الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الخامس عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق التوكل على الله: التوكل على الله خلق عبادة الصادقين، وسبيل عباده المخلصين، أمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين، وأولياءه المؤمنين، فقال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا}، وقال جل شأنه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وأمر به المؤمنين، فقال سبحانه – في سبعة مواضع من القرآن -:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، والتوكل هو الثقة بما عند اللّه، واليأس عما في أيدي الناس، والتوكل هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى، وخلق التوكل خلق عظيم لا ينافي الأخذ الأسباب، فقد أخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل؟ – لناقته – فقال e: (اعقلها وتوكّل) ([1]) . وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللّه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}([2]) .، وفي الحديث قال النبي e لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا تبشّرهم فيتكلوا) دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال، والحديث (قوله e: يا معاذُ، هل تدري حقَّ اللهِ على عبادِه، وما حقُّ العبادِ على اللهِ. قلت: اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: فإنَّ حقَّ اللهِ على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العبادِ على اللهِ أن لا يعذبَ من لا يشرك به شيئًا. فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أفلا أبشر به الناسَ؟ قال: لا تبشِّرهم فيتَّكلوا) ([3]) .
والمؤمن الحق وإن أخذ بالأسباب فأنه لا يعتمد عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى، لأنه يعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله، وأنه لو شاء الله تعالى أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه، والمسلم الحق يلجأ إلى الله تعالى في كل أحواله، قال سبحانه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 81]، وجاء في صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ e حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}([4]) .، وجاء في الحديث المتفق على صحته: قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: إَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) ([5]) . وفي ذلك يقول ربنا:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]، وخلق التوكل دليل على صدق الإيمان: قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، ومآل خلق التوكل إلى الجنة قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يتوكلون [العنكبوت: 58-59].
وأما الأحاديث في فضل التوكل فهي كثيرة، منها، ما أخرجه البخاري ومسلم: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله e وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله e فقال: (ما الذي تخوضون فيه)؟ فأخبره فقال: (هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (أنت منهم) ثم قالم رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة) ([6]) . ولفظة يرقون انفرد بها مسلم، وهي شاذة([7]) .
وأخرج مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) ([8]) . قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة، وأخرج البخاري ومسلم: عن جابر رضي الله عنه أنه غزا مع النبي e قبل نجد، فلما قفل رسول الله e قفل معهم، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله e وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله e تحت سمرة، فعلق بها سيفه، ونمنا نومة فإذا رسول الله e يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: (إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم، فاستيقظ وهو في يده صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثا ولم يعاقبه وجلس) ([9]) . وأخرج الترمذي: عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) ([10]) . ومعناه تذهب أول النهار خماصا، أي: ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بطانا: أي ممتلئة البطون، وأخرج أبو داود والنسائي عن أم المؤمنين أم سلمة، رضي الله عنها أن النبي e كان إذا خرج من بيته قال: (بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) ([11]) .، وأخرج أبو داود : عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان) ([12]) .
جاء في مدارج السالكين: (والتوكل من منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال الله تعالى: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [إبراهيم: 12]، وقال لرسوله e: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: 79]، وقال له: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً [النساء: 81]، وقال له: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58]، وقال له: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159]، وقال عن أنبيائه ورسله: وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: 12]، وقال عن أصحاب نبيه {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، وفي الصحيح: أن رسول الله e كان يقول: (اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) ([13]) .، والتوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة، ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار، والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السموات والارض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل، وإن تباين متعلق توكلهم، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه، من رزق أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة أو ولد، ونحو ذلك) ([14]) .
وخلق التوكل على الله تعالى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب، فليس معنى التوكل نبذ الأسباب، وترك العمل، والقنوع والرضى بما تجري به الأقدار، هذا تواكل وليس توكل، والتوكل: عبادة وطاعة لله تستلزم إحضار كافة الأسباب المطلوبة لإنجاح أي عمل، والمسلم المتوكل على الله حق توكله لا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها، ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها، فالتوكل الصحيح، عمل صحيح متقن، واعتقاد جازم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والمسلم المتوكل على الله حق توكله يؤمن بسنن الله في الكون فيعد للأعمال أسبابها المطلوبة لها، ويستفرغ الجهد في إحضارها وإكمالها وإتقانها، وهو لا يعتقد أبدًا أن الأسباب وحدها كفيلة بتحقيق الأغراض، بل هي مجرد أسباب، وخالق الأسباب هو الله تعالى، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكم من عامل لم يأكل ثمرة عمله، وكم من قاعد أتاه رزقه، فالكل تحت مشيئة مسبب الأسباب، ولكن المسلم مطالب بالتوكل وهو اتقان العمل والتأمل من الله تعالى بالثمرة، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، ولهذا فإنّ الاعتماد على الأسباب وحدها كفر وشرك، وترك الأسباب المطلوبة لأي عمل وإهمالها فسق ومعصية وتواكل باطل، لا علاقة له بخلق التوكل، فالتوكل اتقان العمل والتأمل من الله في اتمام النتائج، وللمتوكل الحق أعظم العظة والقدوة في نبينا e، إذا كان لا يعمل عملا إلا أخذ بأسباب نجاحه، وكان لا يخوض معركة حتى يعد لها عدتها ويهييء لها أسبابها، فيختار حتى مكان المعركة، وزمانها، ولا يخوض المعركة إلا بعد أن يكون قد أعد عُدته، ورسم خطته، ونظم صفوفه، وإذا فرغ من كل الأسباب المادية المطلوبة لنجاح المعركة رفع يديه سائلا الله عز وجل (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) ([15]) .ولو نظرنا إلى هجرة النبي e، مع أنها كانت بأمر من الله، ونجاحها مضمون على الله تعالى، وهو سبحانه الذي أمر بها، ولكن انظر إلى الترتيبات التي اتخذها رسول الله e لضمان نجاحه في هجرته e، وأول ذلك: اتخاذ الصاحب، بل خير الأصحاب، أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليصحبه في طريقه إلى المدينة، وإعداد زاد السفر من طعام وشراب، وإعداد الراحلة، والاستعانة بالدليل الذي يعرف مسالك الطريق ودروبها الوعرة ليكون دليلا وهاديا في هذه الرحلة الصعبة، ولما أراد أن يخرج من بيته الذي طوقه العدو وحاصره فيه حتى لا ينفلت منه أمر e ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام على فراشه تمويها على العدو الذي ما برح ينتظر خروجه من المنزل ليفتك به ثم خرج وترك العدو ينتظر أن يقوم النائم على الفراش، وهم يظنون أنه رسول الله e، وقد كانوا ينظرون من خلال شقوق الباب، وكذلك اختياره عكس طريق الهجرة حتى يموه على العدو، واختبائه e في غار ثور ثلاثة أيام حتى يئس المشركون وملوا وقل البحث خرج ليكمل طريقه إلى المدينة المنورة، وظهر التوكل جليا عندما قال له أبو بكر رضي الله عنه، وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا يا رسول الله قال له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)؟ ([16]) .فعند تحليل حادثة الهجرة، نعلم يقينا أنّ النبي e أخذ بكافة الأسباب المؤهلة لنجاح العمل، مع الاعتماد على الله تعالى في إتمام العمل ونجاحه، وكل مسلم مأمور بفهم التوكل من خلال عمل النبي e وسنته، وما عدا ذلك تواكل وبطالة نهى عنها شرع الإسلام، والتوكل بهذا الفهم هو الذي يحبه الله تعالى لقوله سبحانه: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقوله سبحانه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، والمسلم في توكله على الله تعالى، في طلب الرزق لا يُبالغ في طلب الأسباب فوق الحاجة، وذلك لما أخرجه ابن ماجة الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه عن النبي e (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم) ([17]) . والمسلم أيضا في توكله على الله تعالى في طلب الرزق يطلب الحلال، لما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي e (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب تصيبه) ([18]) .وذكر المفسرون عند تفسير قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]،: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله هذه الآية: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: (بل أنتم المتأكلون إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله) والنبي e يدلنا على خير التوكل وأقومه بقوله e: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) ([19]) .إذن التوكل في الإسلام عمل ونشاط لا قعود وكسل: قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}، أمر الله تعالى نبيه e أن يأخذ بأسباب النجاح ويشاور الناس فيما ينفعهم، ثم إذا عزم على شيء بعد الأخذ بأسبابه يأتي ها هنا التوكل على الله، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}، إذن فهم المسلمين الخاطئ لباب التوكل هو الذي أدى إلى تخلفهم عن ركب التقدم العالمي، تخلفنا لأننا تواكلنا من باب البطالة والكسل وإهمال العمل وإهمال اتقان العمل، ولو فهم المسلمون المراد من التوكل وأخذوا بأسباب النجاح لما كان هذا حالنا، فلو توكلنا على الله تعالى حق توكله، وحق توكله الأخذ بأسباب النجاح مع الاعتماد على الله في اتمام العمل، لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، ولنصرنا على أعدائنا ولسخر لنا الأرض ومن فيها، إنّ التوكل عزة المسلم، والتواكل ذلة وبطالة، وشتان بينهما، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق: 3]،
[خلاصة الربط بين التوكل والأخذ بالأسباب]: الأمر الأول: يتمثل في أنّ التوكل لا ينافي أخذ الأسباب، لقوله e – للرجل عندما سأله عن الناقة: يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل -، فقال e (اعقلها وتوكّل) [سنن الترمذي]، ولما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللّه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}، وقوله e لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا تبشّرهم فيتكلوا) دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال، إذن التوكل لا ينافي أخذ الأسباب، والأمر الثاني: تتخذ الأسباب وإن كانت ضعيفة في نفسها، ولذلك أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض برجله بعد أن دعا لمرضه، وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من اتخاذ السبب ولو كان ضعيفاً، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من فعل الأسباب، كما أنّ الله تعالى لما أراد أن يطعم مريم وهي في حالة وهن وضعف أمرها أن تهز جذع النخلة؛ لأن السبب يتخذ ولو ضعف {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}، والأمر الثالث: أن المسلم لا يعتمد على الأسباب، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى، لأنّ الله تعالى هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه، ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق لأن الله قدر ذلك، وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه السكين على عنقه وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه لأن الله لم يأذن في ذلك، فلا يعتمد إلا على الله، وتتخذ الأسباب، لأن الله يقدر الأمور بأسبابها. [متى يتأكد التوكل]: المسلم عليه أن يعتمد على الله في أمره كله، ويتأكد في مواضع منها: [(أولا) عند النوم لأنك لا تدري هل تعود إلى الدنيا أم لا]: أخرج البخاري ومسلم: عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما أنه قال: قال النبي e: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الّذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنّ آخر ما تتكلم به) ([20]) . (ثانيا) عند نزول الفاقة: أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ) ([21]) . [(ثالثا): عند الإعراض عن الأعداء: قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء: 81]، [(رابعا) إذا أعرض الناس عنك: قال تعالى:{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129]، [(خامسا) عند مسالمة الأعداء أو مواجهتهم: قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61]، وعند مواجهة الأعداء: قال تعالى: {قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 10-12]، [(سادسا): عند نزول المصائب وحلول الكرب: قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) ([22]) .وفي سنن أبى داود قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ([23]) . [(سابعا) عند الخروج من المنزل]: أخرج أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ) ([24]) .والمسلم الحق عليه أن يلجأ إلى الله تعالى في كل أحواله، فلا أشقى من عبد وكله الله إلى نفسه، قال سبحانه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء: 81]، أخرج أبو داود دعاء النبي e: (اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ([25]) .[نماذج من توكل الأنبياء عليهم السلام]: [توكل نبي الله نوح عليه السلام]: قال تعالى عن تعالى عن نوح عليه السلام: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71]، ومعنى الآية: أعدُّوا أمركم، وادعوا شركاءكم، ثم لا تجعلوا أمركم عليكم مستترًا بل ظاهرًا منكشفًا، ثم اقضوا عليَّ بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، ولا تمهلوني ساعة من نهار فكيدوني جميعا لا يتخلف منكم أحد، [توكل نبي الله هود عليه السلام]: قال تعالى عن هود عليه السلام: {قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 53-56]، [توكل نبي الله يعقوب عليه السلام]: قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: {قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْ ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يونس: 66-67]، [توكل نبي الله موسى عليه السلام]: قال تعالى عن موسى عليه السلام: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ *وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 53-62]، البحر أمامه، وفرعون خلفه، والجبال الشاهقة ترى عن يمينه وشماله، ومع ذلك:{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، [توكل الرسول e]: أخرج البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: ({حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ e حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ e قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ –شجر شوك- فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ e وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ e تَحْتَ سَمُرَةٍ –شجرى الطلح- فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ e يَدْعُونَا، فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ) ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ e وأخرج البخاري ومسلم عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: (إَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ:(يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) ([26]) . وفي ذلك يقول ربنا:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [ثمرات التوكل]: (1) النصر: قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، فأمر الله بالتوكل بعيد ذكره للنصر ليدلل على أن من أسبابه الاعتماد عليه، (2) الحفظ من الشيطان الرجيم: قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]، (3) الرزق: ففي سنن الترمذي وابن ماجة: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) ([27]) . (4) صدق الإيمان: قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، وقال تعالى: في سبعة مواضع في القرآن الكريم:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، (5) الكفاية والحماية والرعاية: قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلً} [النساء: 81]، وقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]، وقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]، (5) نيل محبة الله: قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، (6) الجنة: قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ} [العنكبوت: 58-59]، وفي الصحيحين عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ e في وصف الذين يدخلون الجنة بغير حساب قَالَ: (هُمْ الَّذِينَ َلَا يَسْتَرْقُونَ، ولا يكتوون، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، ([28]) .ما أعظم خلق التوكل وما أحسن عواقبه، اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين بك المتوكلين عليك حق التوكل، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) سنن الترمذي 4/668 ح 2517.
([2]) صحيح البخاري 2/133 ح 1523.
([3]) صحيح البخاري 4/29 ح 2856.
([4]) صحيح البخاري 6/38 ح 4563.
([5]) صحيح البخاري 6/66 ح 4663، صحيح مسلم 4/1854 ح 2381.
([6]) صحيح البخاري 7/134 ح 5752، صحيح مسلم 1/197 ح 216.
([7]) فتح الباري لابن حجر 11/354.
([8]) صحيح مسلم 4/2183 ح 2840.
([9]) صحيح البخاري 4/39 ح 2910.
([10]) سنن الترمذي 4/573 ح 2344.
([11]) سنن أبي داود 7/424 ح 5094. سنن النسائي 7/221 ح 7868.
([12]) سنن أبي داود 7/425 ح 5095.
([13]) صحيح مسلم 4/2086 ح 2717.
([14]) مدارج السالكين لابن القيم 2/ 112- 114.
([15]) صحيح البخاري 4/51 ح 2965، صحيح مسلم 3/1362 ح 1742.
([17]) سنن ابن ماجة 3/275 ح 2143.
([18]) مسند أحمد 37/95 ح 22413، المستدرك 3/548 ح 6038.
([19]) صحيح مسلم 4/2052 ح 2664.
([20]) صحيح البخاري 1/58 ح 247، صحيح مسلم 4/2081 ح 2710.
([21]) سنن الترمذي 4/563 ح 2326.
([22]) صحيح البخاري 8/75 ح 6346، صحيح مسلم 4/2092 ح 2730.
([23]) سنن أبي داود 7/421 ح 5090.
([24]) المصدر السابق 7/425 ح 5095.
([25]) المصدر السابق 7/421 ح 5090.