المبحث الثامن عشر مقامات ومنازل وأحوال التصوف
[المفتاح الأول]: جميع مقامات السير إلى الله تعالى تجمعها رتب ثلاث: (الرتبة الأولى: رتبة المريد): وهي رتبة أخذ القاصد في السير، وهذه الرتبة تتعلق بأهل الإرادة، وهم أهل المنازل من المنزل الاول (اليقظة) وحتى المنزل الأربعين (الانبساط)، وهي منازل نفسية تتناول تزكية النفس، و (الرتبة الثانية: رتبة السالك) وهي رتبة دخول السالك في الغربة، وهم الخاصة، وهم أهل المنازل من الحادي والأربعين ( القصد) وحتى المنزل السبعين (الذوق)، وهي منازل قلبية تتناول سلامة القلب وتنوره، و (الرتبة الثالثة: رتبة الولي العارف) وهي رتبة حصول الولي على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد في طريق الفناء، وهي رتبة تتعلق بأهل الولاية والمعرفة وهم خاصة الخاصة، وهم اهل المنازل من الحادي والسبعين (اللحظ) إلى المنزل المائة (التوحيد)، وهي منازل روحية، فمن كان يسير بنفسه يغلبه العلم فهو من اهل الإرادة، ومن كان يسير بقلبه يغلبه الحال فهو من اهل السلوك، ومن كان يسير إلى الله تعالى بروحه يغلبه العرفان فهو من أهل الولاية،
[المفتاح الثاني]: أهم منازل الرتبة الأولى: (رتبة المريد): أربعون: هي اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع، والحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة، والرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، والصبر، والرضى، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط، و أهم منازل الرتبة الثانية: (رتبة السالك) ثلاثون: هي: القصد، والعزم، والإرادة، والأدب، واليقين، والأنس، والذكر، والفقر، والغنى، والاجتباء، والإحسان، والعلم، والحكمة، والبصيرة، والفراسة، والتعظيم، والإلهام، والسكينة، والطمأنينة، والهمة، والمحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، والبرق، والذوق، و أهم منازل الرتبة الثالثة: (رتبة الولاية) ثلاثون: هي اللحظ، والوقت، والصفاء، والسرور، والسر، والنفس، والغربة، والغرق، والغيبة، والتمكن، والمكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والحياة، والقبض، والبسط، والسكر، والصحو، والاتصال، والانفصال، والمعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد.
[المفتاح الثالث]: قام الهروي في كتابه منازل السائرين بتقسيم منازل السير إلى عشرة أقسام، تتمثل في قسم البدايات، ثم قسم الأبواب، ثم قسم المعاملات، ثم قسم الأخلاق، ثم قسم الأصول، ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال، ثم قسم الولايات، ثم قسم الحقائق، ثم قسم النهايات، والأقسام الأربعة الأولى: البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق، مجالها النفس وهي تتعلق بترقية النفس وتزكيتها، وهي أقسام الرتبة الاولى (رتبة المريد)، والأقسام الثلاثة التالية: قسم الأصول وقسم الأودية وقسم الاحوال مجالها القلب، وتتعلق بمجاهدات القلب في السير إلى الله، وهي أقسام الرتبة الثانية (رتبة السالك)، والأقسام الثلاثة الأخيرة: قسم الولايات و قسم الحقائق و قسم النهايات، إنما هي من أبواب الاجتباء الرباني وجميعها يتعلق بالروح وصفاء الروح، وتأهله للدخول على حضرة الحق، وهي أقسام الرتبة الثالثة (رتبة الأولياء)، وجميع منازل السائرين المائة والتي تبدأ باليقظة وتختتم بالتوحيد، لا شك أن لها سر في ذلك الترتيب الدقيق، فهؤلاء هم أهل الله وهم أهل العلم اللدني الذي يستحيل أن يتعارض، لأنه يخرج من مشكاة واحدة، فمن فهم هذا الترتيب سهل عليه فهم العلم ومن لم يفهم ترتيب الأقسام والمنازل على تلك الصورة لن يستوعب هذا العلم ولو درسه مرات عديدة
[القسم الرابع]: قسم البدايات فيه عشرة منازل: تبدأ باليقظة، ثم التوبة، ثم المحاسبة، ثم الإنابة، ثم التفكر، ثم التذكر، ثم الاعتصام، ثم الفرار، ثم الرياضة، ثم السماع، أول المنازل (اليقظة) وهي الاستعداد للسفر إلى الله، أول السير القيام، واليقظة هي القيام الذي يسبق السير، واليقظة هي القومة لله من الغفلة، وهي أول ما يستنير به قلب العبد للسير إلى الله، فمن طالع عظيم نعم الله تعالى عليه وعظيم تقصيره في حق الله، وأحس بأيامه تجري وعمره يتناقص وأنه قد اقترب وقت اللقاء، فإنه يشعر بالندم على ضياع العمر في غير طاعة الله والتقرب إلى مولاه، فإنه يتيقظ وتتنبه نفسه ويشمر ساعديه للسير إلى الله، فإذا تنبهت النفس وأفاقت، تيقظت، ومتى تيقظت تابت ودخلت إلى مقام (التوبة)، والتوبة يحتاج إليها كل عبد، قال الله عز وجل: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}، فمن لم يتب مهما كان حاله كان من الظالمين، فمتى عرف العبد ذنبه وأيقن سوء أدبه وقلة حيائه مع الملك الجليل بعصيانه تاب إلى الله، وشرائط التوبة ثلاثة أشياء: الندم بالقلب، والاعتذار باللسان، والإقلاع عن الذنوب بجوارحه، ورد الحقوق لأصحابها، فإذا تابت النفس التوبة النصوح حاسبت نفسها على كل جليل وصغير، ودخلت إلى مقام (المحاسبة)، ونظرت إلى ما قدمت وما أخرت، وقاست بين عظيم النعم من المنعم الكريم وعظيم الجناية والجحود في حق المتفضل بالنعم سبحانه، ساء ظنها بالنفس الامارة بالسوء، وعلمت ان التقصير في حق الله تعالى عظيم، فحاسبتها، فإذا حاسبتها حسابا دقيقا، قلت السيئات، وغلبت الحسنات، ودخلت إلى مقام (الإنابة)، والمنيب يرجع إلي الله تعالى إصلاحا لعمله وتفانيا في طاعته بعد أن اعتذر عن ذنبه في مقام التوبة، وإذا كان رجوع التائب إلى الله تعالى عهدا أن لا يعود إلى المعصية، فإن رجوع المنيب يكون وفاء لفضل الله تعالى عليه وأداء لنعم الله تعالى عليه، وإذا كان التائب يرجع إلى الله تعالى إجابة لقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فإن المنيب يرجع إلى الله تعالى بصدق حاله مع الله {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}، فإذا أنابت النفس إلى بارئها وخالقها تداركتها رحمة الله، ودخلت إلى مقام (التفكر)، والتفكر هو عبادة الأولياء، والتفكر هو رؤية الآيات بالبصيرة، فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلب التي في الصدور، والتفكر هو استعمال (البصيرة) في الوصول إلى الحق سبحانه، الكون كتاب مفتوح امتلا بالآيات، جعله الله تبارك وتعالى عبرة لمن تفكر يقف على بديع صنع الله الذي أتقن كلّ شيء، التفكر في الآيات الكونية والقرآنية يكشف عن عظمة الخالق في خلقه، وقد سئل الأعرابي البسيط عن الدليل على وجود الله، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟ أن التفكر يورث الحكمة، ويحيي القلوب، ويغرس فيها الخوف والخشية من الله عز وجل، ولو تفكر الناس في عظمة الله حق التفكر ما عصوا الله عز وجل طرفة عين، ومن نتائج التفكر الاتعاظ والدخول إلى مقام (التذكر)، وقد ورد الأمر بالتذكر في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة، وورد الأمر بالتفكر في أربعة عشرة آية، فهذا يدل على أن التذكر فوق التفكر، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقال تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، والتذكر هو الرجوع إلى الفطرة الأولى لتذكر الرب الخالق الرازق، وكل ما يريده العبد ويطلبه اهل السلوك ويسافر إليه اهل التزكية فإنما هو أقرب إليهم من ذواتهم ومن حبل الوريد، وهذا من أعظم نعم الله تعالى على العبد، أن رحلة المسير لا تتطلب من السالك سوى تزكية نفسه وتحلية قلبه وصفاء روحه وعندها يتذكر الميثاق الأول: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}، إذن المطلوب موجود قريب بالغ القرب ولا يحتاج إلا إلى التذكر، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ}، فلا بد من اليقظة ثم التوبة ثم المحاسبة ثم الانابة ثم التفكر فيذوب الران وتنجلي الغشاوة فيتم التذكر، والتذكر الدائم لنعم الله يورث العبد التزام الطاعة وشكر النعمة، وهذا يؤهله للدخول إلى مقام (الاعتصام) بالله وبحوله وقوته، والاعتصام منزلة عالية، وقد أمر به القرآن الكريم في مواضع عديدة من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}، وللاعتصام مرتبتان: الأولى: الاعتصام بحبل الله ويكون بالمحافظة على طاعة الله مراقبا لأمره وسائرا على شرعه، والثانية وهي الأعلى: وهي الاعتصام بالله بالفناء عن السوى والأغيار، و (الاعتصام) يؤهل السائر للدخول إلى مقام (الفرار) والفرار: هو الفرار مما سوى الله تعالى إلى الله وحده، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، إذن الفرار إلى الله تعالى منزل عظيم، وهو فرار من السوى إلى الله، ولكن لما كان أهل الطريق يعلمون أنه في الحقيقة ما من سوى، وانه لا موجود بحق سوى الله تعالى، وكل ما سواه فهو من تجليات جناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كان فرارهم من الله إلى الله، كما قال تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}، فروا من غضبه إلى رضاه، وفروا من معصيته إلى طاعته، وفروا من صفات جلاله إلى صفات إكرامه، وآنذاك ما أشد حاجة المريد إلى رياضة نفسه، فيدخل في مقام (الرياضة) لزيادة إرادته ومضاعفة قدرته على الطاعة والعبادة، و (الرياضة) تمرين النفس على قبول الصدق أي مع الله تعالى، فلا يريد بعمله إلا الله، و (الرياضة) تدريب على أن لا يعمل عملا ولا يتصرف تصرفا إلا إذا كان موافقا للشريعة، و (الرياضة) تصفية الأعمال بالإخلاص، عن النفاق والرياء والعجب، و (الرياضة) توفير حقوق الحق سبحانه بالعبودية والطاعة، وتوفير حقوق الخلق بحسن الخلق، و (الرياضة) بجمع القلب بالحضور مع الله، وجمع الهمه في السلوك إلى الله فلا يلتفت إلى ما سوى الله، و (الرياضة) بالاقبال على الله تعالى بالكلية، والاعراض عن كل ما سوى الله، فإذا تريض السالك تلطف سره وطهرت سريرته فيتأثر أشد التأثر بسماع الوعد والوعيد، وهذا يؤهله للدخول إلى مقام (السماع) فيسمع بالله لا بنفسه ويتأثر بزواجر الوعيد، وللسماع منزلة عظيمة، وقد قصر القرآن الاستجابة لأهل السماع، فقال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، أي لا يستجيب لأمر الله إلا أهل استماع الحق استماع طاعة وتدبر وتفكر، وأهل الله لا يلتذون بشيء من السماع كما يلتذون بسماع كلام الله، ولذلك كان أعظم السماع عند أهل الله تعالى هو سماع كلام الله تعالى سماع تدبر وعظة، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وأهل الله: لا يسمعون إلا لله ولا يسمعون إلا بالله، فإذا أتم السالك منزل السماع، أتم البدايات بتمام منازل البدايات، فيرتقي إلى (قسم الأبواب)، حيث منازل الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة.
[القسم الثاني]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم الثاني: [قسم الأبواب] و فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل الحزن، ثم الخوف، ثم الإشفاق، ثم الخشوع، ثم الإخبات، ثم الزهد، ثم الورع، ثم التبتل، ثم الرجاء، وآخرها الرغبة، فإنّ السالك إذا أتم قسم البدايات بمنازله العشرة (اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع) ارتقت نفسه، وانفتحت عليها أبواب التزكية والسلوك والترقية، ودخل إلى قسم الأبواب، وأول منازل قسم الأبواب: (الحزن)، والحزن درجات منها: الحزن على التفريط في العبودية، والتقصير في حق الله تعالى وفي طاعته، وحزن على التورط في الجفاء، والوقوع في المعاصي والآثام والبعد عن الله وعن ذكر الله، وحزن على ضياع الأيام في غير طاعة الله، ومنها: الحزن على تعلق القلب بالدنيا وشواغلها والحزن على اللحظات التي تمر في غير ذكر الله وشهود فضله، وهذا (الحزن) يؤهله للدخول إلى مقام (الخوف) خوف المبتدئين، وهو الخوف من العقوبة، وخوف الخاصة، لا يخافون العقاب وإنما يخافون الاحتجاب، يخافون من تبدل الحال، يخافون المكر، قال تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وأما خاصة الخاصة فلهم من الخوف هيبة الإجلال، لأنها متعلقة بتجليات أسمائه، وهي أعظم منازل الخوف، وهذه الهيبة تأتي لأهل المعرفة لتصونهم عن انخلاعهم من أدب العبودية، فإذا تملك الخوف السائر وضاقت عليه الارض بما رحبت، تأهل لمنزلة (الإشفاق) فتشفق نفسه عليه من سوء الخاتمة، و (الإشفاق) خوف مشوب برحمة ورقة، إشفاق من الوقوف بين يدي الله تعالى للحساب، وإشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد، وأن تميل إلى الهوى والعناد، وإشفاق على العمل أن لا يقبل بسبب عدم الصدق فيه أو الصواب، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق إلى ما سوى الله، واشفاق على القلب أن يزاحمه أمر يعوقه عن الارتقاء في منازل السالكين، فإذا أتم السائر مقام الإشفاق تأهل لمقام (الخشوع)، تخشع جوارحه وظواهره في طاعة الرب الجليل، و (الخشوع) هو التذلل للأمر، وهو التعبد لله في غاية الخضوع، و هو الاستسلام للحكم مع اظهار غاية التسليم، وهو الاتضاع لنظر الحق، ليقينه في أن الله يراه ويسمع كلامه ويرى أفعاله ويعلم بسره ونجواه، وخشوع أهل الطريق هو سكون هيبة وإجلال لعظمة الحق، ومحبة لجميل منته، ورغبة في رضاه ورهبة من نقمته وغضبه، فإذا أتم السائر مقام الخشوع تأهل لمقام (الإخبات) فيخبت القلب لبارئه تمام الاخبات، والاخبات هو الخشوع مع السكون إلى الله مع شدة اللجوء إليه والشوق إلى رؤياه، وفي منزل الاخبات، تستغرق العصمة الشهوة، وتستدرك الإدارة الغفلة، ويغلب طلب الحق والانس به والشوق إليه السلوى عنه والانشغال عنه، فلا يعاني صاحب الاخبات لا من شهوة ولا من غفلة ولا من سلوى، لان الاخبات احرق ذلك كله، فلا تقطع الطريق عليه فتنة، والسائر بوصوله إلى منزل الاخبات يكون قد أمن من التردد في السير، وقد امن من الرجوع في نية السفر، وقد سلك من الطريق ما يمنعه من العودة، وبالتالي فهو في مأمن من النظر إلى الدنيا وإلى شهوات النفس وملذاتها وقد قطع من طريق سفر النفس نحو كمالها اكثره، وقد بدأ يشعر بالأنس في مناجاة الله تعالى وذكره بما يمنعه من مجرد التفكير في إلغاء الرحلة المباركة إلى الله، فإذا بلغ ذلك تأهل لمنزلة (الزهد) فيزهد في الفاني ويرجو الباقي، والزهد اسقاط الرغبة بالكلية عن الدنيا مع عدم الميل إليها، او التشوق إلي ملذاتها، وهو للعامة قربة، وهو للمريد ضرورة لأنه لو لم يزهد في الدنيا لم يستطع الترقي في المنازل، فأول شروط الترقي في المنازل الزهد في الدنيا، والمريد إنما سمي مريدا لجمعه الإرادة والهمة على إرادة الله وترك الدنيا وعلى السير والترقي في المنازل إلى الله فلو لم يزهد لما صح أن يُقال عنه انه مريد، والزهد خسة للخاصة، لانهم اهل عرفان، عرفوا حقيقة الدنيا، فهم لا يرون الدنيا تستحق أصلا ان يُزهد فيها لأنها دار الغرور، فهم يزهدون في الزهد فيها، فإذا بلغ السائر ذلك الزهد: تأهل لمنزلة (الورع) فيبتعد عن الشبهات وينقطع عن الشهوات ابتغاء مرضات رب البريات، والورع معناه غاية الحذر في التوقي من الشبهات مخافة الوقوع في الحرام، ومعناه تضييق على النفس في ترك التوسع في المباح مخافة الوقوع فيما حرمه الله، ومعناه ترك ما لا باس به اتقاء الوقوع فيما به البأس، وترك بعض الحلال لأجل البعد عن الشبهات، ومعناه ترك الفضول وما زاد على حاجة الانسان الضرورية، من اجل اغتنام الأوقات في السير إلى الله، ومعناه التورع عن كل شاغل يضيع الوقت ومعناه: التورع عن التعلق بما سوى الله من امور الدنيا والنفس والخلق، فإذا بلغ السائر تلك المعاني من الورع تأهل لمنزل (التبتل) إلى الله والانقطاع لطاعته والحرص على مرضاته، التبتل هو التجرد عن كل ما سوى الله إلى الله، والمتبتل إلى الله هو الذي جرد نفسه عن كل ما سوى الله، فمن انقطع عن الدنيا لأجل الآخرة فقد تبتل ولكن للآخرة، ومن انقطع عن السوى لأجل الله فقد تبتل إلى الله، قال تعالى (وتبتل إليه تبتيلا)، أي إلى الله، فالعبد الصادق في تبتله، يعمل بمقتضى عبوديته لله، يتبتل إلى الله تعالى لأنه سبحانه المستحق للعبودية لجناب ذاته، والمتبتل إلى الله منقطع عن حظوظ النفس فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، والمتبتل إلى الله يجانب الهوى ويرفض الأهواء ولا يانس غلا إلى الله، والمتبتل إلى الله لا يشغله شاغل عن قصد الوصول إلى الله تعالى، فإذا بلغ المتبتل إلى الله تلك المعاني أكرمه الله تعالى بمقام (الرجاء) فلا يرجو إلا الله، ولا يرجو إلا لقاء الحق عز وجل، وهذا الرجاء ينغص للعيش الدنيوي، ويزهد في الخلق، فإذا صفت روحه عن التعلق بغير الله، أكرمه الله تعالى بمقام (الرغبة) فلا يرغب إلا إلى الله، والرغبة أعلى من الرجاء، لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق والرغبة سلوك على تحقيق، وهذه الرغبة تبعث على الاجتهاد، وهذه الرغبة تصون السالك من وهن الفترة وتمنع صاحبها من تتبع الرخص، وهذه الرغبة تجعل صاحبها من أهل العزائم الذين لا يبالون في الله أي شيء، ولا ينظرون إلى مخلوق، بل همهم وقصدهم هو الله، ولو مشى أحدهم على الجمر، وهذه الرغبة الصادقة لا تبقى من المجهود إلا مبذولا ولا تدع للهمة ذبولا ولا تترك غير المقصود مأمولا، فهي لا تلوى على شيء ولا تلتفت إلى السوى، ومرادها في سيرها هو الحق تعالى ولا شيء سواه، فإذا أتم السالك منازل الابواب العشرة: (الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتل، والرجاء، والرغبة) انتقل إلى القسم الثالث من أقسام منازل السائرين، ألا وهو قسم المعاملات مع الحق تبارك وتعالى، وهو عشرة منازل أيضا وهي: الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم.
[القسم الثالث]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم الثالث: قسم المعاملات فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل الرعاية، ثم المراقبة، ثم الحرمة، ثم الإخلاص، ثم التهذيب، ثم الاستقامة، ثم التوكل، ثم التفويض، ثم الثقة، وأعلاها التسليم، فأول ما يبتدئ من منازل المعاملات هو منزل: (الرعاية)، رعاية الأعمال والأقوال والأوقات، الرعاية تشمل صيانة وحفظ وعناية الأعمال، وصيانة وحفظ وعناية الأحوال، وصيانة وحفظ وعناية الأوقات، رعاية الأعمال: تكون بتكثيرها وتحقيرها بالنظر إليها على أنها لا تليق بحضرة الحق سبحانه، وان الله تعالى غني عنها، وأنها معلولة، بالرياء والنفاق والنقص، فلابد من الوجل من عدم قبولها، ورعاية الأحوال أن يتهم نفسه فيها حتى تنكسر نفسه فلا يصيبها عجب ولا رياء، ورعاية الأوقات تكون بوقوفه كل وقت مع خطواته يصححها ولا يتجاوز كل خطوة إلا وقد استوفى حقها، ويرى أن ما هو فيه إنما هو من سابق عناية الله تعالى له، فلا فضل له فيه، وإنما الفضل فيه والتوفيق فيه إنما هو لله، ولا يتم له منزل الرعاية حتى يذهب عن شهود صفائه، فيغيب بالله تعالى عن شهود صفائه، فيكون له الفناء الكلي في الله فلا يرى لنفسه عمل ولا منزل ولا صفاء ولا كدر، ذاهب بالله عن نفسه، وتلك هي الدرجة العالية من الرعاية، تؤهل السالك إلى مقام (المراقبة) مراقبة الحق سبحانه في السير إليه، والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، والمراقبة هي دوام ملاحظة الله تعالى على الدوام، مراقبة متواصلة لا تنقطع، بين تعظيم لله يتلاشى معه وجود الخلائق، واحساس بالقرب يحمل على التفاني في الطاعة والبعد عن المعصية، وسرور بالقرب من الله يبعث على السير الحثيث إلى الله وإلى ترقي المنازل نحو الله بلا فتور ولا وهن ولا تراخي، ومراقبة نظر الحق فلا تفعل إلا ما يرضيه، ولا يلقاك إلا في مواضع محبته، ولا يفتقدك إلا في مواضع غضبه وعقابه، فينشأ عن تلك المراقبة مقام (الحرمة) بتعظيم الحرمات: و الحرمة هي مراعاة الشرع بفعل الأوامر وترك النواهي، وأداء حق العبودية لا يرى لنفسه في عبادته فضلا، والحرمة أن يراعي الأدب ولا يخرج عن اطار العبودية، ويعظم حرمات الله، فينشأ عن تعظيم الحرمات تحقق (الإخلاص)، والإخلاص تصفية العمل من كل شائبة رياء أو آفة تُخل بالعمل كالعجب به أو التزين به، فلا يكون العمل إلا لله، ولا يعتد بعمله، ولا يرى عمله من كسب نفسه بل توفيق من الله، فلا يستحسن عمله، ولا يقف معه، ولا يطلب عليه اجرا، بل يبرأ إلى الله منه ومن تقصيره فيه، ويستغفر الله من القصور فيه لأنه لا يليق بالجليل سبحانه، بل ويشعر بالخجل من العمل مع بذل أقصى المجهود فيه، فإذا تم الاخلاص وتحقق، يتوجه السالك إلى مقام (التهذيب)، ويكون ذلك بمخالفة العادات إلى العبادات ونسيان حظوظ النفس في تلك العبادات، والتهذيب: هو تحسين الأدب والخلق والعمل، به تطهر العبودية من الخلل والنقص، وبه تتخلص النفس من دنس الطبائع ولوث التعلق بغير الله، وبه تتأهل النفس للسير إلى الله تعالى بلا علائق وهو بمثابة الكير الذي ينقي خبث النفس، فلا بد من التهذيب، فلا يكون العمل إلا خالصا لله، فإذا تم (التهذيب) تأهل السالك إلى منزل (الاستقامة) في السير إلى الله، والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، والاستقامة تشمل كذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، الظاهرة والباطنة، مع الاستمرار على ذلك، والاستقامة: هي السير إلى الله بلا أدنى انحراف، ولا تكون الاستقامة إلا بطلب الله وحده، فلا يطلب السالك دنيا ولا آخرة، بل يطلب القرب من الله، ويسلك إلى الله ويتوجه بقلبه إلى الله ولا يشغله شيء عن الله، ولا تتم الاستقامة إلا بترك رؤية الاستقامة نفسها، فإن استقام المرء حق الاستقامة تأهل لمنزلة (التوكل) على الله، وعلامة المتوكل: أن لا يسأل أحدا ولا يحبس خيرا، وأن يكون العبد بين يدي الله عزَّ وجل كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء لا يكون له أدنى اعتراض، والتوكل : كِلَهُ الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته، ومن توكل على الله حق توكله تأهل لمنزلة (التفويض) بتفويض الأمر إلى الله، العبد يبدا بالتوكل على الله تعالى في كل أمر من أموره، ومع زيادة التوكل وتحققه، يصل العبد إلى التفويض الكامل لله، فيترك أمره كله لله تعالى طالبا منه أن يتولاه هو بعنايته وتدبيره لأمره كله، والتفويض عين الاستسلام، وهو عين الاستسلام والانقياد لله بالكلية واسلام الوجه له والبراءة من الحول والقوة إلى الله، ومن فوض أمره كله لله تأهل لمنزلة (الثقة بالله) وبكفايته وعنايته ورعايته، والثقة بالله، أن لا تطلب غير ما حكم الله، ولا تريد إلا ما أراد الله، ولا تعترض على قضاء الله، والثقة بالله أن تفنى إرادتك في إرادة الحق فلا تريد إلا ما أراده الحق، فيستوي عندك الرخاء والبلاء، والثقة بالله ثقة بحكم الله، وأن ما قدره الله سيكون لا محالة، وأن ما قسم له لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه رفعت الأقلام وجفت الصحف، فإذا تمكنت الثقة بالله من قلب السالك تأهل لمنزلة (التسليم) لله ولأمر الله ولقضاء الله، والتسليم يعني تسليم الأمور إلى صاحبها دون أدنى اعتراض ظاهرا ولا باطنا، لقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، والتسليم: تسليم أمور الغيب كلها إلى الله، والتسليم لحكمة الله تعالى في ذلك دون أدنى اعتراض، ولابد من الاذعان لما يقضي به الملك الديان، ومنزلة التسليم هي آخر منازل المعاملات، وبعدها ينتقل السالك إلى القسم الرابع قسم الأخلاق، و قسم الأخلاق هو القسم الرابع والاخير في سفر النفس إلى الله، بعد أقسام البدايات والأبواب والمعاملات، والأخلاق مواريث المعاملات، لأن الأخلاق ملكات في النفس تصدر منها الأفعال، فإذا تكررت المعاملات القلبية مع الله، من الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، أورثت عظيم الأخلاق، وقسم الأخلاق: عشرة منازل عالية، وعشرة أخلاق عظيمة، تبدأ بالصبر وتنتهي بالانبساط، وهي: الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط.
[القسم الرابع]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم الرابع: [قسم الأخلاق]: فإذا تكررت المعاملات القلبية مع الله، من الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، أورثت عظيم الأخلاق، وقسم الأخلاق: عشرة منازل عالية، وعشرة أخلاق عظيمة، تبدأ بالصبر وتنتهي بالانبساط، وهي: الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوة، والانبساط، فأول ما يبتدئ من منازل الأخلاق: (الصبر) فيصبر على الطاعات ويصبر عن المعاصي والسيئات، ويصبر على المكاره والابتلاءات، و (الصبر) من أعظم الأخلاق حتى زادت مواضع ذكره في القرآن الكريم عن مائة موضع، لان أكثر الأخلاق ترجع إليه، وتصدر عنه، والصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع، وعدم الشكوى إلى غير الله، والصبر منه: الصبر عن المعصية، بالابتعاد عنها حياء من الله وتعظيما لأمر الله، ومنه: الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها في أوقاتها وتحقيق الإخلاص فيها، ورؤيتها من الله، ومنه: الصبر على البلاء، ومتى تحقق العبد بمنزل الصبر ارتقى إلى منزل (الرضا) فيرضى بالله وبقضاء الله ويرضى عن الله، والرضا: سرور القلب بُمرِّ القضاء، ولهذا كان الرضا أعلى وأجل من الصبر، والرضا أساس الدين، فلا يسلم العبد حتى يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبياً، والرضا منزل للوقوف الصادق مع الله ومع مراد الله، وحقيقة الرضا فناء الإرادة، وهي أول ما يفنى في طريق أهل الفناء، والرضا درجات: أولها: الرضا بالله ربا وبدينه دينا وبنبيه نبيا ورسولا، ثم: الرضا عن قضاء الله وقدره وتدبيره، وأعلاها: فناء الإرادة في إرادة الله والرضا برضا الله فلا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضى، فكل ما يختاره الله تعالى له فهو حسن عنده، فلا يختار إلا ما يختاره الله،ولا يتم منزل الرضا إلا: باستواء الحالات عند العبد، فلا يفرح بحصول مرغوب ولا يحزن بفواته، ويتساوى عنده النعمة والبلاء، وأن يسقط الخصومة مع الخلق، فلا يخاصم أحدا لشيء من أمور الدنيا، ولا يسأل أحدا شيئا شيئا من امورها، ومتى تحقق العبد بمنزل الرضا ارتقى إلى منزل (الشكر) فيشكر الله في السراء والضراء، ويرى البلاء نعمة من الله تستحق الشكر والوفاء، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، وشكر بالقلب أن يشهد بقلبه نسبة النعمة للمنعم سبحانه {وما بكم من نعمة فمن الله}، وأما باللسان: فهو إظهار الشكر لله بالتحميد {وأما بنعمة ربك فحدث}، وأما بالجوارح: فهو استعمال نعم الله عز وجل في طاعته، ولا يتم منزل الشكر إلا بان يرى نفسه ليس أهلا للنعم، ولا يتم منزل الشكر أيضا إلا بالشكر في المكاره كما يكون في المحاب، وإظهار الفرح والسرور على الشدائد والمكاره، ولذا كان الشكر أعلى من الرضا، لأن الرضا رضا بمر القضاء، والشكر فرح بمر القضاء، ومتى تحقق العبد بمنزل الشكر ارتقى إلى منزل (الحياء)، فيستحي أن يسأل ربه غير ما هو فيه وهذا حق الحياء، والحَيَاء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ كل ذي الحقِّ، والحياء ينشأ عند السالك من علمه الدائم بأن الله تعالى يراه في كل أحواله، فينشأ من هذا العلم الحياء من الله، والحياء يتولد من أمرين هما التعظيم والمحبة، فمن عظم الله وأحبه فقد بدأ السير في منزل الحياء، والحياء يدفع إلى تحمل المجاهدة في الله، ويدعو إلى ركوب المحبة في السير إلى الله، وأعظم الحياء هو الحياء الذي يتولد من الدخول على حضرة الملك سبحانه وشهود تجلياته، ومتى تحقق العبد بمنزل الحياء ارتقى إلى منزل (الصدق)، والصدق : استواء السر والعلانية، والصادق : من صدق في أقواله وأفعاله وأحواله، وأول الصدق: صدق النية، واعلاه أن يوقن أنه ليس لنفسه في ادعاء صدقه نصيب، قال تعالى {والذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}، ومتى تحقق العبد بهذا الصدق مع الله ارتقى إلى منزل (الإيثار) يؤثر الحق على الخلق، ويؤثر الخلق على نفسه، ويؤثر ما يؤثره الله تعالى، فهو مع الله، يؤثر إيثار الله تعالى في التدبير والتصريف، ومتى تحقق العبد بمنزل الإيثار ارتقى إلى منزل (الخلق)، الخلق العظيم مع خلق الله ومع الناس، وحَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ مع الخالق أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا وكل ما يأتي من الحق يوجب شكرا وأن لا ترى له من الوفاء بدا، قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}، وقال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، وحَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ مع الخلق: بذل المعروف للخلق، وكف الأذى عن الخلق، واحتمال الأذى من الخلق، وطلاقة الوجه لهم والبشر عند مقابلتهم، ومتى تحقق العبد بمنزل الخلق مع الخالق ومع الخلق: ارتقى إلى منزل (التواضع)، والتواضع هو أن يتضع العبد لأنه عبد لصولة الحق لأنه الرب، فيتضع العبد لحكم ربه وإرادته ومشيئته فلا يقابل الربوبية إلا بذل العبودية، فهذا هو التواضع للحق، والتواضع للمسلمين، كما قال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وكما قال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، فيتواضع للمسلمين ببذل المعروف وحمل الاذى، ومتى تحقق العبد بمنزل التواضع ارتقى إلى منزل (الفتوة) فلا يشهد لنفسه فضلا، بل يكون شاهدا لربه على تقصير نفسه، ولا يرى له على أحد حقا، فيترك الخصومة ويتغافل عن الزلة وينسى الأذية، ويقرب من يقصيه ويكرم من يؤذيه ولا يحوج أحدا معه إلى شفاعة ولا اعتذار، و الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان، والفتوة: كفّ الأذى وبذل الندى، وخلاصة الفتوة محو أنانية النفس ورعوناتها، فلا تشهد لك على أحد فضلا، ولا ترى لك حقا على أحد، بل ترى الحقوق واجبة عليك إلى الجميع، وهي على ثلاث درجات: أولها: ترك الخصومة والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية، فينسى أذية كل من آذاه، لأنه مشغول بصفاء نفسه ووقته مع الله، والدرجة الثانية من الفتوة: أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتعتذر إلى من يجنى عليك سماحا، والدرجة الثالثة من الفتوة: أن لا يلتفت إلى سوى الله، لا إلى نفسه ولا إلى الخلق، ومتى تحقق العبد بمنزل الفتوة ارتقى إلى منزل (الانبساط)، فينبسط مع الخالق بالحب والقرب والود، وينبسط مع الخلق بكمال الخلق، فلا يعتزلهم ضنا على نفسه، ولا يترك صحبتهم حفاظا على منزلته وقدره، وأن يواسيهم بما زاد عنده عن حاجته ويوسع عليهم مما في يده ولا يمنعهم شيئا مما أعطاه الله، وأن يسعهم بخلقه، فيحتمل سيء أخلاقهم وسوء عشرتهم، ويدفع لهم بالتي هي أحسن، ومنزل (الانبساط) هو آخر منازل الأخلاق، وبه تنتهي مراحل النفس وتبدأ مجاهدات القلب.
[القسم الخامس]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم الخامس: [قسم الأصول]: فمع قسم الأصول تبدأ مرحلة جديدة من السير تتعلق بالخاصة، وهي (الرتبة الثانية) هي رتبة الغربة، ولها ثلاثون منزلا على ثلاثة أقسام، هي: قسم الأصول ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال، (الرتبة الأولى) من منازل السائرين هي (رتبة تزكية النفس): وهي رتبة القصد إلى السير، وتتعلق بالمبتدئ في السير، ولها أربعون منزلا على أربعة أقسام هي: قسم البدايات، ثم قسم الأبواب، ثم قسم المعاملات، ثم قسم الأخلاق، فإن: (الرتبة الثانية) هي رتبة الغربة، ولها ثلاثون منزلا على ثلاثة أقسام، هي: قسم الأصول ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال، وهي (رتبة القلب)، فإن المقام الأساسي المفترض للإنسان هو القلب، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، فعلق النجاة على القلب السليم من الآفات، وقسم الأصول فيه عشرة منازل: تبدأ بمنزل القصد، ثم العزم، ثم الإرادة، ثم الأدب، ثم اليقين، ثم الأنس، ثم الذكر، ثم الفقر، ثم الغنى، ثم الاجتباء، إنّ أول ما يتعلق بالقلب من أقسام السلوك، هو قسم الأصول، وسمي هذا القسم أصولا لان منازله هي مباني السلوك وأساس السير واركان الإرادة عند المريد، وهي مفاوز للقلب يقطعها السالك من أجل الانتقال إلى الرتبة الثالثة، وتبدأ منازل هذا القسم بمنزلة (القصد): وهو عقد النية على التجرد للطاعة، وصدق القصد يبعث على الترقي في المنازل، ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة الأغراض، فلا يطلب السائر لقصده عوضا ولا غرضا، ولا حظا من حظوظ الدنيا ولا من الآخرة، السائر يجرد قصده لله، قصد لا يلتقي سببا إلا قطعه، ولا يدع حائلا إلا منعه، ولا تحاملا إلا سهله، لا يهدا القصد دون اقتحام في بحر الفناء، فإذا صدق القصد، ترقى السالك إلى مقام (العزم)، العزم على طاعة الله، وإماتة الهوى في الله، والاستغراق في اتمام السير إلى الله، والعزم هو الجد والثبات على الامر، والعزم يميت الهوى، ويديم نور الانس، وينير الطريق بأنوار التجليات، والعزم يجمع جميع الهموم في هم واحد، وهو الدخول على حضرة الحق، فإذا صدق العزم، ترقى السالك إلى مقام (الإرادة)، وهي تعلق القلب بالله طلبا لقربه، ويكون ذلك بخلع كل شاغل عن الطريق، والارادة: ترك الغفلة وترك الشهوة والانسلاخ عن العادات مع أداء الواجبات والمستحبات والكف عن المحرمات والمكروهات، والارادة صدق القصد إلى الحق سبحانه، منزها عن الأغراض والأعواض فلا يطلب لقصده دنيا ولا آخرة، ولا يطلب إلا رضا الله، والإرادة بعد عن كل ما يشغل عن السير في الطريق إلى الله، والإرادة جمع الهمة على السير إلى الله وحده، فإذا صدقت الإرادة مع ملازمة الرعاية للأقوال والاعمال والأحوال، ترقى السالك إلى مقام (الادب)، وللأدب عند أهل الطريق شأن كبير في سيرهم وسلوكهم إلى الله، الأدب مع الله والادب مع الخلق، الأدب مع الله بتحقق تذلل العبودية أمام عزة الربوبية، والتسليم أمام كمال المشيئة، وأن يعلم أن مقام العبد دائما هو التقصير، فما أصابه من خير أو حسنة أو طاعة فمن الله وما أصابه من مصيبة فمن نفسه، وأدبه مع إخوانه: أن يعتقد أنهم خير منه لأنهم سبقوه في طاعة الله، وهو سبقهم إلى معصية الله، فيعتقد الإحسان في إخوانه والنقص في نفسه، و(الأدب) شرط أساسي في كل ركن من أركان الطريق إلى الله، وسوء الأدب يفسد السلوك كله، ولذلك قالوا: (لا سير بلا أدب)، وقالوا: (التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف)، وقالوا: (بالأدب تطوى المسافات)، وقالوا: (من لزم آداب الأوقات، بلغ مبلغ الرجال)، وقالوا: العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه في طاعته إلى الله، فإذا صدق الادب، ترقى السالك إلى مقام (اليقين)، واليقين غاية درجات المبتدئين، وهو أول خطوة من خطوات الخاصة، حتى قال بعض العارفين: أنه الحد الفاصل بين العامة والخاصة، و (اليقين) مراتب: علم اليقين، وهو ما يعلمه الإنسان عن طريق السمع والخبر، وعين اليقين وهو ما يعلمه الإنسان ويوقن به عن طريق المشاهدة والنظر، وهو أقوى من اليقين الاول لأنّه ليس الخبر كالعيان وحق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين لأنّه لا يقتصر على الرؤية والمشاهدة، وإنّما يتعداها إلى المعاينة والمعايشة الدائمة المستمرة، فإذا صدق اليقين، ترقى السالك إلى مقام (الانس) وهو أول منازل الخاصة بعد اليقين، وهو الانس بالله، واستحلاء ذكر الله، وقرة العين بالعبادة، و (الأنس) هو الألفة وهو المحبة، و هو ثمرة الطاعة، وهو الشعور بشدة القرب من الله، فمن انس بالله، فإن الله تعالى مؤنسه، ومن علامات الانس: أن لا يفتر القلب عن ذكر الله، ولا يسأم من عبادته، ويشتاق إلى لقائه، فإذا صدق الأنس، ترقى السالك إلى مقام (الذكر)، وفي هذا المنزل يتخلص السالك من الغفلة والنسيان والفتور، ويبقى مع الذكر بقلبه ولسانه، فلا يلتفت قلبه إلى سوى الله، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله، فإذا صدق الذكر، ترقى السالك إلى مقام (الفقر)، الفقر إلى الله، وأوله نفض اليدين من الدنيا، ثم صدق الاضطرار إلى الله، وذهول القلب عما سواه وعدم التفاته إلا إلى الله، فالعبد عبد لا يملك شيئا وإنما هو وما يملك ملك لسيده، وبالتالي فإن الإنسان فقير إلى الله لأنه عبد الله، فهو وما يملك ملك لله، والفقير حقا من يرى ذلك، فهو لا يرى الملك إلا لله، فمن ادعى ملك شيء لا يصح له ادعاء منزلة الفقر، وقد اتفق أهل الطريق على أن من لم يبلغ منزلة الفقر فليس من أهل الطريق المقتدى بهم في هذا الشأن، ومن هذا القبيل كانوا يسمون اهل الطريق (الفقراء) لأن من لم يتحقق بالفقر (الافتقار إلى الله) فلا يكون من أهل الطريق المقتدى بهم في هذا الشأن، فإذا صدق الفقر، ترقى السالك إلى مقام (الغنى بالله) غنى القلب بالله عما سواه، غنى القلب بالله عن كل سبب، و(غنى النفس) عن كافة حظوظها، و (وغنى العارف بالحق)، ومن كان غنيا بالله، فهو الغني حقا لأنه غني بالغني المطلق سبحانه، فإذا تحقق الفقر إلى الله والغنى بالله عما سواه، تحقق الاجتباء من المولى الغني الكريم، وترقى السالك إلى مقامات المريد إلى مقام (المراد)، والمراد هو المجتبى في قوله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}، وفي هذا المنزل يضع الله تعالى عن العبد عوار النقص ويستخلصه لرضاه، ويصطنعه لنفسه، فالمريد عند أهل الطريق هو المبتدىء، وهو المجتهد المنيب، والمراد: هو المنتهي، وهو المجتبى المختار، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}، فالمريد متعنِّ مجتهد، والمراد: مراد، تتولاه رعاية الحق سبحانه، المريد يسير والمراد يطير، وأكثر أهل الطريق على أن المريد يرتقي في المنازل باجتهاده إلى أن يصير مرادا، كأنه كان محبا، فصار محبوبا، فكل مريد صادق نهاية أمره أن يكون مرادا، وهذا من رحمة الله بالأولياء وأهل الطريق، وبهذا المنزل تنتهي الأصول ومباني السلوك وأسس السير في الطريق، ويبدأ قسم الاودية، وهو القسم السادس من أقسام السلوك.
[القسم السادس]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم السادس: [قسم الأودية]: أقسام المنازل عشرة، الأقسام الأربعة الأولى (من قسم البدايات وإلى قسم الأخلاق) تتعلق بترقية النفس، وهي أقسام المريدين المبتدئين في السير، ثم الأقسام الثلاثة التالية (قسم الأصول، ثم قسم الأودية، ثم قسم الأحوال)، وهي أقسام السائرين أهل الخصوص، وهي تتعلق بمجاهدات القلب نحو الكمال الإنساني، ثم الأقسام الثلاثة الأخيرة التي تتعلق بالروح النوراني العلوي (قسم الولايات، ثم قسم الحقائق، ثم قسم النهايات) وهي أقسام الأولياء العارفين أهل خاصة الخاصة المقربين، أهل الدخول على حضرة الحق حيث المشاهدات والمعاينات وعظيم التجليات، وهذا القسم السادس الذي نحن بصدد البدء فيه: (قسم الأودية) يتناول عشرة منازل: تبدأ بمنزل الإحسان، ثم العلم، ثم الحكمة، ثم البصيرة، ثم الفراسة، ثم التعظيم، ثم الإلهام، ثم السكينة، ثم الطمأنينة، وتنتهي بمنزل الهمة، وقد سميت منازل هذا القسم (أودية) لان معظم السير والسلوك إنما هو فيها، وهي كالأودية قد يكون فيها المهالك والمخاوف وقد يقع فيها الزلل لأن للسعي فيها قوة وللعقل فيها مدخل وللشيطان فيها مكائد، ولولا التأييد الإلهي والهداية الربانية لضل في تلك الأودية أكثر السالكين، ولكن الله تعالى برحمته يهدي لنوره من يشاء، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ، وأول منازل الأودية: منزل (الإحسان)، بكل معاني الاحسان، الإحسان في النية، بأن تكون النية جازمة لله وحده ليس لشيء سواه، صافية من شوب الرياء والنفاق والأغراض والاعواض فلا يطلب لعمله أجرا سوى الله، والإحسان في الأحوال، فيراها من الله منة وفضلا، ويحفظها عن النشر غيرة عليها ويسترها عن أعين الناس ويجتهد في تصحيحها وتمحيصها، والإحسان في الوقت فيجعله كله لله، ويجعل هجرته إلى الله تعالى بلا انقطاع، لا منتهى ولا غاية، فمن طلب منزل الإحسان بصدق بلغه الله تعالى هذا المنزل لأنه سبحانه قال {هل جزاء الاحسان إلا الاحسان}، فإذا أكرم الله السالك رقاه إلى منزل (العلم اللدني): علم خفي ينبت في الأسرار الطاهرة، ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل الهمة العالية، واول العلم: علم جلي مستمد من أدلة الشرع (الكتاب والسنة)، وثمرته علم خفي ينبت القلوب الطاهرة، يدل على احوال صادقة ومنازل عالية، وثمرته علم رباني من علم الله، يتجلى به الله تعالى على أوليائه، فإذا أكرم الله السالك رقاه من منزل العلم إلى منزل (الحكمة)، ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا، قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وأول الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله وقته، ثم أن تشهد نظر الله في وعيده وأن تعرف عدله في حكمه فكل ما حكم به الله تعالى عدل محض لا ظلم فيه، وأن تلحظ بره في منعه، فإنه سبحانه ما منع شيئا إلا لعلة وشر وفساد، ثم أن تبلغ في استدلالك البصيرة، وأن تبلغ في إرشادك الحقيقة، وأن تبلغ في إشاراتك الغاية، فإذا أكرم الله السالك رقاه من منزل الحكمة إلى منزل (البصيرة): والبصيرة هي اكتحال عين القلب بنور الهداية، وأول البصيرة: أن تعلم أن الشرع صادر عن الحق فتتبعه وتغار عليه ان ينتهك، ثم أن تعلم ان القضاء والقدر صادر عن الحق، فلا ظلم فيه، يهدي من يشاء بمحض فضله، ويضل من يشاء بمحض عدله، هو أعلم بمن يستحق الضلال، وهو أعلم بمن اهتدي، ثم بصيرة أهل العرفان التي تفجر المعرفة وتثبت الإشارة لأن الحقائق ألطف من أن تُعرف، وتنبت الفراسة في القلب من غير استدلال بشاهد ولا احتياج لتجربة، فإذا اكرم الله تعالى السالك رقاه من منزل البصيرة إلى منزل (الفراسة): فمن طهر نفسه وخالف هواه والشيطان وزهد في الدنيا وأكل المال الحلال وحرص على طاعة الله، وترك فضول الدنيا لعادت فراسته إلى صدقها وصفائها ولنظر إلى الأمور بنور الله، فلا تكاد تخطئ له فراسة، وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)، يعني: بنور خصه به الحق سبحانه، فراسة ربانية صافية تضيء بنور الله، وترى بتوفيق الله، وتورث صاحبها التعظيم لأمر الله، ولهذا كان المنزل التالي في الترقي هو منزل: (التعظيم) لله ولشرع الله ولحكم الله، تعظيم المريدين: (تعظيم شرع الله) بالطاعة والانقياد فلا يُخالف، ثم تعظيم السالكين: تعظيم (قضاء الله وقدره) بالرضا والتسليم فلا يُعارض، ثم تعظيم العارفين وهو تعظيم الحق وحده، فلا تطلب سواه، ولا تبغي إلا وجهه، ويورث التعظيم في قلب السالك (الإلهام) الصائب، والإلهام مقام المحدثين، وهو فوق الفراسة لأن الفراسة تقع نادرا، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد، وأول الإلهام إلهام الانباء والاخبار وهو إلهام المريدين، ثم إلهام الكشف والشهود وهو إلهام السالكين، وأعلاه إلهام يجلو عين التحقيق، يبصر به الحقائق على ما هي عليه، وهو إلهام العارفين، ويورث منزل الإلهام في قلب السالك (السكينة) إلى الله، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}، والسكينة شيء من لطائف صنيع الحق يُلقي على لسان المحدث الحكمة كما يُلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء، وتُنطق المحدثين بالحقائق مع ترويح القلوب بنور الكشف وكشف الشبه بجلاء اليقين، وهذه السكينة تنور القلب بنور الحق سبحانه، والسكينة تجمع لأصحابها نور الإيمان وقوة اليقين وروح البصيرة، والسكينة راحة وطمأنينة ووقار يُعظم الناس به أصحاب تلك السكينة، وتلك هي السكينة التي جعلها الله تعالى لأهل الطريق، و (السكينة) تنبت في القلب (الطمأنينة)، وأول الطمأنينة طمأنينة القلب بذكر الله، وهي طمأنينة المريدين، والثانية طمأنينة الروح إلى نور الله، وهي طمأنينة السالكين، وأعلى الطمأنينة طمأنينة الدخول على حضرة الحق، وشهود تجليات الحق سبحانه، وهي طمأنينة الأولياء أهل المعرفة والتحقيق، والرجوع إلى الله تعالى يكون بالنفس المطمئنة إلى الله، وهذه النفس المطمئنة هي التي تستحق شرف الانتساب إلى عبوديته ودخول جنته، قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، وجنة العارف هي حضرة الحق حيث لا يؤذن للدخول عليها وشهود تجلياتها سوى أولياء الحق الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والطمأنينة تقوي همة السالك، وترقيه إلى (منزل الهمة): والهمة قوة تدفع العبد إلى طلب الحق سبحانه طلبا صرفا، لا رغبة في ثواب ولا خوفا من عقاب، بل خالصة لوجه الله، والهمة الصادقة: همة لا يقوى صاحب الهمة على دفعها، ولا يصبر عنها لأنه تحت قهر سلطانها فلا يتركها، ولا يلتفت عنها، واول الهمة: همة تورث الزهد في الدنيا، و الدرجة الثانية من الهمة: همة تجعل صاحبها يجد في السير لا يلتفت إلى شيء سوى الوصول إلى الحق، وهي همة السالكين، و الدرجة الثالثة من الهمة: همة تصاعد عن الأحوال والمقامات وتزري بالأعواض والدرجات وتنحو عن النعوت نحو الذات، وهذه هي همة الأولياء لا ينظرون إلى أحوال ولا مقامات ولا منازل، ولا يأبهون بالأعواض والدرجات، فهمتهم همة تصون القلب من خسة الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفية من كدر التواني، وبهذا المنزل تنتهي منازل الاودية، وتبدأ منازل القسم السابع (قسم الاحوال)، حيث تتعاقب على القلب الأحوال، وتتوالى المواهب والعطايا، واول تلك الاحوال وأساسها المحبة، ثم الغيرة، ثم الشوق، ثم القلق، ثم العطش، ثم الوجد، ثم الدهش، ثم الهيمان، ثم البرق، وآخرها الذوق، وبعده تنطلق الروح في سفرها إلى الله تعالى في قسم الولايات.
[القسم السابع]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم السابع: [قسم الأحوال]: (قسم الأحوال) هو آخر أقسام السير القلبي إلى الله تعالى، وبعده تبدأ أقسام السير الروحي إلى الله وهي أقسام تتعلق بالأولياء والعارفين، و (قسم الأحوال) بمنازله آخر منازل القلب التي تمهد لانطلاق الروح، حيث تتعاقب على القلب الأحوال، وتتوالى المواهب والعطايا، واول تلك الاحوال وأساسها المحبة، قسم الأحوال يبدأ بالمحبة، ثم الغيرة، ثم الشوق، ثم القلق، ثم العطش، ثم الوجد، ثم الدهش، ثم الهيمان، ثم البرق، وآخرها الذوق وهو آخر المنازل القلبة وما بعده منازل الروح المتعلقة بالأولياء، في (قسم الاحوال) تتعاقب علي السالك الأحوال، تنقلب الإرادة (محبة)، وتتوهج (الغيرة) ويزداد (الشوق)، ويبدأ (القلق)، ويستولي علي السائر (العطش) ويغلبه (الوجد)، ويؤرقه (الدهش)، الذي يغلب على عقله وصبره وعلمه وحاله، فيرتقي إلى (الهيمان)، ثم تشتد به (الحيرة)، فلا يقوى على فراق المحبوب، يهيم على وجهه طلبا للشهود، فإن تغمدته العناية أبرقت له (البرق) من جانب اللطف الإلهي، والبرق تثبيت إلهي وكشف رباني يريح المحب من خوف الانقطاع، وكثرة البرق يورث تذوق حلاوة العبودية، وفي منزل: (الذوق)، يتذوق المحب طعم الأنس بالله فلا يعلق به شاغل ولا يفتنه عارض ولا تكدره تفرقة، ولا يخاف الانقطاع بعد الوصال، وبهذا المنزل تنتهي منازل قسم الاحوال، (إذن): أول منازل (قسم الأحوال): (المحبة)، و المحبة لله من أعظم أعمال القلب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، و حقيقة المحبة: (تعلق القلب) بالله وحده، بين همة عظيمة في السير إلى الله وبين متعة الانس بالقرب من الله، (والمحبة أول أودية الفناء) لأن المحبة الصادقة تقتضي الفناء في المحبوب، وهي آخر منزل تلقى فيه العامة مع الخاصة، فما قبل مقام المحبة من المقامات إنما هي محبة النفس وليست محبة الله الخالصة على مصطلح اهل الطريق، لأنها محبة أغراض لأعواض، العامة تحبون الله لما يأتيهم به من خير وفضل ولما ينتظرونه من أجر وثواب في الدنيا والآخرة، فهي عند التحقيق محبة أغراض لأعواض، فلا تصح دعوى المحبة الخالصة، أما محبة أهل الطريق فهي محبة الله تعالى لجناب ذاته، فليس المحرك لها الأجر والثواب والأعواض، فلو لم تكن هناك جنة ولا نار لعبدوه ولأحبوه لجناب ذاته بجلاله وجماله، وتلك هي المحبة الحقيقية والخالصة، فليست محبة أغراض لأعواض، والمحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة، بها يُعرفون وإليها ينتسبون، هم أهل منازل المحبة يتحركون بالمحبة، وتتحول (المحبة) إلى (غيرة)، حيث لا يستطيع صاحب الغيرة احتمال البعد عن محبوبه، ضنا بمحبوبه، وأول الغيرة: غيرة العابد على الطاعات فيسارع إليها، والدرجة الثانية من الغيرة: (غيرة المريد والسالك): على وقت فات، فيندم على كل وقت لم يكن في السير إلى الله، والدرجة الثالثة من الغيرة: غيرة العارف على الحقائق إذا حجبها حجاب، وغيرته على مجرد (نَفَس) واحد يتعلق بغير الحق جل جلاله، والغيرة تورث الشوق، ومنزل (الشوق)، هو المنزل الثالث من منازل الأحوال، واول الشوق: هو الشوق إلى الجنة، واعلى منه الشوق إلى الله تعالى، شوق ناشئ من رؤية إنعامه وإحسانه، والدرجة العالية من الشوق، وهي درجة أهل المعرفة والتحقيق الذين لا يشغلهم عن الله شاغل ولا يطفئ شوقهم إلى الله تعالى شيء، فهي نار لا تهدأ حتى يتم اللقاء، فلا يزول همه ولا يهدأ حزنه وهو في حضرة شهود الأفعال والصفات حتى تنكشف الحجب ويحظى بالجمع في حضرة جناب الذات الأحدية، ويلي الشوق: منزل (القلق)، وهو المنزل الرابع من منازل قسم الاحوال، حيث يحرك الشوق صاحبه فيسقط الصبر، فلا يقوى على فراق الحبيب ولا يقر له بدونه قرارا، فيبدا القلق، واول القلق: قلق يضيق الصدر ويوحش عما سوى الحق، والدرجة الثانية من القلق، وهي درجة المتوسطين، وهو: قلق شديد فوق احتمال طاقة السالك لا يكاد له استقرار ولا يكون له صبر ولا احتمال، والدرجة الثالثة من القلق وهي قلق الأولياء، وهو: (قلق لا يرحم أبدا، ولا يقبل أمدا)، فإنه حاكم على صاحبه يذهب به في طريق الفناء حتى يهلكه في طلب الحق، فإذا اشتد القلق صار العطش، ومنزل (العطش)، وهو المنزل الخامس من منازل قسم الاحوال، وأوله: عطش المريد إلى وارد يشهد له بصحة سلوكه واستقامة طريقه، والدرجة الثانية من درجات العطش وهي درجة أهل الخصوص، وهي عطش السالك إلى أجل معلوم محدد يعرفه ويسعى إلى طيه من اجل الوصول إلى حضرة الحق، والدرجة الثالثة من العطش وهي درجة الأولياء، وهي عطش الولي العارف إلى تجلٍ عظيم من رب كريم، تجل لا حجاب فيه، فهو يطلب أعلى المقامات وغاية التمكين، فلا يعرج دون هذه الغاية على انتظار ولا سكون حتى يدخل على حضرة حناب الذات الأحدية التي هي مقام التوحيد أعلى منازل السائرين، وإذا اشتد العطش كان الوجد، ومنزل (الوجد)، وهو المنزل السادس من منازل قسم الأحوال، و (الوجد) نور يقذفه الله تعالى إلى القلب، فيربط على القلب بقوة الإيمان، واوله: وجد يأتي بغتة، ينتبه له قلب المريد، والدرجة الثانية من الوجد: وجد يستفيق له الروح، بتجلٍ من تجليات الحق الأزلية، والدرجة الثالثة من الوجد: وجد يخطف العبد من يد الكونين (الدنيا والآخرة) فيفنيه عن شهود الدنيا والآخرة، ويصفي حقيقته من أدران الحظوظ المتعلقة بالدارين، ويحرره من رق الانتساب إلى الماء والطين، وهذا الوجد هو وجود الحق، ولا يكون وجود الحق إلا بعد خمود البشرية، وفناء الواجد عن الاغيار والسوى، فإذا تحقق الوجد، كان الدهش، ومنزل (الدهش)، وهو المنزل السابع من منازل قسم الأحوال، والدهش: حيرة تأخذ السائر على حين بغتة تغلب على عقله وقلبه وعلمه، وأوله: دهشة المريد عند صولة الوجد على طاقته، فيبدأ في البكاء، وعند صولة الكشف فيركن إلى السكون، والدرجة الثانية: دهشة السالك عند شهود فناء السوى في حضرة الحق، فيرى ببصر الحق ويشاهد الحق بالحق في مقام المشاهدة فيدهش، والدرجة الثالثة: دهشة العارف عند شهود القرب من الحق فيدهش في أنوار بحر التجليات، فإذا تحقق الدهش، كان الهيمان، ومنزل (الهيمان)، وهو المنزل الثامن من منازل قسم الاحوال، واول الهيمان: هيمان العبد في النظر إلى عظيم فضل الله تعالى عليه وهو لا يستحق ذلك، والدرجة الثانية: هيمان في تلاطم أمواج المكاشفات والغيبيات والانوار في الحضرات الأسمائية وتجلياتها الجلالية والجمالية، والدرجة العالية من الهيمان: هيمان ناشئ عن فناء العبد في بقاء الرب، عند الغرق في بحر شهود الحضرة الأحدية، وهو أشد الهيمان حيث يغيب صاحبه عن الاحساس، وتصدر عنه حركات وسكنات تدل على محض الهيمان، فإن تحقق الهيمان ترقى السالك إلى منزل (البرق)، وهو المنزل التاسع من منازل قسم الاحوال، والبرق هو مبدأ طريق الولاية، فأول ما يدعو للدخول في طريق الإرادة والسير هو مقام اليقظة، وأول ما يدعو للدخول إلى طريق الولاية هو مقام البرق، وأول البرق: برق يستكثر فيه العبد القليل من العطاء لأنه عطاء الولاية، ويستقل فيه الكثير من الأعباء لما اكرمه الله تعالى به من الكرامة، والدرجة الثانية من البرق، برق يستقصر فيه العبد الأمل لشدة الخوف من الله، ويزهد في الخلق لأنه مشغول بالحق، والدرجة الثالثة من البرق: برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار إلى الله، فينشئ سحاب السرور بمشاهدة أنوار اللطف الرباني، وما يرى من الألطاف الإلهية والكرامات الربانية، فإذا توالت البروق وكثرت العطيات، ترقى السائر إلى منزل (الذوق)، ومقام (الذوق) آخر الأحوال القلبية، وهو بمثابة التمهيد لمنازل الأولياء، وكما قال أهل الطريق: الذوق نهاية المراقبة وبداية المشاهدة، واول الذوق: (ذوق التصديق) الناشئ من التصديق الجازم بموعود الله تعالى باللقاء والقرب، والدرجة الثانية من درجات الذوق: هو (ذوق الإرادة) الناشئ من الارادة الجازمة الصادقة حتى يصل إلى الله فيجد الأنس به، والدرجة الثالثة من درجات الذوق وهو (ذوق العارف): طعم الاتصال بلا انقطاع، وذوق العارف بالله طعم الجمع بلا تفرقة، وذوق العارف بالله طعم المشاهدة والعيان بلا حُجب، ومقام (الذوق) آخر قسم الأحوال القلبية، وبه تتحرر الروح وتبدأ أقسام النهايات، وهي الولايات والتحقيق والنهايات، وجميع هذه المنازل يتعلق بمقامات الروح، واهل الولايات الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[القسم الثامن]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم الثامن (قسم الولايات): قسم الولايات به عشرة منازل: أولها: منزل (اللحظ): وهو أول التجليات، وأول طريق الشهود، ويتمثل في ملاحظة الفضل على نعمة الولاية ملاحظة تمنع من الامن من مكر الله، وتبعث على الشكر لأفضال الله، واللحظ أول طريق الدخول على الحضرة المقدسة، حضرة الأسماء، وأول اللحظ: ملاحظة الفضل: فيلحظ العبد العطاء الرباني بحكم العناية الأزلية، وهذه الملاحظة تجعله يستحي من سؤال ربه وقد أغناه، والدرجة الثانية من درجات الملاحظة: ملاحظة نور الكشف وهي تلبس السالك لباس الولاية وتذيقه حلاوة المشاهدة، وتعصمه من عوار التسلي لان أهل الولاية لا فراغ عندهم للتسلي، والدرجة الثالثة من الملاحظة: وهي للأولياء العارفين: (ملاحظة عين الجمع) وشهود الحقيقة الأحدية بالفناء المحض عن السوى والأغيار، وهي أعلى درجات الملاحظة، فإذا تمكن السائر في منزل اللحظ ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (الوقت) وهو الوقت المؤذن للدخول على حضرة الشهود قال تعالى: {ثم جئت على قدر يا موسى}، والوقت منزل نحو التمكن في الولاية، وفيه يستغرق السالك في وجود الحق سبحانه، فلا يرى في الوجود ولا يشهد سوى تجليات الأسماء والصفات والأفعال، وللوقت ثلاثة معان: المعنى الأول: وقت يجذب إلى الرغبة في لقاء الله، والمعنى الثاني هو: اسم لطريق سالك يسير إلى التمكن في الولاية، والمعنى الثالث: لا يبقى للوقت وجود، حيث الوقت كله لله، عندما يتجلى الحق سبحانه بجناب ذاته في الحضرة الأحدية، و الوقت يؤهل السالك إلى منزل (الصفاء)، إذ لا يؤذن في دخول الحضرة لغير الأصفياء، صفاء حال يدخل به الولي إلى حضرة الشهود، ويذوق به حلاوة المناجاة وينسى به الكون وما فيه، و (الصفاء): على ثلاث درجات: الاولى: (صفاء علم) قائم على اتباع الكتاب والسنّة، والثانية (صفاء حال) يتمثل في تنور القلب بالكمالات والتجليات التي ترد من الحق إليه، والثالثة: (صفاء اتصال): وهو صفاء الفناء عن السوى في الله تعالى، وهو صفاء البقاء بالحق بعد الفناء عن السوى، يرى بالحق ويسمع بالحق ويعلم بالحق، والتمكن من الصفاء يؤهل السائر للترقي إلى منزل (السرور)، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، والسرور على ثلاث درجات: (الدرجة الأولى) سرور ذوق لمن أيقن في وعد الله تعالى بالوصول، وسرور لمن دل الطريق إلى الله، وسرور لمن أيقن في جمع القصد والتوجه بالكلية إلى الله، والدرجة الثانية: سرور شهود للتجليات الأسمائية الجمالية والجلالية، والدرجة الثالثة: سرور ينشأ من شهود الحضرة الأحدية، وهو سرور تام يضحك الروح لمشاهدتها لجمال جناب الذات تعالى وتقدس، وليس بعد هذا السرور سرور، والسرور: يذهب بأحزان الولي، ويؤهل الولي للترقي إلى منزل (السر)، وسمي بمقام السر لأن الولي فيه لا يعلم بحقيقة حاله، فهو في تحير يزداد مع تمكن هذا المقام، مقام لطيف، من بلغه فهو من (الأخفياء) والسر من أرق مقامات أهل الولاية، والأخفياء على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: علت هممهم حتى أنهم لا ترضى همتهم بغير جناب الذات، فهم لا يسكنون إلى الحضرات الأسمائية حتى يؤذن لهم في شهود حضرة الذات، وهؤلاء لم يعرفوا بين الناس باسم، وهم ذخائر الله عز وجل حيث كانوا يدفع الله عز وجل بهم عن اهل الأرض البلاء، والطبقة الثانية: أهل تمكين تنزلوا عن مقامهم إلى منازل العامة مع أنهم في مقام خاصة الخاصة، كلموا الناس على قدر عقولهم وما تبلغه أفهامهم، هم مع الناس بظواهرهم وهم مع الله بأرواحهم، يسترون أحوالهم عن الخلق، ينتفع الناس بعلومهم ومعارفهم وهم مع الله في حضرة الشهود بأرواحهم، والطبقة الثالثة: طائفة أخفاهم الله تعالى به عن أنفسهم، يحسبهم الجاهل مجانين، ولكن المحقق لحالهم يعلم بالشواهد صحة حالهم وعلو مقامهم، فإذا تمكن السائر في منزل السر ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (النَفَس)، حيث تنجلي عنهم حالة الاستتار، ويسمى نفسا لتروح المتنفس به، وهو نفس ينقل المحب من مقام السر إلى روح المعاينة، والانفاس ثلاثة: النفس الأول: نفس في حين احتجاب المحبوب واختفاؤه بعد التجلي، وهو يوجب تنفس الحزين المكروب، والنفس الثاني: نفس في حين التجلي والشهود وهو نفس شاخص عن مقام السرور، والنفس الثالث: نفس مطهر من دنس السوى ولوث الغيرية، نفس مطهر بماء القدس من عند القدوس تعالى وتقدس، نفس قائم بإمدادات الحي القيوم، نفس قائم عند التجلي الذاتي لجناب الذات حيث القدم والأزل، وحيث البقاء والأبد لأبد الأبد، فإذا تمكن السائر في منزل النفس ترقى بفضل الله تعالى إلى منزل (الغربة): فيتبدل حال المحب فيرى المحب محبوبا، ويرى الشاهد مشهودا ويرى الطالب في حضرة الشهود صار مطلوبا، فيكون غريبا عن الأوطان والاحوال، واول الغربة: الغربة عن الأوطان، والدرجة الثانية: غربة الحال، والدرجة الثالثة: غربة الهمة وهي غربة طلب الحق وهي غربة العارف، لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة، لفنائه عن نفسه وعن الأغيار في الله ولبقائه بالله بعد فنائه في الله، ولانفراده بأنوار الشهود وتجليات حضرة جناب ذات الحق الأحد سبحانه، فإذا تمكنت منه الغربة وصار إلى غربة الغربة، ترقى إلى منزل (الغرق) فيغرق عن العلم في عين الحال ويغرق عن الإشارة في الكشف ويغرق عن الشواهد في الجمع، والدرجة الأولى من الغرق: الغرق في الأحوال: كالمحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، والدرجة الثانية من الغرق: الغرق في الشهود فلا يشعر لا بنفسه ولا بالسوى، والدرجة الثالثة من الغرق: الغرق في حالة الجمع مع الله، والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد، وصاحب هذه الدرجة رجل غارق في رؤية المعارف القديمة والحقائق الأزلية، ومن كان هذا حاله فهو الغريق حقا وصدقا، فإذا تمكن منه الغرق في الجمع، ترقى إلى منزل (الغيبة) غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد والدرجات إلى حصن الجمع، وأول الغيبة: (غيبة المريد): غائب عن كل ما يشغله عن الله، برفض العلائق التي تشغله عن الله، وقطع العلائق التي تعوقه عن السير في طريق الله، والدرجة الثانية من درجات الغيبة: (غيبة السالك): غائب بالأحوال من المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدهش، والهيمان، غائب في الأحوال مع الله، والدرجة الثالثة من درجات الغيبة: غيبة العارف الواصل إلى حضرة الجمع، حضرة جناب الذات، فهو في حالة جمع مع الحق، على طرف بحر التوحيد، قد أفناه الجمع عما سوى الله، وتلك أعلى درجات الغيبة، وليس بعدها غيبة، فإذا تعمق في الجمع، وتمكنت منه الغيبة، ترقى إلى منزل (التمكن) وهو إشارة إلى غاية الاستقرار في حضرة الشهود، فتجتمع للمحب صحة الانقطاع وصفاء الحال، ويكون في حضرة الشهود متمكنا مستقرا، والدرجة الأولى من درجات التمكن: (تمكن المريد) وهو أن يجتمع له صحة القصد في سيره إلى الله مع قطع الالتفات إلى السوى، والدرجة الثانية من درجات التمكن: (تمكن السالك) وهو أن يجتمع له صحة انقطاع عما سوى الحق، مع صفاء حال يوافق العلم ويلازم الهمة، والدرجة الثالثة من درجات التمكن: (تمكن العارف) وهو أن يحصل له التمكن في حضرة الحق (الحضرة الأحدية)، فلا تكون هناك حجب تمنع من الشهود، وهذا هو التمكن الحقيقي، وهذا موطن الغيب المطلق، ولا يكون الولي متمكنا إلا إن بلغ تلك الرتبة، والتمكن آخر مقامات قسم الولايات.
[القسم التاسع]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم القسم التاسع: قسم الحقائق]: منازل القسم التاسع: هي منازل قسم الحقائق: وهي عشرة منازل: تبدأ بمنزل المكاشفة، ثم المشاهدة، ثم المعاينة، ثم الحياة، ثم القبض، ثم البسط، ثم السكر، ثم الصحو، ثم الاتصال، ثم الانفصال، ومنازل هذا القسم هي منازل الأولياء الذين فرغوا من السلوك، فألهمهم الله تعالى بالحقائق، وأنزلهم منازل الأولياء العارفين بالله، وألهمهم بالمكاشفات ثم أكرمهم بالمشاهدات ورفع عنهم الحجب، وتفضل عليهم بالمعاينات، واحياهم بحياته، قبض بعضهم إليه ضنا بهم عن الخلائق، وبسط بعضهم رحمة للخلق، وجعلهم للدنيا كالشمس وللناس كالعافية فليس للناس عنهم عوض، وأول منازل هذا القسم: منزل (المكاشفة): وهي بلوغ ما وراء الحجاب، مكاشفة عين لا مكاشفة علم ولا مكاشفة حال، وهي على ثلاث درجات: (الأولى): مكاشفة لتجليات الأسماء الحسنى الجمالية والجلالية، حينا دون حين، فإذا فني عن رؤية نفسه في كشفه، كانت المكاشفة مستديمة لا يقطعها حظ من حظوظ الدنيا ولا الآخرة، وأما الدرجة الثالثة: فهي (مكاشفة عين) بعين الحقيقة، تُغيّب المكاشف عن السوى، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة، فإذا تمكنت منه المكاشفة، ترقى إلى منزل (المشاهدة)، لان المكاشفة شهود مع وجود بعض الحجاب، والمشاهدة سقوط الحجاب، وهي على ثلاث درجات: (الأولى): مشاهدة معرفة، تقف بفناء الجمع، تنتظر الإذن بالدخول وكشف الحجاب، والدرجة الثانية من درجات المشاهدة: (مشاهدة معاينة) فوق مشاهدة المعرفة، لأن المعاينة أعلى من المعرفة، والدرجة الثالثة من درجات المشاهدة: (مشاهدة جمع) في حضرة شهود جناب الذات الأحدية، حيث شهود الحق بلا خلق، والعارف في حضرة الجمع يرى الحق بالحق، مشاهدة جمع تجذب إلى عين الجمع، ليبدا الترقي إلى منزل المعاينة الذي هو اعلى من المشاهدة، فإذا تمكنت المشاهدة، ترقى الولي إلى منزل (المعاينة)، وهي أوسع من المشاهدة، والمعاينات ثلاث: الاولى: معاينة الأبصار، والثانية: معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته علما يقطع الريبة ولا تشوبه حيرة، والمعاينة الثالثة: معاينة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة، وغاية المعاينة الترقي إلى منزل (الحياة)، فيحيي بحياة الله الأزلية الأبدية، حياة بالحق تميت الاعتلال، وتمنع الانفصال عن التجليات الربانية، وتورث الاتصال بحضرة الشهود الازلية، والحياة أنواع: الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل، والحياة الثانية: حياة الجمع من موت التفرقة، والحياة الثالثة: حياة الوجود وهي حياة بالحق بعد الفناء عن السوى والأغيار، فإذا تمكن المحب من منزل الحياة، قبضه الله تعالى إليه، ورقاه إلى منزل (القبض)، وهذا مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه وضن بهم على أعين العالمين، فأخفاهم عن عيون الخلق، حتى يرزقهم الانس به وحده، استخلاصا لنفسه، وهؤلاء مشغولون بالله وحده، غائبون عن رؤية انفسهم، يغار الحق عليهم فقبضهم إليه، ثم يبسط من شاء منهم ويرقيه إلى مقام (البسط) رحمة بالناس ليستضيئوا بنوره، ويتعلموا من حاله، وهؤلاء هم أعلام الطريق وأئمة الهدى ومصابيح الدجى للسالكين، وهؤلاء بسطهم الله تعالى رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم ليحصل للناس البركة بمعاشرتهم، فيستضئون بنورهم الرباني، والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات مجموعة في بواطنهم لا تتشتت بمعاملة الناس، بل يشاهدون الحق في خلقه، فلا يحتجبون بهم عنه، بل يعاملونهم لله بالله، و سرائرهم محفوظة لا يعلم بها إلا الله، فلا يظهرون للخلق ما لا يجوز إظهاره، ولا ما لا تحتمله عقولهم وافهامهم، وهؤلاء لا يكون منهم شطح ولا بوح ولا تغير وذلك لقوة تمكنهم وتمام استقامتهم، وهؤلاء أعلام الطريق وأئمة الهدى، ومنهم الربانيين العارفين أصحاب مدارس التزكية والتربية والتصوف في العالم الإسلامي، الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ)، ولا تخلو الأرض من هؤلاء الاولياء، وقد يغلب البسط، فيترقى الولي إلى مقام (السكر) لسقوط التمالك من شدة الطرب بالانس بالله، وللسكر ثلاث علامات: (العلامة الأولى): الضيق عن الاشتغال بالاخبار لشدة شغله بالمحبوب، كل ذلك والتعظيم للأخبار قائم فهو معظم للكتاب وللسنة، متبع لما جاء فيهما، متشاغل بالله موافق له في أمره ونهيه معظم لشرعه مطيع لأمره، و (العلامة الثانية): الغرق في لُجة بحر الشوق والتمكن في العلم والعمل ولزوم الشرع والورع دائم، و (العلامة الثالثة) الغرق في بحر السرور بشواهد قرب المحبوب، مع ان صبره عن المحبوب مفقود، فهو غريق في بحر السرور يستولي عليه السرور بقرب رؤية الحق، والصبر عن المحبوب مفقود لغلبة الشوق، فحاله كما قال الشيخ: (الغرق في بحر السرور والصبر هائم)، فإذا شاء الله تعالى للمحب الترقي نقله إلى منزل (الصحو) والصحو فوق السكر، فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق، والصحو من منازل الحياة، لأنه صحو بالحق، وهو من أودية الجمع لأنه في حضرة جناب الذات الأدية بالله، وهو من لوائح الوجود، لأنه فانٍ عن نفسه باقٍ بالموجود الحق يرى بالله وحدة الوجود الحق، فإذا تمكن الصحو ارتقى المحب إلى مقام (الاتصال) بالحقائق، وبحضرة الشهود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار، وللاتصال ثلاث درجات: اتصال الاعتصام، ثم اتصال الشهود، ثم اتصال الوجود، فالدرجة الأولى من درجات الاتصال: (اتصال الاعتصام بالله)، ومعناه: الترقي عن كل موهوم بالفناء عما سوى الله، فلا يرى سواه، فهذا هو الاعتصام بالله، والدرجة الثانية من درجات الاتصال: (اتصال الشهود) أي اتصال الشهود لجناب الحق في حضرة الشهود، وإنما يكون ذلك بالترقي عن حضرة الأسماء والصفات والتجليات الأسمائية إلى حضرة الحق ذاته، والدرجة العليا من درجات الاتصال: اتصال الوجود، وإنما يكون ذلك بفناء العبد عن وجوده في الوجود الحق، وهذا الاتصال هو أعلى معاني الاتصال، وليس بعده سوى الانفصال بالكلية عما سوى الله، فإن دام الاتصال وتمكن الاتصال، ارتقى المحب إلى مقام (الانفصال) عن الكونين الدنيا والآخرة، فلا يرضى عن مقامه عوضا لا من الدنيا ولا من الآخرة، والوجه الأول من وجوه الانفصال: انفصال العبد عن الكونين الدنيا والآخرة، انفصال التعلق والتوجه والمبالاة والاشتغال، فلا يحتجب بهما عن الله، ولا يتعلق بهما من دون الله ولا ينظر إليهما، ولا يكون لهما أو لأحدهما أدنى قدر أو وزن في القلب، فهذا الانفصال الأول هو شرط الاتصال بحضرة جناب الله، والوجه الثاني من وجوه الانفصال: انفصال عن رؤية الانفصال السابق، لان الكونين لا يساويان شيئا إذا ما قورنا بالشهود والدخول على حضرة الحق، والوجه الثالث من وجوه الانفصال يلغي الوجهين الأول والثاني، فهو انفصال ناتج عن شهود حقيقة أزلية جناب الذات في الحضرة الأحدية، فجناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء، والانفصال والاتصال في العلة سيان، لان مبناهما على توهم وجود الغير وفي الحقائق فلا موجود إلا الموجود الحق وكل ما سواه عند التحقيق وهم وظلال لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته وأفعاله، والظل لا يستقل بنفسه، وعند التحقيق فالظل ظل لا حقيقة لاستقلاله، وعند التحقيق لا غير ولا سوى، ولا موجود إلا الحق، فكيف يمكن توهم الاتصال والانفصال، جناب الحق أجل من ان يتصل به شيء أو أن ينفصل منه شيء، كيف وله الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل ولا اتصال ولا انفصال، ولا كفء ولا مثيل، أحد صمد لم ينفصل منه شيء ولا يتصل به شيء ولم يكن له كفوا أحد، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} له الأحدية المطلقة فلا جزء ولا كل، {اللَّهُ الصَّمَدُ} له الغنى المطلق فلا حاجة ولا علة {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لم ينفصل منه شيء ولم يتصل به شيء {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فليس كمثله شيء، وبهذا المنزل تنتهي منازل قسم الحقائق، وتبدأ منازل قسم النهايات، وهي أعلى مقامات السلوك وأرقى منازل الشهود، وهي مقامات يرى فيها العارف بربه لا بنفسه.
[القسم العاشر]: ترتيب الشيخ الانصاري الدقيق لمنازل القسم العاشر: [قسم النهايات]: قسم النهايات: عشرة منازل: تبدأ بمنزل المعرفة، ثم الفناء، ثم البقاء، ثم التحقيق، ثم التلبيس، ثم الوجود، ثم التجريد، ثم التفريد، ثم الجمع، وأعلاها التوحيد، وهو أعلى المنازل وهو بحر لا ساحل له، وتبدأ النهايات بمقام (المعرفة): الدرجة الأولى: معرفة صفات الله تعالى، وهذه هي المعرفة التي يعرفها الفقهاء والمتكلمون بأدلة الكتاب والسنة، والمعرفة الثانية هي معرفة جناب الذات، وهذه المعرفة تختص بالخاصة أهل الحضرة الواحدية، حيث شهود تجليات الأسماء الحسنى الجلالية والجمالية، فإذا انكشف هذا الحجاب عن وجه الذات في الحضرة الاحدية ارتقى الشاهد من حضرة الكثرة الأسمائية إلى حضرة جناب الذات، وهذه هي الدرجة الثالثة من المعرفة هي درجة خاصة الخاصة أهل الحضرة الأحدية، وهي أعلى درجات المعرفة، فإذا تمكنت المعرفة ارتقى الولي إلى مقام (الفناء): والفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف، وهو أن يعرف أن الحق هو عين الوجود من حيث هو الوجود الحق المطلق، وما عداه هو العدم المطلق، فيجحد ما دون الحق، لشهود الحق هو الموجود الحق، فلا يبقى لغير الحق رسم فلا موجود إلا الحق، والدرجة الثانية من درجات الفناء: فناء شهود الطلب، بالوصول إلى المطلوب والدخول على حضرة الحق، والدرجة الثالثة من درجات الفناء: هو الفناء عن شهود الفناء، وهو نهاية مقام الفناء وبداية مقام البقاء، في الحضرة الاحدية التي تقهر كل شيء فلا يبقى إلا جناب الذات، ويكون الفناء المحض للولي في حضرة الحق حيث فناء الرسوم وانطماس الآثار، و الفناء عن شهود الفناء، ولا يبقى إلا الأحد تعالى وتقدس، فإذا بلغ العارف هذا الفناء، امتن الحق سبحانه بترقيته إلى مقام (البقاء)، ففي منزل الفناء يفنى العارف في الذات الأحدية، وفي منزل البقاء يبقي ببقاء الحق، ومنزل البقاء على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما، والدرجة الثانية: بقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا، والدرجة الثالثة: بقاء ما لم يزل حقا وهو الحق سبحانه، بإسقاط ما لم يكن، وهو كل ما سوى الله، وفي هذا المقام يكون العبد موجودا بالله باقيا ببقاء الله بعد فنائه التام عما سوى الله، يشاهد الحق بعين الحق باقيا ببقائه، حيا بحياته، عالما بعلمه، يسمع بسمع الله، ويبصر ببصر الله ويتكلم بالله، فإذا تمكن الولي من منزل البقاء، ارتقى إلى مقام (التحقيق): والتحقيق يكون بعد مقام البقاء، وهو تحقيق البقاء بالله في الله، وهو تجريد ما صحبك من صفات الحق، عن صفاتك في مقام البقاء بالله، فلا ينازع علم العارف المحدث علم الله القديم ولا ينازع شهوده المحدث شهود الله القديم ولا ينازع وجوده الإضافي وجود الحق، فيتم التحقيق بالحق، في حضرة الحق حيث تسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات، وللتحقيق ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن لا يخالج علمك علمه، وأما الدرجة الثانية من التحقيق: أن لا ينازع شهودك شهوده، وأما الدرجة الثالثة من التحقيق: أن لا يناسم رسمك سبقه، وهذا غاية التحقيق، حيث تسقط الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات، فإذا بلغ العارف هذا التحقيق، امتن الحق سبحانه بترقيته إلى مقام (التلبيس)، فيظهر للناس في رسوم الخلق، هداية للخلق ورحمة بهم، وهذه درجة الأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع المشيرين عن عينه، والتلبيس هو منزل الوارثين، الذين يلبسون على الناس صيانة لأنفسهم ورحمة بالخلق، ويكون التلبيس بكتمان الكرامات، صيانة لأنفسهم من الرعونة ورحمة بالناس أن يعظموهم بما لا ينبغي، ويكون التلبيس بالأخذ بالأسباب توسيعا على الناس لا لأنفسهم، لانهم يعلمون ضعف الناس وانهم اهل حجاب لا يقدرون على الانقطاع إلى الله بالكلية عاجزون عن فعل ذلك، لذلك يلبسون عليهم بمزاولة الاسباب ترحما عليهم وتوسيعا عليهم، فإذا امتن الحق سبحانه بترقية الوارث رقاه بعد ذلك إلى مقام (الوجود) الوجود الأزلي القديم بالله منخلعا عن ذاته المحدثة، مستغرقا في الأولية التي لا ابتداء لها، و(الوجود) اسم لثلاثة معان تتعلق بالوجود: [الوجود الأول]: (وجود علم لدني) حاصل من عند الله تعالى بلا واسطة يقطع علوم الاستدلال، و[الوجود الثاني]: وجود الحق وجود عين حقيقة في حضرة الجمع بجناب الذات، حيث تنتفي الاثنينية، فتنقطع العبارة ولا مساغ للإشارة، و [الوجود الثالث]: مقام اضمحلال رسم الوجود بالفناء في أزلية الحق إذ لا رسم للحادث عند تجلي القديم، وهذه الدرجة هي أصفى مراتب الشهود، ونهاية مقام الوجود، فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التجريد) فيذوب عن ذاته ويغيب عن نفسه في عين الجمع، وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تجريد عين الكشف عن كسب اليقين، فيكون عالما بعلم الله لا بعلمه، و [الدرجة الثانية من درجات التجريد]: (تجريد عين الجمع عن درك العلم) بتجريد حقيقة الجمع بالذات عن الإدراك العلمي، فالعلم صفة، وعين الجمع جمع بالذات، والجمع لا يكون إلا بمحو الرسوم والصفات، و [الدرجة الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد]، فإنه إن شهد تجريده كان شهوده شاهدا ببقاء ذاته، فلا يكون مُجرّدا، فكانت الدرجة العالية من التجريد تقتضي: تجريد الخلاص من شهود التجريد، وصاحب مقام التجريد يشهد بالله لا بنفسه، فيكون آنذاك خالصا من شهود التجريد، فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التفريد) بالإشارة من الحق للحق فليس في الوجود سوى الحق واجب الوجود، و(التفريد): أن يتفرد الولي عن الأشكال، وينفرد في الأحوال، فلا يرى لنفسه حالاً، بل يغيب برؤية الحق جل جلاله عنها، وصاحب منزل التفريد هو المنفرد عن السوى والاغيار فلا يأنس بها ولا يستوحش منها لأنه مشغول بالحق عنها، والتفريد درجات: أولها: تفريد أهل البدايات بتخليص الإشارة إلى الحق، وتفريد اهل التوسط تخليص الإشارة بالحق، وتفريد اهل النهايات يكون بتخليص الإشارة عن الحق، فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (الجمع): والجمع ما اسقط التفرقة وقطع الإشارة، والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد، وهو على ثلاث درجات، جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين، فأما جمع العلم فهو تلاشي علوم الاستدلال وانطماسها في العلم اللدني عند تجلي علم الحق الازلي، وأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين وجود الحق، وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق، حيث الترقي من الحضرة الواحدية إلى الحضرة الأحدية وهذا هو طرف بحر التوحيد الذي لا ساحل له، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا نهاية، فإذا امتن الحق سبحانه بترقية العارف رقاه بعد ذلك إلى مقام (التوحيد)، وهو أعلى مقامات السالكين، وما سوى هذا المقام فكله مصحوب العلل، وهو مقام اختصه الحق لنفسه، وأول ساحله: إسقاط الحدث وإثبات القدم، وكل ما سوى الله حدث، فلا يوحده حق توحيده سوى إياه، ومهما بلغ العارفون وترقوا في علوم التوحيد ومعارفه، فإنّهم على ساحل بحر لا حد له ولا منتهى له، وهو نقطة في بحر توحيد الأنبياء والمرسلين، ومهما بلغ العبد وترقى في تجليات التوحيد ومعارفه، فإنّه قاصر عن بلوغ كمال التوحيد الذي لا حد له ولا منتهى، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا نهاية، والتوحيد على ثلاثة وجوه: الوجه الأول توحيد العامة الذي يصح بالشواهد، والوجه الثاني توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق، والوجه الثالث توحيد قائم بالقدم، وهذا التوحيد لا يصح إلا بالقدم لأنه اسقاط الحدث واثبات القدم، وهذا هو توحيد العارفين، وهو نقطة في بحر توحيد الأنبياء والمرسلين، ومهما بلغ العبد وترقى في تجليات التوحيد ومعارفه، فإنّه قاصر عن بلوغ كمال التوحيد الذي لا حد له ولا منتهى، لتعلقه بالمنزه عن الحدود والغايات والنهايات، فلا حد ولا غاية ولا نهاية، اللهم افتح علينا فتوح العارفين وخذ بأيدينا إلى الحق المبين، واغفر لنا يا أرحم الراحمين،