الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنّ الإسلام قيم أخلاقية عالية تضمن للمجتمع المسلم الفلاح والنجاح والأمن والسلام والمحبة والوئام، واخترت للحديث عن هذا الموضوع سبعة قيم لابد من ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل، القيمة الأولى: وتتمثل في: طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم، والقيمة الثانية: الإحسان إلى الوالدين وبرهم، والقيمة الثالثة: الخيرية للأهل والأزواج والأولاد، والقيمة الرابعة: صلة الأرحام، والقيمة الخامسة: الاحسان إلى الجار، والقيمة السادسة: إكرام الضيف، والقيمة السابعة: بناء لبنات المجتمع الرباني الفاضل الذي تتوفر فيه كل معاني الأخلاق العظيمة من التحاب في الله و التآخي في الله، والبر، والإحسان، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والتآلف، وتعظيم حرمات المسلمين وحفظ حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم، والتكافل فيما بينهم، وخفض الجناح لهم وحسن الخلق معهم، والحلم والأناة والرفق بهم، وحسن الظن بعموم المسلمين والعفو عن المسيء منهم، والستر على العصاة والمذنبين والمقصرين حتى لا تشيع الفاحشة بينهم، هذه قيم سبعة أساسية حرص شرع الإسلام على ترسيخ وجودها في المجتمع الإسلامي الفاضل، وفي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: القيمة الأولى من القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام: طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم: إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك اللحمة يعرف أنّ طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم والصبر على أخطائهم من أبرز القيم الإسلامية التي تحقق للمجتمع تماسكه وأمنه واستقراره، إن المجتمع الإسلامي يعيش في ظل السياسة الشرعية الحكيمة التي تعرف لأولياء الأمور حقوقهم ولا تفتئت على صلاحياتهم، تلك السياسة الشرعية الحكيمة التي تحفظ لحكام المسلمين حقوقهم، وتحفظ على المؤمنين حرماتهم، مع الصبر على جور الحكام وظلمهم، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة على ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله e، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم e، وقد جعلت سنة النبي e: طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([1]) .وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([2]) .
وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول e بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً، ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([3]) .فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي e، منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله e، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) [([4]) . يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول e مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (قَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله e: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([5]) . وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ e، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([6]) .وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)، وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ e، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([7]) . والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ e قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([8]) .وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)، وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله e: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([9]) . يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)، وما أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله e: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([10]). وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا، وهذه الأحاديث ليس الهدف من ذكرها تبرير أخطاء الحكام، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، كما سيأتي بيانها، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين، والمجتمع الإسلامي الراشد يعرف حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، هو أقرب ما يكون من حالة إنكار المنكر على أحد الوالدين، فلا يتعدى النصح باللين والرفق، والسياسة الشرعية الحكيمة جعلت وجب اسداء النصيحة للحاكم فيما يتعلق بأمر الإسلام والمسلمين في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، قال ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة، ويحرم بغير ذلك) أهـ ([11]) . وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها) ، ([12]) . وقال الشوكاني: (ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله، وقد قدمنا: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أهـ،([13]) . (قلت): ويؤيد ذلك: ما أخرجه الترمذي: قال: حدثنا بندار: حدثنا أبو داود: حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال: انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق! فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله e يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله) ([14]) . قال الترمذي: حسن غريب اهـ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه: (من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة) ([15]). وما أخرجه ابن أبي شيبة في [المصنف وسعيد بن منصور في (سننه) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال: قال عبد الله: (إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس) ([16]) . ولله در الإمام النووي حيث يقول: (التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة) ([17]) .
إذن الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور: أن يكون باللسان، وباللين وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية، مع ضرورة ترك النصيحة في الملأ: وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس، فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم، فلا ينبغي النصح في الملأ، ولا أن تطول النصيحة، ولابد وأن تكون بألين عبارة، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب، وينبغي أن تخرج النصيحة مخرج المذاكرة والتعريض، ولا مخرج التعليم والإفادة، لأن المعلم أفضل وأعلى من المتعلم، فلا ينبغي وضع الحاكم في تلك الصورة التي تظهر كانه تلميذ لدى معلمه، فهذه حالة ينبغي إجلال السلطان عنها، مع الحرص أعظم الحرص على ترك التخشين في الموعظة): فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى}، قد يكون العالم أو الداعية يطمع في أجر حديث: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([18]) . ولكن الفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط: (الضابط الأول): أحاديث النبي e في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات، (الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، (الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته، (الضابط الرابع): أن تكون كلمة حق صادقة، قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته، (الضابط الخامس): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته، (الضابط السادس): قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة، إن كان يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة بسبب إنكاره، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها، لقوله e: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) ([19]) . اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([2]) المصدر السابق 1/140 ح 693.
([3]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([4]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([5]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([6]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([8]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053. صحيح مسلم 3/1478 ح 1849.
([9]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([10]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([11]) الآداب الشرعية (1/176،177.
([14]) سنن الترمذي 4/502 ح 2224.
([15]) مسند أحمد 34/79 ح 20433.
([16]) المصنف لابن أبي شيبة 7/470 ح 37308. سنن سعيد ابن منصور 4/1660 ح 849.
([18]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.