الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المجتمع المسلم: خلق [البر] وخلق [الإحسان]
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: البِرُّ: البِرُّ: هو الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل، وبَرَّ في يمينه، إذا صدَّقه ولم يحنث، وبَرَّ رحمه إذا وصله، والبَـرُّ: الصَّادق والتقي، وهو خلاف الفاجر، والبِرُّ: ضدُّ العقوق، وبِرُّ الوالد: التَّوسع في الإحسان إليه،، وبَرَّ العبدُ ربَّه، أي: توسَّع في طاعته، والبِرُّ: كذلك هو الصِلة، وإسداء المعروف، والمبالغة في الإحسان، قال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، فالبِرُّ هاهنا اسم جامع لكل معاني الخير والتقوى والصلاح، وهو يتناول الإيمان بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، ويتناول النفقة لذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، ويتناول إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين الجهاد، وقال تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، والبر هنا هو كل عمل للخير يوافق الشرع، وقال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189]، فالبر ها هنا بمعنى التقوى، ويدخل في معنى التقوى فعل كل ما أمر الله به، وترك كل ما نهى الله عنه، وقد وضح النبي e معنى البر، وأنه حسن الخلق، أخرج مسلم عن الـنَّـوَّاسِ بن سمعانَ رضي الله عنه قال: سألت رسول الله e عن البِرِّ والإثم، فقال: (البِرُّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس) ([1]) . ويدخل فيه احتمال الأذى، وقلَّة الغضب، وبسط الوجه، وطيب الكلام، وأخرج ابن ماجة عن ثوبانَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) ([2]) . والبر ها هنا هو كل ما دل عليه الشرع من خير وطاعة، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البِرِّ. وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّة. وما يزال الرجل يصدُق، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا. وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور. وإنَّ الفجور يهدي إلى النَّار. وما يزال الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب حتَّى يُكتب عند الله كذابًا) ([3]) .
والخلاصة أن البر اسم جامع لكل معاني الخير والإحسان، و(البر) من أسماء الله تعالى الحسنى، قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28]، و (البر) هو سبحانه العطوف على عباده، المحسن إليهم، وقد خاطب عباده بقوله سبحانه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، فلن يصل المسلم إلى مرتبة البر إلا بالنفقة مما يحب من كرائم أمواله قربة إلى الله.
ومن أهم أخلاق المجتمع المسلم: الإحسان: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، والإحْسَان نوعان: إحسان في عبادة الخالق سبحانه: بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جبريل عليه السلام ما يدل على هذا المعنى، وقد سأل النبي e عن الإحْسَان، فقال e: (أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([4]) .
وهذا الإحسان معناه الجِدُّ في القيام بحقوق الله، والنوع الثاني من الإحسان هو: الإحسانٌ في حقوق الخَلْق، وهو بذل جميع المنافع لهم والانعام عليهم، قال سبحانه {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} وأخرج مسلم عن النبي e، قال( إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء) ([5]) ..
إن الإحسان من أعظم المبادئ الأخلاقية التي أمر الشرع الإسلامي بها، ويكفي في بيان فضيلته، قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصِّلت: 34، 35]، وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 54]، ونفهم من الآيتين: أن هذا الإحسان في حق من أساء إلينا، فكيف يُتصور الإحسان مع من لم يسيء إلينا، بل كيف يُتصور الإحسان مع من أحسن إلينا، أو من لهم حقوق علينا كأولياء الأمور والوالدين والأهل والأولاد، وذوي الرحم، والجيران، والضيفان وابن السبيل، والمحتاجين من المسلمين بل وعموم المسلمين، فالإحسان إلى أولياء الأمور يكون بطاعتهم في المعروف، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([6]) . ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ قَالَ:(عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([7]) .
والإحسان للوالدين يكون ببرِّهما، وإيصال الخير المستطاع إليهما، والدُّعاء والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24]، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]، وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله e: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها). قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) ([8]) .
والإحسان إلى الأهل والعيال: يكون بالخيرية لهم، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e: (خيركم: خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ([9]) .
والإحسان للأقارب وذوي الرحم يكون ببرِّهم ورحمتهم والعطف عليهم، وفعل ما يَجْمُل فعله معهم، وترك ما يسيء إليهم، تارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة، وتارة بالسلام، وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة، قال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي e أنه قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) ([10]) .
والإحْسَان إلى الجار فرض واجب، فقد أوصى الإسلام بالإحسان إلى الجار، وحرم أذاه بالقول والفعل، وجعل منع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان عن من لا يأمنه جاره، وأخبر أن خير الجيران عند الله خيرهم لجاره، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله e: «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.» ([11]) .
والإحسان إلى الضيوف من أهم مكارم الأخلاق، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال:(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) ([12]) .
والإحسان إلى اليتامى يكون بالمحافظة على أموالهم، وصيانة حقوقهم، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى، والمسح على رؤوسهم، والإحسان إلى المساكين يكون بسدِّ جوعهم، وستر عورتهم، قضاء حوائجهم، والإحسان إلى ابن السَّبيل بقضاء حاجته، وسدِّ خلَّته، ورعاية ماله، وصيانة كرامته، وبإرشاده إن استرشد، وهدايته إن ضلَّ، والإحسان إلى عموم المسلمين بالتَّلطُّف في القول لهم، ومجاملتهم في المعاملة، وبإرشاد ضالِّهم، وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، وبإيصال النَّفع إليهم، وكفِّ الأذى عنهم، اللهم ارزقنا الإحسان في كل شيء، اللهم ارزقنا البر والإحسان، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح مسلم 4/1980 ح 2553.
([2]) سنن ابن ماجة 5/152 ح 4022.
([3]) صحيح البخاري 8/25 ح 6094، صحيح مسلم 4/2012 ح 2607.
([5]) المصدر السابق 3/1548 ح 1955.
([6]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([7]) المصدر السابق 9/63 ح 7144.صحيح مسلم 3/1469 ح 1839.
([8]) صحيح البخاري 4/14 ح 2782، صحيح مسلم 1/89 ح 85.
([10]) صحيح البخاري 8/5 ح 5986، صحيح مسلم 4/1982 ح 2557.