الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق السادس من أخلاق المسلم مع الله: تقوى الله: التقوى هي الخوف من الجليل سبحانه وهي العمل بالتنزيل وهي الاستعداد للرحيل، ومعنى التقوى كما قال بعض السلف: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102]، أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر هذا معنى {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102]، ولا شك أن الإنسان عرضة للخطأ وعرضة للمخالفات، أنزل الله سبحانه وتعالى بعدها قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فمن اتقى الله على حسب استطاعته فقد اتقاه حق تقاته وهذا تيسير من الله وتخفيف على عباده، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته، الخوف من الجليل وهو الله سبحانه وتعالى، والعمل بالتنزيل وهو الكتاب والسنة، والاستعداد للرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة وذلك بالعمل الصالح، وهذا كما في قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]، فقد أمر الله جميع الخلق بخلق التقوى قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء:1]، وأمر به المؤمنين خصوصاً كما في الآيات التي سمعتم بعضاً منها وأمر بها نبيه e فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الأحزاب:1]، وأخبر سبحانه أن التقوى هي خير الزاد للآخرة قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]، والتقوى مقياس التفاضل بين البشر قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
عاقبة التقوى: قالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} أي: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ) وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه (يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً) أي: يجعل له من أي ضائقة تصيبه وتلم به مخرجاً، ومن كل كرب وضيق فرجا، (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) أي: ييسر له أسباب الرزق من حيث لا يشعر ولا يعلم، ومن حيث لا يخطر بباله قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، وقد رتب اللّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئاً كثيراً، قال تَعَالَى: {إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، الأول: الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، الثاني: تكفير السيئات، والثالث: مغفرة الذنوب، والرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم)، وتفاضل الناس عند الله تعالى إنما يكون بميزان التقوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي.
وللتقوى فضائل كثيرة: منها: أنها خير زاد، قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وأنها خير لباس، قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، وأنها سبب لقبول الأعمال، قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وأنها سبب لتيسير الأمور، قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)، ومنها أنّ العاقبة لأهل التقوى، قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وأنها سبب في دخول الجنة، قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وأنها سبب لتكفير السيئات، قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)، وأنها سبب لحصول البشرى لهم، قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا)، وأنها سبب للفوز والهداية: قال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)، وأنها سبب للنجاة يوم القيامة، قال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)، وأنها من أسباب الرحمة: قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ)، وأنها من أسباب ولاية الله، قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، و أنها سبب لمحبة الله، قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، وأن بها ينال العبد معية الله، قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، [[ما هي أهم صفات المتقين]]: إن للمتقين صفات وأعمال نالوا بها السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: قال الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 1 إلى 4]، ونجد في هذه الآيات من صفات المتقين: الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق الواجب والمستحب في جميع طرق الخير، الإيمان بالقرآن والكتب المنزلة السابقة، والإيقان والإيمان الكامل بالآخرة، واليقين هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، ومن اتصف بهذه الصفات كان من المتقين، وقال الله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْـمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، وفي هذه الآية الكريمة بيّن الله تعالى كثيراً من صفات المتقين، من الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب التي أنزل الله تعالى، والإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإعطاء المال، للأقرباء، واليتامى، والمساكين، والمسافرين، والسائلين، وإعتاق الرقاب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في الفقر، والمرض، ووقت قتال الأعداء، والصدق في الأقوال، والأفعال، والأحوال، فهؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال هم الذين صدقوا في إيمانهم، وَأُولَـئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ وقال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133 إلى 136]، في هذه الآيات أعمال عظيمة وصفات كريمة لأهل التقوى، ذكرها الله تعالى بعد أن أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي أعدها للمتقين، وهذه الصفات على النحو الآتي: الإنفاق: في العسر واليسر، والشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}، ومن صفاتهم كظم الغيظ وعدم إظهاره، والصبر على مقابلة المسيء إليهم، فلا ينتقمون منه، العفو عن كل من أساء إليهم بقول أو فعل {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ}، ثم من أهم صفاتهم: المبادرة للتوبة والاستغفار عند عمل السيئات الكبيرة والصغيرة، {إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله}، ومن أهم صفاتهم عدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها،بل تابوا عن قريب، {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، ثم بيّن الله تعالى جزاء المتقين: مغفرة من ربهم وجنات فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}، وقال الله تعالى: {إِنَّ الْـمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ} [الذاريات: 15 إلى 19]، في هذه الآيات أعمال عظيمة من أعمال المتقين، وصفات كريمة من صفات المتقين، منها: الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}، ومن أهم صفاتهم: صلاة الليل الدالة على الإخلاص: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، ومن أهم صفاتهم: الاستغفار بالأسحار قبيل الفجر، {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، ومن أهم صفاتهم: الإنفاق على المحتاجين: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ}، هذه صفات المتقين الذين استحقوا قوله تعالى: {إِنَّ الْـمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.
[ما هي أهمية التقوى؟]: أن كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) تسمى كلمة التقوى: قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الفتح: 26]، و(التقوى): أمر الله بها عباده عامة وأمر بها المؤمنين خاصة: قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2]، وقال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وقال تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16]،، و(التقوى): وصية الأنبياء لقومهم: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 106]، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 142]، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 161]، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 177]، وقال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 16]. [ما هو الطريق الموصل إلى التقوى؟]: هذا الطريق أوضحه القرآن الكريم في آيات عديدة منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، فعبادة الله تعالى وحده هي الطريق إلى التقوى، والعبادة هي الغاية من خلق الإنسان، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، يقول الفقهاء: (العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق) وأهم المصالح تحقيق تقوى الله لأنّ بها الفوز والفلاح بالدنيا والآخرة، ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالصيام طريق إلى تقوى الله، والصيام وسيلة لحصول التقوى، الله عز وجل فرض الصيام على الإنسان من أجل التقوى، والصيام مدرسة لتعلم التقوى، فالصيام يكسر شهوة البطن والفرج وهما شر كل بلية، والصيام يربي الإنسان على التحكم بغرائزه وشهواته، وتسييرها كما يريد الشرع، والصيام يربي الإنسان على الصبر: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، وبالصيام يتعلم المسلم كيف يقهر نفسه وهواه، لأن طاعة النفس والهوى أساس المعاصي و الذنوب، فما عُصي الله إلاّ بطاعة الهوى، فجاء الصيام ليدرب المسلم على ترك ما تهواه نفسه وتنازعه عليه، وعلى أن يقهر نفسه، والصيام فيه الإحساس بحاجة الفقير والمحتاج، وفيه الحث على الصدقة، والصيام يربي في النفس التعلق بالله والرجوع إليه والالتجاء إليه وحده، ولذلك كان الصيام طريق إلى تقوى الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}فمن صام الصيام الشرعي وحفظ جوارحه من خدش الصيام، وأدرك بقلبه وجوارحه معاني الصوم فقد عاش التقوى وتحققت له التقوى، ومن الطرق الموصلة إلى التقوى: قوة التمسك بالكتاب والسنّة واتباع ما جاء فيهما من شرع الله وأمره ونهيه، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [تكرر في موضعين من القرآن الكريم الأول في سورة البقرة آية (171)، والثاني في سورة الأعراف آية (63)، والأمر الرباني يدبنا على أنّ حصول التقوى متوقف على شدة التمسك بالكتاب والسنّة واتباع ما جاء فيهما من شرع الله، {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ومن الطرق الموصلة إلى التقوى: تطبيق شرع الله تعالى في حياة البشر، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، وهي تدلنا على أنّ تحقيق التقوى إنما يكون بتطبيق شرع الله تعالى في حياة البشر،، ومن الطرق الموصلة إلى التقوى: اتباع الصراط المستقيم، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وهي تدلنا على أنّ اتباع الصراط المستقيم هو الطريق إلى التقوى، والصراط المستقيم هو ما جاء به الكتاب وما دل عليه هدي الرسول صلى الله عليه سلم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 إلى 163]، وهو الصراط المتمثل في عبادة الله تعالى وحده وإفراده بالعبادة والطاعة، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 60، 61]، واتباع الصراط المستقيم يقتضي الدخول في سائر تعاليم الإسلام، بامتثال أوامر الله تعالى في كتابه الكريم، والاقتداء بنبيه e في سنته وهديه، كما في قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} واتباع الصراط المستقيم يقتضي البراءة من اتباع ما سوى ذلك من سبل، لأن فيها كفرا أو فسوقا أو عصيانا، وذلك كله يؤول إلى تمزيق وحدة المسلمين، فالصراط المستقيم واحد، والباطل سبل متعددة وأصناف متنوعة، ومذاهب وفرق وملل ونحل ضالة باطلة، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}إنّ تقوى الله تجعلك أكرم الناس ألا تحب أن تكون من أكرم الناس عند الله، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وتقوى الله توصلك إلى محبته، ألا تحب أن يحبك الله، قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]، وتقوى الله توصلك إلى ولايته: قال تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 19]، ألا تحب أن تكون من أولياء الله، والله تعالى يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 إلى 64]، وتقوى الله توصلك إلى معيته، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، لا فلاح في الدنيا ولا فوز في الآخرة إلا بتقوى الله تعالى، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130]، ولا يتحقق الشكر لله إلا بتقواه، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، وقليل من عباد الله من حاز منزلة الشكر، قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، إن العاقبة في الدنيا والآخرة للمتقين:قال تعالى: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [لأعراف: 128]، وقال تعالى: {ذلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، و قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، ألا تحب أن تكون لك العاقبة في الدنيا والآخرة، إنه خلق التقوى، ذهبت التقوى بخيري الدنيا والآخرة، لعمرك ما السعادة جمعَ مال ولكن التقيَ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخراً وعند الله للأتقى مزيد، فليكن أكثر ما يتخلق به المسلم خلق التقوى، فإنه أعظم الأخلاق، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.