الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق السادس عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق الرضا عن الله: خلق الرضا عن الله من أعظم أخلاق المسلم مع الله، أخرج أبو داود والترمذي عن النبي e: (من قال إذا أصبح وأمسى: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، كان حقاً على الله أن يرضيه) ([1]) .
كما أنّ رضى الله تعالى عن العبد متعلق برضى العبد عن الله، فالله تعالى لا يرضى عن العبد حتى يرضى العبد بالله إلها وربا ويرضى عن الله وعن قضائه وقدره، فيرضي عنه الله، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}، وقوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، إن الرضا عن الله خلق عظيم إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يَتلقَّى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن، بل قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمر القضاء، وذلك نتيجة ما تحقق به من المعرفة بالله تعالى، والحبِّ الصادق له سبحانه، كان بلال رضي الله عنه يعاني سكرات الموت وهو يقول: وافرحتاه! غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه، وكان سعد ابن أبي وقاص لما كبر سنه عمي بصره، وكان مستجاب الدعوة يدعو للمريض فيشفى، فقيل له ألا تدعو لنفسك، فقال الرضا بقضاء الله أحب إلى من بصري.
وقد بين الرسول e أن الراضي بقضاء الله هو أغنى الناس لأنه أعظمهم سروراً واطمئناناً، وأبعدهم عن الهم والحزن والسخط والضجر، إذ ليس الغنى بكثرة المال إنما هو بغنى القلب بالإيمان والرضا، قال عليه الصلاة والسلام: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) ([2]) . وأوضح الرسول e أن الرضا سبب عظيم من أسباب سعادة المؤمن الدنيوية والأخروية، كما أن السخط سبب الشقاء في الدنيا والآخرة فقال: (من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله تعالى له) ([3]) .
لقد كان من هديه e أن يُعلّم المسلمين ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد e نبياً ورسولاً، وكان يندبهم لتكرارها فيقول: (من قال إذا أصبح وأمسى: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، كان حقاً على الله أن يرضيه) ومن لوازم الرضا بالله تعالى رباً، الرضا بكل أفعاله في شؤون خلقه، من إعطاءٍ ومنع وخفض ورفع، وضر ونفع، ووصل وقطع، ومن لوازم الرضا بالإِسلام ديناً أن يتمسك بأوامره ويبتعد عن نواهيه، ويستسلم لأحكامه ولو كان في ذلك مخالفة لهوى نفسه، ومعارضة لمصالحه الخاصة، ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد e نبياً ورسولاً أن يتخذ شخصيته مثلاً أعلى وأسوة حسنة، فيتبع هديه، ويقتفي أثره، ويتحلى بسنته، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به، وحتى يكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، فمن تحلى بالرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبسيدنا محمد نبياً ورسولاً، ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوة اليقين، قال e:(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً) ([4]) . ليس معنى التخلق بخلق الرضا عن الله، الحرص على دوام البلاء أو الرضا عن المعاصي أو ترك إنكار المناكر، فهذه شبهات أثارها بعض الجهلة حول موضوع الرضا، وما سببها إلا جهلهم وعدم تذوقهم لهذا المقام الرفيع والخلق العظيم، والإنسان عدو ما يجهل، ليس معنى الرضا أن لا يشعر المسلم بالبلاء، إنما حقيقة الرضا أن لا يعترض المسلم على الحكم والقضاء، ومثال ذلك: المريض الذي يحس بألم حقنة الدواء، ويشعر بمرارة العلاج، ولكنه في قلبه تغمره السعادة ويرضى بألم الدواء لعلمه أن ذلك سبب الشفاء، ولذلك نجده يفرح بمن يقدم له الدواء يحبه ولو كان مرَّ المذاق كريه الرائحة، قال عمر رضي الله عنه: (ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربع نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم، وإذ رجوت الثواب عليها) ([5]) .
الراضي يحس بألم المصيبة، ولكنه يرضى بها لأنها من الله، والله تعالى يقول: {فعسى أنْ تكرَهوا شيئاً ويجعَلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً} [النساء: 19]، كما أن التخلق بخلق الرضا ليس معناه، ترك إنكار المناكر أو الرضا عن المعاصي، هذا فهم خاطئ، وجهل بيّن لخلق الرضا، فهل يعقل أن يهدم المؤمن حكماً من أحكام ربه، وركناً من دعائم دينه، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! مع العلم أن الله تعالى لا يرضى عن المؤمن إلا إذا أقام دينه، واتبع شريعته، وهل يُتصور أن يرضى المؤمن بأفعال الكافر مع أن الله تعالى لا يرضى بها كما قال تعالى: {ولا يرضى لعبادِهِ الكفرَ} [الزمر: 7]، والحقيقة أنه لا تعارض بين الرضا بالله تعالى وبين إنكار المنكَر، لأن المؤمن يرضى بأفعال الله تعالى من حيث إنها صدرت من حكيم عليم، وأنها بقضائه ومشيئته، ولا يرضى بأفعال العصاة من حيث إنها صفتهم وكسبهم، ولأنها دلالة على أنهم ممقوتون من الله تعالى، كما أن التخلق بخلق الرضا ليس معناه أن يترك الإنسان التضرع والدعاء، ويهمل اتخاذ الأسباب لجلب الخير ودفع البلاء، ويبتعد عن استعمال الدواء عند حصول الداء، وهذا فهم غير صحيح، إذ في الحقيقة أن من جملة الرضا بالله تعالى؛ أن يعمل المؤمن أعمالاً يتوصل بها إلى رضاء محبوبه سبحانه، وأن يترك كل ما يخالف أمره ويناقض رضاه، ومما يوصل إلى رضاء الله تعالى استجابة أمره في قوله: {ادعوني أستَجِبْ لكُم} [غافر: 60]. فالدعاء مخ العبادة، وهو يورث في القلب صفاءً وخشوعاً ورقةً تجعله مستعداً لقبول الألطاف والأنوار، ثم إن ترك الأسباب مخالف لأمر الله تعالى ومناقض لرضاه، فالله تعالى أمر بالعمل فقال: {وقُلِ اعملُوا فَسَيَرى اللهُ عمَلَكُم ورسولُه والمؤمنون} [التوبة: 105]. ودعا إلى السعي في طلب الرزق فقال: {هوَ الذي جَعَلَ لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]، وحين أراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن يمنع جيش المسلمين من دخول الشام حذراً من الطاعون، قال له سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (أفراراً من قدر الله؟! فأجابه سيدنا عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن نفِرُّ من قدر الله إلى قدره) ([6]) .
فليس في خلق الرضا بالقضاء ما يستلزم الخروج عن حدود الشرع، ولكن الرضا بقضاء الله تعالى معناه ترك الاعتراض عليه تعالى ظاهراً وباطناً، مع بذل الوسع للتوصل إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه.
ما أحلى خلق الرضا وما أجمل التخلق به، ورضاء الله تعالى عن العبد هو أسمى منزلة وأرفع رتبة وأعظم منحة قال تعالى: {ومساكِنَ طيِّبَةً في جنَّاتٍ عدْنٍ ورضوانٌ مِنَ اللهِ أكبَرُ} [التوبة: 72]. فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة، بل هو غاية مطلب سكان الجنة، كما أخبر رسول الله e بقوله: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم، فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلَّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ([7]) . إذن رضوان الله تعالى عن العبد أسمى منزلة وأرفع رتبة وأعظم منحة من دخول الجنة، اللهم ارزقنا خلق الرضى بك والرضا عنك، وارض عنا يا أكرم الأكرمين، رضى العبد عن الله، معناه رضى الله عنه، لأنهما متلازمان، فلا يرضى الله تعالى عن عبده حتى يكون العبد راض بالله ربا وراض عن أفعال ربوبيته، ورضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها، لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه، قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]، بعد قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وهذا الرضا جزاء على رضاهم عنه في الدنيا.
والرضا نوعان: أحدهما: الرضا بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، وهذا الرضا واجب، والنوع الثاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذل، فهذا رضا مستحب، وليس بواجب، وإنما الواجب هو الصبر، والرضا بالله ربًّا يلزمك أن ترضى بأحكامه الشرعية، فترضى بأوامره ممتثلاً، وترضى بنواهيه مجتنبًا، وترضى بأقداره المؤلمة، فترضى بكل نعمة ومصيبة، وكل منع وعطاء، وشدة ورخاء، ترضى عنه سبحانه إذا عافاك وشفاك، ومن كل بلاء حسن أبلاك، وترضى عنه إذا أمرضك وأسقمك، وترضى عنه إذا أغناك وحباك، وترضى عنه إذا أفقرك وأعدمك، لأنّ الله تعالى أعلم بما يصلح العبد، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وما دام الأمر كذلك فإنّ الرضا بقضاء الله تعالى هو الأولى بالعبد الجاهل بما هو خير له، فلا ينبغي أن يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرزقه الرضى بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك، إنّ أهل الرضا هم الذين يذوقون طعم الإيمان: قال رسول الله e: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا،وبمحمد رسولاً) ([8]) . وقال رسول الله e: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينًا، غفر الله له ما تقدم من ذنوبه) ([9]) . فمن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا،وبمحمد e رسولاً ذاق طعم الإيمان، و غفر الله له ما تقدم من ذنوبه، والرضا بربوبية الله: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به، وأما الرضا بنبيه رسولاً: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من كلامه، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة، وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها.
[رسول الله e ومنزلة الرضا]: كان رضا رسول الله e عن ربه فوق ما يصفه الواصفون، فهو راضٍ في الغنى والفقر، راضٍ في السلم والحرب، راض وقت القوة والضعف، راض وقت الصحة والسقم، راض في الشدة والرخاء، كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، ويقترض شعيرًا من يهودي ويرهن درعه عنده، وينام على الحصير فيؤثر في جنبه، وتمر ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يأكله، ومع ذلك كان راضيًا عن الله رب العالمين، وعند موت ابنه إبراهيم، قال e: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ([10]) . وجزاء هذا الرضا منه e كان قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}. [والنبي e يعلم المسلمين خلق الرضا]، أخرج مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد لا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)([11]) وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمد عليها) ([12]) . وأخرج الترمذي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: سمعت رسول الله e يقول: (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) ([13]) . [الأنصار وخلق الرضا عن الله]: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله e يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله e من قولهم: فأرسل إلى الأنصار، جمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله e فقال: (ما حديث بلغني عنكم؟) فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله e: (إني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فو الله، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فقالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: فإنكم ستجدون أثرةً شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قالوا: سنصبر) ([14]) . [الصحابة وخلق الرضا عن الله]: (1) كان عمران بن الحصين رضي الله عنه: (قد استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة، لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه – موضع لقضاء حاجته، فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال لا تبك، فإن أحبه إلى الله تعالى، أحبه إلي، ثم قال أحدثك حديثًا لعل الله أن ينفعك به، واكتم علي حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة) .إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضيًا به؟!(2) لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت.: نعم، فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك! فتبسم، وقال: يا بني، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري ([15]) .
[التابعين وخلق الرضا عن الله]: (1) ذكر عبد العزيز بن سبرة عن أبيه عن جده قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وسهل بن عبد العزيز، ومزاحم مولى عمر، في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبرة فقال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى قط. فطأطأ رأسه، فقال لي رجل معه على الوساد: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت لي يا ربيع؟ فأعدت عليه ما قلت أولاً، فقال: لا، والذي قضى عليهم – الموت، ما أحب أن شيئًا كان من ذلك لم يكن)، (2) وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي شيء من الأمور كلها أرب إلا في مواقع قدر الله… وكان كثيرًا ما يدعو: (اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته) ([16]) .(3) قال ابن شوذب: اجتمع مالك بن دينار، ومحمد بن واسع فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، وقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء، وهو عن الله – عز وجل – راضٍ والله عنه راضٍ ([17]) .
(4) عن سفيان بن عيينة، عن رجل وعن محمد بن علي ابن الحسين أبي جعفر الباقر: (أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه، ثم أخبر بموته فسُري عنه فقيل له فقال: ندعو الله فيما نحب، فإذا وقع ما نكره، لم نخالف الله فيما أحب) ([18]) .
(5) هذه زوجة فتح الموصلي انقطعت إصبعها فضحكت فقال لها بعض من معها: أتضحكين، وقد انقطع إصبعك؟! فقالت: أخاطبك على قدر عقلك، حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها، (6) هشام بن عروة بن الزبير ذكر عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم فجاء الطبيب، فقال: أسقيك شرابًا يزول فيه عقلك فقال امض لشأنك ما ظننت أن خلقًا يشرب شرابًا ويزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه، قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حسًّا فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت،… وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة) ([19]) .
إن الفوز برضوان الله تعالى هو غاية ما يتمناه المتخلقون بخلق الرضا عن الله، ورضوان الله تعالى أعظم من نعيم الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله e قال: (إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) ([20]) .
قال بعض العارفين: الرضا يفتح باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس، فإن حسن الخلق من الرضا، وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى – رضي الله عنهما -: (أما بعد، فإن الخير كله في الرضى، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر)، [خلق الرضا يدخل فيه الرضا بالله، والرضا عن الله]: والرضا بالله ربا فرض، من آكد الفروض، فمن لم يرض به ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال، وأما الرضا بقضائه: فأكثر الناس على أنه مستحب وليس بواجب، والواجب إنما هو الصبر، والتقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل، وأيضًا: فإن الرضا بالله ربًّا يتضمن الرضا عن الله، لأن الرضا بالله يدخل فيه الرضا بربوبيته سبحانه، والرضا بأفعال ربوبيته، يعافي من بشاء ويبتلى من يشاء فالرضا به ربًّا يستلزم الرضا عنه، فالرضا به ربًا يدخل فيه الرضا به خالقًا ومدبرًا، وآمرًا وناهيًا، ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا، ووكيلاً ووليًا، وناصرًا، ومعينًا، وكافيًا، وحسيبًا ورقيبًا، ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته، والرضا عن الله معناه: رضا العبد بما يفعله الله به فيما جرت به المقادير، ويعطيه إياه، وهذه هي النفس المطمئنة، قال تعالى – في حقها -: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}
[خلق الرضا عن الله يصح بثلاثة شروط]: تتمثل في: الأول: استواء النعمة والبلية عند العبد؛ لأنه يشاهد حسن اختيار الله له، والثاني: سقوط الخصومة عن الخلق، إلا فيما كان حقًّا لله رسوله، فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله، وهذه كانت حال رسول الله e فإنه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله، كما أنه كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتذهب بهجته، وتبدل بالمرارة حلاوته، وتكدر صفوه، والشرط الثالث: ترك المسألة للخلق والإلحاف فيها، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غدا.
[أعظم أسباب حصول الرضا]: أن يكون العبد في كل أحواله راض عن الله، قيل ليحيي بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول، فيقول – فيما يعامل به ربه -: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت، [أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس]: قال تعالى: {فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144]، وأخرج الترمذي عن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله e: (مَنْ يَأْخُذُ عَنّي هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِن أو يُعَلّمُ مَنْ يعْمَلُ بِهِنّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ الله، فَأَخَذَ بِيَدِي فعَدّ خَمْساً وَقَالَ: اتّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النّاسِ، وَارْضَ بِما قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبّ لِلنّاسِ ما تُحِبّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ الضّحِكَ فَإِنّ كَثْرَةَ الضّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) ([21]) . هذا عطاء بن أبي رباح عالم الدنيا في عهده، مولى أسود أفطس أشل وكان من أكابر التابعين، وهذا الأحنف بن قيس، حليم العرب قاطبة، نحيف الجسم، أحدب الظهر، أحنى الساقين، ضعيف البنية، وهذا الأعمش محدث الدنيا، من الموالي، ضعيف البصر، فقير ذات اليد، ممزق الثياب، رث الهيئة والمنزل، بل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، كل منهم رعى الغنم، وكان داود حدادًا وزكريا نجارًا وإدريس خياطًا، وهم صفوة الناس وخير البشر، إذن الرضا أن ترض بقسمة الله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [ثمرات الرضا]: للرضا ثمرات عظيمة، يرتفع بها الراضي إلى أعلى المنازل، فيصبح راسخًا في يقينه، ثابتًا في اعتقاده، وصادقًا في أقواله وأعماله وأحواله، والرضا عن الله، يثمر رضا ربه عنه، {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، والرضا يفتح للمسلم باب السلامة، فيجعل قلبه سليمًا، نقيًّا من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو القلب الممتلئ من خلق الرضا بالله وعن الله وعن قدر الله، والرضا يثمر الشكر في مواطن البلاء، وهذا الشكر من أعلى مقامات الإحسان، وإنّ من ثمرات الرضا الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} أسأل الله (جل وعلا) أن يملأ قلوبنا رضًا وأن يرضى عنا رضًا لا يسخط بعده أبدًا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) سنن أبي داود 7/407 ح 5072، سنن الترمذي 5/465 ح 3389.
([2]) سنن الترمذي 4/551 ح 2305.
([3]) المصدر السابق 4/455 ح 2151.
([5]) شرح الطريقة المحمدية” ج2 ص105.
([6]) صحيح البخاري 7/130 ح 5729.
([7]) صحيح البخاري 8/114 ح 6549.
([10]) صحيح البخاري 2/83 ح 1303.
([11]) صحيح مسلم 4/2295 ح 2999.
([12]) المصدر السابق 4/2095 ح 2734.
([13]) صحيح ابن حبان 1/486 ح 716.
([14]) صحيح البخاري 5/158 ح 4331، صحيح مسلم 2/733 ح 1059.
([17]) الرضا عن الله لابن ابي الدنيا ص 54.
([19]) تهذيب الكمال 20/ 20-21.