الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة المؤمنون: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [سورة المؤمنون: 57 إلى 61]،
[المعنى الإجمالي للآيات] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون] أي هم من جلال الله وعظمته خائفون ، ومن خوف عذابه حذرون، [والذين هم بآيات ربهم يؤمنون] أي يصدقون بآيات الله القرآنية، وآياته الكونية، وهي الدلائل والبراهين الدالة على وجوده سبحانه. وفي كل شئ له آية تدل على أنه واحد، [والذين هم بربهم لا يشركون] أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه قال الإمام الفخر: وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفى الشريك لله فإن ذلك داخل في الآية السابقة، بل المراد منه نفيُ الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله وطلبا لرضوانه، [والذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة] هذه هي الصفة الرابعة من أوصاف المؤمنين، أي يعطون العطاء من زكاة وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبِر، وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم، قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا، [أنهم إلى ربهم راجعون] أي لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الطاعات والأعمال الصالحة، ولاعتقادهم أنهم سيرجعون إلى ربهم للحساب، روي أن عائشة سألت رسول الله e، عن الآية الكريمة فقالت: [والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة] أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ فقال لها: ” لا يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل، [أولئك يسارعون في الخيرات] أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، هم الذين يسابقون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات، لا أولئك الكفرة المجرمون، [وهم لها سابقون] أي هم الجديرون بها والسابقون إليها، قال الإمام الفخر: واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، فالصفة الأولى: دلت على حصول الخوف الشديد، الموجب للإحتراز عما لا ينبغي، والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله، والثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة، يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله الوصول إليها]] ([1]) .
[أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات]: (1) الخشية والخوف: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}، (2) الإيمان: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}، (3) التوحيد والبراءة من الشرك: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}، (4) الخوف والوجل من الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، (5) المسارعة في الخيرات والسبق إليها: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}،(1) الخشية من الله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}: الخشية من الله تعالى خلق عظيم من أخلاق المؤمن مع الله، بل هي شرط من شروط الإيمان قال تعالى: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة التوبة:13]، والخشية من الله مقام العلماء (علماء البصر والبصيرة) , قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28]، والخشية خلق لا يتصف به إلا عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال: 2]، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر: 23]، وقد وصف الله تعالى بها عبادة المؤمنين الصالحين فقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [سورة فاطر: 18]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [سورة المؤمنون: 57 إلى 61]،
(2) الإيمان: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}: من أهم أخلاق المسلم مع الله الإيمان به سبحانه، والإيمان في اللغة: هو التصديق والاطمئنان، والإيمان في الشرع: هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق، ومعنى الإيمان: أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه، انه لا إله إلا هو، وضده الكفر: وهو الإنكار والجحود والتكذيب، وللإيمـان أركان ستـة، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه e، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) [البقرة: 177]، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر: 49]، وقوله – e: وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) وأهم تلك الأركان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله: وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود، ليس كوجوده وجود، وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل أسمائه أسماء، ولا كمثل صفاته صفات، ولا كمثل افعاله أفعال، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وكل ما في الوجود فعله وخلقه، له توحيد الربوبية فلا رب سواه، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان، وقد تأهل لمنازل الإحسان.
(3) التوحيد والبراءة من الشرك: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}: التوحيد: توحيد الألوهية وهو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، و (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، والله أكبر من كل تصور، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وللتوحيد أركان ثلاثة: اثنان في شهادة (لا إله إلا الله)، الأول: البراءة من الشرك (لا إله)، والثاني اثبات التوحيد لله وحده: (إلا الله)، والركن الثالث في شطر الشهادة (محمد رسول الله)، (لا إله) المقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه، فلا معبود في الكون بحق سواه، ولا رب للعالمين غيره، ولا كمال إلا له، فلا إله إلا هو، والإثبات: (إلا الله) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا، وقدرة وقهرا، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه، وله العبودية لا معبود بحق سواه، ولا إله إلا هو، وهذا الركنان تضمنتهما آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 256]، {فمن يكفر بالطاغوت} والطاغوت هو كل معبود سوى الله، والكفر به معناه إنكار إلهيته، {ويؤمن بالله} هو التوحيد وإفراد الله تعالى بالإلهية {فقد استمسك بالعروة الوثقى} هي شهادة التوحيد، وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]. والآية توضح أيضاً ركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده لا شريك له {أن اعبدوا الله} ونفي العبادة عما سوى الله {واجتنبوا الطاغوت}، وقوله e (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل) ([2]) .
والركن الثالث: الإيمان برسالة النبي e، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق ذلك التوحيد (توحيد الألوهية) كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} و[التوحيد] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار: أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله e: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([3]) . ومن مات على [التوحيد] دخل الجنة، لقوله e:(ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) ([4]) . وقوله e: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) ([5]) . وقوله e: (“مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ”.) ([6]) . وكقوله e لأبي هـريرة: (فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ. فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ”) ([7]) . وكقوله e: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».) ([8]) . وكقوله e: (“أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شاك فيهما، إلا دخل الجنة”.) ([9]) .
(4) الخوف والوجل من الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}: الخوف من الله من أجل الأخلاق، قال تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وهو من أخلاق الملائكة المكرمين، قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49، 50]، وهو من أخلاق الرسل الكرام، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15]، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37، 38]، ومقام الخوف من الجليل سبحانه له عند الله تعالى الأجر العظيم، وهو من أخلاق المحسنين أصحاب أعلى الدرجات في الجنة، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41]، وقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، ومما جاء عن الخوف في السنة المشرفة: أخرج أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت:يا رسول الله: قَول الله عز وجل {وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ} أهو الذي يزني، ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا أبنة الصدّيق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي، ويصدّق، ويخاف ألا يقبل منه) ([10]) . اللهم لا تؤمنا من مكرك ولا تيأسنا من رحمتك ، فإنه لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، وإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
(5) المسارعة في الخيرات والسبق إليها: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}، في المبادرة إلى الخيرات، قَالَ الله تَعَالَى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}، وقال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً}، وقال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون}، وَقالَ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رَسُول الله e، قَالَ: (بَادِرُوا بِالأعْمَال فتناً كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤمِناً ويُصبحُ كَافِراً، يَبيعُ دِينَـهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا) ([11]) .
والمسارعة في الخيرات هي من أخلاق المحسنين استجابة لأمر الله ورسوله، كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}،، وأخرج مسلم عن النبي e، قَالَ: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) والمسارعة في الخيرات من صفات المقربين الذين هم من خشية ربهم مشفقون * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 2/286.
([3]) صحيح البخاري 7/72 ح 5401، صحيح مسلم 1/455 ح 33.
([4]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827، صحيح مسلم 1/95 ح 94.
([5]) مسند أحمد 36/443 ح 22126.
([7]) المصدر السابق 1/59 ح 31.
([10]) مسند أحمد 42/465 ح 25704. المستدرك للحاكم 2/427 ح 3486.