الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثاني من أخلاق الفرد المسلم: [الأمَانَة]: الأمانة: ضد الخيانة، وأصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، ومن اتصف بالأمانة فهو أمين، والأمَانَة اصطلاحًا: هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه، وخلق الأمانة من أوجب الأخلاق على المسلم، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّساء: 5]، وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:] أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، أخرج البخاري عن ابن عباس أيضًا قال): بينما النَّبيُّ e في مجلس يحدِّث القوم، جاء أعرابيٌّ فقال: متى السَّاعة؟ فمضى رسول الله e يحدِّث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أُراه السَّائل عن السَّاعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضُيِّعت الأمَانَة فانتظر السَّاعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السَّاعة) ([1]) .
إنَّ الأمَانَة فضيلة عظيمة، لا يستطيع حملها إلا الرجال الصادقون، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرِّط في حقِّها، قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب: 72]، الأمانة من أعظم أخلاق الإسلام، و الأمَانَة مِن كمال الإيمان وحسن الإسلام، ومجتمع تفشو فيه الأمَانَة مجتمع خيرٍ وبركة ونجاح وفلاح، والأمَانَة تدخل فيما افترضه الله على عباده مِن العبادات والطاعات، ومن الأمَانَة: الأمانة في الأموال، والأمَانَة في الأعراض، ومن الأمانة: الأمَانَة فيما أئتمنه الله تعالى على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن الأمانة: الأمَانَة في الولاية: وتأدية الحقوق إلى أهلها، وإسناد الأعمال إلى مستحقِّيها الأكفياء لها، ومن الأمانة: الأمَانَة في الشَّهادة: وتكون الأمَانَة في الشَّهادة بتحمُّلها بحسب ما هي عليه في الواقع، وبأدائها دون تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان، ومن الأمانة: الأمَانَة في القضاء: وتكون الأمَانَة في القضاء بإصدار الأحكام وفْقَ أحكام العدل التي استُؤْمِن القاضي عليها، ومن الأمانة: الأمَانَة في السَّمع والبصر والكلام وسائر الحواس، ومن الأمانة: الأمَانَة في الأسرار التي يُستأمن الإنسان على حفظها وعدم إفشائها، ومن الأمانة: ما يكون بين الرَّجل وبين زوجته مِن الأشياء الخاصَّة، فإنَّ شرَّ النَّاس منزلةً عند الله تعالى يوم القيامة الرَّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثمَّ ينشر سرَّها، ومن الأمانة: تربية الأولاد على منهاج الله، فأنَّها ودائع الله عندك، وضد الأمانة الخيانة، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27-28]، والخيانة من صفات المنافقين البارزة، قال e: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) ([2]) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي e قال: (أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) ([3]) .
ومن صور الخيانة: خيانة الله ورسوله: وذلك بمعصية الله ورسوله، ومن صور الخيانة: خيانة الأمانات، والخيانة في الأموال، والخيانة في الأعمال والوظائف، ومن صور الخيانة أيضًا: عدم القيام بواجب التربية في الأهل والأولاد، وقد ائتمنه الله عليهم قال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، اللهم إنا نعوذ بك من خيانة الأمانة.
[الأمانة من أهم أخلاق الملائكة والأنبياء]: قال تعالى في وصف جبريل عليه السلام: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء: 192، 193]، نزل به جبريل الأمين على الوحي والرسالة، وقال تعالى في وصف جبريل عليه السلام: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التَّكوير:21]، فقوله تعالى: [أَمِينٍ] صفـة لجبريل بهذا الخلق العظيم (الأمانـة)، والأمانة شرط أساسي لاصطفاء الرسل، وهي من أبرز أخلاقهم، فلولا أنهم أمناء لما استأمنهم الله على رسالاته لخلقه، ولهذا فما من رسول إلا وذكر قومه بهذا الخلق العظيم، قال تعالـى: {وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدُخان:17-18]، وقال تعالى: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:68]، والمعنى إني رسول من الله إليكم أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد عليها ولا أنقص ومأمون على تبليغ هذه الرسالة، وهذا نوح عليه السلام يخاطب قومه بقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 107]، وهذا هود عليه السلام يخاطب قومه بقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 125]، وهذا صالح عليه السلام يخاطب قومه بقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 143]، وهذا لوط عليه السلام يخاطب قومه بقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 162]، وهذا شعيب عليه السلام يخاطب قومه بقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 178]، وهذا موسى عليه السلام، يأتي ذكره في القرآن الكريم بصفة الأمانة، قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]، والنبي e هو الملقب قبل بعثته الصادق الأمين، فكيف بعدها، لقد عرفت قريش النبي e بأنه أصدق الناس وآمن الناس، حتى لقبته بالصادق الأمين، وكانوا يضعون عنده الأمانات والودائع، وحتى عند هجرته e مع أمهم اجتمعوا لقتله، ترك e علياً بن أبي طالب في مكة بعد هجرته e ليرد ودائع الناس التي كانت عنده فأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكـة ثـلاث ليال وأيامها يؤدي عن رسول الله e الودائع التي كانت عنده للناس) ([4]) .
[أهمية الأمانة ومعانيها في القرآن الكريم]: لقد ورد ذكر (الأمانة) في كتاب الله تعالى في إحدى وثلاثين آية، مما يدل على أهمية خلق (الأمانة)، وورد لفظ الأمانة في القرآن على ثلاثة معانٍ: [المعنى الأول]: أداء الفرائض، والمحافظة عليها وأدائها على أكمل وجه حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [لأنفال:27]، أي لا تضيعوا ما فرضه الله عليكم من فرائض كالصوم والصلاة والزكاة، وباقي الفرائض حيث جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول e بترك سنته المطهرة، بأن لا تأتمروا بما أمركم به أو لا تنتهوا عما نهاكم عنه، وقال قتادة: الأمانة هي الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم الغسل من الجنابة، وقال بعضهم: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة، وكل هذه الأقوال لا تتنافى فيما بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى معاني قبول الأوامر والنواهي.و[المعنى الثاني]: (الوديعة): فتشمل الأمانة رد الودائع والأمانات، وكل ما يؤتمن عليه الإنسان يجب أن يؤديه إلى أصحابه كامل غير منقوص، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} فهم يؤدون الأمانات والودائع إلى أهلها، وإذا اؤتمنوا على شيء لم يخونوا، وجـاء فـي الحديث عن أنس قال e: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) ([5]) . وأداء الودائع وسائر الأمانات واجب ولا سيما إذا طلبها صاحبها، قال تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ] [البقرة:283]، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ} [النساء:58].
و[المعنى الثالث للأمانة في القرآن الكريم هو: العفة]، قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]، أي: القوي في بدنه، الأمين في عفافه وصفته بأفضل صفات الأجير، القوة في القيام بالأمر والأمانة في حفظ الشيء، ومصدر هاتين الصفتين ما شاهدت من حاله، حيث قال لها أبوها: ما أعلمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، وبذلك تكون قد استدلت بفراستها على قوته وأمانته ([6]) .
[أنواع الأمانة]: تنقسم الأمانة إلى نوعين، النوع الأول: [الأمانة المادية]: ومثالها أن يودع أحد الأشخاص عنـد إنسـان يثق به وديعة عينية من مال أو ذهب أو أوراق نقدية أو متاع أو نحوه مما يسمى أمانات، وحينئذٍ يجب على المسلم الذي يتقي الله في حفظ هذه الوديعة حتى يرجعها إلى صاحبها، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، فهذه الآية الكريمة تتناول من تخصص من الناس في حفظ الودائع، والنوع الثاني: [الأمانة المعنوية]: وتشمل: القيام بحق الله من العبادات، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وتشمل العمل على تطبيق أحكام الدين التي تتمثل في شرع الله الذي أنزله على رسوله الكريم، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18]، وتشمل تلك الأمانة: أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة، قال تعالى – أمرا نبيه e– {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..} الآية. [المائدة: 67]، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة، قال تعالى {قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وأمر سبحانه المسلمين بأن تتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة (أمانة بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام)،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وتشمل تلك الأمانة: حفظ الدين بالحسبة عليه: قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، وقال رسول الله e يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) ([7]) . وتشمل تلك الأمانة: التضحية في سبيل حفظ الدين والدفاع عنه ونشره وإعلاء رايته بالنفس والمال واللسان والوقت والجهد، وتشمل تلك الأمانة: السهر على تحقيق مصالح الأمة، والعمل على إعادة مجدها ورفع شـأنها، وتشمل تلك الأمانة: الترابط والتآلف بين أبناء المجتمع الإسلامي، لقوله e: («إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ) ([8]) .وتشمل تلك الأمانة: نبذ الخلافات والقضاء على بذور الفرقة، وأن نكون أمة متماسكة كالبنيان المرصوص، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [مجالات الأمانة]: المجالات التي تدخل فيها الأمانة كثيرة ومتعددة، منها: (1) الأمانة في الودائع التي تدفع إلينا لنحفظها فترة من الزمن، ثم نردها إلى أصحابها عندما يطلبونها هي من الأمانات التي نُسأل عنها يوم القيامة، ولنا فيها الأسوة الحسنة في رسولنا الأمين حينما استخلف عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليسلم المشركين الأمانات والودائع التي استحفظها، مع أن هؤلاء المشركين كانوا قد خططوا لقتله أو سجنه أو طرده من الديـار، وأرغمـوه على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة([9]) .(2) أمانة الأعراض: حفظ الأعراض أمانة، والعلاقة بين الزوجين ينبغي أن تقوم على أساس الأمانة المتبادلة في حفظ الأعراض، فالزوجة أمينة على عرض زوجها تحفظه في غيابه، وترعى الأمانة في ماله وولده، وهي راعية على ذلك كله ومسؤولة عنه امام الله، أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ –e– يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ([10]) .فهذه كلها أمانات نُسأل عنها يوم القيامة، وكلا الزوجين أمين على عرض صاحبه، فالرجل أمين على زوجته، وهي أمينة على زوجها، وكلاهما مؤتمن على الأولاد والذرية.
(3) أمانة تربية الأولاد: الأمانة تقتضي تربية الأولاد وتعليمهم ولا يجوز أن يترك الطفل بدون اعتناء من والديه فيتعلم من الشارع وأقران السوء الخصال القبيحة، فالأب راع في بيته ومسئول عن رعيته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
(4) أمانة الأموال: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188]، المال أمانة، ولذلك نهى القرآن الكريم عن أكل أموال الناس بالباطل، إلا أن يكون حلالا عن تراضٍ بين الناس، والأمانة تقتضي تحريم الربا، لأنه أكل لأموال الناس بالإثم، وبدون بذل أي جهد أو مشاركة في الربح والخسارة، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}
(5) أمانة التعامل مع الناس: قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} وللأمانة في البيع والشراء أجر عظيم، لذلك أوصى –e– التجار بالتزام الصدق والتقـوى والأمانـة لينالوا درجة الصديقين والشهداء، عن أبي سعيد الخدري عن النبي –e– قال: (“التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ، مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”) ([11]) .
(6) الأمانة الوظيفية: الرجل الأمين في عمله هو الذي لا يستغل منصبه في العمل لجر منفعة إلى شخصه أو قرابته، لأن التشبع من المال العام جريمة، ولهذا قال رسول الله –e– (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول) ([12]) . وقال تعالى – في بيان عظم أثم الغلول -: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
(7) أمانة المجالس: لذلك ينبغي مصاحبة الأتقياء والجلوس في مجالسهم، فهي مجالس خير ينتفع منها الجليس، والابتعاد عن مجالس السوء التي تعود على صاحبها بالندامة والخسران، قال e: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير، فبائع المسك إما أن تبتاع منه أو يحذيك أو تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحـرق ثيـابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة) ([13]) .
[ما أخطر وما أسرع زوال خلق الأمانة]: أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله e: (حدثنا أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مثل أَثَر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقى أَثَرُها مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان) ([14]) . إذن الأمانة من أهم الأخلاق، وهي أهم أخلاق المرسلين، وقد كان أهل مكة يلقبون النبي –e– قبل البعثة بالصادق الأمين، فأهم صفتين تميز بهما الصدق والأمانة، ومن أقواله –e– (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء)([15]) .وأولى الناس بهذه الفضيلة (الأمانة) بعد الأنبياء والمرسلين هم المسلمون شهداء الله على خلقه، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، وإذا ضيعت الأمانة قامت القيامة، لقوله e: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) ([16]) .
فمن أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم خلق الأمانة، الدين أمانة، والعمل أمانة، والبصر أمانة، والسمع أمانة، واللسان أمانة، واليد أمانة، والولد أمانة، والمال أمانة…، وكلها يلزم المسلم، لقد فرض الإسلام على المسلمين العمل بخلق الأمانة، فمن كان أميناً كان مؤمنا، أخرج الإمام أحمد عن رسول الله –e– قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) ([17]) . والخيانة ليست أبدا من خلق المسلمين الصادقين، ولا إيمان لمن لا أمانة له، لحديث أنس رضي الله عنه قال) قلَّما خطبنا رسول الله–e–إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
([5]) مسند أحمد 20/33 ح 12568.
([8]) صحيح البخاري 1/103 ح 481.
([9]) فقه السيرة، للبوطي، ص 72.
([10]) صحيح البخاري 2/5 ح 893.
([11]) سنن ابن ماجة 3/272 ح 2139.
([12]) سنن أبي داود 4/565 ح 2942.
([13]) صحيح البخاري 3/63 ح 2101.