الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الرابع من أخلاق الفرد المسلم: [الحِكْمَة]: الحكمة: الحَكَمَةُ: ما أحاط بحَنَكَي الفرس، سُمِّيت بذلك، لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها، حتى تمنعها من الجِماح، ومنه اشتقاق الحِكْمَة، لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل، والحكمة: أصلها في اللغة من المنع عن الفساد والكف عن السفاهة، واحكم الرجل الأمر إذا أتقنه، والحكيم هو الرجل المتقن للأمور الذي يضع الأمور في نصابها، والحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، في فضل الحكمة قال تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} وقال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} و قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} أي: بالمقالة المحْكَمة الصَّحيحة. وهو الدَّليل الموضِّح للحقِّ، المزيح للشُّبهة. ومما يدل على فضل الحكمة من السُّنَّة النَّبويَّة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النَّبي –e–يقول (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلِّمها) ([1]) . قال النَّووي: (ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها، معناه: يعمل بها ويعلِّمها احتسابًا، والحكمة: كلُّ ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح)، و ابن عباس tقال: ضمَّني رسول الله –e– وقال (اللهمَّ علِّمه الحِكْمَة) ([2]) .
والحكمة خلق عظيم، قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، ومن الحكمة: أن يعطي المسلم كلَّ شيء حقَّه ولا يعدِّيه حدَّه، ولا يعجِّله عن وقته، ولا تؤخِّره عنه، فالحِكْمَة حينئذ: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، ومن الحكمة: البصيرة في الدين، وهي أعلى درجات العلماء، وهي التي جاء فيها قول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ، فالدعوة إلى الله عز وجل لا تكون إلا بالحكمة، والنبي –e–سيد الحكماء، وهو معلم الناس الحكمة، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}]،، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
ولو ذهبنا نضرب أمثلة على الحكمة من سيرة النبي –e–لطال بنا المقال، ولكن إشارة إلى بعض ذلك، أقول وبالله التوفيق: (الموقف الأول) يتمثل في بدء الدعوة إلى دين الإسلام بالسرية دون الجهر، وذلك لأنّ مكة المكرمة كانت المركز للمشركين، وكان بها سدنة الكعبة، والقائمون على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالبدء بالجهر بالدعوة يؤدي إلى تفاقم الأمور، وعدم الوصول إلى المقصود منها، ولذلك بدأ النبي e الدعوة إلى دين الإسلام سرا واستمرت كذلك ثلاث سنين، بدأ –e– يعرض دعوته على ألصق الناس به، وأهل بيته، وأصدقائه، ومن توسم فيهم خيراً ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الخير والحق، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء جمع عُرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، فكان أول من أسلم زوج النبي –e-خديجة بنت خويلد ’ ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضي الله عنه ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونشط أبو بكر في دعوة رجال كان لهم أثر عظيم في الإسلام، أمثال: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد اللَّه، فهؤلاء النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالإضافة إلى علي، وزيد، وأبي بكر، يصبحون ثمانية، هم الذين سبقوا الناس، وهم الرعيل الأول وطليعة الإسلام، ودخل الناس في دين اللَّه واحداً بعد واحد، ولولا الحكمة لوئدت الدعوة في أول أيامها، ولكن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، فأختار لها أحكم الناس وأفطن الناس وأصدق الناس وآمنهم على كل شيء، قال تعالى {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} والحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، والنبي سيد الحكماء، بل هو الذي علّم البشرية الحكمة، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} لذا فإنّ الله تعالى أعطى النبي e الحكمة ووفقه، وسدده وأعانه، ولهذا بدأ –e-بالدعوة السرية حتى اشتد عودها فأذن الله تعالى له في الجهر بها.
(الموقف الثاني) يتمثل في حكمته e في اختيار دار الأرقم ابن أبي الأرقم للاجتماع بالمسلمين،: لقد بلغ المسلمون عدداً يقرب الأربعين رجلاً، ومازالت الدعوة سراً لم يجهر بها بين صفوف قريش، لأن الرسول الحكيم –e-يعلم أن هذا العدد غير كافٍ في دفع ما يتوقع من أذى يصيب به قريش المسلمين، وكان من الضروري أن يجتمع بهم رسول اللَّه –e-على شكل جماعات يرشدهم، ويعلمهم، ليكوِّن منهم القاعدة الصلبة التي يمكن أن يواجه بها أولئك الذين يقفون في وجه دعوة التوحيد، وقد اختار –e-دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فكان يلتقي بهم يعلمهم أمور دينهم، ومن خلال التربية التزكية والتعليم في دار الأرقم ابن أبي الأرقم تكونت جماعة المؤمنين التي تقوم على أعظم وشائج الأخوة، والمحبة والتعاون، واستطاع –e-أن يبلغ الرسالة أكمل وجه، وأن يكوَّن من هذه العناصر المؤمنة نواة القاعدة الصلبة للأمة المؤمنة لتصبح فيما بعد خير الأمم وأكرمها على الله.
(الموقف الثالث) يتمثل في الحكمة في إدارة الصراع عندما اشتد إيذاء المشركين بالمسلمين في مكة، فقد أمر أصحابه بالصبر، وبشر بعضهم بالجنة، وكان من قوله: (صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة) ([3]) . وكان يقول لخباب بن الأرت ولكنكم تستعجلون، أخرج البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول اللَّه –e-وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة، [ولقد لقينا من المشركين شدة]، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد [ما دون عظامه من لحم وعصب]، فما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليُتَمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) ([4]) .ومع تلك الشدة والبلاء، لم يلجأ رسول اللَّه –e-إلى الاغتيال السياسي، ولم يتخلص بالاغتيال من أفراد بأعينهم، وكان بإمكانه ذلك، إذ كان يستطيع أن يكلف بعض الصحابة بقتل قادة الكفر: كالوليد بن المغيرة المخزومي، أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب: عبد العزى ابن عبد المطلب، أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أُبّي بن خلف، أو أُمية بن خلف، وهؤلاء هم صناديد الكفر وأشد الناس أذية لرسول اللَّه e وأصحابه، فلم يأمر أحداً من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإسلام، فإن مثل هذا الفعل قد يشوه صورة الدعوة، وقد يضر بسمعتها، وقد تتسامع العرب والقبائل أن هؤلاء طلاب سلطة لا حملة لواء رسالة عقيدة وقيم وأخلاق.
(الموقف الرابع) يتمثل في حكمته e في السماح للمؤمنين بإظهار الدعوة عندما أسلم عم النبي e حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وبعض وجهاء قريش، الذين لهم شأن عظيم، وقويت بهم الجماعة المؤمنة، سمح لهم بالخروج بصورة جماعية إلى الكعبة وإظهار شعائر الإسلام والجهر بالشهادتين والجهر بالقرآن.
(الموقف الخامس): الإذن للمستضعفين من المؤمنين بالهجرة: فإنه عندما اشتد أذى المشركين بأصحاب رسول اللَّه –e-، أذن رسول اللَّه لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلاً، وأربع نسوة، ورئيسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشاً قد كفوا عن النبي –e-فرجعوا إلى مكة من الحبشة، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب، وأن قريشاً أشد ما كانوا عداوة لرسول اللَّه –e-فدخل من دخل مكة بجوار، ثم اشتد البلاء من كفار قريش على من دخل مكة من المهاجرين وغيرهم، ولقوا منهم أذىً شديداً، فأذن لهم رسول اللَّه –e-في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، ثم أذن لهم بعد ذلك في الهجرة إلى المدينة.
(الموقف السادس) أعطى النبي –e–أعظم المثال في الحكمة، عندما استأذنه ملك الجبال أن يُطبق على الكفار الأخشبين، فأبى لعل الله تعالى أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا، وفعلا حدث ما تأمله الرسول –e–بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله تعالى أفواجا، ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنَّبي –e-(هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال ذلك فيما شئت أن أُطْبِق عليهم الأخشبين، فقال النَّبي –e-: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا). ([5]) .
(الموقف السابع) حكمته في دخوله إلى مكة في جوار المطعم بن عدي: ثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمداً، فدخل رسول اللَّه –e-ومعه زيد بن حارثة، حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمداً، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول اللَّه –e-إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته ([6]) .
(الموقف الثامن): عندما وصل رسول اللَّه –e-إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها، مختلفة في أهدافها، متفرقة في اجتماعاتها، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث، وبعضها حديث موجود، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف: (المسلمون) من:الأوس والخزرج والمهاجرين، و(المشركون) من: الأوس والخزرج الذين لم يدخلوا في الإسلام، و(اليهود) وهم عدة قبائل: بنو قينقاع، وقد كانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قُريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس، وقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، وآخرها يوم بُعاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها([7]) .
لقد قام النبي –e-بحل هذه المشكلات، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وتمثل ذلك في: (أ) بناء المسجد والاجتماع فيه: كان أول عمل قام به –e-في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعاً في البناء، وعلى رأسهم النبي –e-، وصار المسجد المرتكز لجميع المسلمين، (ب) المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: قام e بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم –e-في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللَّه عز وجل: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة([8]) . ومن أروع الأمثال لتلك المؤاخاة ما رواه البخاري (آخى رسول اللَّه –e-بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، فأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على السوق) ([9]) . (ت) ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول اللَّه –e-بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها لك ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالاً لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقاً للمهاجرين والأنصار، متضمناً موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بدلها –e-في الإصلاح والتأسيس، كتب رسول اللَّه –e-كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود، وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم) ([10]) . وهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي e، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء، (ث) هذه الخطوات: بناء المسجد، والمؤاخاة بين المؤمنين، وكتابة الميثاق، هي التي ألف بها النبي –e-بين المؤمنين ومهد لقيام دولة الإسلام.
(الموقف التاسع): موقفه e في صلح الحديبية والذي بسببه كان صلح الحديبية هو أعظم الفتوح وأكبرها أثرا وفائدة على دين الإسلام، فقد أخرج البخاري في قصة صلح الحُدَيْبِية: أن النَّبي –e– دعا الكاتب، فقال النَّبي e: (اكتب: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. فقال سهيل: أما الرَّحمن، فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهمَّ. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. فقال النَّبي –e-: اكتب: باسمك اللهمَّ. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنَّا نعلم أنَّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمَّد بن عبد الله. فقال النَّبي –e-: والله إنِّي لرسول الله، وإن كذَّبتموني، اكتب: محمَّد بن عبد الله) ([11]) . وتم الصلح وكان من أعظم الفتح في الإسلام.
(الموقف العاشر): موقفه –e-مع ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: بعث رسول اللَّه –e-خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال لـه ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه –e-فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟)، فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه –e-حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه –e-حتى كان من الغد، فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول اللَّه –e-: (أطلقوا ثمامة) , فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه –e-، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال لـه قائل: أصبوت؟ فقال: [لا واللَّه]، ولكني أسلمت مع رسول اللَّه –e-، ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه e)([12]) .
ثم خرج رضي الله عنه إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى رسول اللَّه e-: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول اللَّه –e– إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل ([13]) . وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين([14]) . ما أحكم النبي محمداً –e–وما أعظمه من موقف، فقد كان –e-يتألف القلوب، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير، وهكذا ينبغي للدعاة إلى اللَّه عز وجل أن يعظموا أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة، لما أسداه النبي –e-إليه من العفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه ([15]) .
(الموقف الحادي عشر): مواقف –e-مع زعيم المنافقين عبد اللَّه بن أُبيّ: وهذا المنافق لم يأل جهداً في الصد عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذب عن اليهود ومساعدتهم، وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، لأنه كان يُظهر الإسلام، وقد كان النبي –e-يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم، وكان e يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال: شفاعته ليهود بنو قينقاع عندما نقضوا العهد، و ما فعله مع النبي –e-يوم أُحد، حيث انخزل بنحو ثلث الجيش، ورجع بهم إلى المدينة، فلم يعاقبه رسول اللَّه –e-على هذا الجرم العظيم، وتثبيته بني النضير، عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي –e-، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم عبد اللَّه بن أُبيّ: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول اللَّه –e-بنقض العهد، وفي هذا المنافق نزل قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [الحشر: 11، 12]، فخرج إليهم النبي –e-حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي e وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وترك النبي –e-عبد اللَّه بن أُبيّ فلم يعاقبه على ذلك، وهو القائل أخزاه الله: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}، وهو القائل أخزاه الله: {لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا}، وهو الذي دبر قصة الإفك، وتولى كبرها، ومع كل هذا لما استأذن عمر رضي الله عنه النبي –e-في ضرب عنقه، وقال: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي –e-: (دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ([16]) .فلو قتله رسول اللَّه –e-لكان ذلك منفِّراً للناس عن الدخول في الإسلام، لأنهم يرون أن عبد اللَّه بن أُبيّ مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمداً يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح، فظهرت حكمة النبي e وصبره على بعض المفاسد خوفاً من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم، ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم الظاهر، واللَّه يتولى السرائر، وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد اللَّه بن أُبيّ فقال: “قد واللَّه علمت، لأمر رسول اللَّه –e– أعظم بركة من أمري “([17]) .
مواقف للصحابة الكرام في الحكمة (موقف الصديق أبي بكر): ظهرت حكمة الصديق رضي الله عنه أثناء تنفيذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه من عدة وجوه: (أ) تنفيذ بعث أسامة رضي الله عنه على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة، وذلك امتثالاً لأمر النبي e، بعث النبي e أسامة بن زيد رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه وندب الناس إلى غزو الروم، وكان تجهيز جيش أسامة قبل وفاة النبي e بيومين، وكان ذلك يوم السبت، وقد كان ابتداء ذلك قبل مرض النبي e، ثم اشتد به مرضه، فأمر بإنفاذ جيش أسامة، وتوفي e فعَظُم الخطب، واشتد الحال، وظهر النفاق بالمدينة، وارتدت أحياء من العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من دفع الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق، وثبتت ثقيف بالطائف على الإسلام لم يرتدوا، وعندما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على أبي بكر الصديق ألا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لأن ما جُهِّز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الإباء إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال كلمته العظيمة: واللَّه لا أحل عقدة عقدها رسول اللَّه e، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزنَّ جيش أسامة، وأمر الحرس أن يكونوا حول المدينة، (ب) ثم إن بعض الناس أشار على أبي بكر أن يولي الجيش رجلاً أقدم سنًّا من أسامة، فغضب رضي الله عنه لذلك، لأن الرسول e هو الذي أَمَّر أسامة على الجيش، فلا يريد رضي الله عنه أن يغير شيئاً فعله رسول اللَّه e، (جـ) وخرج أبو بكر رضي الله عنه يشيع الجيش ويودع أسامة وجيشه، وأبو بكر يسير على قدميه، وأسامة راكباً، فقال له أسامة: يا خليفة رسول اللَّه، إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: واللَّه لستُ براكب ولستَ بنازل، وما عليَّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللَّه، (د) واستأذن أبو بكر رضي الله عنه من أسامة لعمر بن الخطاب، وقد كان عمر من ضمن الجنود في جيش أسامة، فأذِنَ أسامة لعمر بن الخطاب رضي اللَّه عن الجميع وأرضاهم، فكان خروج أسامة إلى الروم بأرض الشام في ذلك الوقت من أكبر المصالح، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم وأخذهم الخوف والفزع، وقالوا: ما خرج هؤلاء القوم إلا وبهم منعة شديدة، وسنتركهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، وبقوا أربعين يوماً – وقيل سبعين يوماً – ثم أتوا سالمين غانمين، وعندما رجعوا جهزهم أبو بكر مع الجيش لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة([18]) .
مواقف الحكمة (موقف الفاروق عمر): موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبي بكر رضي الله عنه: عقب وفاة النبي e اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: واللَّه ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا واللَّه لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول اللَّه e، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس) ([19]) .
مواقف الحكمة (موقف عثمان بن عفان): موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة، وحسم الاختلاف: كان من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها عثمان جمع شمل أمة محمد e على قراءة واحدة، فقد كان من مناقبه الكبار، وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول اللَّه في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في غزوة أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان، مع أهل العراق، وقد اجتمع في هذه الغزوة خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وأُبيّ بن كعب، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على غيره، وربما خطَّأ الآخر أو كفَّره، فأدَّى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة، ودفع الاختلاف، فأرسل عثمان إلى حفصة رضي الله عنه يستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، وعندما جاءت الصحف أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ([20]) .وكانت المصاحف الأئمة سبعة كالآتي: أرسل مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الكوفة، وأقر بالمدينة مصحفاً، وهذه المصاحف كلها بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمر عثمان وزمانه وإمارته، وحرق ما سوى هذه المصاحف مما بأيدي الناس مما يخالف هذه المصاحف السبعة، وأجمع الصحابة على ذلك عند الشورى بالرسم، وعند التلقي فاجتمع شمل الأمة على هذه المصاحف وللَّه الحمد والمنة([21]) .
والفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي e، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من الفتنة والهلاك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد، ([22]) .
الحكمة عزيزة، قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
([1]) صحيح البخاري 2/108 ح 1409، صحيح مسلم 1/559 ح 816.
([2]) صحيح البخاري 5/27 ح 3756.
([5]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231.صحيح مسلم 3/1420 ح 17595.
([6]) البداية والنهاية لابن كثير 4/343.
([9]) صحيح البخاري 5/31 ح 3780.
([10]) البداية والنهاية لابن كثير، 3/224-226، سيرة ابن هشام 1/501.
([11]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([12]) صحيح البخاري 3/123 ح 2422، صحيح مسلم 3/1386 ح 1764.
([13]) البداية والنهاية 7/253 بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، 8/88.
([14]) الإصابة في تمييز الصحابة، 1/525.
([15]) شرح النووي على مسلم، 12/89، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري: 8/88.
([16]) صحيح البخاري 6/154 ح 4905، صحيح مسلم 4/1998 ح 2584.
([17]) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، 6/188، وانظر: شرح النووي على مسلم، 16/139.
([18]) الموطأ 2/447 ح 10، البداية والنهاية 9/424 ، وحياة الصحابة للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي، 1/423، 425، 427]،
([19]) صحيح البخاري 5/6 ح 3667.
([20]) صحيح البخاري 6/183 ح 4987.