الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق العاشر من أخلاق الفرد المسلم: [الرِّفق]: الرفق: ضد العنْف، وهو لين الجانب بالقول وبالفعل واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه، وأيسرها، وقد امتدح القرآن الكريم صفة الرفق، فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ}، ألان الله تعالى قلبه على المسلمين وجعله لهم لين القلب سهلا هينا لينا، وقال سبحانه مخاطبًا الرسول: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال سبحانه: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43-44] فقوله تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا}أي: سهلًا لطيفًا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، لَّعَلَّهُ بسبب القول اللين يَتَذَكَّرُ ما ينفعه فيأتيه، أَوْ يَخْشَى ما يضره فيتركه، فإنَّ القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، والرفق كان من أبرز صفات النبي e فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أن يهود أتوا النَّبي e فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلًا يا عائشة، عليك بالرِّفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في) ([1]) .وأخرج مسلم عن جرير رضي الله عنه عن النَّبي e قال: (من يحرم الرِّفق يحرم الخير) ([2]) . يعني أنَّ الإنسان إذا حرم الرِّفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنَّه يحرم الخير كله، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمعت من رسول الله e يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) ([3]) .
والرفق: أن تسير بالنَّاس حسب أوامر الله ورسوله، ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق بالنَّاس، ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله، شق الله عليك، وأخرج مسلم عنها أيضًا رضي الله عنها عن النَّبي e قال: (إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) ([4]) . وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النَّبي e قال: (من أعطي حظه من الرِّفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرِّفق حرم حظه من الخير) ([5]) .
إنّ الرِّفق في الأمور، والرِّفق بالنَّاس، واللين بهم، والتيسير لهم، من أعظم الأخلاق، فالله تعالى رفيق من أسمائه الحسنى الرفيق، ففي صحيح البخاري عن النبي–e–قال: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) ([6]) . وعند مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ لها: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَي الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَي مَا سِوَاهُ) ([7]) .
و(الرفيق) هو كثير الرفق، المُيسر والمُسهل لأسباب الخير كلها، والله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على ما سواه، وكذلك فإنه سبحانه يحب من عباده التخلق بخلق الرِّفق، والإسلام دين الرفق واليسر والسهولة، قال e (إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدُّلْجة) ([8]) . وعن عائشة رضي الله عنها: (أنَّ الحولاء بنت تُوَيْتِ بن حبيب بن أسد ابن عبد العزَّى مرت بها، وعندها رسول الله e قالت: فقلت: هذه الحولاء بنت تويتٍ. وزعموا أنَّها لا تنام بالليل، فقال رسول الله e لا تنام بالليل، خذوا من العمل ما تطيقون، فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا) ([9]) .ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء، والتعامل مع النَّاس بالسَّمَاحَة، قال–e–: (المؤمنون هيِّنون ليِّنون، كالجمل الأنِفِ، إن قِيد انقاد، وإذا أُنيخ على صخرة استناخ) ([10]) . (هينون لينون) سهولتهم في أمور الدنيا، ولين جانبهم وسهولة انقيادهم إلى الخير والمسامحة في المعاملة، كالجمل الأنِفِ إن قيد انقاد وإذا أنيخ على صخرة استناخ، فإن البعير إذا كان أنفا مجروح الأنف كان ذلولا لا يمتنع على صاحبه للوجع الذي به، والمراد أن المؤمن سهل يقضي حوائج الناس ويخدمهم وشديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، وقال –e–: (إنَّ شرَّ الرِّعاء الحُطَمة) ([11]) . فشرُّ الرعاة من النَّاس هو الحطمة، الذي لا رفق عنده، ولا رحمة في قلبه تليِّن سياسته وقيادته، فهو يقسو ويشتد على رعيته، ويوسعهم عسفًا وتحطيمًا، ويدفعهم دائمًا إلى المآزق والمحرجات، ولا يعاملهم بالرِّفق والحكمة، والحطمة: صيغة مبالغة من الحطم، وأصل الحطم كسر الشَّيء اليابِس، والحَطِم: السواق بعنف كَأَنَّه يحطم بعض الإِبِل بِبَعض أو العنيف برعاية الإبل في السوق، وسميت جَهَنَّم الحُطمة لحطمها ما يلقى فيها، فإنها تكسر العظم بعد أكل اللحم، ويقصد به المُفْسد من الوُلَاة الذي لا يرفق برعيته، والرفق خلق إسلامي عظيم حتى مع الحيوان، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله e قال: (بينا رجل يمشي، فاشتدَّ عليه العطش، فنزل بئرًا، فشرب منها، ثُمَّ خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) ([12]) . والنَّبي e كان المثال الأعظم للرفق واللين: أخرج البخاري عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي– e حدثته أنَّها قالت للنبي e هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟(قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي، ثُمَّ قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النَّبي e بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) ([13]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله e إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله e: مَهْ مَهْ، قال: قال رسول الله e لا تُـزْرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثُمَّ إنَّ رسول الله e دعاه، فقال له: إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله e قال فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه) ([14]) . وأخرج مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله e إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّيَاه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا رأيتهم يُصمِّتونني لكني سكت، فلما صلَّى رسول الله e فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فو الله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ([15]) .
وكان e رفيقًا بنسائه، أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنهأن النَّبي e أتى على أزواجه، وسَوَّاق يسُوقُ بهنَّ يُقال له: أَنْجَشَة، وكان يَحْدُو للإبل ببعض الشعر حتى تسرع على حِدَائه، فقال له النبي: ويحك يا أَنْجَشَة، رُوَيدًا سَوْقَك القوارير) ([16]) .وكان e رفيقًا بالصغار، أخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:(كان رسول الله e يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما، فإنِّي أرحمهما) ([17]) .
([1]) صحيح البخاري 8/12 ح 60 30.
([2]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2592.
([4]) المصدر السابق 4/2004 ح 2594.
([5]) سنن الترمذي 4/867 ح 2013.
([6]) صحيح البخاري 9/16 ح 2927.
([7]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2593.
([11]) صحيح مسلم 3/1461 ح 1830 .
([12]) صحيح البخاري 8/9 ح 6009، صحيح مسلم 4/1761 ح 2244.