الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الخامس من أخلاق الفرد المسلم: [الشَّجَاعَة]: الشجاعة: هي شدَّة القلب عند البأس، وهي: الإقدام على المكاره، والمهالك عند الحاجة إلى ذلك وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت، وهناك فرق كبير بين الشجاعة وبين القوة، فإن الشجاعة هي ثبات القلب عند النوازل وإن كان صاحبها ضعيف البدن ضعيف البطش، وقد كان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله –e–وكان ضعيف البدن، ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال، وهو في ذلك ثابت القلب، ربيط الجأش، إنَّ الشَّجَاعَة منبعها من القلب، وهي ثباته واستقراره عند المخاوف، وضد الشجاعة الجبن، وهو خلق مذموم، وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالشجاعة عند الجهاد في سبيله، والثبات عليه، والتحلي بصفة الإقدام، والتخلي عن صفة الجبن، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]، وقال سبحانه: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وأمر الله المسلمين بالثبات في الجهاد فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45].
وقد كان النبي –e–أشجع الناس، أخرج مسلم في صحيحه: باب في شجاعة النبي عليه السلام وتقدمه للحرب، عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله –e– أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله –e–راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا) ([1]) .وكان الرسول –e-من عظيم شجاعته يتمنى الشهادة والعود للحياة ثم يستشهد مرة بعد مرة ففي صحيح مسلم عنه أنه –e-قال: (والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) ([2]) . وكان –e–يتعوذ من الجبن، أخرج البخاري في صحيحه: (إنَّ رسول الله –e-كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر، فحدثت به مصعبًا فصدقه) ([3]) .
إن خلق الشَّجَاعَة أصل الأخلاق والفضائل: فمن يتصف بالشَّجَاعَة يتحلى أيضًا بالنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكد، والشَّجَاعَة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، كما أنّ الشجاع يحسن الظن بالله: فإنّ أهل الجبن والبخل: هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشَّجَاعَة والجود: هم أهل حسن الظن بالله، كما أنّ مصلحة الدين لا تتم إلا بالشَّجَاعَة، ولهذا قال أهل الأخلاق: أمهات الأخلاق العظيمة وأصولها: أربعة: الحكمة: وهى حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ، وهي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، والعدل: وهى حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها على مقتضى الحكمة، والشجاعة: وبها تنقاد قوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها، والعفة: وبها تتأدب قوة الشهوة بتأدب العقل والشرع، فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها، ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع من خلق الله تعالى إلا الرسول –e–، وبكمالها أثنى عليه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، لقد تجلت شجاعة النبي –e–في مواطن عديدة، جعلته أشجع الناس، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على الشجاعة من سيرة النبي –e–لطال بنا المقال، ولكن إشارة إلى بعض ذلك، أقول وبالله التوفيق:
(الموقف الأول): يتمثل في الجهر بالدعوة عندما أمره الله تعالى بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1إلى 7]، وقوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} بدأ رسول اللَّه –e-يسلك طريق الجهر بالدعوة والصدع بالحق، أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} صعد النبي –e-على الصفا فجعل ينادي: (يا بني فهر، يا بني عدي) – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي)؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً. قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ})([4]) . وفي رواية لأبي هريرة رضي الله عنه أنه –e– ناداهم بطناً بطناً، ويقول لكل بطن: (أنقذوا أنفسكم من النار)، ثم قال: (يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلاها) ([5]) . فقد قام أشجع الناس وسيد الناس –e-بالبلاغ المبين عن رب العالمين، حتى ولو خالفه أو رد دعوته جميع العالمين، وقد فعل –e-وقد استمر –e-على الجهر بالدعوة وإظهار الحق، يدعو إلى اللَّه تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك رادّ، ولا يصده عن ذلك صادّ، استمر يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه إلى الإسلام، لم يفتر –e-في دعوته.
(الموقف الثاني): في غزوة حنين: وهي التي نزل فيها قول الله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، وكان الكفار قد خدعوا المسلمين وصنعوا لهم كمائن، وانهالوا عليهم رشقا بالنبال، فانكشف المسلمون، آنذاك تظهر شجاعة أشجع الخلق، وأقوى الناس قلبا رسول اللَّه –e-، فطفق رسول اللَّه –e-يركض بغلته قِبَلَ الكفار، وهو يقول: (الآن حمي الوطيس)، وهو ينادي: (أنا النبي لا كذب،.، أنا ابن عبد المطلب،.، اللَّهم نزِّل نصرك).
أخرج مسلم: سئل البراء، فقال لـه رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال: لا واللَّه ما ولى رسول اللَّه e ولكنه خرج المسلمون حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نصر، فرشقوهم رشقاً، ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول اللَّه –e-وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: (أنا النبي لا كذب،.، أنا ابن عبد المطلب،.، اللَّهم نزِّل نصرك) ([6]) .قال البراء: (كُنَّا، وَاللَّهِ! إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ. وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ. يعني النبي –e–) ([7]) .
(الموقف الثالث): ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة: ما رواه البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي –e-أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قَبِلَ الصوت، فاستقبلهم النبي –e– قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: (لم تراعوا، لم تراعوا)، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: (لقد وجدته بحراً)، أو (إنه لبحر) ([8]) .
(الموقف الرابع): موقفه –e-مع الأعرابي الذي أراد قتله: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول اللَّه –e-قِبَلَ نجد، فأدركنا رسول اللَّه –e-في واد كثير العضاه، فنزل رسول اللَّه –e-تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه –e-: (إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده، فقال لي، من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، قال: فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض لـه رسول اللَّه e) ([9]) .
(الموقف الخامس): موقفه eمع من شفع في ترك إقامة الحد: قد كان النبي e أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول eلم يحابِ في ذلك ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود اللَّه تعالى، فعن عائشة ’ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي e في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه eفقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول اللَّه eفأُتيَ بها رسول اللَّه eفكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه e فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه؟) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه! فلما كان العشي قام رسول اللَّه eفاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، فقال: (أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّهe ([10]) .
(الموقف السادس: موقف لأبي بكر الصديق(1)): رُوي عن علي رضي الله عنه أنه خطب، فقال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس! قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنه لما كان يوم بدر، جعلنا لرسول اللَّه –e-عريشاً، فقلنا: من يكون مع الرسول –e– لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فو الله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر، شاهراً بالسيف على رأس رسول اللَّه –e-لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس، قال علي رضي الله عنه: ولقد رأيت رسول اللَّه –e-وأخذته قريش، فهذا يحاده، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويُجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}، ثم رفع عليٌّ بردةً كانت عليه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال علي: أنشدكم اللَّه، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم. ثم قال: ألا تجيبوني؟ فو الله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه([11]) .
(موقف لأبي بكر الصديق(2)): أُصيب المسلمون يوم وفاة الرسول e بمصيبة عظيمة، وهزّة عنيفة، أفقدت الكثير منهم صوابهم، حتى إن عمر أنكر موت النبي –e-وخرج إلى الناس وخطبهم، وقال: واللَّه ما مات رسول اللَّه e وليبعثنه اللَّه فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، وأقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة ’ فتيمم رسول اللَّه –e-وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، واللَّه لا يجمع اللَّه عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبتْ لك فقد متها ([12]) . ثم خرج أبو بكر – وعمر يُكلم الناس – فقال: أيها الحالف على رسْلِك، وقال: اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر أقبل الناس إليه وتركوا عمر، فجلس عمر رضي الله عنه فحمد اللَّه أبو بكر وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً –e-فإن محمداً –e-قد مات، ومن كان منكم يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت، قال اللَّه تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30]، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، فو الله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن اللَّه أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه وقال عمر: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي –e-قد مات) ([13]) .
(موقف لأبي بكر الصديق من المرتدين(3)): جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول اللَّه –e-واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه –e-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال: لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه)؟! فقال أبو بكر: واللَّه لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عِقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه –e-لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت اللَّه عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ([14]) .
(الموقف السابع: موقف لعمر بن الخطاب(1)): عندما أسلم عمر رضي الله عنه على يد النبي –e-أراد أن يَعلم قريش بإسلامه، فسأل عن أنقلهم للحديث، لينقل خبر إسلامه إلى قريش، فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فذهب عمر رضي الله عنه إلى جميل، وقال له: أعلمت يا جميل أنّي قد أسلمت، ودخلت في دين محمد؟ فقام جميل بن معمر يجر رداءه مُسرعاً حتى قام على باب المسجد، ثم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فقال عمر وهو واقف خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله –e– فثار عليه قريش من أنديتهم حول الكعبة، وقاتلهم وقاتلوه، واستمر القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم) ([15]) .
(موقف لعمر بن الخطاب عند الهجرة(2)): عندما اشتد أذى المشركين على المسلمين، وأذن لهم رسول اللَّه e بالهجرة من مكة إلى المدينة، وابتدأت وفود المسلمين متجهة إلى المدينة وكلها مختفية في هجرتها وانتقالها، إلا هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا مختفياً، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهماً وأتى الكعبة، وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم أتى حلقهم، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تَثْكَله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني خلف هذا الوادي، فما تبعه منهم من أحد ([16]) .
(الموقف الثامن: موقف لعلي بن أبي طالب(1)): موقفه رضي الله عنه في تقديم نفسه فداء للنبي eودعوته، وقبوله أن ينام على فراشه،: فعندما اجتمع قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي e، فأمر e علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة)، فقدم رضي الله عنه نفسه فداء للنبي eودعوته.
(موقف لعلي بن أبي طالب(2)): موقف علي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب، خرج عمرو بن عبد ودّ إلى المسلمين، وقال: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول اللَّه! فقال: (إنه عمرو، اجلس)، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول اللَّه! فقال: (اجلس) ثم نادى الثالثة.،. فقام علي رضي الله عنه فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال: (إنه عمرو)، فقال: وإن كان عمراً! فأذن له رسول اللَّه –e-، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال له عمرو: يا ابن أخي؟ والله ما أحب أن أقتلك. قال له علي: ولكني واللَّه أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ وسل سيفه، فاستقبله عليٌّ بالترس، فشق السيف الترس، فضربه عليُّ على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله، وقال علي رضي الله عنه: (نصر الحجارة من سفاهة رأيه،.، ونصرت رب محمد بصوابي،.، فصدرت حين تركته متجدلاً،.، كالجذع بين دكادك وروابي) وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق([17]) .
(موقف لعلي بن أبي طالب(3)): موقف علي رضي الله عنه في غزوة خيبر: قال رسول اللَّه –e-يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله)، فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه –e-كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) قيل: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه، قال: (فأرسلوا إليه)، فأُتي به، فبصق رسول اللَّه e في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال: (قد علمت خيبر أني مرحب،، شاكي السلاح بطل مجرب،، إذا الحروب أقبلت تلهب)، فقال علي: (أنا الذي سمتني أمي حيدره،، كليث غابات كريه المنظره،، أوفيهم بالصاع كيل السندره) فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه ([18]) .
(الموقف التاسع: موقف أنس بن النضر الأنصاري) عم أنس بن مالك رضي الله عنه، عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين –، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين –. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد. فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه ([19]) .
(الموقف العاشر: موقف عُمير بن الحُمام): في غزوة بدر حينما سمع عُمير بن الحُمام رسول اللَّه يقول لأصحابه: (قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ) فقال: يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخ بخ، فقال –e-: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟)، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل ([20]) .
إن خلق الشَّجَاعَة أصل الأخلاق والفضائل، والشَّجَاعَة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، كما أنّ الشجاع يحسن الظن بالله: فإنّ أهل الجبن والبخل: هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشَّجَاعَة والجود: هم أهل حسن الظن بالله، كما أنّ مصلحة الدين لا تتم إلا بالشَّجَاعَة: كما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38-39]، اللهم ارزقنا الشجاعة فإنها من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت.
([1]) صحيح مسلم 4/1802 ح 2307.
([2]) المصدر السابق 3/1495 ح 1876.
([3]) صحيح البخاري 4/23 ح 2822.
([4]) صحيح البخاري 6/111 ح 4770، صحيح مسلم 4/2242 ح 2927.
([6]) صحيح البخاري 5/153 ح 4317. صحيح مسلم 3/1400 ح 1776.
([7]) صحيح مسلم 3/1401 ح 1776.
([8]) صحيح البخاري 8/13 ح 6033.
([9]) صحيح البخاري 4/39 ح 2910.
([10]) صحيح البخاري 4/175 ح3475.
([11]) البداية والنهاية، 5/93.
([12]) صحيح البخاري 6/13 ح 445.
([14]) صحيح البخاري 9/93 ح 7284، صحيح مسلم 1/51 ح 20.
([15]) سيرة ابن هشام، 1/349، والبداية والنهاية: 4/202.
([16]) تاريخ الخلفاء للإمام السيوطي، : جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ) ص115 الناشر: مطبعة السعادة – مصر. الطبعة: الأولى، 1371 هـ – 1952 م.
([17]) سيرة ابن هشام 2/225. سير أعلام النبلاء 1/493.
([18]) صحيح مسلم 3/1433 ح 1807، سير أعلام النبلاء 2/66.
([19]) مسند أحمد 21/242 ح 13658. صحيح ابن حبان 5/211 ح 4279.