه الشرعي إلى ثلاثة أقسام: 1 – مأمور به، 2 – منهي عنه، 3 – مندوب إليه.
أـ العلوم المأمور بها: وهي صنفان: الصنف الأول: فرض عين، وهو ما لا يسقط عن المكلف إلا بقيامه به بنفسه:
1 – تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة مع الاستدلال الإجمالي على كل مسألة من مسائل الإيمانيات، 2 – تعلم ما يستطيع به المكلف أداء المفروض عليه من العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم… 3 – مَنْ تعاطى شيئاً من المعاملات كالبيوع والإجارة والنكاح والطلاق… يفترض عليه تعلم ما يتمكن معه من تجنب الحرام والتزام حدود الشرع.
4 – تعلم أحوال القلب من التوكل والخشية والرضا لأن المسلم واقع طيلة عمره في جميع الأحوال القلبية.
5 – تعلم جميع الأخلاق الحسنة والسيئة كي يطبق الحسنة كالتوكل على الله والرضا عنه والتسليم له والتواضع والحلم… إلخ، ويجتنب السيئة كالكبر والغرور والبخل والحسد والحقد والرياء… ([21]) .
ومن ثَمَّ يجاهد نفسه على تركها، إذ إن المجاهدة فرض على كل مكلف ولا يمكن حصولها إلا بمعرفة الأخلاق المذمومة والممدوحة، ومعرفة طرق المجاهدات التي اشتغل بها السادة الصوفية، ولهذا قال أبو الحسن الشاذلي: (من مات ولم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر. الصنف الثاني: فرض كفاية، وهو ما إذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون، والعلوم المفروضة كفائياً هي ما يتوقف عليها صلاح الأمة، كالتعمق في علم الفقه زيادة على مقدار الحاجة [ولذلك لا بد في كل بلد من مُفْتٍ يكون مرجعاً للناس في أمور دينهم يقوم بهذا الفرض الكفائي ويسقط الإثم عن الناس]، وكذلك علم التفسير والحديث، وأصول الفقه، وأصول الاعتقاد، وكذلك علم الحساب.
ب ـ العلوم المنهي عنها:
1 – فمنها الخوض في دراسة المذاهب الضالة والأفكار المشككة والعقائد الزائغة لا بنية الرد عليها ودفع خطرها، أما تعلمها لبيان زيغها ورد شبهاتها تصحيحاً للعقائد وذوداً عن الدين فهو فرض كفاية، 2 – علم التنجيم لمعرفة مكان المسروق ومواضع الكنوز ومكان الضالة ونحو ذلك مما يزعمونه، وهو من الكهانة، وقد كذبهم الشرع وحرم تصديقهم، أما تعلم علم النجوم للدراسات العلمية ولمعرفة مواقيت الصلاة والقِبلة فلا بأس به.
3 – علم السحر، إذا تعلمه للاحتراز عنه فيجوز ذلك كما قيل: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر فإنه يقع فيه.
جـ ـ العلوم المندوب إليها: ومنها معرفة فضائل الأعمال البدنية والقلبية، ومعرفة النوافل والسنن والمكروهات، ومعرفة فروض الكفاية، والتعمق في علوم الفقه وفروعها والعقائد وأدلتها التفصيلية.
[5] مجاهدة النفس وتزكيتها: تمهيد: سبق أن بينا في بحث أهمية التصوف أن للنفس صفات خبيثة وأخلاقاً مذمومة، وأن إزالتها فرض عين ـ كما نص على ذلك عامة الفقهاء ـ ولكن صفات النفس الناقصة لا تزول بالأماني ولا بمجرد الإطلاع على حكم تزكيتها أو قراءة كتب الأخلاق والتصوف، بل لا بد لها بالإضافة إلى ذلك من مجاهدة وتزكية عملية، وفطم لنزواتها الجامحة وشهواتها العارمة، (تعريف المجاهدة):، فمجاهدة النفس فطمها وحملها على خلاف هواها المذموم، وإلزامها تطبيق شرع الله تعالى أمراً ونهياً، (دليلها من الكتاب والسنة): قال الله تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} وقال العلامة المفسر ابن جزي في تفسير هذه الآية: (يعني جهاد النفس)، وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المجاهدُ مَنْ جاهد نفسَهُ في الله” ([22]) .
(حكمها): تزكية النفس فرض عين كما سبق أن بينا ذلك ولا تتم إلا بالمجاهدة ومن هنا كانت المجاهدة فرض عين من باب: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
(قابلية صفات النفس للتغيير): لا شك أن النفس الإنسانية قابلة لتغيير صفاتها الناقصة وتبديل عاداتها المذمومة، وإلا لم يكن هناك فائدة من بعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا ضرورة لمن بعده من ورثته العلماء العاملين والمرشدين المصلحين، وإذا كان كثير من سباع الطيور والبهائم قد أمكن ترويضها وتبديل كثير من صفاتها، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وخلقه في أحسن تقويم، من باب أولى، وليس المراد من مجاهدة النفس استئصال صفاتها بل تسييرها على مراد الله تعالى وابتغاء مرضاته، فصفة الغضب مذمومة حين يغضب المرء لنفسه، أما إذا غضب لله تعالى فعندها يصبح الغضب ممدوحاً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتُهكت حرمات الله أو عُطِّل حد من حدوده، ولكنه حين أُوذي في الله وضُرب وأُدمي عقبه يوم الطائف لم يغضب لنفسه، بل دعا لمن آذَوْه بالهداية والتمس لهم العذر فقال: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.
(طريقة المجاهدة): وأول مرحلة في المجاهدة:
1-عدم رضى المرء عن نفسه، وإيمانُه بوصفها الذي أخبر عنه خالقها ومبدعها: {إنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء} [يوسف: 53].
2-علمه أن النفس أكبر قاطع عن الله تعالى [والقواطع عن الله تعالى أربعة: النفس، والدنيا، والشيطان، والخلق، أما عداوة النفس والشيطان فظاهرة، وأما الخلق فملاحظة مدحهم وذمهم تعرقل سير السالك إلى ربه، وأما الدنيا فالاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ففي حالة الفقر تكثر هموم المرء فتشغله عن الله، وفي حال الغنى ينشغل بزينتها وزخرفها عن الله تعالى: {إنَّ الإنسانَ ليطغَى، أنْ رآهُ استغنَى} [العلق: 6 – 7]، أما إذا أخرج حبها من قلبه فإنها لا تضره، كما قال شيخ الصوفية سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (أخرج الدنيا من قلبك، وضعها في جيبك أو في يدك فإنها لا تضرك) كما أنها أعظم موصل إليه وذلك أن النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والموافقات والاستئناس بالله تعالى.
3-يتدرج في المجاهدة على حسب سيره، فهو في بادئ الأمر يتخلى عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج [لكل جارحة من الجوارح السبعة معاصٍ تتعلق بها، فمن معاصي اللسان*: الغيبةُ والنميمة والكذب والفحش، ومن معاصي الأذنين*: سماعُ الغيبة والنميمة والأغاني الفاحشة وآلات اللهو، ومن معاصي العينين *،: النظرُ للنساء الأجنبيات وعورات الرجال، ومن معاصي اليدين*: إيذاءُ المسلمين وقتلهم، وأخذ أموالهم بالباطل، ومن معاصي الرجلين*: المشيُ إلى محلات المنكرات والفجور، ومن معاصي البطن*: أكل المال الحرام، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمور، ومن معاصي الفرج*: الزنا واللواطة،،]، ثم يحلي هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها [فمن طاعات اللسان: قراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ومن طاعات العينين: النظر إلى وجوه العلماء والصالحين، والنظر إلى الكعبة المشرفة، والنظر التأملي لآيات الله في الكون، ومن طاعات اليدين: مصافحة المؤمنين، وإعطاء الصدقات، ومن طاعات الرجلين: المشي إلى المساجد وإلى مجالس العلم، وعيادة المريض، والإصلاح بين الناس، ومن طاعات البطن: تناول الطعام الحلال بنية التقوِّي على طاعة الله تعالى، ومن طاعات الفرج: النكاح المشروع بغية الإحصان وتكثير النسل،] فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره 4-ثم ينتقل في المجاهدة إلى الصفات الباطنة فيبدل صفاته الناقصة كالكبر والرياء والغضب… بصفات كاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم، قال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (من ظن أنه يُفتح له بهده الطريقة أو يكشف له عن شيء منها لا بلزوم المجاهدة فهو في غلط) (رد الشبهات حول المجاهدة): إن قال قائل: إن رجال التصوف يُحَرِّمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع، وقد قال الله تعالى: {قٌلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله التي أخرجَ لعبادِهِ والطيبات من الرزق…} [الأعراف: 32]، فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلالَ حراماً، إذْ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله، ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرضُ عين، وأن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الردى، وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال، وجدوا لزاماً عليهم أن يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى، ففرقٌ كبير إذاً بين المجاهدة المشروعة المقيدة بدين الله تعالى، وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد كما عليه البوذيون الكافرون.
والخلاصة: مَنْ لم تكن له بداية محرقة “بالمجاهدات” لم تكن له نهاية مشرقة، والبدايات تدل على النهايات.
[6] الذكر: “أهل ذكري أهل مجالستي… الحديث.
(معاني كلمة الذكر): أطلقت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة كلمة “الذكر” على عدة معان:* فتارة قُصِدَ بها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {إنَّا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ} [الحجر: 9]، وتارة قُصِدَ بها *صلاة الجمعة: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ} [الجمعة: 9]، وفي موطن آخر *عُنِيَ بها العلم: {فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمونَ} [الأنبياء: 7]، وفي معظم النصوص* أُريدَ بكلمة “الذكر” التسبيحُ والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما إلى هنالك من الصيَغ، كما في قوله تعالى: {فإذا قَضيتُمُ الصلاةَ فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِكُم}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذَكرني وتحركت بي شفتاه”،([23]) .
وعن عبد الله بن بِسر أن رجلاً قال: (يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به)، قال: “لا يزال لسانُك رَطْباً من ذكر الله ([24]) .
أما ما يقوله بعضهم*: (إن المراد بالذكر هو العلم بالحلال والحرام)، فجوابه: (أن لفظ الذكر مشترك بين العلم والصلاة والقرآن وذكر الله تعالى، لكن المعتبر في اللفظ المشترك ما غلب استعماله فيه عرفاً، وغيره إنما يصرف إليه بقرينة حالية أو لفظية، ولفظ الذكر قد غلب استعماله في ذكر الله حقيقة، ومن غير الغالب أن يطلق ويراد به العلم، كما قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} فالمراد به العلم بقرينة السؤال.
(دليله من الكتاب والسنة)
1 – أما من الكتاب: فقد قال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران: 191]، وجميع العبادات يشترط لصحتها شروط إلا ذكر الله تعالى، فإنه يصح بطهارة وغيرها وفي جميع الحالات: في القيام والقعود… وغيرها، ولهذا قال النووي: (أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء.
2 – وأما من السنة: فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت”، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم عز وجل ـ وهو أعلم بهم ـ: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوْك، قال: فيقول: وكيف لو رأوْني؟ قال: يقولون: لو رأوْك كانوا أشد لك عبادةً وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: هل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوْها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوْها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: يقول: فمِمَّ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوْها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة، قال: فيقول: أُشْهِدُكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: يقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم” ([25]) .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَق الذكر([26]) .
(أقوال العلماء بالله في فضل الذكر): قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذكُروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء: 103]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41] أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال) ([27]) .
(أقسام الذكر): أ ـ ذكر السر والجهر: إن ذكر الله تعالى مشروع سراً وجهراً، وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه: السري والجهري، إلاَّ أن علماء الشريعة الإسلامية قرروا أفضلية الجهر بالذكر إذا خلا من الرياء، أو إيذاء مُصَلٌّ أو قارىء أو نائم، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها: 1 – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم” ([28]) . والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.
2 – عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال ابن الأدرع رضي الله عنه: (انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فمر برجل في المسجد يرفع صوته، قلت: يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: “لا، ولكنه أوَّاه”)([29])
3 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته) ([30]) . فإنْ قلتَ: قال الله تعالى: {واذكُرْ ربَّكَ في نفسك تضرُّعاً وخيفةً ودون الجهرِ من القولِ} [الأعراف: 205]، قلت: الجواب على هذه الآية من ثلاثة أوجه: (الأول): إنها مكية كآية الإسراء: {ولا تجهر بصلاتِكَ ولا تخافِتْ بها} [الإسراء: 110]، وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومَنْ أنزله، فأُمِر بترك الجهر سداً للذريعة، كما نُهي عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى: {ولا تسُبُّوا الذين يدعونَ مِنْ دون الله فيسُبُّوا اللهَ عَدْواً بغيرِ علمٍ} [الأنعام: 108]، وقد زال هذا المعنى، وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره.
(الثاني): إن جماعة من المفسرين ـ منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك، وابن جرير ـ حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن، وأنه أمرٌ له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنه الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله تعالى: {وإذا قُرِئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتُوا} [الأعراف: 204]، قلت وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة، فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باقٍ حتى لا يغفل عن ذكر الله، ولذا ختم الآية بقوله: {ولا تَكُنْ مِنَ الغافلين} [الأعراف: 205].
(الثالث): ما ذكره الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل، وأما غيره ـ ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة ـ فمأمور بالجهر، لأنه أشد تأثيراً في دفعها، قلتُ: ويؤيده من الحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلَّى منكم بالليل فليجهر بقراءته فإن الملائكة تصلي بصلاته، وتسمع لقراءته، وإنَّ مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء، وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته، ويستمعون قراءته، وإنه ينطرد بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فُسَّاق الجن ومردة الشياطين“،([31]) .
فإن قلتَ: فقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد، قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود ليس ثابتا كما أنه معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان يَنْهى عن الذكر، ما جالستُ عبدَ الله مجلساً إلا ذَكَرَ الله فيه، وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني قال: إن أهلَ ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام أمثال الجبال، وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شيء) ([32]) .
ب ـ ذكر اللسان وذكر القلب: وقال الإمام النووي رحمه الله: (أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك)، ([33]) .
وقال الإمام النووي رحمه الله: (الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغي أن يُترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً، ويقصد به وجه الله تعالى)، ([34]) .
ج ـ الذكر المنفرد والذكر مع الجماعة: العبادات مع الجماعة ـ وفيها ذكر الله تعالى ـ تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد، ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده” ([35]) .
وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: “ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يُباهي بكم الملائكة” ([36]) قال العلامة ابن علان شارح الأذكار في معنى هذا الحديث: (والمعنى: إذا مررتم بجماعة يذكرون الله فاذكروا موافقة لهم، أو اسمعوا أذكارهم، فإنهم في رياض من الجنة حالاً أو مآلاً،([37]) .
آداب الذكر المنفرد: وينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القِبلة متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، مطرقاً برأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، ولكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل، *وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة، وينبغي أن *يكون فمُه نظيفاً، وإن كان به تغيُّرٌ أزاله بالسواك، إذا كانت هذه النظافة الحسية قد نُدبنا إليها* فإن نظافة القلب الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى أولى بالاعتبار، والذكر محبوب في جميع الأحوال، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يلاحظ الذاكر ذلك ويتدبر معاني ما يذكر.
آداب الذكر الجهري مع الجماعة: الذكر الجهري له آداب ثلاثة: آداب سابقة، وآداب مقارنة، وآداب لاحقة، وكل قسم من هذه الثلاثة له ظاهر وباطن.
1 – فظاهر الآداب السابقة: أن يكون الذاكر طاهر الثوب، طيب الرائحة متوضئاً، نقياً من الحرام كسباً وغذاء، وباطنها: أن يطهِّر قلبه بالتوبة الصادقة، ويتخلى عن جميع الأمراض القلبية، ويتبرأ من حوله وقوته، ويدخل الحضرة متحققاً بذله وفقره واحتياجه إلى نفحات الله وفضله.
2 – وظاهر الآداب المقارنة: *أن يجلس حيث انتهى به المجلس إذا كان الإخوان جلوساً،* وإذا كانوا وقوفاً ذكر خلفهم بذكرهم حتى ينتبه له أقربهم ويفسح له ليدخل بينهم، وينتظم في حلقتهم،* فإذا أراد أن يخرج لعذر طارىء وصل بين مَنْ على جانبيه بلطف، وخرج حتى لا يقطع عليهما اشتغالهما بالذكر، *وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم، فلا يشذ عنهم بمخالفة* وأن يغمض عينيه حتى لا يشغله أحد عن حضور قلبه مع الله تعالى، وباطنها*: أن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس النفس، وأن لا يشغل قلبَه أُمورُ الدنيا، وأن يجتهد في الحضور بقلبه وهمته فيما هو فيه من الذكر وما يَرِدُ عليه من واردات وأحوال، متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه من تجليات إفضاله.
تقبيل اليد: الذي يمحص الحقائق، ويرجع إلى الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة الكرام، وأقوال الأئمة المحققين، يجد أن تقبيل يد العلماء والصالحين والأبوين جائز شرعاً، بل هو مظهر من مظاهر الآداب الإسلامية في احترام أهل الفضل والتقى، وإليك بعض النصوص الصريحة في ذلك: 1 – أما ما ورد من الأحاديث: فعن صفوان بن عسال، قال: (قال يهودي لصاحبه: قم بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألا عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث… إلى قوله: فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي الله)، ([38]) .
، وروى أبو داود عن أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: (فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله)، ([39]) . وفي “شرح البخاري” للحافظ ابن حجر العسقلاني:(أن أبا لبابة، وكعب بن مالك، وصاحبيه، قبلوا يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم)([40]) .
2 – وأما ما ورد من الآثار: فقد أخرج البيهقي عن الشعبي: (أن زيد بن ثابت صلى على جنازة فَقُرِّبتْ إليه بغلتهُ ليركبها فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فأخذ بركابه، فقال زيد بن ثابت: خلِّ عنها يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أُمِرْنا أن نفعلَ بالعلماء والكبراء، فقبَّل زيد بن ثابت يد عبد الله وقال: هكذا أمِرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ([41]) .
وأخرج البخاري في “الأدب المفرد” من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: (أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها)، ([42]) . كذا في شرح البخاري لابن حجر العسقلاني ، وعن ثابت: (أنه قبل يد أنس) ([43]) وأخرج أيضاً: (أن علياً قبل يد العباس ورجله) ([44]) .
وفي “غذاء الألباب شرح منظومة الآداب” للعلامة محمد السفاريني الحنبلي قال: (وفي الآداب الكبرى: وتباح المعانقة وتقبيل اليد والرأس تديّناً وتكرّماً واحتراماً مع أمن الشهوة) ([45]) .
وقال الحافظ ابن الجوزي في “مناقب أصحاب الحديث”: (ينبغي للطالب أن يبالغ في التواضع للعالم، قال: ومن التواضع تقبيل يده، وَقبَّل سفيانُ بن عيينة والفضيلُ بن عياض أحدهما يد الحسين بن علي الجعفي، والآخر رِجْلَه) كذا في “شرح منظومة الآداب” للسفاريني([46]) .
حكم القيام للعلماء والصالحين والوالدين: أما حكم القيام لذوي الفضل فجائز، وهو من الآداب الإسلامية المطلوبة وقد نصت كتب الفقه في مختلف المذاهب على جوازه: (أـ نصوص السادة الشافعية): نقل العلامة الفقيه محمد الشربيني في كتابه “المغني المحتاج”: (ويُسَنُّ القيامُ لأهل الفضل من علم وصلاح أو شرف أو نحو ذلك لا رياءً وتفخيماً، قال في الروضة: وقد ثبت فيه أحاديث صحيحة) ا هـ،([47]) .
وللإمام النووي رسالة خاصة سماها “رسالة الترخيص بالقيام لذوي الفضل” في جواز القيام للقادم، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة منها:
1 – أخرج الإمام مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، لمَّا فرَّ إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة مسلماً: (فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً ورمى عليه رداءه) ([48]) .
2 – وجاء بحديث عائشة رضي الله عنها: (قدم زيد بن حارثة المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه فاعتنقه وقبله)، ([49]) .
3 – وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا إليه حتى نراه قد دخل) ([50]) .
د ـ الذكر المقيد والذكر المطلق: أما الذكر المقيد: فهو الذي ندبَنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيَّداً بزمان خاص أو مكان خاص، كالذكر بعد أداء كل صلاة، من تسبيح وتحميد وتكبير، وأذكار المسافر والآكل والشارب، وأذكار النكاح، وأما الذكر المطلق: فهو ما لم يقيد بزمان ولا مكان، ولا وقت ولا حال، ولا قيام ولا قعود، فالمطلوب من المؤمن أن يذكر ربه في كل حال حتى لا يزال لسانه رطباً بذكر الله، والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه) ([51]) .
حكم الذكر بالاسم المفرد [الله]: أما الذكر بالاسم المفرد [الله] فجائز بدليل قول الله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الدهر: 25]، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله“([52]) .
فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد [الله]، واعترض بعضهم أيضاً على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله جليل، والجواب على ذلك: أن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً، لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه.
التحذير من ترك الذكر: لقد حذر الله تعالى عباده من ترك ذكره في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حذر العارفون بالله من المربين المرشدين مريديهم من ترك الذكر كذلك، أما في كتاب الله الكريم: فقد قال تعالى: {ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرين، وإنَّهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36 – 37]، وأما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منْ قوم يقومون من مجلس لا يذكرون فيه الله إلا قاموا عن مثلِ جيفة حمار، وكان عليهم حسرةً يوم القيامة”، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها“([53]) .
الحركة في الذكر: الحركة في الذكر أمر مستحسن، لأنها تنشط الجسم لعبادة الذكر وهي جائزة شرعاً بدليل ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحافظ المقدسي برجال الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كانت الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح، فقال صلى الله عليه وسلم: “ماذا يقولون؟” فقيل: إنهم يقولون: محمد عبد صالح، فلما رآهم في تلك الحالة لم ينكر عليهم، وأقرهم على ذلك،([54]) .
*والمعلوم أن الأحكام الشرعية تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، فلما أقرهم على فعلهم ولم ينكر عليهم تبين أن هذا جائز، وفي الحديث دليل على صحة الجمع بين الاهتزاز المباح ومدحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الاهتزاز بالذكر لا يُسمى رقصاً محرماً، بل هو جائز لأنه ينشط الجسم للذكر، ويساعد على حضور القلب مع الله تعالى، إذا صحت النية، فالأمور بمقاصدها، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، ولنستمع إلى الإمام علي رضي الله عنه كيف يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو أراكة: (صلّيتُ مع علي صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأنَّ عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين، ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً، بين أيديهم كأمثال رُكَب المَعْزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا [أي تحركوا] كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تَنْبَلَّ ـ والله ـ ثيابُهم) ([55]) .
ويهمنا من عبارة الإمام علي رضي الله عنه قوله: (مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح)، فإنك تجده صريحاً في الاهتزاز، ويُبطل قولَ من يدَّعي أنه بدعة محرمة، ويثبت إباحة الحركة في الذكر مطلقاً، وقد استدل الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بهذا الحديث في إحدى رسائله على ندب الاهتزاز بالذكر، وقال: هذا صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر، على أن الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويقعد على أي نوع كان حيث إنه لم يأت بمعصية ولم يقصدها كما ذكرنا.
والخلاصة: يُفهم مما سبق أن الحركة في الذكر مباحة شرعاً، هذا بالإضافة إلى أن الأمر بالذكر مطلق يشمل جميع الأحوال، فمن ذكر الله تعالى قاعداً أو قائماً، جالساً أو ماشياً، متحركاً أو ساكناً… فقد قام بالمطلوب ونفَّذَ الأمر الإلهي، فالذي يدَّعي تحريم الحركة في الذكر أو كراهتها هو المطالَب بالدليل، لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون بعض بحكم خاص.
الإنشاد والسماع في المسجد: عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من الشعر حكمة”، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل اللَّبن مع القوم في بناء المسجد وهم يرتجزون ويقولون: (اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة)، ([56]) .
وعن سعيد بن المسيب قال: (مرَّ عمرُ في المسجد وحسان يُنشد، فلحِظَه عمر [أي نظر إليه نظرة إنكار]، فقال: كنت أُنشد وفيه من هو خير منك [يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم]، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: (أُنشِدُك بالله أسمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أجب عني، اللهم أيده بروح القدُس؟” قال: نعم)، ([57]) .
وعن عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يؤيد حسانَ برُوح القدُس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم“،([58]) .
ذكر الإمام الشاطبي في كتابه “الاعتصام”: (أن أبا الحسن القرافي الصوفي يروي عن الحسن البصري رحمه الله: أن قوماً أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن لنا إماماً إذا فرغ من صلاته تغنَّى، فقال عمر رضي الله عنه: مَنْ هو؟ فذُكر الرجل، فقال: قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره، قال: فقام عمر رضي الله عنه مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال: يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأْتيك، وإن كانت الحاجة لله فأحق مَنْ عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: ويحك بلغني عنك أمر ساءني، قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أَتَتَمجَّن في عبادتك؟! قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي، قال عمر: قلْها فإن كان كلاماً حسناً قلتُه معك، وإن كان قبيحاً نهيتُك عنه فقال: “وفؤادي كلما عاتبْتُه في مدى الهجران يبغي تعبي، لا أُراه الدهرَ إلا لاهياً في تماديه فقد برَّحَ بي، يا قرينَ السوء ما هذا الصِّبّا فَنِيَ العمرُ كذا في اللعب، وشباب بَانَ عني فمضى قبل أن أقضي منه أربي، ما أُرَجِّي بعده إلا الفَنا ضيَّقَ الشيبُ عليَّ مطلبي، ويْحَ نفسي لا أراها أبداً في جميلٍ لا ولا في أدب، نفسُ لا كنتِ ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي “، فقال عمر رضي الله عنه: نفسُ لا كنتِ ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي، ثم قال عمر رضي الله عنه: على هذا فليغنِّ مَنْ غنَّى) ([59]) . وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: (الشعر كلام، فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحه قبيح)، ([60]) .
وأما الحداء فقد قال حجة الإسلام الغزالي في “الإحياء”: (لم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة رضي الله عنهم، وما هو إلا أشعار تُؤَدّى بأصوات طيبة وألحان موزونة، ولم يُنْقَل عن أحد من الصحابة إنكاره) ([61]) .
وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وكان غلام يحدو بهن يقال له أنجشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “رويدَك يا أنجشة سَوْقك بالقوارير” قال أبو قلابة: يعني ضَعَفَة النساء)
فوائد الذكر إجمالاً: 1 – عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده“([62]) .
2 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين“([63]) .
، 3 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الرب يوم القيامة سيَعلَم أهلُ الجمع اليوم مَنْ أهل الكرم، فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد”،([64]) .
4 – وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: “ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة”، 5 – وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفوراً لكم قد بُدلت سيئاتكم حسنات([65]) .
6 – وعن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال: “ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، قال: إني رأيت الرحمة تنزل، فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم” ([66]) .
ورد الصوفية ودليله من الكتاب والسنة: (الورد): بالكسر، كما في المصباح: الوظيفة من قراءة ونحو ذلك، والجمع: أوراد، ويطلقه الصوفية على أذكار يأمر الشيخ تلميذه بذكرها صباحاً بعد صلاة الصبح
[حكم ذكر الله بعد صلاة الصبح]: إن من أفضل الأعمال بعد صلاة الفجر، الاشتغال بذكر الله تعالى، خلافاً لما يظن بعض الناس بأن الاشتغال بقراءة القرآن بعد صلاة الصبح أولى وأفضل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها:1 – عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة الغداة [الصبح] في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة([67]) .
2 – وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة الفجر ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس وجبت له الجنة“([68]) .
والوارد في اللغة: هو الطارق والقادم، يقال ورد علينا فلان أي قدم، وفي الاصطلاح: ما يُتْحفه الحق تعالى قلوبَ أوليائه من النفحات الإلهية، فيكسبه قوة محركة، وربما يدهشه، أو يُغيِّبه عن حسه، ولا يكون إلا بغتة، ولا يدوم على صاحبه ([69]) .
والورد يضم ثلاث صيغ من صيغ الذكر المطلوبة شرعاً، والتي دعا إليها كتاب الله تعالى، وبينت السنة الشريفة فضلها ومثوبتها،
1 – الاستغفار: بصيغة [أستغفر الله] مائة مرة، بعد محاسبة النفس على الزلات لتعود صفحة الأعمال نقية بيضاء، وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله: {وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم مِنْ خير تجِدُوه عند اللهِ هوَ خيراً وأعظَمَ أجراً واستغفروا اللهَ إنَّ اللهَ غفورٌ رحيم} [المزمل: 20]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار تعليماً لأمته وتوجيهاً، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قوله: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة” وعن عبد الله بن بِسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “طوبى لمن وَجد في صحيفته استغفاراً كثيراً” ([70]) .
2 – الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: بصيغة [اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلِّم] مائة مرة مع استحضار عظمته صلى الله عليه وسلم، وتذكُّرِ صفاته وشمائله، والتعلق بجنابه الرفيع، محبة وتشوقاً، وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله: {إنَّ اللهَ وملائكَتَهُ يُصلُّونَ على النبيِّ يا أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليهِ وسلِّمُوا تسليماً} [الأحزاب: 56]، وكذلك رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الصلاة والسلام عليه فقال: “من صلَّى عليَّ واحدةً صلَّى الله عليه بها عشراً” وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحُطَّتْ عنه عشرُ سيئات ورُفعتْ له عشر درجات“”([71]) .، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: “أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة“([72]) .
3 – كلمة التوحيد: بصيغة: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] مئة مرة، أو [لا إله إلا الله] فقط مائة مرة، مع التفكير بأنه لا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا قابض ولا باسط،، إلا الله وحده، ولهذا دعانا الله تعالى إلى هذا التوحيد الخالص فقال: {فاعلّمْ أنَّهُ لا إله إلا اللهُ} [محمد: 19]، وكذلك رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإكثار من ترداد كلمة التوحيد، وبين أفضليتها ومثوبتها، فقال: “أفضل الذكر لا إله إلا الله”، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” ([73]) .
[7] المذاكرة: المذاكرة: هي استفادة المريد من خبرة مرشده بسؤاله عن أحكام شرعية تتعلق بتصحيح العقائد أو العبادات أو المعاملات، أو بأن يعرض له ما يحدث معه من أحوال قلبية وخواطر نفسية وشيطانية قد تلتبس عليه فتوقعه في شكوك وأوهام، كالشكوك في العقائد الإيمانية، وكالتعلقات الدنيوية، التي يقف حيالها حائراً مضطرباً، أو بأن يكشف له عن أمراضه القلبية كالكبر والحسد والنفاق وحب الرئاسة، وعن رعوناته النفسية كالتحدث عن كراماته ومرائيه بغية الثناء والشهرة… وغير ذلك من الصفات الناقصة بغية معرفة طريق الخلاص منها، وهكذا يرجع المريد لمرشده في جميع أحوال سيره لاجتياز العقبات التي تعترض طريقه، وقد يذاكر المريد شيخه في أحواله الطيبة ومقامات سيره، واستشراف روحه للحضرة الإلهية، وما يرد على قلبه من واردات رحمانية أو ملكية ومفاهيم قرآنية وعلوم وهبية… والقصد من ذلك الاستيثاق من صحتها حتى يكون المريد على بصيرة من مراحل سيره، ومثل المريد مع مرشده كمثل المريض الذي يكشف لطبيبه كل ما يلقاه من أعراض مرضية، كما يخبره عن جميع مراحل تحسن جسمه وصحته، ومن جهة أخرى فإن المذاكرة تُقوِّي الصلة بين المريد والمرشد، فتزداد المحبة ويقوى التجاوب، كما أن المريد يستفيد بالمذاكرة من شيخه علماً وحالاً ومعرفة، لأن العلم روح تنفخ لا مسائل تنسخ، فالمذاكرة إذن تطبيق عملي لأدب من آداب الشرع، وخلق أساسي من أخلاق الإسلام، وهو الشورى التي مدح الله بها المؤمنين بقوله: {وأمرُهُمْ شُورى بينَهُم} [الشورى: 38]، والتي دعا إليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: “المستشار مؤتمن”([74]) .
وإذا كانت الشورى هي للاستفادة من خبرة أهل الاختصاص في أي جانب من جوانب الحياة، كالمريض الذي يستفيد من خبرة الطبيب، والبَنَّاءِ الذي يستفيد من خبرة المهندس، والمظلوم الذي يستفيد من خبرة المحامي… إلخ، فإن المذاكرة هي للاستفادة من خبرة المرشد في ميدان التطبيق العملي لدين الله تعالى، وقد نوَّه الله تعالى لهذه الاستفادة بقوله: {فاسألُوا أَهْلَ الذِّكرِ إنْ كُنتُم لا تعلمونَ} [النحل: 43]، وبقوله تعالى: {الرحمنُ فاسألْ بِهِ خبيراً} [الفرقان: 59]،
الفرق بين المذاكرة وبين الاعتراف عند النصارى: يفرق بين من يأتي لإنسان مثله فيكشف له عن آثامه وجرائمه بغية أن يغفر له، كما هو الأمر عند النصارى، وبين من يأتي لخبير عالم فيكشف له عن أمراضه وأحواله بغية أن يدله على الطريق العملي للتخلص منها، كما يكشف المريض عن أمراضه ولو كانت مما يُستحى منها من أجل تشخيص الداء ووصف الدواء الناجع
الفرق بين المذاكرة وبين المجاهرة بالمعصية: هناك فرق كبير بين من يرتكب الإثم، ثم يأتي للناس يحدّث عنه من باب المباهاة والتلذذ بذكره والدعوة إليه، وبين من يندم على ذنبه ويتحير في معرفة العلاج الجذري الذي ينقذه من وضعه المذموم، فيأتي ليستفيد من خبرة مرشده، قال الإمام النووي معلقاً على حديث: “كل أمتي معافاةٌ إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله تعالى عليه، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه” ([75]) .
(يكره للإنسان إذا ابتُلِيَ بمعصية أو نحوها أن يخبر غيره بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى، فيقلع عنها في الحال، ويندم على ما فعل، ويعزم ألا يعود إلى مثلها أبداً، فهذه الثلاثة هي أركان التوبة، لا تصح إلا باجتماعها، فإن أخبر بمعصيته شيخه أو شبهه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً من معصيته، أو يعلمه ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها، أو يدعو له، أو نحو ذلك، فلا بأس به، بل هو حسن، وإنما يُكره إذا انتفت هذه المصلحة) ([76]) .
ونقل الإمام المناوي في معرض شرحه لحديث المجاهرة قول الإمام الغزالي: (الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء، لا على وجه السؤال والاستفتاء، بدليل خبر من واقع امرأته في رمضان([77]) . فجاء فأخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلم ينكر عليه) ([78]) .
[8] الخلوة: تعريفها، طريقتها، مشروعيتها، فوائدها،
1 – تعريفها: قال الشيخ أحمد زروق في قواعده: (الخلوة أخص من العزلة، وهي بوجهها وصورتها نوع من الاعتكاف، ولكن لا في المسجد، وربما كانت فيه، وأكثرها عند القوم لا حدَّ له، لكن السنة تشير للأربعين بمواعدة موسى عليه السلام، والقصد في الحقيقة ثلاثون، إذ هي أصل المواعدة، وجاور عليه الصلاة والسلام بحراء شهراً كما في مسلم [أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جاورت بحراء شهراً،، وأقلها عشرة لاعتكافه عليه الصلاة والسلام للعشر، وهي للكامل زيادة في حاله، ولغيره ترقية، ولا بد من أصل يُرجع إليه، والقصد بها تطهير القلب من أدناس الملابسة، وإفراد القلب لذكر واحد، وحقيقة واحدة، ولكنها بلا شيخ مخطرة، ولها فتوح عظيم، وقد لا تصح بأقوام، فليعتبر كل أحد بها حالَه) ([79]) .
فالخلوة إذن: انقطاع عن البشر لفترة محدودة، وترك للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة، كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع، ثم ذكرٌ لله تعالى بقلب حاضر خاشع، وتفكرٌ في آلائه تعالى آناء الليل وأطراف النهار، وذلك بإرشاد شيخ عارف بالله، يُعلِّمه إذا جهل، ويذكِّره إذا غفل، وينشطه إذا فتر، ويساعده على دفع الوساوس وهواجس النفس،
2 – طريقتها: يذكر الغزالي رحمه الله طريقة الخلوة ومراحلها ومقاماتها، فيبين: (أن الشيخ* يُلزِم المريد زاوية ينفرد بها، ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال ـ فإنَّ أصل الدين القوت الحلال ـ* وعند ذلك يلقنه ذكراً من الأذكار، حتى يشغل به لسانه وقلبه، فيجلس ويقول مثلاً: الله، الله، أو سبحان الله، سبحان الله، أو ما يراه الشيخ من الكلمات، فلا يزال يواظب عليه، حتى يسقط الأثر عن اللسان، وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذلك حتى تُمحى من القلب حروف اللفظ وصورته، وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب، حاضرة معه، غالبة عليه، قد فرغ عن كل ما سواه، لأن القلب إذا اشتغل بشيء خلا عن غيره ـ أيَّ شيء كان ـ فإذا اشتغل بذكر الله تعالى وهو المقصود، خلا لا محالة من غيره،* وعند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب، والخواطر التي تتعلق بالدنيا، وما يتذكر فيه مما قد مضى من أحواله وأحوال غيره، فإنه مهما اشتغل بشيء منه ـ ولو في لحظة ـ خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة، وكان أيضاً نقصاناً، فليجتهد في دفع ذلك، ومهما دفع الوساوس كلها، وردَّ النفس إلى هذه الكلمة، جاءته الوساوس من هذه الكلمة، وإنها ما هي؟ وما معنى قولنا: الله؟ ولأي معنى كان إلهاً، وكان معبوداً؟ ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر، وربما يَرِدُ عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر وبدعة، ومهما كان كارهاً لذلك، ومُتَشمِّراً لإماطته عن القلب لم يضره ذلك، وهذه الوساوس منقسمة إلى قسمين: أ ـ ما يعلم قطعاً أن الله تعالى منزه عنه، ولكن الشيطان يُلْقي ذلك في قلبه، ويُجريه على خاطره، فَشَرْطُهُ أن لا يبالي به، ويفزع إلى ذكر الله تعالى، ويبتهل إليه ليدفعه عنه، كما قال تعالى: {وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشيطانِ نَزْغٌ فاستعذ باللهِ إنَّهُ سميعٌ عليمٌ} [الأعراف: 200]، و قال تعالى: {إنَّ الذينَ اتَّقَوا إذا مسَّهُم طائفٌ مِنَ الشيطان تذَكَّروا فإذا هم مبصرونَ} [الأعراف: 201]، ب ـ ما يشك فيه، فينبغي أن يَعرض ذلك على شيخه، بل كلُّ ما يجد في قلبه من الأحوال، من فترة أو نشاط، أو التفات إلى علْقة، أو صدق في إرادة، فينبغي أن يُظهر ذلك لشيخه، وأن يستره عن غيره، فلا يطلع عليه أحداً) ([80]) .
3 – مشروعيتها: ليست الخلوة ابتداعاً من الصوفية، وإنما هي امتثال لأمر الله تعالى في كتابه العزيز، وتأسٌّ واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يخلو بغار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، وبهذا تكون قد ثبتت مشروعيتها، الدليل عليها من القرآن الكريم: قال تعالى: {واذكرِ اسم ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، قال العلامة أبو السعود مفسراً قوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّك…} [المزمل: 8]: (ودُم على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أي وجه كان، من التسبيح والتهليل والتحميد… إلى أن قال: وانقطعَ إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في مراقبته، وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسلام عن العوائق الصادرة المانعة عن مراقبة الله تعالى، وقطع العلائق عما سواه) ([81]) .
وكل أمرٍ أُمِر به صلى الله عليه وسلم تشريع له ولأمته إلا فيما خُصَّ به، وخصوصياته معروفة، وهذا الأمر في هذه الآية المذكورة عام له ولأمته، الدليل عليها من السنة: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أولُ ما بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِراءَ، فيتَحَنَّثُ فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء) ([82]) .
، قال ابن أبي جمرة في شرحه لهذا الحديث: (في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل عن الناس وخلا بنفسه، أتاه هذا الخير العظيم، وكل أحد امتثل ذلك أتاه الخير بحسب ما قسم له من مقامات الولاية، وفيه دليل على أن الأوْلى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره يخلو بنفسه، وفيه دليل على أن البداية ليست كالنهاية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بُدِىءَ في نبوته بالمرائي، فما زال عليه الصلاة والسلام يرتقي في الدرجات والفضل، حتى جاءه المَلكُ في اليقظة بالوحي، ثم ما زال يرتقي، حتى كان كقاب قوسين أو أدنى، وهي النهاية، فإذا كان هذا في الرسل فكيف به في الأتباع؟! لكن بين الرسل والأتباع فرق، وهو أن الأتباع يترقون في مقامات الولاية ـ ما عدا مقام النبوة، فإنه لا سبيل لهم إليها، لأن ذلك قد طُويَ بساطه ـ حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، وهو أعلى مقامات الولاية، ([83]) .
(إشكال): فإن قلتَ: أمر الغار قبل الرسالة، ولا حكم إلا بعد الرسالة؟ قال المحدث القسطلاني مجيباً: (إنه أول ما بدىء به عليه الصلاة والسلام من الوحي الرؤيا الصالحة، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء كما مر، فدل على أن الخلوة حكم مرتب على الوحي، لأن كلمة [ثم] للترتيب، وأيضاً لو لم تكن من الدين لنهى عنها، بل هي ذريعة لمجيء الحق، وظهورُه مبارك عليه وعلى أمته تأسِّيَاً وسلامة من المناكير وضررها، ولها شروط مذكورة في محلها من كتب القوم) ([84]) .
وقال المحدث الكشميري رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الفقرة من الحديث: (ثم حُبِّبَ إليه الخلاء): (وهذا على نحو مجاهدات الصوفية وخلواتهم، ثم إن اعتكاف الفقهاء وخلوات الصوفية عندي قريب من السواء) ([85]) . وقال الزهري رحمه الله تعالى: (عجباً من الناس، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قُبِض) ([86]) .
هذه أقوال علماء الحديث وشراحه في الخلوة من حيث تسميتها، ومن حيث مشروعيتها، ومن حيث فوائدها، ومن حيث اعتناء السلف الصالح بها.
اضافات: وللعلماء في عبادته في خلوته قولان: قال بعضهم: كانت عبادته بالفكر، وقال بعضهم: بالذكر، وهذا القول هو الصحيح، ولا تعريج على الأول ولا التفات إليه، لأن خلوة طلاب طريق الحق على أنواع:
الأول: أن تكون خلوتهم لطلب مزيد علم الحق من الحق لا بطريق النظر والفكر، وهذا غاية مقاصد أهل الحق.
الثاني: أن تكون خلوتهم لصفاء الفكر لكي يصح نظرهم في طلب المعلومات، وهذه الخلوة لقوم يطلبون العلم من ميزان العقل.
الثالث: خلوة يفعلها جماعة لدفع الوحشة من مخالطة غير الجنس، والاشتغال بما لا يعني، فإنهم إذا رأوا الخلق انقبضوا، فلذلك اختاروا الخلوة.
الرابع: خلوة لطلب زيادة لذة توجد في الخلوة.
وخلوة حضرة صاحب الرسالة من القسم الأول، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ومن أحب أن يفتح الله قلبه، ويرزقه العلم، فعليه بالخلوة وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذي ليس معهم إنصاف ولا أدب) ([87]) .
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (وأما الخلوة ففائدتها دفع الشواغل، وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس، ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها، ليتفجر أصل الحوض، فيخرج منه الماء النظيف الطاهر، وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض، والأنهار مفتوحة إليه؟ فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص، فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة، وليس يتم ذلك إلا بالخلوة) ([88]) . وقال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (رحمه الله تعالى): (فإن المتأهب الطالب للمزيد، المتعرض لنفحات الجود بأسرار الوجود إذا لزم الخلوة والذكر، وفرَّغ المحل من الفكر، وقعد فقيراً لا شيء له عند باب ربه، حينئذ يمنحه الله تعالى، ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية والمعارف الربانية التي أثنى الله سبحانه بها على عبده خضر فقال: {عبْداً مِنْ عِبادِنا آتيناهُ رحمَةً مِنْ عندِنا وعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا علماً} [الكهف: 65]، وقال تعالى: {واتَّقوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282]، قال تعالى: {إنْ تتَّقوا اللهَ يَجعَلْ لكُمْ فُرقاناً} [الأنفال: 29]، وقال: {ويجعلْ لَكُمْ نُوراً تمشونَ به} [الحديد: 28]، وقيل للجنيد: بم نلت ما نلت؟ فقال: بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة، وقال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في كتابه “مذكرات في فقه السيرة”: (يجب على الداعية إلى الله أن تكون له بين الفَيْنة والفَيْنة أوقات يخلو فيها بنفسه، تتصل فيها روحه بالله جل شأنه، وتصفو فيها نفسه من كدورات الأخلاق الذميمة والحياة المضطربة من حوله، ومثل هذه الخلوات تدعوه إلى محاسبة نفسه إن قصرت في خير، أو زلت في اتجاه، أو جانبت سبيل الحكمة، أو أخطأت في منهج أو طريق، أو انغمست مع الناس في الجدال والنقاش، حتى أنْسَتْهُ تذكُّرَ الله والأنس به، وتذكر الآخرة وجنتها ونارها والموتِ وغصصه وآلامه، ولذلك كان التهجد وقيام الليل فرضاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم، مستحباً في حق غيره، وأحق الناس بالحرص على هذه النافلة هم الدعاة إلى الله وشريعته وجنته، وللخلوة والقيام لله بالعبودية في أعقاب الليل لذة لا يدركها إلا من أكرمه الله بها، وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول في أعقاب تهجده وعبادته: نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها) ([89]) .
وقد قالوا: إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت، ولا ينفعها إلا الحمية، وهو قلة موادها، ومنعها من كثرة الأخلاط (المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء)، وكذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر واستحوذ عليه الحس مرض، وربما مات، ولا ينفعه إلا الحمية منها، والفرار من مواطنها، وهي الخلطة، فإذا اعتزل الناس واستعمل الفكرة نجح دواؤه، واستقام قلبه، وإلا بقي سقيماً حتى يلقى الله بقلب سقيم بالشك والخواطر الرديئة، نسأل الله العافية، قال الجنيد رحمه الله تعالى: أشرف المجالس الجلوس مع الفكر في ميدان التوحيد، وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ثمار العزلة الظفر بمواهب المنة، وهي أربعة: كشف الغطاء، وتنزل الرحمة، وتحقيق المحبة، ولسان الصدق في الكلمة،
ثم ذكر للخلوة عشر فوائد:
1 – السلامة من آفات اللسان، فإنَّ مَنْ كان وحده لا يجد معه من يتكلم، ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثرَ الخلوة على الاجتماع
2 – السلامة من آفات النظر،فإنَّ من كان معتزلاً عن الناس سلم من النظر إلى ما هم مُنْكَبُّون عليه من زهرة الدنيا وزخرفها، قال بعضهم: (من كثرت لحظاته دامت حسراته)
3 – حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض.
4 – حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها، وفي ذلك شرف العبد وكماله.
5 – السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال، وفي مخالطتهم فساد عظيم.
6 – التفرغ للعبادة والذكر، والعزم على التقوى والبر.
7 – وُجْدانُ حلاوة الطاعات، وتمكن لذيذ المناجاة بفراغ سره، قال أبو طالب المكي في “القوت”: (ولا يكون المريد صادقاً حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية)
8 – راحة القلب والبدن، فإن في مخالطة الناس ما يوجب تعب القلب.
9 – صيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة.
10 – التمكن من عبادة التفكر والاعتبار، وهو المقصود الأعظم من الخلوة) ([90]) .
والخلاصة: إن الخلوة نوعان: خلوة عامة، ينفرد بها المؤمن ليتفرغ لذكر الله تعالى بأية صيغة كانت، أو لتلاوة القرآن الكريم، أو محاسبة نفسه، أو ليتفكر في خلق السموات والأرض، وخلوة خاصة: يقصد منها الوصول إلى مراتب الإحسان والتحقق بمدارج المعرفة، وهذه لا تكون إلا بإشراف مرشدٍ مأذون، يُلَقِّنُ المريدَ ذكراً معيناً، ويكون على صلة دائمة به ليزيل عنه الشكوك ويدفعه إلى آفاق المعرفة، ويرفع عنه الحجب والأوهام والوساوس،
[المفتاح التاسع]: طريق الوصول إلى التزكية والإحسان بالمقامات القلبية: قال عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “ الباب الثالث طريق الوصول إلى الله: طريق الوصول إلى الله تعالى هو تلك المقامات القلبية: كالتوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والمراقبة… والصفات الخُلُقية: كالصدق والإخلاص والصبر… التي يتحلى بها السالك في طريقه إلى معرفة الله تعالى معرفة ذوقية، والوصول إلى مقام الإحسان الذي لا حدَّ لمراتبه، وليس المراد بالوصول المعنى المفهوم بين ذوات الأشياء، فإن الله تعالى جلَّ أن يحده مكانٌ أو زمانٌ، ولذا قال ابن عطاء الله السكندري: (وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربُّنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء) ([91]) .
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (معنى الوصول هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب في الدنيا، وبعين الرأس في الآخرة، فليس معنى الوصول اتصال الذات بالذات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) ([92]) .
وإن السير في طريق الوصول إلى الله تعالى صفة المؤمنين الصالحين، ومن أجله جاء الأنبياء والمرسلون، وإليه يدعو العلماء والمرشدون، كي يرتقي المرء من حضيض المادية والحيوانية إلى مستوى الإنسانية والملكية، ويذوق نعيم القرب ولذة الأنس بالله تعالى، وإن الطريق واحدة في حقيقتها، وإن تعددت المناهج العملية، وتنوعت أساليب السير والسلوك تبعاً للاجتهاد وتبدل المكان والزمان، ولهذا تعددت الطرق الصوفية وهي في ذاتها وحقيقتها وجوهرها طريق واحدة…، ولقد عني رجال التصوف برسم معالم هذا الطريق، وتوضيح منازله ومقاماته، ووسائل السير فيه، قال أبو بكر الكتاني وأبو الحسن الرملي رحمهما الله تعالى: سألْنا أبا سعيد الخراز، فقلنا: أخبرنا عن أوائل الطريق إلى الله تعالى؟ فقال: (التوبة، وذكر شرائطها، ثم يُنقل من مقام التوبة إلى مقام الخوف، ومن مقام الخوف إلى مقام الرجاء، ومن مقام الرجاء إلى مقام الصالحين، ومن مقام الصالحين إلى مقام المريدين، ومن مقام المريدين إلى مقام المطيعين، ومن مقام المطيعين إلى مقام المحبين، ومن مقام المحبين إلى مقام المشتاقين، ومن مقام المشتاقين إلى مقام الأولياء، ومن مقام الأولياء إلى مقام المقريبن، وذكروا لكل مقام عشر شرائط، إذا عاناها وأحكمها وحلَّت القلوب هذه المحلة أدمنت النظرة في النعمة، وفكرت في الأيادي والإحسان، فانفردت النفوس بالذكر، وجالت الأرواح في ملكوت عزه بخالص العلم به، واردةً على حياض المعرفة، إليه صادرة، ولِبابهِ قارعة، وإليه في محبته ناظرة، أما سمعت قول الحكيم وهو يقول: أُراعي سواد الليل أنساً بذكر هو شوقاً إليه غير مستكره الصبر ولكن سروراً دائماً وتعرضاً وقرعاً لباب الرب ذي العز والفخر فحالهم أنهم قَرُبُوا فلم يتباعدوا، ورُفعت لهم منازل فلم يُخفَضوا، ونُوِّرتْ قلوبهم لكي ينظروا إلى مُلْك عدن بها ينزلون، فتاهوا بمن يعبدون، وتعززوا بمَنْ به يكتفون، حلَّوا فلم يظعنوا، واستوطنوا محلته فلم يرحلوا، فهم الأولياء وهم العاملون، وهم الأصفياء وهم المقربون، أين يذهبون عن مقام قربٍ هم به آمنون، وعزوا في غرف هم بها ساكنون، جزاءً بما كانوا يعملون، فلمثل هذا فليعمل العاملون) ([93]) .
ولكي يقطع المرء عقبات الطريق، ويجتاز مقاماته لا بد له من مجاهدات نفسية ومواصلة للذكر والمراقبة والمحاسبة والخلوات، فالوصول إلى الله تعالى لا يُنال بالتشهي والتمني بل لا بد من إيمان وتقوى، وصدق في القصد، وإخلاص في الغاية، وعند ذلك يكرم الله السالكين إليه بالمعرفة الكاملة، والسعادة القلبية الحقة، قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (إن طريق الوصول إلى علم القوم الإيمان والتقوى {ومَنْ يتَّقِ اللهَ يجعلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِنْ حيث لا يحتسِبُ} [الطلاق: 3]، والرزق نوعان: روحاني وجسماني، قال الله تعالى:{واتَّقوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282]، أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية) ([94]) .
ومن كلام الشيخ محي الدين يتبين أن الإنسان لا يمكن له أن يسير إلى الله تعالى إلا بإيمان صحيح وعقيدة ثابتة، وقلب يرعى حدود الله، وأعمال مقيدة بشريعة الله، وأخلاقٍ عالية مقتبسة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يترفَّع عن الشهوات الدنيئة والرعونات النفسية لا بد إلا أن ينحرف في سيره، أو ينقطع في منتصف الطريق، فيضل ويشقى… والصوفية في طريقهم للوصول إلى الله تعالى قد جعلوا قدوتهم ورائدهم سيد الوجود وإمام المتقين محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهجوا نهجه حين فرَّ عليه الصلاة والسلام إلى ربه، ولجأ إليه بعيداً عن الجو الوثني وعبادة الأصنام والأحجار وعن صخب الحياة وأوضارها، قال الله تعالى: {يا أيُّها النبيُّ إنَّا أرسلْناكَ شاهداً ومُبَشِّراَ ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسِراجاً منيراً} [الأحزاب: 45ـ46]، فساروا وراءه متبعين له في جميع حالاته وأخلاقه وأفعاله، وقال الله تعالى: {قل إنْ كنْتُم تحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبْكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران: 31]، فساروا في طريقه الحنيف الذي سنه لهم غير منحرفين ولا ملتفتين، وسمعوا نداء الله: {وأنَّ هذا صراطي مُستقيماً فاتَّبِعوه ولا تتَّبِعوا السُبُلَ فتفرَّقَ بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]، وقوله تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا لِيَعبُدونِ} [الذاريات: 56]، فلم تغرَّهم الدنيا بزخارفها ولم توقفهم بعلائقها، وسمعوا هواتف الحقيقة تهتف من وراء حجب الغيب: {أفَحَسِبْتُم أنَّما خلقْناكُم عبَثاً وأنَّكُم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، فأحبوا لقاء مَنْ سيرجعون إليه، وجدُّوا واجتهدوا في سيرهم الحثيث حتى وصلوا إلى ربهم سالمين غانمين… هناك مقاماتٍ كثيرةً، فقد ذكر شيخنا محمد الهاشمي رحمه الله تعالى تفاصيلها، فقال: (ومنهم من جعلها مائة وسماها منازل السائرين إلى الله تعالى، وقد ألف شيخ الإِسلام أبو إِسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي الفقيه الحنبلي المفسر الصوفي المتوفى سنة 481هـ في ذلك رسالةً، ذكرَ فيها مائة منزلة، وأجاد في تقسيمها وإيضاحها، وأفاد الراغبين في الوقوف عليها، وسماها: منازل السائرين إلى الحق عز شأنه) ([95]) .
[للتوسع راجع كلام الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف ” الباب الثالث طريق الوصول إلى الله]***
([2]) صحيح البخاري 8/67 ح 6307.
([3]) سنن ابن ماجة 4/706 ح 3791.
([4]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([5]) مسند أحمد 29/340 ح 17698.
([6]) سنن اب17680.ي داود 2/545 ح 1398.
([8]) حلية الأولياء” لأبي نعيم ج10: ص248 ـ 249.
([9]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم” ج1: ص51.
([10]) صحيح البخاري 8/35 ح 6147.
([11]) صحيح البخاري 7/96 ح 5534.
([12]) مسند أبي يعلي 4/142 ح 2437.
([15]) صحيح البخاري 5/55 ح 3892.
([16]) مسند أحمد 28/348 ح 17121.
([17]) سنن الترمذي 4/151 ح 1597.
([19]) مسند أحمد 36/46 ح 21715.
([20]) سنن ابن ماجة1/148 ح 218.
([21]) انظر بحث أهمية التصوف ص28.
([22]) مستد الإمام أحمد 39/375 ح 23951.
([25]) صحيح البخاري 8/86 ح 6408.
([26]) مسند أحمد 19/498 ح 12522.
([28]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([29]) شعب الايمان للبيهقي 1/417 ح 582.
([30]) صحيح البخاري 1/168 ح 841، فتح الباري 2/259.
([31]) مسند البزار 7/97 ح 2655.
([35]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2700.
([36]) المصدر السابق 4/2075 ح2701.
([37]) الفتوحات الربانية علي الأذكار النووية 1/94.
([38]) مسند أحمد 30/22 ح 18097، سنن الترمذي 5/77 ح 2733.
([39]) سنن ابي داود 7/512 ح 5225.
([41]) المدخل الي السنن الكبري للبيهقي ص 137 ح 93.
([42]) الأدب المفرد ص 338 ح 973. فتج الباري 11/48.
([43]) المصدر السابق ص 338 ح 974.
([44]) المصدر السابق ص 339 ح 976.
([45]) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب 1/332.
([49]) سنن الترمذي 5/76 ح 2732.
([50]) سنن ابي داود 7/154 ح 4775.
([51]) مسند أبي يعلي 7/114 ح 4937.
([53]) المعجم الكبير للطبراني 20/93 ح 182، شعب الايمان للبيهقي 1/392 ح 511.
([54]) مسند أحمد 20/17 ح 12540.
([55]) البداية والنهاية لابن كثير 11/111.
([56]) صحيح البخاري 4/50 ح 2961
([57]) المصدر السابق 4/113 ح 3212.
([58]) سنن الترمذي 5/138 ح 2846.
([59]) الاعتصام” للإمام الشاطبي 1/347.
([61]) صحيح البخاري8/38 ح 6161.
([63]) مسند الدارمي 2/1066 ح 3456.
([64]) مسند أحمد 18/195 ح 11652.
([65]) مسند أحمد 19/437 ح 12452.
([67]) المعجم الكبير للطبراني 8/178 ح 7741.
([68]) مسند أبي يعلي 2/628 ح 1487.
([69]) شرح الحكم” لابن عجيبة ج1: ص160.
([70]) سنن ابن ماجة 4/721 ح 3818.
([71]) السنن الكبرى 2/77 ح 1221.
([72]) سنن الترمذي 2/354 ح 484.
([73]) مسند أحمد 14/328 ح 8709.
([74]) سنن الترمذي 5/125 ح 2822.
([75]) صحيح البخاري 8/20 ح 6069.
([77]) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: مَا لَكَ، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكُثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ، قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ، فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.» صحيح البخاري 3/32 ح 1936.
([78]) فيض القدير شرح الجامع الصغير” ج5: ص12.
([81]) تفسير العلامة أبي السعود 9/51.
([82]) صحيح البخاري 9/29 ح 6982.
([83]) بهجة النفوس” شرح مختصر البخاري للإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المتوفى 699هـ، ج1: ص10 ـ 11.
([84]) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري” للقسطلاني ج1: ص62.
([85]) فيض الباري على صحيح البخاري” 1/99.
([86]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح” ص 807.
([87]) بستان العارفين” للإمام الفقيه الحافظ أبي زكريا محي الدين النووي المتوفى 676هـ ص 53.
([89]) مذكرات في فقه السيرة” للدكتور مصطفى السباعي ص18.
([90]) إيقاظ الهمم في شرح الحكم” لأحمد بن عجيبة ج1: ص30.
([92]) روض الطالبين” للغزالي ص150.
([93]) حلية الأولياء” لأبي نعيم ج10: ص248 ـ 249.
([94]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص84 بتصرف.
([95]) شرح شطرنج العارفين” لسيدي الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله ص12.