المبحث السادس عشر ثمرَات مناهج التصوف التربوية
[المفتاح الأول]: قال عبد القادر عيسى في كتابه حقائق عن التصوف الباب الرابع من ثمرَات التصوف: من ثمرَات التصوف 1 – الحب الإِلهي، 2 – الكشف، 3 – الإِلهام، 4 – كرامات الأولياء.
[1] (الحب الإلهي): المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا،، ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد،،([1]) .
والمحبة لا تُحدُّ بحد أوضح منها، والتعاريف والحدود لا تزيدها إِلا خفاءً، فتعريفها وُجودها، إِذ التعاريف للعلوم، أما المحبة فهي حالة ذوقية تفيض على قلوب المحبين، ما لها سوى الذوق إِفشاء، وكل ما قيل في المحبة ما هو إِلا بيان لآثارها، وتعبير عن ثمارها، وتوضيح لأسبابها، قال الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي رحمه الله تعالى: (واختلف الناس في حدّها، فما رأيت أحداً حدَّها بالحد الذاتي، بل لا يتصور ذلك، فما حدَّها مَنْ حدّها إِلا بنتائجها وآثارها ولوازمها، ولاسيما وقد اتصف بها الجناب الإِلهي العزيز وهو الله، وأحسن ما سمعت فيها ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس الصنهاجي، قالوا: سمعناه وقد سئل عن المحبة، فقال: الغيرة من صفات المحبة، والغيرة تأبى إِلا الستر، فلا تُحد) ([2]) .
وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة، كمثل من هو طافح سكراً، إِذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه، لم يمكنه العبارة في تلك الحال، لاستيلائه على عقله، والفرق بين السكرين: أن سكر الخمر عرضي، يمكن زواله، ويعبر عنه في حين الصحو، وسكر المحبة ذاتي ملازم، لا يمكن من وصل إِليه أن يصحو عنه، حتى يخبر فيه عن حقيقته، كما قيل: يصحو من الخمر شاربوها والعشق سكر على الدوام([3]) .
لذلك لما سئل الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، كان جوابَه فيضانُ الدموع من عينيه، وخفقان القلب بالهيام والشوق، ثم عبر عما يجده من آثار المحبة، قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: (جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين) ([4]).
دليلها وفضلها: الأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة، قال الله تعالى: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، وقال تعالى: {والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ} [البقرة: 165]، وقال تعالى: {قل إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران: 31]، ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها، وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار“([5]) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه” ([6]) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض” “([7]) . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد“([8]) .
والقرآن والسنة مملوآن بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ} [آل عمران: 146]، {واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ} [المائدة: 93]، {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ} [البقرة: 222]، وقوله في ضد ذلك: {واللهُ لا يُحِبُّ الفسادَ} [البقرة: 205]، {واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ فخورٍ} [الحديد: 23]، {واللهُ لا يُحِبُّ الظالمينَ} [آل عمران: 57]، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الله ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من أهله وماله والناس أجمعين“([9]) .
وقد وجه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم إِلى نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصلهم إِلى حب الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: “أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله” ([10]) .
وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المحبين بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ قال: “ما أعددتَ لها؟” قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع مَنْ أحببتَ”، قال أنس: فقلنا ونحن كذلك؟ قال: “نعم”، ففرحنا بها فرحاً شديداً ([11]) .
والأحاديث في المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه، والحقيقة أن الإِسلام أعمال وتكاليف وأحكام، وروحه المحبة، والأعمال بلا محبة أشباح لا حياة فيها،
الأسباب المورثة للمحبة: ذكر العلماء من الأسباب المورثة للمحبة أموراً كثيرة، وأهمها عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة، الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر، الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى، الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة، السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته، السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً، الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة، التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر، ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك، العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل([12]) .
فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة.
علامات المحبة: كثير من الناس من يدَّعي محبة الله ورسوله، وما أسهل دعوى اللسان، فلا ينبغي للإِنسان أن يغتَرَّ بخداع النفس، بل عليه أن يعلم أن للحب علامات تدل عليه، وثماراً تظهر في القلب واللسان والجوارح، فإِذا أراد ألاَّ يغش نفسه فلْيضعْها في موازين الحب، ولْيمتحْنها بعلاماته، وهي كثيرة، منها:
1 – حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام، فلا يُتصور أن يحب القلب محبوباً إِلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وإِذا علم أنه لا وصول إِلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت، فعليه أن يكون محباً للموت غير فارٌّ منه، لأن الموت مفتاح اللقاء، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه” ([13]) . ولهذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله.
2 – أن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى، ومَنْ أحبَّ الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: ” تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس بديعُ… لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ “، فطاعة الله تعالى ومحبته تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأخلاق، قال تعالى: {قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون الله فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ويغْفِرْ لكم ذنوبَكُمْ} [آل عمران: 31]
3 – أن يكون مكثراً لذكر الله تعالى، لا يفتُرُ عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره: خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ.
4 – أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته.
5 – أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته، فيكثر رجوعه عند الغفلات، بالاستعطاف والتوبة، 6 – أن يتنعم، ويتلذذ بالطاعة، ولا يستثقلها، ويسقطَ عنه تعبهاز
7 – أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً بهم، شديداً على جميع أعداء الله، كما قال تعالى: {أشدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينَهُم} [الفتح: 29].
8 – أن يكون في حبه خائفاً متفائلاً تحت الهيبة والتعظيم، وقد يُظن أن الخوف ينافي الحب، وليس كذلك، بل إِدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إِدراك الجمال يوجب الحب، وللمحبين مخاوف على حسب مراتبهم، كخوف الإِعراض وخوف الحجاب وخوف الإِبعاد…
9 – كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقي من إِظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإِجلالاً له، وهيبة منه، وغَيْرة على سره…
10 – الأنس بالله والرضا به، وعلامة الأنس بالله عدمُ الاستئناس بالخلق والتلذذُ بذكر الله، فإِن خالطهم فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة، قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه([14]) .
مراتب المحبة: ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً: أولها العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب، الثانية الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه وطلبهُ له، الثالثة الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى المحبوب بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر، الرابعة الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه، الخامسة الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها، ولبها، السادسة الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب، قال الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً منه ووفاءً، ” وتعذيبُكم عذبٌ لديَّ وجَوْرُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ عدلُ “، السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه، الثامنة التتيُّم: وهو التعبد والتذلل، يقال: تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده، التاسعة التعبد: وهو فرق التتيم، فإِن العبد لم يبق له شيء من نفسه، العاشرة الخلة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب([15]) .
وإِذا تمكن الحب من القلب أخرج هذه الدنيا الفانية من سويدائه، وعاش صاحبه حياة طيبة منعمة، لا يعرف الهمُّ سبيلَه إِليه، مر بعض الصوفية على رجل يبكي على قبر، فسأله عن سبب بكائه فقال: إِنّ لي حبيباً قد مات، فقال: لقد ظلمتَ نفسك بحبك لحبيب يموت، فلو أحببتَ حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه، وفي واقعنا أمثلة كثيرة عمن يسترخص موته عند يأسه من لقاء من يحبه، أو انقطاع أمله مما تعلق قلبه به من متاع زائل، فالانتحار، وحرق النفس والترامي على صخرة الموت،، أمور كلنا نسمعها عن محبين بائسين خاسرين، فأين هؤلاء من أحباب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين أحبوا الله، ورضوا به رباً، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالإِسلام ديناً! فمنهم مَنْ أحب الموت، ورحب به ليلقى مِن ورائه أحبابَه،، (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه)
ومنهم مَنْ ضحى بنفسه ودمه في ساحات الجهاد، لينال رضوان الله ويحظى بلقائه، ومنهم ومنهم،، وفرق كبير بين من يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى، وبين من يضحي بنفسه لفقد شيء خسيس تافه: ” أنت القتيلُ بأيِّ مَنْ أحببتَه فاخترْ لنفسك في الهوى مَنْ تصطفي “، وأعلى وأغلى الثمرات التي يقطفها المحب، هو الحب المتبادل: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، والرضى المتبادل: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]، والذكر المتبادل: {فاذكروني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى، فقال: ولأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها، فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه، ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا، فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم، ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله، فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم([16]) .
يشير هذا الشاهد إِلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم، فمنهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى، سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: {مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ الآخرة} [آل عمران: 152]، فقال: وأين من يريد الله؟!،،ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: (إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار)… والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها، ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم، وحب الله تعالى يسمو بالذوق الإِنساني، إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة، ولقد جرّد الصوفية الحب عن المطامع والشهوات، وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضى مولاهم… ولقد عرف الصوفية طريق الحب فساروا فيه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: “وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه” ([17]) .
وهو أصل السلوك إِلى الله تعالى، والوصول إِلى معرفته، سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: (أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين) ([18]) .
وقال أيضاً: (من علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته) ([19]) .
وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما سوى الله تعالى، وقام بعبادته،،) ([20]) .
وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: (حقيقة محبته دوام الأنس بذكره) ([21]) . وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (ولما كان مطلبَ ذوي العقول الكاملة والنفوس الفاضلة نَيْلُ السعادة القصوى التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى، ومشاهدةُ أنوار حضرة قدس المولى، والتلذذُ بمطالعة الجمال الإِلهي الأسنى، ومعاينة مطالع النور القدس الأبهى، وهذه السعادة لا تحصل إِلا لنفس زكية، قد سبقتْ لها في الأزل العنايةُ الربانية، بتيسيرها لسلوك الطرق العلمية والعملية المفضيات بها إِلى المحبة الحقيقية، والشوق إِلى الأنوار الإِلهية، وبحصول هذه السعادة يحصل للنفوس العارفة من اللذة والابتهاج ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيجب على كل ذي لب المبادرةُ إِلى تحصيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورد السلسبيل الذي لم يصل إِليه من الناس إِلا القليلُ، فالعاشق يحنُّ إِلى هذا الموطن الجليل، وينجذب جملة إِلى ظله الظليل ونسيمه العليل، وورودِ منهله العذب، فلا يشيم البرقَ إِلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع، ويخبر عن سر جماله البديع، فلهذا كان لَمعانُ البُروق يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق) ([22]) .
بمثل هذا الذوق وصل الصوفية إِلى الاطمئنان والرضا في ظلال الحب الإِلهي، ورأوا متعاً روحية دونها متع الحياة وشهواتها، وحسبهم أنهم يُسَرّون مع الله، وينعمون بقربه، ويشعرون بفضله وجوده {رَضِيَ اللهُ عنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]، {يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، فاختارهم بعد ما أحبّهم ورضي عنهم، أولئك خلاصة خلقه، وخواص أحبابه.
[2] (الكشف): تعريفه: قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الفِراسة في اللغة: التثبت والنظر، وفي اصطلاح أهل الحقيقة: هي مكاشفة اليقين، ومعاينة الغيب) ([23]) .
وقال العارف بالله ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الفراسة هي خاطر يهجم على القلب، أو وارد يتجلى فيه، لا يخطىء غالباً إِذا صفا القلب، وفي الحديث: “اتقوا فراسة المؤمن، فإِنه ينظر بنور الله“([24]) .
وهي على حسب قوة القرب والمعرفة، فكلما قوي القرب، وتمكنت المعرفة صدقت الفراسة، لأن الروح إِذا قربت من حضرة الحق لا يتجلى فيها غالباً إِلا الحق([25]) .
والكشف نور يحصل للسالكين في سيرهم إِلى الله تعالى، يكشف لهم حجاب الحس، ويزيل دونهم أسباب المادة نتيجة لما يأخذون به أنفسهم من مجاهدة وخلوة وذكر [قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله تعالى: (إِن جلاء القلب وإِبصاره يحصل بالذكر، وإِنه لا يتمكن منه إِلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى)، ([26]) .
فتنعكس أبصارهم في بصائرهم، فينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على عوالمَ من أمر الله اطلاعاً لا يستطيعه مَنْ لا يزال في قيد الشهوات والشكوك والبدع العقائدية والوساوس الشيطانية، ولا تتسع له إِلا تلك القلوب النيّرة السليمة التي زالت عنها ظلمات الدنيا وغواشيها، وانقشعت عنها غيوم الشكوك ووساوسها، وكثافةُ الماديات وأوضارها، نعم إِنَّ من غض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وعمَّر باطنه بمراقبة الله تعالى، وتعوَّد أكل الحلال لم يخطىء كشفه وفراسته، ومن أطلق نظره إِلى المحرمات تنفست نفسه الظلمانية في مرآة قلبه فطمست نورها، ويرجع هذا الكشف إِلى أن العبد إِذا انصرف عن الحس الظاهر إِلى الحس الباطن تغلبت روحه على نفسه الحيوانية المتلبسة ببدنه ـ والروح لطيفة كشَّافة ـ فيحصل له حينئذ الكشف، ويتلقى واردات الإِلهام، يقول المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى فيما نحن بصدده: (ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إِدراكُ شيء منها، والروح من تلك العوالم، وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه، وتجدد نُشُوؤهُ، وأعان مع ذلك الذكر، فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي،، إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم،، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على مثل هذه المجاهدة، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ، لكنهم لم يقع لهم بها عناية، وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها، وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم) ([27]) .
وهذا الكشف وراثة محمدية صادقة، وَرِثَها أصحابه رضي الله عنهم، بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم.
الكشف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقبل أن نذكر شيئاً عن هؤلاء المورثين من الصحابة ومَنْ بعدهم، نذكر نوعاً من كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي منحه الله إِياه، على أن الكشف له عليه الصلاة والسلام معجزة، وللصحابة والأولياء من بعده كرامة، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم، عن أنس رضي الله عنه قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: “أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإِني أراكم من وراء ظهري“([28]) .
ولما كان الكشف بعيداً عن عالم الحس، وينمحي أمامه المقياس الزماني والمكاني، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يستوي عنده في الرؤية القرب والبعد: يقول أنس رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، وجعفراً وابن رواحة، ورفع الراية إِلى زيد، فأُصيبوا جميعاً، فنعَاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الناس قبل أن يجيءَ الخبر، فقال: “أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، وإِن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة، فَفُتِح له“([29]) .
الكشف في القرآن الكريم: قال الله تعالى في حق إِبراهيم خليل الله عليه السلام: {وكذلِكَ نُري إبراهيمَ مَلكُوتَ السمواتِ والأرضِ ولِيَكُونَ مِنَ الموقنينَ} [الأنعام: 75]، وكذلك ما أخبر الله عز وجل عن الخضر عليه السلام، حين صحب موسى عليه السلام في المسائل الثلاثة: (الأولى): انكشف للخضر أن السفينة التي ركبها مجاناً في طريقهم عبر البحر، سيأخذها ملك غاشم ظلماً، فخرقها ليعيبها ولينقذها من شر ذلك الغاصب مكافأة للمعروف بالمعروف: {أمَّا السفينَةُ فكانتْ لمساكينَ يعمَلُونَ في البحر فأردْتُ أنْ أعيبَها وكانَ وراءهم مَلِكٌ يأخُذ كلَّ سفينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79]، (الثانية): كُشف له عن الغلام، إِن بقي حياً فسيقتل أبويه في كبره، ويوقعهما في الكفر، فقتله رحمة بأبويه المؤمنيْن، واستجابة لإِرادة الله تعالى بإِبداله بخير منه زكاةً ورحمة: {وأمّا الغلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنينِ فخشينا أنْ يُرهِقَهما طُغياناً وكُفراً، فأردنا أن يُبدِلَهُما رَبُّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رُحْماً} [الكهف: 80ـ81]، (الثالثة): كشف له الكنز الذي تحت الجدار، وكان لغلامين يتيمن من أب صالح، فأقام الجدار حفظاً للكنز، ورحمةً للغلامين، ومحبةً لأبيهما الصالح، بلا أجر وبلا مقابل، مروءةً وإِخلاصاً: {وأمّا الجدارُ فكانَ لغُلامينِ يتيمينِ في المدينة وكان تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهما صالحاً فأرادَ ربُّكَ أنْ يبْلُغا أشُدَّهما ويَسْتَخرِجا كنْزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82]،
الكشف عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
(1) الكشف عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه: وهو الذي شهد الله له بالصدِّيقية بقوله: {والذي جاء بالصِّدْقِ [رسول الله صلى الله عليه وسلم] وصَدَّقَ بِهِ [أبو بكر رضي الله عنه]}، وإِني أذكر واقعة واحدة من كثير، تكشف لنا الغطاء عن ذلك، ومن أين لإِنسانٍ أن يحصيَ مآثِرَ أبي بكر رضي الله عنه، عن عروة عن أبيه رضي الله عنهما، عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة، دعاها فقال: إِنه ليس في أهلي بعدي أحد أحب إِليَّ غنى منك، ولا أعز علي فقراً منك وإِني كنت نحلتك([30]) .
من أرض بالعالية جَدادَ([31]) . ـ يعني: صرام ـ عشرين وسقاً ([32]) . فلو كنتِ جددْتِهِ تمراً عاماً واحداً انحازَ لك، وإِنما هو مال الوارث، وإِنما هما أخواك وأختاك، فقلتُ: إِنما هي أسماء، فقال: وذاتُ بطنِ ابنةِ خارجة، قد أُلقي في روُعي أنها جاريةٌ فاستوصي بها خيراً، فولدت أُمَّ كلثوم ([33]) .
قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (وفيه كرامتان لأبي بكر رضي الله عنه: (إِحداهما): إِخبارُه أنه يموت في ذلك المرض، حيث قال: وإِنما هو اليوم مالُ وارث، (والثانية): إِخبارُه بمولود يولد له، وهو جارية، والسر في إِظهار ذلك استطابة قلب عائشة رضي الله عنها في استرجاع ما وهبه لها ولم تقبضْه، وإِعلامها بمقدار ما يخصها، لتكون على ثقة، فأخبرها بأنه مال وارث، وأنَّ معها أخوين وأختين([34]) .
(2) الكشف عند عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضي الله عنه: وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الملهَمين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد كان فيمَنْ قبلكم من الأمم ناس مُحدَّثون، فإِن يكُ في أمتي أحدٌ فإِنه عمر” ([35]) .
فإِن أمته عليه الصلاة والسلام أفضلُ الأمم، وإِذا ثبت أنهم وُجدوا في غيرها فوجودهم فيها أولى، وإِنما أورده مورد التأكيد، كقول القائل: إِن كان لي صديق ففلان، يريد اختصاص كمال الصداقة لا نفيها عن غيره، والمحدَّث: هو الملهَمُ الصادق الظن، وهو مَنْ أُوقِعَ في قلبه شيءٌ من قِبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيرُه، قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (كان عمر رضي الله عنه قد أمَّرَ سارية بن زنيم الخلجي على جيش من جيوش المسلمين، وجهزه على بلاد فارس، فاشتد على عسكره الحال على باب نهوند وهو يحاصرها، وكثرت جموع الأعداء، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي الله عنه بالمدينة، فصعد المنبر وخطب، ثم استغاث في أثناء خطبته بأعلى صوته: [يا سارية! الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم] ([36]) .
، فأسمع الله تعالى سارية وجيشه أجمعين، وهم على باب نهاوند صوتَ عمر، فلجؤوا إِلى الجبل، وقالوا هذا صوت أمير المؤمنين، فنجوا وانتصروا)، وقال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (لم يقصد إِظهار الكرامة، وإِنما كُشِف له، ورأى القوم عياناً، وكان كمن هو بين أظهرهم حقيقة، وغاب عن مجلسه بالمدينة واشتغلت حواسه بما دهم المسلمين، فخاطب أميرهم خطاب مَنْ هو معه) ([37]) .
ففي هذه القصة شيئان: (الأول): الكشف الصحيح والرؤية العيانية على بعد آلاف الأميال، وأين (التلفزيون) في مثل هذه القصة الواقعة قبل أربعة عشر قرناً؟ (الثاني): إِبلاغ صوته ساريةَ على هذا البعد الشاسع، ورأى عمر رضي الله عنه قوماً من مذحج فيهم الأشتر فصعَّد النظر فيه وصوَّب ثم قال: (قاتله الله إِني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً فكان منه ما كان) ([38]) .
وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: (إِنْ كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكْذِبُه الكِذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتُك حق إِلا ما أمرتني أن أحبسه) ([39]) .
وأخرج عن الحسن قال: (إِن كان أحد يعرف الكذب إِذا حُدّث فهو عمر بن الخطاب) ([40]) .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدية الحمصي قال: (أُخبِر عمر بأن أهل العراق حَصبَوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إِنهم قد لبَّسوا عليّ فالبس عليهم، وعجِّلْ عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم)، قلت: أشار به إِلى الحجاج، قال ابن لهيعة: وما وُلِدَ الحجاج يومئذ([41]) .
(3) الكشف عند عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: ذكر التاج السبكي رحمه الله تعالى في الطبقات وغيره: (أنه دخل على عثمان رضي الله عنه رجل، كان قد لقي امرأة في الطريق، فتأملها، فقال له عثمان رضي الله عنه: يدخل أحدكم، وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال الرجل: أوحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن)، وإِنما أظهر عثمان هذا تأديباً للرجل، وزجراً له عن شيءٍ فعله ([42]) .
(4) الكشف عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه قال له: “أنت أخي” ([43]) . وقال له أيضاً: “ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟” ([44]) .
عن الأصبغ رحمه الله تعالى قال: أتينا مع عليّ فمررْنا بموضع قبر الحسين، فقال علي: (ههنا مناخ ركابهم، وههنا موضع رحالهم، وههنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون بهذه العَرْصة، تبكي عليهم السماء والأرض) ([45]) .
وقال علي رضي الله عنه لأهل الكوفة: (سينزل بكم أهلُ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستغيثون بكم فلم يغاثوا) فكان منهم في شأن الحسين ما كان ([46]) .
، ولو أردنا أن نستقصي تراجم الصحابة الكرام رضي الله عنهم في كشفهم وفراستهم، لخرجنا عن موضوعنا في رسالتنا هذه،
كشف العارفين: روي عن الإِمام الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى: (أنهما كانا بِفِناء الكعبة، ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجاراً، وقال الآخر: بل حداداً، فتبادر من حضر إِلى الرجل فسأله فقال: كنت نجاراً وأنا اليوم حداد) ([47]) .
وعن أبي سعيد الخراز رحمه الله تعالى قال: (دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيراً عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأشباهه كَلٍّ على الناس، فناداني وقال: {واعلموا أنَّ اللهَ يعلَمُ ما في أنْفُسِكُم فاحذَروهُ} [البقرة: 235]، فاستغفرْتُ الله في سرِّي، فناداني وقال: {وهوَ الذي يَقْبَلُ التوبَةَ عن عبادِهِ} [الشورى: 25]، ثم غاب عني، ولم أره) ([48]) .
ومثل هذا وقع لغيره، يقول خير النسَّاج رحمه الله تعالى: (كنت جالساً في بيتي، فوقع لي أن الجنيد بالباب، فنفيت عن قلبي ذلك، فوقع ثانياً وثالثاً، فخرجت، فإِذا الجنيد، فقال: لِمَ لم تخرج مع الخاطر الأول؟) ([49]) .
وحُكي عن إِبراهيم الخوّاص رحمه الله تعالى قال: (كنت في بغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة، حسن الحرمة حسن الوجه، فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهودي، فكلهم كرهوا ذلك، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إِليهم وقال: إِيش قال الشيخ؟ فاحتشموه، فألح عليهم فقالوا: قال: إِنك يهودي، قال: فجاءني، وأكبَّ على يدي وأسلم، فقيل: ما السبب؟ قال نجد في كتبنا أن الصدّيق لا تخطئ فراسته فقلتُ: أمتحنُ المسلمين، فتأملتهم فقلت: إِن كان فيهم صدّيق، ففي هذه الطائفة لأنهم يقولون حديثه سبحانه، فلبَّستُ عليهم، فلما اطّلع عليَّ وتفرَّس فيَّ علمتُ أنه صدّيق، وصار الشاب من كبار الصوفية) ([50]) .
ولا عجب في ذلك فقد أخبر عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “إِن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم“([51]) .
ووقف نصراني على الجنيد رحمه الله تعالى، وهو يتكلم في الجامع على الناس، فقال: أيها الشيخ! ما معنى حديث: “اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله“([52]) . فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلمْ فقد جاء وقت إِسلامك، فأسلم الغلام([53]) .
وحديث الفراسة أصل في الكشف الذي يقع لكثير من الأولياء، تجد الواحد منهم يكاشف الشخص بما حصل له في غيبته، كأنه حاضر معه، وهي فتنة في حق مَنْ لم يتخلق بأخلاق الرحمن، وقد يكون الكشف عن أصحاب القبور منعَّمين أو معذَّبين: قال العلامة عبد الرؤوف المناوي رحمه الله تعالى عند شرحه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لولا أن لا تَدافَنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر”([54]) .
وإِنما أَحبَّ إِسماعهم عذاب القبر دون غيره من الأهوال لأنه أول المنازل، وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومَنْ كُوشف بما لا يطيقه هلك.
(تنبيه): قال بعض الصوفية: (والاطلاع على المعذَّبين والمنعَّمين في قبورهم واقع لكثير من الرجال، وهو هول عظيم، يموت صاحبه في اليوم والليلة موتات، ويستغيث ويسأل الله أن يحجبه عنه، وهذا المقام لا يحصل للعبد إِلا بعد غلبة روحانيته على جسمانيته، حتى يكون كالروحانيين، فالذين خاطبهم الشارع هنا هم الذين غلبت جسمانيتهم لا من غلبت روحانيتهم، والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بما يليق بهم) ([55]) .
وما حكي من فراسة المشايخ وإِخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر، إِلا أن الجاحد لا تفيده هذه الشواهد والأخبار مما ذكرناه من النقول الصحيحة عن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، مادام لا يؤمن إِلا بالمادة ولا يصدِّق ما وراءها، قال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: (اعلم أن المرء إِذا صفا قلبه صار ينظر بنور الله، فلا يقع بصره على كدرٍ أو صافٍ إِلا عرفه، ثم تختلف المقامات، فمنهم من يعرف أن هناك كدراً ولا يدري ما أصله، ومنهم من يكون أعلى من هذا المقام فيدري أصله، كما اتفق لعثمان رضي الله عنه، فإِنَّ تأمُّل الرجل للمرأة أورثه كدراً فأبصره عثمان، وفهم سببه، وهنا دقيقة: وهي أن كل معصية لها كدر، وتُورِث نكتة سوداء في القلب فيكون رَيْناً، كما قال تعالى: {كلا بلْ رانَ على قُلُوبِهِمْ ما كانوا يًكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، إِلى أن يستحكم والعياذ بالله، فيظلم القلب وتغلق أبواب النور فيُطْبَع عليه، فلا يبقى سبيل إِلى التوبة، كما قال تعالى: {وَطُبِعَ على قلوبِهِمْ فَهُمْ لا يفقَهُونَ} [التوبة: 87]، إِذا عرفتَ هذا، فالصغيرة من المعاصي تورث كدراً صغيراً بقدرها قريب المحو بالاستغفارِ وغيره من المكفرات، ولا يدركه إِلا ذو بصر حادٌّ كعثمان رضي الله عنه، حيث أدرك هذا الكدر اليسير، فإِنَّ تأمُّل المرأة والنظر إِليها أدركه عثمان وعرف أصله [قال العلامة الألوسي في كتابه “روح المعاني” عند قوله تعالى: {قل للمُؤمِنينَ يغُضُّوا مِنْ أبصارِهِم} [النور: 30]: (ثم إِن غض البصر عما يحرم النظر إِليه واجب، ونظرة الفجأة ـ لاتَعَمَّد فيها ـ معفو عنها، فقد أخرج أبو داود، والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تُتْبِع النظرة النظرة، فإِن لك الأولى وليست لك الآخرة“([56]) . وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل عين زانية“، ([57]) . وعن علقمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “زنا العينين النظر“،([58]) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني عن ربه عز وجل: “النظرة سهم مسموم من سهام إِبليس، مَنْ تركها مِنْ مخافتي أبدلته إِيماناً يجد حلاوته في قلبه”،([59]) . وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لَتغضُّن أبصاركم ولَتحفظُن فروجكم، أو ليكسفَن الله وجوهكم“([60]) . وعنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من مسلم ينظر إِلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إِلا أحدث له الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه“،([61]) .
وهذا مقام عالٍ يخضع له كثير من المقامات، وإِذا انضم إِلى الصغيرة صغيرة أخرى ازداد الكدر، وإِذا تكاثرت الذنوب حتى وصلت ـ والعياذ بالله ـ إِلى ما وصفناه من ظلام القلوب صار بحيث يشاهده كل ذي بصر، فمن رأى متضمخاً بالمعاصي قد أظلم قلبه، ولم يتفرس فيه ذلك فليعلم أنه إِنما لم يبصره لما عنده من العمى المانع للأبصار، وإلا فلو كان بصيراً لأبصر هذا الظلام الداجي، فبقدر بصره يبصر، فافهم ما نتحفك به) ([62]) .
فالفراسة أمر جائز الوقوع، وهي منحة إِلهية يكرم الله بها عباده الصالحين الذين تمسكوا بدينهم، وحفظوا جوارحهم، وصقلوا قلوبهم، وهذبوا نفوسهم، قال المناوي في شرح الجامع الصغير عند قوله عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ لكل قوم فراسة، وإِنما يعرفها الأشراف”: (قاعدة الفراسة وأسُّها: الغض عن المحارم، قال الكرماني: من عمّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوم المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المخالفات، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ فراسته ابداً، اهـ فمن وُفِّق لذلك أبصر الحقائق عياناً بقلبه) ([63]) .
وعلى كلٍ فالقلوب تختلف باختلاف صقلها وتنظيفها من أدران الذنوب المظلمة، فهي كالزجاج كلما صقل ازداد ثمنه، وكشف الجراثيم التي لا ترى، فأين زجاج النافذة من زجاج المجهر الذي يكشف الجراثيم الدقيقة؟ وكما لا يقاس زجاج النافذة بزجاج المجهر، كذلك لا تقاس القلوب الصافية المصقولة بالقلوب المكدرة المظلمة، ولا تقاس الملائكة بالشياطين، فمن جدَّ وجد، ومن سار على الطريق وصل، ومن أتقن المقدمة وصل إِلى النتيجة، والبدايات تدل على النهايات،
[3] الإِلهــــــــــــــــــــام: قال الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الإلهام: ما يُلقَى في الرُّوع بطريق الفيض، وقيل: الإلهام ما وقع في القلب من علم، وهو يدعو إلى العمل من غير استدلال بآية، ولا نظر في حجة) ([64]) . والإِلهام إِما أن يكون من قِبَلِ الله تعالى، أو من قبل ملائكته، يُفْهَم منه أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب،، أما الذي من قِبل الله تعالى: فحكى لنا حضرةُ الله تعالى في كتابه عن مريم رضي الله عنها حينما أوتْ إِلى شجرة النخل في أيام الشتاء، فخاطبها بإِلهام ووحي من دون واسطة وقال لها: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ النَّخلة تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جَنياً، فكُلِي واشرَبي وقرِّي عيناً} [مريم: 25]، قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: (إِنَّ ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإِلهام والإِلقاء في القلب، كما كان في حق أُم موسى عليه السلام في قوله: {وأوحينَا إلى أُمِّ موسى} [القصص: 7] ([65]) .
وكذلك أخبرنا عن أُم موسى عليه السلام، حينما ضاق بها الحال من أمر ابنها عليه السلام، وداهمها جنود فرعون لقتله، فألهمها، وأوحى إِليها بلا واسطة، فقال تعالى: {وأوحينَا إلى أُمِّ موسى أنْ أرضِعيهِ فإذا خِفتِ عليه فألْقِيهِ في اليَّمِ ولا تخافي ولا تحزَني إنَّا رادُّوه إليكِ وجاعِلُوه مِنَ المرسلينَ} [القصص: 7] [قال العلامة الألوسي في تفسيره عند هذه الآية (والمراد بالإِيحاء عند الجمهور ما كان بإِلهام، كما في قوله تعالى: {وأوحَى ربُّكَ إلى النَّحْلِ} [النحل: 68]،، إِلى أن قال: وإِلهام الأنفس القدسية مثل ذلك لا بُعد فيه، فإِنه نوع من الكشف)]، ([66]) . ألقتْ ابنها وفلذة كبدها بين أمواج البحر الخضم، إِلى أين يذهب هذا الولد الكريم بين هياج موج البحر يا ترى؟! إِنه الهلاك بعينه، لكنها كانت على يقين من أمرها، لِمَا اعتادت من سماع الوحي الذي يأتيها من ربها بلا واسطة، في خلوتها وجلوتها
، (هذه امرأة مؤمنة، وولية وليست نبية) [اتفق الأكثرون على أن أم موسى لم تكن نبية لأن النبوة منحصرة في الرجال، {وما أرسَلْنا قبلَكَ إلا رجالاً نوحي إليهِم} [يوسف: 109]، والوحي جاء في القرآن لا بمعنى النبوة، بل بالإِلهام كما قال تعالى: {وإذ أوحيتُ إلى الحواريينَ} [المائدة: 111]، {وإذ أوحينا إلى أمِّكَ ما يُوحَى} [طه: 38]]، وتلك مريم رضي الله عنها في أُمة إِسرائيلية، فما بالك بالأمة المحمدية التي شهد الله لها بالخيرية على سائر الأمم؟! قال تعالى: {كُنْتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ للناسِ تأمُرونَ بالمعروفِ وتنْهَونَ عن المُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وأما الإِلهام من قبل الملائكة: فالمَلَك يحدِّث الإِنسانَ، كما قال صلى الله عليه وسلم: “،،وأما لَمَّةُ الملك فإِيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله“([67]) .
قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: {وإذْ قالتْ الملائِكَةُ يا مريَمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطَهَّرَكِ واصطَفاكِ على نساءِ العالَمينَ} [آل عمران: 42]: (اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: {وما أرْسلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجالاً نوحِي إليهِم مِنْ أهْلِ القرى} [يوسف: 109]، وإِذا كان كذلك، كان إِرسال جبريل عليه السلام كرامة لها، وكلمها شفاهاً، وليس هذا خاصاً بها، بل هناك كثير من الصالحين كلمتهم الملائكة عليهم السلام) ([68]) .
فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله على مَدْرجتِه مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أُريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإِني رسول الله إِليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه” ([69]) .
أرصد الله على مدرجته ملكاً: أي وكَّله بحفظ المدْرجَة، وهي الطريق وجعله رصَداً: أي حافظاً مُعَداً، تَرُبُّها: أي تحفظها وتربيها كما يربي الرجلُ ولدَه، قال العلامة محمد بن علاّن الصديقي الشافعي رحمه الله تعالى شارح رياض الصالحين عند قوله: “فأرصد الله تعالى على مدرجته مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟”: (ظاهره أن المَلكَ خاطبه وشافهه) ([70]) .
وقال الله تعالى: {إنَّ الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عليهِمْ الملائِكَةُ أنْ لا تخافوا ولا تحزَنُوا وأبْشِروا بالجَنَّةِ التي كنتم توعَدُونَ، نحنُ أولياؤكُم في الحياة الدنيا وفي الآخِرة} [فصلت: 30ـ31]، قال العلامة الألوسي رحمه الله تعالى مفسراً تنزل الملائكة في هذه الآية: (تتنزل عند الموت والقبر والبعث، وقيل: تتنزل عليهم: يمدونهم فيما يَعِنُّ ويطرأ لهم من الأمور الدينية والدنيوية، بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن، بطريق الإِلهام، وهذا هو الأظهر، لما فيه من الإِطلاق والعموم الشاملِ لتنزلهم في المواطن الثلاثة وغيرها، وأن جمعاً من الناس يقولون بتنزل الملائكة على المتقين في كثير من الأحايين، وإِنهم يأخذون منهم ما يأخذون، فتذكر، ثم قال في قوله تعالى: {وأبشِروا بالجَنَّة التي كنْتُم توعَدونَ} [فصلت: 31]، أي التي كنتم توعدونها في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام، هذا من بشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة، وقال في قوله تعالى: {نحنُ أولياؤكُمْ في الحياة الدنيا} [فصلت: 31]: من بشاراتهم في الدنيا، أي أعوانكم في أموركم، نلهمكم الحق ونرشدكم إِلى ما فيه خيركم وصلاحكم، إِلى أن قال: إِن الملائكة تقول لبعض المتقين شفاهاً في غير تلك المواطن: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا) ([71]) .
وقال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات: (ثم إِنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين {نحنُ أولياؤكُمْ في الحياة الدنيا وفي الآخِرَةِ} [فصلت: 31]: ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالإِلهامات والمكاشفات اليقينية والمقامات الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بإِلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إِليها، وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدنيا، فهي تكون باقية في الآخرة، فإِن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إِلى الشمس، والقطرة بالنسبة إِلى البحر، والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إِلى ملكوت السماوات”، فإِذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [فصلت: 31] ([72]) .
وقد كان عمران بن الحصين رضي الله عنه يسمع تسبيح الملائكة حتى اكتوى، فانحبس ذلك عنه، ثم أعاده الله إِليه، وروى ابن الأثير رحمه الله تعالى في أسد الغابة بسنده إِليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكَيّ، قال عمران: فاكتوينا، فما أفلحنا ولا نجحنا، قال: وكانت الملائكة في مرضه تسلم عليه، فاكتوى ففقد التسليم ثم عادت إِليه [وقد ألف العلامة الكبير جلال الدين السيوطي رسالة سماها “تنوير الحلك في إِمكان رؤية النبي والملك” ننقل منها ما يهمنا في موضوعنا الذي نتكلم فيه، قال جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: (أخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين رضي الله عنه: قد كان يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد، وأخرج مسلم من وجه آخر عن مطرف قال: بعث إِلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إِني محدثك فإِن عشتُ فاكتمْ عني، وإِن متُّ فحدِّثْ بها إِن شئتَ: إِنه قد سُلِّم عليّ، قال النووي في شرح مسلم: معنى الحديث الأول أن عمران بن حصين كانت به بواسير، فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلم عليه، واكتوى، وانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه، قال: وقوله في الحديث الثاني: فإِن عشتُ فاكتمْ عني، أراد به الإِخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يُشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت، وقال القرطبي في شرح مسلم: يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه إِكراماً له واحتراماً، إِلى أن اكتوى فتركت السلام عليه، ففيه إِثبات كرامات الأولياء، وقال القاضي أبو بكر بن العربي أحد الأئمة المالكية، شارح صحيح الترمذي، في كتاب قانون التأويل: ذهبت الصوفية إِلى أنه إِذا حصل للإِنسان طهارة النفس في تزكية القلب، وقطع العلائق، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة بالجنس، والإِقبال على الله تعالى بالكلية، علماً دائماً وعملاً مستمراً، كشفت له القلوب، ورأى الملائكة وسمع أقوالهم، واطلع على أرواح الأنبياء، وسمع كلامهم، ثم قال ابن العربي من عنده: ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن كرامة، وللكافر عقوبة)، ([73]) .
ولقد سمى الصوفية العلم الناتج من الإِلهام علماً لدنياً حاصلاً بمحض فضل الله وكرمه بغير واسطةِ عبارةٍ، بطريق الفيض الإِلهي، والإِلهام الرباني، لا بطريق التعليم اللفظي، والتدريس القولي، وقد سئل الإِمام الغزالي عن الإِلهام فقال: (الإِلهام ضوء من سراج الغيب، يسقط على قلبٍ صافٍ لطيفٍ فارغٍ) كل هذا يدل على إِمكان الكشف وصحة الإِلهام، إِذا كان القلب صافياً فارغاً من علائق الدنيا وهمومها، ومِنْ صدأ الذنوب وظلماتها، فالشياطين الظلمانية لا تقع إِلا على القلوب العفنة، كما يقع الذباب على الأواني الوسخة، فتُحجبُ القلوب عن مطالعة ما حُجب عنها، يقول صلى الله عليه وسلم: “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إِلى ملكوت السماء“”([74]) . وتُصرَفُ وسوستُها عن تلك القلوب بذكر الله تعالى ومراقبته: “إِن الشيطان واضع خَطمه على قلب ابن آدم، فإِنْ ذَكَرَ الله خنسَ وإِن نسي الْتقم قلبه“([75]) .
لأن القلب إِذا اعتاد الوسوسة، والغفلة عن ذكر الله تعالى مَرِضَ، وأما إِذا اعتاد الذكر، وسُقيَ بأنواره، وسطعت عليه شمس تجليات الله تعالى حيِيَ وكان في عداد الأحياء، يقول عليه الصلاة والسلام: “مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت” ([76]) .
فإِذا واظب المؤمن على ذكر الله تعالى، وكان مستقيماً على شرعه متحلياً بالتقوى، مستأنساً بربه صار حياً بالله، ويقول القوم: القلوب نوعان: قلب لا يولد ولم يأنِ له أن يولد، بل يظل جنيناً في بطن الشهوات والغي والضلال، وقلب وُلد، وخرج إِلى فضاء التوحيد، وحلَّق في سماء المعرفة، وخلص من ظلمات النفس وشهواتها واتباع هواها، فقرَّت عينُه بالله تعالى وأنارت جوانبَهُ أشعةُ اليقين، وجعلته مرآةً شفافة، لا سبيل للشيطان إِليه، ولا سلطان له عليه، وليس هذا ببعيد، فالطاقة الروحية قد انطلقت إِلى عالم الغيب، وصار صاحبها حَيَّاً بعد أن كان ميتاً، ومنوراً بعد أن كان مظلماً، وملكياً بعد أن كان شيطانياً: {أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحيَيناهُ وجعلنا لهُ نوراً يمشي بهِ في الناسِ} [الأنعام: 122]، ولا شك أن تلك الأسرار الروحية، لا تُدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له في شيء منها لا يضره أن يكلها إِلى أربابها، وأن يعطي القوس باريها: ” فللكثافةِ أقوامٌ لها خُلقوا وللمحبةِ أكبادٌ وأجفان “، وأدنى النصيب من هذا العلم التصديق به وتسليمه لأهله، وأقل عقوبة مَنْ ينكره أن لا يُرزق منه شيئاً، وهو علم الصديقين والمقربين([77])
[وفي الإِحياء للغزالي بحث مستفيض في الموضوع فليُرجع إِليه]،[4] كــــــــــــرامات الأولياء: كثر تساؤل الناس في هذا الزمان عن الكرامات، هل هي ثابتة في الشرع؟ هل لها دليل من الكتاب والسنة؟ ما هي الحكمة من إِجرائها على يد الأولياء والمتقين؟،، إِلخ، وبما أن موجات الإِلحاد والمادية، وتيارات التشكيك والتضليل قد كثرت في هذا الوقت، فأثرت في عقول كثير من أبنائنا، وأضلَّت العديد من مثقفينا، وحملتهم على الوقوف من الكرامات موقف المنكر الجاحد، أو الشاكِّ المتردِّد، أو المستغرب المتعجب نتيجة لضعف إِيمانهم بالله وقدرته وقلة تصديقهم بأوليائه وأحبابه، فلا يسعنا إِلا أن نعالج هذا الموضوع إِظهاراً للحق، ونصرة لشريعة الله تعالى،
إِثبات الكرامات: لقد ثبتت كرامات الأولياء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومَنْ بعدهم إِلى يومنا هذا، وأقرها جمهور العلماءِ من أهل السنة والجماعة، من الفقهاء والمحدِّثين والأصوليين ومشايخ الصوفية، وتصانيفُهم ناطقة بذلك، كما ثبتت كذلك بالمشاهدة العيانية في مختلف العصور الإِسلامية، فهي ثابتة بالتواتر في المعنى، وإِن كانت التفاصيل آحاداً، ولم ينكرها إِلا أهل البدع والانحراف ممن ضعف إِيمانهم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله [قال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى: (والناس في إِنكار الكرامات مختلفون، فمنهم من ينكر كرامات الأولياء مطلقاً، وهؤلاء أهل مذهب معروف، عن التوفيق مصروف، ومنهم من يكذب بكرامات أولياء زمانه ويصدق بكرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانه كمعروف الكرخي والإِمام الجنيد وسهل التستري وأشباههم رضي الله عنهم، فهؤلاء كما قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: والله ما هي إِلا إِسرائيلية، صدقوا بموسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوا زمنه، ومنهم من يصدق بأن لله تعالى أولياء لهم كرامات ولكن لا يصدق بأحد معيَّنٍ من أهل زمانه)، ([78]) .
الدليل عليها من كتاب الله تعالى:
1 – قصة أصحاب الكهف وبقائهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلاثمائة وتسع سنين، وأنه تعالى كان يحفظهم من حر الشمس: {وتَرى الشمسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عنْ كهفِهِم ذاتَ اليمينِ وإذا غَرَبَتْ تقرِضُهُم ذاتَ الشمالِ} [الكهف: 17]، إِلى أن قال: {وتحسَبُهُم أيقاظاَ وهُمْ رُقودٌ ونُقلِّبُهُم ذات اليمين وذات الشمال وكلْبُهُم باسِطٌ ذراعيهِ بالوصيدِ} [الكهف: 18]، إِلى أن قال: {ولَبِثوا في كَهْفِهِم ثلاثمئةٍ سنين وازدادوا تسعاً} [الكهف: 25] [قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في تفسيره الكبير عند قصة أصحاب الكهف: (احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول بالكرامات وهو استدلال ظاهر، فنقول: الذي يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول،،) ([79]) .
2 – هزُّ مريم جذعَ النخلة اليابس، فاخضرَّ وتساقط منه الرُّطَبُ الجني في غير أوانه، قال تعالى: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جنيّاً} [مريم: 25].
3 – ما قص الله علينا في القرآن، من أن زكريا عليه السلام كان كلما دخل على مريم المحراب، وجد عندها رزقاً، وكان لا يدخل عليها أحد غيره عليه السلام فيقول: يا مريم أنَّى لك هذا؟ تقول: هو من عند الله، قال الله تعالى: {كلَّما دخَلَ عليها زكريا المحرابَ وَجَدَ عندَها رِزْقاً قال يا مريمُ أنَّى لكِ هذا قالَتْ هوَ مِنْ عندِ اللهِ} [آل عمران: 37]، 4 – قصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السلام على ما قاله جمهور المفسرين في قوله تعالى: {قالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتيكَ بهِ قبْلَ أنْ يرتَدَّ إليكَ طرفُكَ} [النمل: 40]، فجاء بعرش بلقيس من اليمن إِلى فلسطين قبل ارتداد الطرف.
الدليل عليها من السنة الصحيحة: 1 – قصة جُرَيْجٍ العابد الذي كلمه الطفل في المهد، وهو حديث صحيح أخرجاه في الصحيحين [عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لم يتكلم في المهد إِلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إِسرائيل رجل يقال له جُرَيْج، كان يصلي فجاءته أمه، فدعتْه، فقال: أُجيبُها أوْ أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمتْه حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته فتعرّضت له امرأة وكلمته، فأبى، فأتت راعياً، فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبّوه، فتوضأ وصلّى، ثم أتى الغلام، فقال: مَن أبوك يا غلام؟ فقال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إِلا من طين،،”] ([80]) .
2 – قصة الغلام الذي تكلم في المهد [وهذا تمام الحديث المذكور آنفاً: “،، وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إِسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه”، قال أبو هريرة: كأني أنظر إِلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إِصبعه، “ثم مرَّ بأمَة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لِمَ ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمَة يقولون: سرقت، زنت، ولم تفعل”، ([81]) .
3 – قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، وانفراج الصخرة عنهم بعد أن سَدَّتْ عليهم الباب، وهو حديث متفق عليه [وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إِلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إِنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إِلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبِق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبْتُ لهما غبُوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثْتُ والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برِقَ الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إِن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فَفَرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج”، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وقال الآخر: اللهم إِنه كانت لي بنتُ عم، كانت أحب الناس إِلي، فأردتها على نفسها، فامتنعت مني: حتى ألمَّتْ بها سنة من السنين فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلتْ، حتى إِذا قدرتُ عليها قالت: لا أحل لك أن تفضَّ الخاتم إِلا بحقه، فتحرَّجْتُ من الوقوع عليها فانصرفْتُ عنها وهي أحب الناس إِلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إِن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها”، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهبَ، فثمَّرتُ أجرَه، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله! أدِّ إِليَّ أجري، فقلت له: كلُّ ما ترى من أجرك من الإِبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله: لا تستهزىء بي، فقلت: إِني لا أستهزىء بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً، اللهم فإِن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون”،([82]) .
4 – قصة البقرة التي كلمت صاحبها، وهو حديث صحيح مشهور [روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “بينما رجل راكب على بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إِليه البقرة فقالت: إِني لم أُخلَق لهذا، وإِنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنْتُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر“،([83]) .
الدليل عليها من آثار الصحابة: وقد نُقِل عنهم من الكرامات الشيء الكثير.
1 – قصة أبي بكر رضي الله عنه مع أضيافه في تكثير الطعام، حتى صار بعد الأكل أكثرَ مما كان، وهو حديث صحيح في البخاري [أخرج البخاري: أن أبا بكر كان عنده أضياف، فقدم لهم الطعام فلما أكلوا منه ربا من أسفله حتى إِذا شبعوا قال لامرأته: (ياأخت بني فراس ما هذا؟ قالت: وقرة عيني لهي [تعني القصعة] أكثر منها قبل أن يأكلوا،، إِلى آخر القصة] ([84]) .
2 – قصة عمر رضي الله عنه، وهو على منبر المدينة ينادي بقائده: يا سارية الجبل! وهو حديث حسن([85]) .
3 – قصة عثمان رضي الله عنه مع الرجل الذي دخل عليه، فأخبره عما أحدث في طريقه من نظره إِلى المرأة الأجنبية، الحديث. (أنه دخل على عثمان رضي الله عنه رجل، كان قد لقي امرأة في الطريق، فتأملها، فقال له عثمان رضي الله عنه: يدخل أحدكم، وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال الرجل: أوحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن) ([86]) .
4 – سماع علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلامَ الموتى، كما أخرجه البيهقي [أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال: (دخلنا مقابر المدينة مع علي رضي الله عنه، فنادى: يا أهل القبور السلام عليكم ورحمة الله، تخبرونا بأخباركم أم نخبركم؟ قال: فسمعنا صوتاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين خبِّرنا عما كان بعدنا، فقال علي: أما أزواجكم فقد تزوجن، وأما أموالكم فقد اقتُسمت، والأولاد قد حُشِروا في زمرة اليتامى، والبناء الذي شيدْتم فقد سكنه أعداؤكم، فهذه أخبار ما عندنا، فما أخبار ما عندكم؟ فأجابه ميت: قد تخرَّقت الأكفان، وانتثرت الشعور، وتقطعت الجلودَ، وسالت الأحداق على الخدود، وسالت المناخر بالقيح والصديد، وما قدَّمناه وجدناه وما خلَّفناه خسرناه، ونحن مُرْتَهنون)] ([87]) .
، 5 – قصة عبَّاد بن بشر وأسيد بن حضير رضي الله عنهما اللذيْن أضاءتْ لَهمَا عصا أحدهما عندما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري [أخرج الحاكم في كتاب معرفة الصحابة وصححه والبيهقي وأبو نعيم وابن سعد، وهو في البخاري من غير تسمية الرجلين: “أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، خرجا وبيد كل واحد منهما عصا فأضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، حتى إِذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله“]([88]) .
6 – قصة خبيب رضي الله عنه في قطف العنب الذي وُجدفي يده يأكله في غير أوانه، وهو حديث صحيح [أخرج البخاري في صحيحه في باب غزوة الرجيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن خبيباً كان أسيراً عند بني الحارث بمكة، في قصة طويلة، وفيها أن بنت الحارث كانت تقول: (ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة وإِنه لموثَق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله)] ([89]) .
7 – قصة سعد وسعيد رضي الله عنهما، وهي أن كلاً منهما دعا على من كذب عليه، فاستجيب له، أخرجه البخاري ومسلم:
[الأول] منهما: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد أخرج الشيخان والبيهقي من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر رضي الله عنه قال: شكا ناس من أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إِلى عمر (فبعث معه من يسأل عنه بالكوفة، فطِيف به في مساجد الكوفة، فلم يُقل له إِلا خير حتى انتهى إِلى مسجد، فقال رجل يُدْعى أبا سعدة: أما إِذ أنشدتنا فإِن سعداً كان لا يقسم بالسوية ولا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية، فقال سعد: اللهم إِن كان كاذباً فأطلْ عمره، وأطل فقره وعرضه للفتن، قال ابن عمير: فرأيتُه شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وقد افتقر يتعرض للجواري في الطريق يغمزهن، فإِذا قيل له: كيف أنت؟ يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد) ([90]) .
و[الثاني]: سعيد بن زيد رضي الله عنه، فقد أخرج مسلم في كتاب المساقاة عن عروة بن الزبير رضي الله عنه: (أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته إِلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طُوِّقه إِلى سبع أرضين” فقال له مروان: لا أسألك بَيِّنَةً بعد هذا، فقال: اللهم إِن كانت كاذبة فَعَمِّ بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إِذ وقعت في حفرة فماتت)] ([91]) .
8 – قصة عبور العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر على فرسه ونبع الماء بدعائه، أخرجه ابن سعد في الطبقات [كان أبو هريرة يقول: (رأيتُ من العلاء بن الحضرمي ثلاثةَ أشياء لا أزال أحبه أبداً، رأيته قطع البحر على فرسه يوم دارينَ، وقدم من المدينة يريد البحرين، فلما كانوا بالدهناء نفد ماؤهم، فدعا الله فنبع لهم من تحت رملة، فارتووا وارتحلوا، وأنسي رجل منهم بعض متاعه، فرجع فأخذه ولم يجد الماء، وخرجتُ معه من البحرين إِلى صف البصرة فلما كنا بلِياسٍ مات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا سحابة فمُطرنا فغسلناه وحفرنا له بسيوفنا ولم نُلْحِدْ له، فرجعنا لنُلْحِدَ له فلم نجد موضع قبره) ([92]) .
9 – قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه في شربه السم، أخرجه البيهقي وأبو نعيم والطبراني وابن سعد بإِسناد صحيح [أخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي السفر قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة، فقالوا له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم فقال: ائتوني به، فأخذه بيده وقال: بسم الله وشربه، فلم يضره شيئاً([93]) .
10 – إِضاءة أصابع حمزة الأسلمي رضي الله عنه في ليلة مظلمة، أخرجه البخاري في التاريخ [أخرج البخاري في التاريخ عن حمزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا ظهرهم وما هلك منهم وإِن أصابعي لتنير) ([94]) .
11 – قصة أم أيمن وكيف عطشت في طريق هجرتها، فنزل عليها دلو من السماء فشربتْ، رواه أبو نعيم في الحلية عن عثمان بن القاسم قال: (خرجت أم أيمن مهاجرة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إِلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد وهي صائمة في يوم شديد الحر، فأصابها عطش شديد حتى كادت أن تموت من شدة العطش، قال: وهي بالروحاء أو قريباً منها، فلما غابت الشمس قالت: إِذا أنا بحفيف شيء فوق رأسي، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بدلو من السماء مدلَّى برشاء أبيض، قالت: فدنا مني حتى إِذا كان حيث أستمكن منه تناولْتُه فشربت منه حتى رويت، قالت: فلقد كنت بعد ذلك اليوم الحار أطوف في الشمس كي أعطش، وما عطشْتُ بعدها، ([95]) .
12- سماع بعض الصحابة سورة الملك، من قبر بعد أن ضرب خباء فوقه، رواه الترمذي [عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإِذا فيه إِنسان يقرأ سورة {تبارك الذي بيده الملك} حتى ختمها،فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إِني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإِذا فيه إِنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتى ختمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر“،([96]) .
13 – تسبيح القصعة التي أكل منها سلمان الفارسي وأبو الدرداء رضي الله عنهما وسماعهما التسبيح، رواه أبو نعيم [أخرج البيهقي وأبو نعيم عن قيس قال: (بينما أبو الدرداء وسلمان يأكلان من صحفة إِذا سبَّحتْ وما فيها) ([97]) .
14 – قصة سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأسد، أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية [عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ركبتُ البحر فانكسرتْ سفينتي التي كنت فيها، فركبْتُ لوحاً من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد، فأقبل إِليَّ يريدني، فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وأقبل إِليَّ، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق، وهمهم فظننت أنه يودعني، فكان ذلك آخر عهدي به) ([98]) .
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير مما ورد عن كرامات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توالى ورود الكرامات الكثيرة على يد الأولياء في عهد التابعين وتابعي التابعين إِلى يومنا هذا، مما يصعب عده، ويضيق حصره:
[قال العلامة التاج السبكي في الطبقات الكبرى: للكرامة أنواع: النوع الأول إِحياء الموتى، 2 – كلام الموتى، 3 – المشي على الماء، 4 – انقلاب الأعيان، 5 – إِنزواء الأرض، 6 – كلام الحيوانات والجمادات، 7 – إِبراء العلل، 8 – طاعة الحيوان، 9 – طي الزمان، 10 – نشر الزمان، 11 – إِمساك اللسان عن الكلام وانطلاقه،، إِلى أن عد خمسة وعشرين نوعاً، وذكر لكل نوع مثالاً وحكاية جرت للعلماء ومشايخ الصوفية فراجعه هناك تجده مفصلاً]، وقد ألف العلماء في ذلك مجلدات كثيرة، وصنف أكابر الأئمة منهم مصنفات في إِثبات الكرامة للأولياء، منهم: فخر الدين الرازي وأبو بكر الباقلاني، وإِمام الحرمين، وأبو بكر بن فورك، وحجة الإِسلام الغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وحافظ الدين النسفي، وتاج الدين السبكي، وأبو بكر الأشعري، وأبو القاسم القشيري، والنووي، وعبد الله اليافعي، ويوسف النبهاني، وغيرهم من العلماء المحققين الذين لا يحصى عددهم، وصار ذلك علماً قوياً يقينياً ثابتاً، لا تتطرق إِليه الشكوك أو الشبهات، وقد يتساءل بعضهم: لماذا كانت كرامات الصحابة على كثرتها أقل من كرامات الأولياء الذين جاؤوا بعد عصر الصحابة؟!،، ويجيب على ذلك تاج الدين السبكي في الطبقات بقوله: (الجواب: ما أجاب به الإِمام الجليل أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين سئل عن ذلك، فقال: أُولئك كان إِيمانهم قوياً، فما احتاجوا إِلى زيادة شيء يقوون به، وغيرهم كان إِيمانهم ضعيفاً لم يبلغوا إِيمان أولئك فقووا بإِظهار الكرامات لهم) ([99]) .الحكمة من إِجراء الكرامات على يد الأولياء: اقتضت حكمة الله تعالى أن يكرم أحبابه وأولياءه بأنواع من خوارق العادات، تكريماً لهم على إِيمانهم وإِخلاصهم، وتأييداً لهم في جهادهم ونصرتهم لدين الله، وإِظهاراً لقدرة الله تعالى، ليزداد الذين آمنوا إِيماناً، وبياناً للناس أن القوانين الطبيعية والنواميس الكونية إِنما هي من صنع الله وتقديره، وأن الأسباب لا تؤثر بذاتها، بل الله تعالى يخلق النتائج عند الأسباب لا بها، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد يقول معترض: إِن تأييد الحق ونشر دين الله لا يكون بخوارق العادات، بل يكون بإِقامة الدليل المنطقي والبرهان العقلي، فنقول: نعم لابد من نشر تعاليم الإِسلام بتأييد العقل السليم والمنطق الصحيح والحجة الدامغة، ولكن التعصب والعناد يدعوان إِلى أن تخرق العادات بالكرامات كما اقتضت حكمة الله أن يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات إِظهاراً لصدقهم، وتأييداً لهم في دعوتهم، وحملاً للعقول المتحجرة والقلوب المقفلة أن تخرج من جمودها، وتتحرر من تعصبها، فتفكر تفكيراً سليماً مستقيماً يوصلها إِلى الإِيمان الراسخ، واليقين الجازم، ومن هنا يظهر أن الكرامة والمعجزة تلتقيان في بعض الحِكَم والمقاصد، إِلا أن الفارق بينهما أن المعجزة لا تكون إِلا للأنبياء عليهم السلام، والكرامة لا تكون إِلا للأولياء، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبي.
الفرق بين الكرامة والاستدراج: لا بد من التنبيه إِلى الفرق بين الكرامة والاستدراج، وذلك لأننا نشاهد بعض الفسقة المنسوبين للإِسلام تجري على يديهم خوارق العادات، مع أنهم مجاهرون بالمعصية، منحرفون عن دين الله تعالى، فالكرامة لا تكون إِلا على يد وليٌّ، وهو صاحب العقيدة الصحيحة، المواظب على الطاعات، المتجنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، وهو الذي قال الله تعالى فيه: {ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يحزَنُونَ، الذينَ آمنوا وكانُوا يتَّقونَ} [يونس: 62ـ63]، وأما ما يجري على يد الزنادقة والفسقة من الخوارق كطعن الجسم بالسيف وأكل النار والزجاج وغير ذلك، فهو من قبيل الاستدراج، ثم إِن الولي لا يسكن إِلى الكرامة، ولا يتفاخر بها على غيره، قال العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير: (إِن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة، بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد، وحذره من قهر الله أقوى، فإِنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج، وأما صاحب الاستدراج، فإِنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه، ويظن أنه إِنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقاً لها، وحينئذٍ يحتقر غيره، ويتكبر عليه، ويحصل له أَمْنٌ مِنْ مكْرِ الله وعقابه، ولا يخاف سوء العاقبة، فإِذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجاً لا كرامة، فلهذا قال المحققون: أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إِنما وقع في مقام الكرامات، فلا جَرَمَ أن ترى المحققين يخافون من الكرامات، كما يخافون من أنواع البلاء، والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه) ثم ذكرها حتى عدَّ إِحدى عشرة حجة، نذكر منها واحدة، قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: (إِنَّ من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقاً لكرامة بسبب عمله، حصل لعمله وقع عظيم في قلبه، ومَنْ كان لعمله وقع عنده كان جاهلاً، ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير، وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور، وكلُّ معارفهم وعلومهم في مقابلة عزته حيرةٌ وجهلٌ، رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى: {إليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يرفَعُهُ} [فاطر: 10]، فقال: علامةُ أن الحق رفع عملك أن لا يَبْقى عندك [أي عملك] فإِن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع، وإِن لم يبق معك فهو مرفوع) ([100]) .
وعلى هذا فإِننا حين نرى أحداً من الناس يأتي بخوارق العادات لا نستطيع أن نحكم عليه بالولاية، ولا يمكن أن نعتبر عمله هذا كرامة حتى نرى سلوكه وتمسكه بشريعة الله، قال أبو يزيد رحمه الله تعالى: (لو أن رجلاً بسط مُصلاَّه على الماء وتربَّعَ في الهواء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي)
موقف الصوفية من الكرامات: إِن بعض المنحرفين عن الصوفية يدَّعي أن مقصد الصوفية من سيرهم هو الوصول إِلى الكرامات [من بينهم عبد الرحمن الوكيل الذي دفعه الحقد الدفين والخلق الذميم إِلى التهجم على السادة الصوفية وتزييف كلامهم والدس عليهم، فجمع الأشياء التي دُسَّتْ على الصوفية وجعلها في كتاب له] وهم في هذا إِنما يُترجمون عما في نفوسهم من أمراض خبيثة وعلل دفينة، مع أننا نرى الصوفية يهتمون بتزكية النفس وتخليصها من صفاتها المذمومة كالرياء والنفاق، وتحليتها بالصفات العالية، أن يكون سيره معهم بعيداً عن العلل والغايات، وألا يبتغي إِلا وجه الله تعالى ورضاه، كما نراهم يستترون من الكرامة بعداً عن شبهة الرياء، قال الشيخ أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: (من لم يكن كارهاً لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهو في حقه حجاب، وسترها عليه رحمة، فإِنَّ من خرق عوائد نفسه لا يريد ظهور شيء من الآيات وخوارق العادات له، بل تكون نفسه عنده أقل وأحقر من ذلك، فإِذا فَنِيَ عن إِراداته جملةً فكان له تحقق في رؤية نفسه بعين الحقارة والذلة، حصلت له أهلية ورود الألطاف، والتحقق بمراتب الصديقين) ([101]) .
وقال علي الخواص رحمه الله تعالى: (الكُمَّل يخافون من وقوع الكرامات على أيديهم، ويزدادون بها وجلاً وخوفاً لاحتمال أن تكون استدراجاً) ([102]) .
ثم إِن الصوفية يمنعون إِظهار الكرامة إِلا لغرض صحيح، كنصرة شريعة الله أمام الكافرين والمعاندين [كما حدث مع الشيخ محي الدين بن عربي في قصته مع الفيلسوف، وهو يرويها لنا بقوله: (حضر عندنا سنة ست وثمانين وخمسمائة فيلسوفٌ ينكر النبوة على الحد الذي يثبتها المسلمون، وينكر ما جاءت به الأنبياء من خرق العوائد وأن الحقائق لا تتبدل، وكان زمن البرد والشتاء وبين أيدينا منقل عظيم يشتعل ناراً، فقال المنكر المكذب: إِن العامة تقول: إِن إِبراهيم عليه السلام أُلقي في النار فلم تحرقه، والنار محرقة بطبعها الجسوم القابلة للاحتراق، وإِنما كانت النار المذكورة في القرآن في قصة إِبراهيم عبارة عن غضب نمرود وحنقه، فهي نار الغضب، فلما فرغ من قوله قال له بعض الحاضرين [أي الشيخ محي الدين نفسه]: فإِن أريتك أنا صدق الله في ظاهر ما قاله في النار أنها لم تحرق إِبراهيم، وأن الله جعلها عليه ـ كما قال ـ برداً وسلاماً، وأنا أقوم لك في هذا المقام مقام إِبراهيم في الذبِّ عنه؟ فقال المنكر: هذا لا يكون، فقال له: أليست هذه النار المحرقة؟ قال: نعم، فقال: تراها في نفسك، ثم ألقى النار التي في المنقل في حِجْر المنكر، وبقيتْ على ثيابه مدة يقلبها المنكر بيده، فلما رآها لم تحرقه تعجب، ثم ردها إِلى المنقل، ثم قال له: قرّبْ يدك أيضاً منها، فقرَّبَ يده فأحرقته، فقال له: هكذا كان الأمر، وهي مأمورة، تحرق بالأمر وتترك الإِحراق كذلك، والله تعالى الفاعل لما يشاء، فأسلم ذلك المنكِرُ واعترف) ([103]) .
وكإِبطال سحر الكافرين والضالين أو الفسقة المشعوذين الذين يريدون أن يضلوا الناس عن دينهم ويشككوهم في عقائدهم وإِيمانهم [ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية من أنَّ صوفياً ناظر برهمياً، والبراهمة قوم تظهر لهم خوارق لمزيد الرياضات، فطار البرهمي في الجو، فارتفعت إِليه نعل الشيخ ولم تزل تضرب رأسه وتصفعه حتى وقع على الأرض منكوساً على رأسه بين يدي الشيخ والناس ينظرون([104]) .
أما إِظهارها بدون سبب مشروع فهو مذموم، لما فيه من حظ النفس والمفاخرة والعجب، قال الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: (ولا يخفى أن الكرامة عند أكابر الرجال معدودة من جملة رعونات النفس، إِلا إِنْ كانت لنصر دين أو جلب مصلحة، لأن الله تعالى هو الفاعل عندهم، لا هُمْ، هذا مشهدهم، وليس وجه الخصوصية إِلا وقوع ذلك الفعل الخارق على يدهم دون غيرهم، فإِذا أحيا كبشاً مثلاً أو دجاجة فإِنما ذلك بقدرة الله لا بقدرتهم، وإِذا رجع الأمر إِلى القدرة فلا تعجب) ([105]) .
ثم إِن الصوفية يعتبرون أن أعظم الكرامات هي الاستقامة على شرع الله تعالى، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والمخالفات) ([106]) .
وذُكر عند سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى الكرامات فقال: (وما الآياتُ وما الكراماتُ؟! أشياء تنقضي لوقتها، ولكن أكبر الكرامات أنْ تُبدّلَ خُلُقاً مذموماً من أخلاق نفسك بخُلق محمود) ([107]) .
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: (الكرامة الحقيقية إِنما هي حصول الاستقامة، والوصول إِلى كمالها، ومرجعها أمران: صحة الإِيمان بالله عز وجل، واتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، فالواجب على العبد أن لا يحرص إِلاّ عليهما ولا تكون له همة إِلا في الوصول إِليهما، وأما الكرامة بمعنى خرق العادة فلا عبرة بها عند المحققين، إِذ قد يُرْزَقُ بها من لم تكتمل استقامته، وقد يُرْزَق بها المستدرَجون) وقال: (إِنما هي كرامتان جامعتان محيطتان، كرامة الإِيمان بمزيد الإِيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوي والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إِلى غيرهما فهو عبد مُفْتَرٍ كذاب، ليس ذا حظ في العلم والعمل بالصواب، كمن أُكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إِلى سياسة الدواب وخلع الرضا) ([108]) .
وقال الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (واعلم أن الكرامة على قسمين: حسية ومعنوية، ولا تعرفُ العامةُ إِلا الحسية، مثل الكلام على الخاطر، والإِخبار بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية، والأخذ من الكون، والمشي على الماء، واختراق الهواء، وطي الأرض، والاحتجاب عن الأبصار، وإِجابة الدعاء في الحال، ونحو ذلك، فالعامة لا تعرف الكرامات إِلا مثل هذا، وأما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إِلا الخواص من عباد الله تعالى، والعامة لا تعرف ذلك وهي أن يُحفظ على العبد آداب الشريعة، وأن يُوفَّق لفعل مكارم الأخلاق واجتناب سفاسفها، والمحافظة على أداء الواجبات مطلقاً في أوقاتها والمسارعة إِلى الخيرات، وإِزالة الغل والحقد من صدره للناس والحسد وسوء الظن، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس، ومراعاة حقوق الله تعالى في نفسه وفي الأشياء، وتفقد آثار ربه في قلبه، ومراعاة أنفاسه في دخولها وخروجها، فيتلقاها بالأدب إِذا وردتْ عليه ويُخرجها وعليه حلة الحضور مع الله تعالى، فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج)([109])
ثم إِن السادة الصوفية لا يعتبرون ظهور الكرامات على يد الولي الصالح دليلاً على أفضليته على غيره، قال الإِمام اليافعي رحمه الله تعالى: (لا يلزم أن يكون كلُّ مَنْ له كرامة من الأولياء أفضلَ من كل من ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض مَنْ ليس له كرامة منهم أفضل من بعض مَنْ له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، ودليلاً على صدقه وعلى فضله لا على أفضليته، وإِنما الأفضلية تكون بقوة اليقين، وكمال المعرفة بالله تعالى) ([110]) .
كما أن الصوفية يعتبرون أن عدم ظهور الكرامة على يد الولي الصالح ليس دليلاً على عدم ولايته، قال الإِمام القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا، لم يقدح عدمها في كونه ولياً) وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في شرحه لرسالة القشيري عند هذا الكلام: (بل قد يكون أفضل ممَّنْ ظهر له كرامات، لأن الأفضلية إِنما هي بزيادة اليقين لا بظهور الكرامة) ([111]) .
***
([1]) الإحياء” للإمام الغزالي 4/294.
([2]) الفتوحات المكية” لابن عربي الحاتمي الطائي، الباب الثامن والسبعون بعد المئة في معرفة مقام المحبة.
([3]) مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب” لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ ص21.
([4]) مدارج السالكين” ج3، ص18.
([7]) صحيح البخاري 4/111 ح 3209.
([8]) سنن الترمذي 5/522 ح 3490.
([10]) سنن الترمذي 5/664 ح 3789.
([11]) صحيح البخاري 5/12 ح 3688.
([13]) صحيح البخاري 8/106 ح 6507.
([14]) إِحياء علوم الدين” للغزالي 4/340 الفتوحات المكية” لابن عربي.
([18]) طبقات الصوفية” للسلمي ص18
([20]) البرهان الؤيد” للسيد أحمج الرفاعي ص59.
([22]) مشارق أنوار القلوب” لابن الدباغ المتوفى سنة 696هـ، ص36.
([24]) سنن الترمذي 5/298 ح 3127
([26]) إِحياء علوم الدين” للغزالي ج3، ص11.
([29]) صحيح البخاري 2/72 ح 1246.
([30]) النَّحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق كذا في غريب الحديث لابن الأثير ج4 ص139.
([31]) الجداد: قال ابن الأثير: الجداد بالفتح والكسر: صرام النخل وهو قطع ثمرتها يقال جد الثمرة يجدها جداً 1/173.
([32]) الوسق: قال في القاموس: ستون صاعاً أو حمل بعير، وأوسق البعير حمله حملاً.
([33]) الموطأ 2/752 ح 40، أخرجه ابن سعد في الطبقات، ذكر وصية أبي بكر، ج3، ص195.
([34]) حجة الله على العالمين” للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860.
([35]) صحيح البخاري 5/12 ح 3689.
([36]) قال العجلوني: وإِسناده كما قال الحافظ ابن حجر حديث حسن ج2، ص380.
([37]) حجة الله على العالمين” للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860.
([38]) فيض القدير شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج1، ص143.
([39]) “تاريخ الخلفاء” للعلامة جلال الدين السيوطي ص127 – 128
([40]) المصدر السابق ص127 – 128.
([41]) المصدر السابق ص127 – 128.
([42]) حجة الله على العالمين” للنبهاني ص862.
([43]) سنن الترمذي 5/636 ح 3720.
([44]) صحيح البخاري 5/19 ح 3706.
([45]) الرياض النضرة في مناقب العشرة” للمحب الطبري 3/201.
([46]) فيض القدير شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج1، ص143.
([47]) تفسير القرطبي” ج10، ص44.
([48]) الإِحياء” للغزالي 3/25.
([49]) الرسالة القشيرية” 2/395.
([51]) مسند البزار 13/326 ح 6935. وإِسناده حسن، كما في مجمع الزوائد ج10 ص268.
([53]) الفتاوى الحديثية” لابن حجر الهيثمي ص223.
([54]) صحيح مسلم 4/2200 ح 2868.
([55]) فيض القدير، شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج5، ص342.
([56]) تفسير روح المعاني للعلامة الألوسي 9/334.
([57]) مسند البزار 8/47 ح 3034.
([59]) مسند أحمد 36/611 ح 22279.
([60]) المعجم الكبير للطبراني 8/208 ح 7840.
([61]) شعب الإيمان 4/366 ح 5429.
([62]) حجة الله على العالمين” للنبهاني البيروتي ص862.
([63]) فيض القدير شرح الجامع الصغير” للمناوي ج2، ص515.
([64]) تعريفات الشريف” الجرجاني ص23.
([67]) سنن الترمذي 5/219 ح 2988
([69]) صحيح مسلم 4/1988 ح 2567.
([70]) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج3، ص232.
([72]) تفسير الإِمام الرازي 27 /561.
([74]) مصنف عبدالرازق 7/335 ح 36574.
([75]) مسند أبي يعلي 6/226 ح 4301، شعب الايمان 1/403 ح 541، الترغيب والترهيب،2/400.
([78]) روض الرياحين، للإِمام اليافعي ص18.
([79]) انظره مفصلاً في التفسير الكبير للعلامة فخر الدين الرازي 21/430.
([80]) صحيح البخاري 3/137 ح 2482. صحيح مسلم 4/1976 ح 2550.
([81]) صحيح البخاري 4/165 ح 3436.
([82]) المصدر السابق 3/91 ح 2272.
([83]) صحيح البحاري 5/5 ح 3663.
([84]) المصدر السابق 1/124 ح 602.
([92]) الطبقات الكبرى لابن سعد، 5/280.
([93]) تهذيب التهذيب لابن حجر ج3، ص125.
([95]) أخرجه أبو نعيم في الحلية ج2، ص67.
([96]) سنن الترمذي 5/164 ح 2890.
([98]) المستدرك للحاكم 3/702 ح 6550.
([99]) جامع كرامات الأولياء للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ج1، ص20. ذكره ابن حجر في التهذيب ج4، ص125.
([101]) نور التحقيق لحامد صقر ص127.
([102]) اليواقيت والجواهر لعبد الوهاب الشعراني ج2 ص113.
([103]) الفتوحات المكية ج2، ص371.
([104]) الفتاوى الحديثية لابن حجر ص217.
([105]) اليواقيت والجواهر للشعراني ج2، ص117.
([106]) الرسالة القشيرية” 2/526.
([109]) الفتوحات المكية ج2، ص369.