الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق التالي من أخلاق الفرد المسلم: [الأناة]: الأناة هي التأني وهي الحِلم والوقار، ورجل آنٍ أَي: كثير الأَناة والحِلْم، وتقول للرَّجل: إنَّه لذو أناةٍ، أي: لا يَعجَل في الأمور، وهو آنٍ: وقورٌ، والأناة خلق عظيم يعني: التَّثبُّت وترك العَجَلَة، والأناة: هي المبالغة في الرِّفق بالأمور والتَّسبُّب إليها بأسبابها، وقوله e للأشجِّ – أشجِّ عبد القيس (إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة) ([1]) .
والفرق بين الحِلْم والأَنَاة: أنّ الحِلْم معناه: أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، فإذا حصل غضبٌ وهو قادر على العقاب، فإنَّه يَحْلم ولا يعاقب، وأمَّا الأَنَاة: فهي التَّأنِّي في الأمور وعدم العجلة، وألَّا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجَّل ويحْكُم على الشَّيء قبل أن يتأنَّى فيه وينظر، والتأني خلق قويم جاء فيه حديث النبي e (التَّأنِّي مِن الله، والعَجَلة مِن الشَّيطان) ([2]) .فإن التَّأنِّي ممَّا يرضاه الله تعالى ويثيب عليه، والعَجَلَة مِن الشَّيطان لأنَّ العَجَلَة تمنع مِن التَّثبُّت، والنَّظر في العواقب، أخرج أبو داود عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّه قال: قال رسول الله e: (التُّؤدة في كلِّ شيء خيرٌ إلَّا في عمل الآخرة) ([3]) .فالتَّأنِّي، (في كلِّ شيء) أي: مِن الأعمال (خيرٌ) أي: مستحسن (إلَّا في عمل الآخرة) أي: لأنَّ في تأخير الخيرات آفات لقوله تعالى{فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}، وقوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}،، فالأناة خير في كل شيء إلا الأعمال الصالحات، إنّ العجلة طبيعة في الإنسان وهي صفة مذمومة، وهي من الشيطان، قال تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، وقال تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، وقال النبي e: (التَّأنِّي مِن الله، والعَجَلة مِن الشَّيطان) ([4]) .
إذن ما أعظم أن يتحلى المسلم بخلق الأناة، [من معاني الأناة]: مما يدخل في معاني الأناة: التثبت وعدم العجلة، والتمهل والتبصر، والأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ، والأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب الألباب، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش والحمق، والأناة صفة وسط بين التباطؤ والتعجل، والأناة ليست تعجلًا، ولا تباطؤًا وكسلًا، وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم بالأعمال وتصريف الأمور، قال الله – تعالى – للنبي e تربية لـه وتعليمًا: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 إلى 19]، وقال تعالى: {فَتَعَالَى الله الـمَلِكُ الـحـَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتأني في الأمور والتثبت في الامور كلها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، ولعظم أمر الأناة والتبين التي أمر الله بها قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِـمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94]، والأناة خلق قويم لابد وأن يتحلى به المسلم في كل أحواله وأوقاته، وقد حرص الرسول الأكرم e على تطبيع أصحابه رضي الله عنهم على خلق الأناة، ومن ذلك أخرج البخاري ومسلم: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله e إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي e قال: فقال لي: (يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟) قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا، قال: فقال: (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟)، قال، فمازال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم([5]) . وفي رواية: قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ ([6]) . وفي رواية: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟)، قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟). قال فجعل لا يزيده على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) ([7]) . ولهذا كان النبي e أعظم الناس أناةً وتثبُّتًا، فكان لا يُقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، وأخرج البخاري عن أنس بن مالك: (أن النبي e كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم) ([8]) .
ومن ذلك: تربيته لأصحابه e ورضي الله عنهم أجمعين على الأناة وعدم العجلة قوله e : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا، وما فاتكم فأتموا) ([9]) . وقوله e :(إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)([10]) .
وخلق الأناة كما يشمل: التأني والتثبت في الأفعال والأقوال، فهو كذلك يشمل كل مواقف الإنسان وتصوراته، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} فلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا يحكم حكمًا، ولا يبرم أمرًا إلا وقد تثبّت من كل جزئية، وحينئذ يصل المسلم إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد، وقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن سرجس المزني رضي الله عنه، أن النبي e قال:(السَّمْتُ الحسن، والتُّؤَدَةُ، والاقتصاد، جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة) ([11]) .
وبهذا يُعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة، مما يُحب الله تعالى العجلة إلى فعله والمسارعة إلى إتمامه فإنّ خير البر عاجله، والشاهد: أنه يستثنى من العجلة ما دل الشرع على استحباب التعجل فيه، قال تعالى: – على لسان موسى عليه السلام -: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، وقال تعالى – ممتدحا بعض أنبيائه -: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْـخَيْرَاتِ} وأخرج أبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن النبي e (التُّؤَدَة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة)([12]) .
[وضد الأناة: العجلة]، وهي طلب وقوع الأمر قبل وقته، وهي صفة مذمومة، والمشكلة تكمن في أنها طبيعة الإنسان، فإنّ من طبيعة الإنسان الاستعجال، قال تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]، وقال تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، وقال تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَـهُم بِالْـخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11]، وخاطب القرآن الكريم النبي e بقوله تعالى: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَـهُمْ عَدًّا} [مريم: 84]، ومن صور العجلة لدى المسلم ترك الدعاء، ولهذا قال e : (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل: يا رسول الله، فما الاستعجال؟ قال: (يقول قد دعوت فلم أر يُستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)([13]) . ومن صور العجلة لدى المسلم: استعجال النصر دون التمكن من أسبابه، أخرج البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول اللَّه e وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة، [ولقد لقينا من المشركين شدة]، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد [ما دون عظامه من لحم وعصب]، فما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليُتَمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) ([14]) . فالعجلة مذمومة، قال سبحانه: {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم: 60]، ولهذا أخرج أبو يعلى في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى وحسنة الألباني في الصحيحة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه: (التأني من الله والعجلة من الشيطان)([15]) .اللهم خلقنا بخلق الأناة واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، أخرج مسلم في صحيحه: كان مِن دعاء النَّبيُّ e (اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيئها لا يصرف عنِّي سيئها إلَّا أنت) اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) مسند ابن أبي يعلي 6/188 ح 4256.
([3]) سنن أبي داود 7/187 ح 4809.
([5]) صحيح البخاري 5/144 ح 4269.
([8]) صحيح البخاري 1/125 ح 610.
([9]) صحيح البخاري 2/7 ح 908، صحيح مسلم 1/420 ح 602.
([11]) سنن الترمذي 4/366 ح 2010.