الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة المعارج: قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 19 إلى 35]،
[المعنى الإجمالي للآيات] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[أخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا، فقال سبحانه: [إن الإنسان خلق هلوعا] اي إن الإنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء، قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإنسان العموم بدليل الاستثناء منه، والاستثناء معيار العموم، ثم فسره تعالى بقوله: [إذا مسه الشر جزوعا] أي إذا نزل به مكروه، من فقر، أو مرض، أو خوف، كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، واستولى عليه اليأس والقنوط، [وإذا مسه الخير منوعا] أي وإذا أصابه خير من غنى، وصحة، وسعة رزق، كان مبالغا في المنع والإمساك، فهو إذا أصابه الفقر لم يصبر، وإذا أغناه الله لم ينفق، قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبده بإنفاق ما يحب، والصبر على ما يكره، [إلا المصلين] استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ومصائبها، ولا يبخلون بخيرها، [الذين هم على صلاتهم دائمون] اي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله، [والذين فى أموالهم حق معلوم] أي في أموالهم نصيب معين، فرضه الله عليهم وهو الزكاة، [للسائل والمحروم] أي للفقير الذي يسأل ويتكفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيظن أنه غنى فيحرم كقوله تعالى {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}، [والذين يصدقون بيوم الدين] أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، يصدقون بمجيئه تصديقا جازما، لا يشوبه شك ولا ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة، [والذين هم من عذاب ربهم مشفقون] أي خائفون على أنفسهم من عذاب الله، يرجون الثواب ويخافون العقاب، [إن عذاب ربهم غير مأمون] أي لأن عذاب الله لا ينبغى أن يأمنه إنسان، إلا من أمنه الرحمن، والأمور بخواتيمها.. إن هؤلاء المصدقين المشفقين، قلما تغويهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواء عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إذ إن لديهم من الفكر فى جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إذا مسهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إذا مسهم الخير!! ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات، فقال سبحانه: [والذين هم لفروجهم حافظون] أي هم أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش [إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم] أي يقتصرون على ما أحل الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات، [فإنهم غير ملومين] أي فإنهم غير مؤاخذين، لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلال يؤجر عليه الإنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية، [فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون] أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدى حدود الله، وعرض نفسه لعذاب الله، قال الطبري: من التمس لفرجه منكحا سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحد الله لهم، إلى ما حرمه عليهم، فهم الملومون (ومن هذه الآية استدل جمهور الفقهاء على حرمة (زواج المتعة) لأن المنكوحة لمتعة ليست بزوجة، ولا بملك يمين، فيكون الزواج بها محرما)، [والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون] أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، [والذين هم بشهاداتهم قائمون] أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحهم، وخصها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيها على فضلها، لأن في إقامتها إحياء للحقوق، وفي تركها تضييعا للحقوق، [والذين هم على صلاتهم يحافظون] هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين، الذين وفقهم الله إلى تطهير نفوسهم، من خلق الهلع المذموم، أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر، ومراقبة الله فيها، وإلا كانت حركات صورية، لا يجنى العبد ثمرتها، فإن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم كما قال سبحانه: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، ولما كانت الصلاة عمود الإسلام، بولغ في التوكيد فيها، فذكرت في أولى الخصال الحميدة وفي آخرها، ليعلم مرتبتها في الأركان، التي بنى عليها الإسلام،قال القرطبي: ذكر تعالى من أوصافهم في البدء [الذين هم على صلاتهم دائمون] ثم قال في الختم [والذين هم على صلاتهم يحافظون] والدوام غير المحافظة، فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها، لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل،ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات، والمحافظة يرجع إلى أحوالها ([1]) . (قال ابن كثير: افتتح تعالى الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها بدءا ونهاية) ([2]) . وبعد أن ذكر تعالى أوصاف المؤمنين المتقين، ذكر مآلهم وعاقبتهم، فقال سبحانه: [أولئك فى جنات مكرمون] أي أولئك المتصفون بتلك الأوصاف الجليلة، والمناقب الرفيعة، مستقرون في جنات النعيم، التي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات، مع الإنعام والتكريم بأنواع الملاذ والمشتهيات لاتصافهم بمكارم الأخلاق]] ([3]) . [أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات]: (1) حقيقة الإنسان: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ، (2) فضل الصلاة: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}، (3) فضل الإنفاق: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}، (4) فضل التصديق: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}، (5) فضل الخوف: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}، (6) فضل عدم الأمن من مكر الله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}، (7) فضل الأمانة وحفظ العهود: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، (8) فضل المحافظة على الصلاة: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، (9) الجزاء: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ}(1) حقيقة الإنسان: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ}: من أبرز صفات الإنسان أنه هلوع جزوع منوع: قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 إلى 21]، وهو شديد الكفر: قال تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، وهو كنود شهيد على كفرانه النعم حريص طماع: قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 6 إلى 8]، قليلا ما يشكر الفضل والنعمة، قال تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 7 إلى 9]، وهو ظلوم جهول: قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، وهو خصيم مبين: قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 77 إلى 79]، وهو انتفاعي غادر: قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8]، وهو ناكر للجميل: قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49)} [الزمر: 49]، وهو يئوس قنوط انتفاعي ناكر للجميل: قال تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 49 إلى 51]، وهو كفور: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48]، وهو كفور مبين: قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزخرف: 15]، وهو فاجر: قال تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 5، 6]، وهو مغرور: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]، وهو متقلب متسخط أناني طماع: قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} وهو إن استغنى طغى: قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7]، ولهذا فإن الإنسان إلى خسر محقق ولا نجاة إلا بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4 إلى 6]، ولا نجاة له إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]، ولا نجاة إلا بما ذكره الله تعالى في هذه السورة: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ}،
(2) فضل الصلاة: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}: أمر الله عز وجل الرسل الكرام بالصلاة، فقال تعالى لموسى عليه السلام: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقال عيسى عليه السلام: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31]، ودعا إبراهيمُ ربَّه أن يكون هو وذريته من المؤدِّين لها: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا} [إبراهيم: 40]، وأثنى على إسماعيل لأمره أهله بها: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 55]، وهي من الميثاق الذي أُخِذَ على الأمم السابقة: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 83]، وهي من وصايا لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان: 17]، وأُمِرَت هذه الأمة بالمحافظة عليها: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ} وأُمِر بها النساء: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} وهي من أُسُس الإيمان، قال النبي e لوفد عبد القيس: (هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة) ([4]) . وهي أحبُّ الأعمال إلى الله؛ سُئِلَ النبي e: (أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: (الصلاةُ على وقتها، ثم بر الوالدين) ([5]) . وخُصَّت من بين سائر العبادات بفرضيَّتها في السماء فلم ينزل بها مَلَكٌ إلى الأرض؛ بل كلَّم الله نبينا محمدًا e بفرضيتها من غير واسطة، قال e: حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ، خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) ([6]) . عظُمَت منزلتها ففُرِضَت خمسين صلاة، ثم خُفِّفت إلى خمس في العدد وبقيت خمسين في الثواب، أحبَّها الصحابة رضي الله عنهم فكانوا يؤدُّونها في أشد المواطن، قال جابر رضي الله عنه: (غَزَونا مع رسول الله e قومًا فقاتلونا قتالًا شديدًا، فقال المشركون: إنه ستأتيهم صلاةٌ هي أحبُّ إليهم من أولادهم) ([7]) .وبايَعوا النبي e – عليها، قال جرير رضي الله عنه: («بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».) ([8]) . والصلاة خيرُ عونٍ على أمور الدنيا والدين؛ تُجمِّل المرءَ بمكارم الأخلاق، وتنهاه عن الفحشاء والمنكرات، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)} [العنكبوت: 45]، وصَفَها النبي e بأنها نور، فقال: (والصلاةُ نورٌ) ([9]) .فضائلُها جمَّة، ومنافعها متعدية، قال عنها عليه الصلاة والسلام: («لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) ([10]) . أي: زحفًا على الأيدي والركب؛ متفق عليه، جعلها الإسلام ميزانًا بين الإسلام والكفر، قال النبي e: (بين الرجل وبين الشرك أو الكفر تركُ الصلاة) ([11]) . قال عمر رضي الله عنه: (لا إسلام لمن لم يُصلِّ) ([12]) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من تَرَكَ الصلاةَ فلا دين له) ([13]) . وواجبٌ فعلُها في وقتها، قال جلَّ شأنه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} وشهودها أمارةٌ على الإيمان، قال جل شأنه: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} [التوبة: 18، وكان الصحابة يؤدُّونها جماعة ولو مع المشقة،(وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصف) ([14]) . قال الربيع بن خيثمة رحمه الله: (إن استطعتم أن تأتوها فأْتوها ولو حَبْوًا) ([15]) .
(3) فضل الإنفاق: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}: قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2، 3]، وقال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم: 31]، و قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272]، وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134]، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 261، 262]، وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e: («إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا.») ([16]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك) ([17]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: («سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) ([18]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: («مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.») ([19]) .
(4) فضل التصديق:{وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}: يؤمنون باليوم الآخر بيوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، يوم الدين الذي يُحاسب الناس فيه على أعمالهم، ويشتمل الإيمان بيوم الدين على الإيمان بالحياة البرزخية في القبر، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات الساعة وأشراطها الصغرى والكبرى، والإيمان بما يكون في اليوم الآخر من أهوال واختلاف أحوال، وما يكون فيه من الحساب والنشر وتطاير الصحف ونصب الموازيين يوم القيامة والمرور على الصراط، والإيمان بما يكون بعده من الجنّة ونعيمها للمؤمنين الأبرار، والنار وجحيمها للمشركين والكفار والأشرار.
(5) فضل الخوف: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}: الخوف من الله من أجل الأخلاق، قال تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وهو من أخلاق الملائكة المكرمين، قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49، 50]، وهو من أخلاق الرسل الكرام، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15]، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37، 38]، ومقام الخوف من الجليل سبحانه له عند الله تعالى الأجر العظيم، وهو من أخلاق المحسنين أصحاب أعلى الدرجات في الجنة، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41]، وقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، ومما جاء عن الخوف في السنة المشرفة: أخرج أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: قَول الله عز وجل {وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ} أهو الذي يزني، ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا أبنة الصدّيق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي، ويصدّق، ويخاف ألا يقبل منه) ([20]) . اللهم لا تؤمنا من مكرك ولا تيأسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين، فإنه لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، وإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
(6) فضل عدم الأمن من مكر الله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}: الأمن من مكر الله تعالى طريق يؤدي إلى الخسران، قال تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، ومن النصوص الواردة في ذم الأمن من مكر الله: قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، ومن الآثار الواردة في ذم الأمن من مكر الله: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا) ([21]) . وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: (إنما العالم الذي لا يُقنِّطُ الناس من رحمة الله تعالى ولا يُؤمِّنهم من مكر الله) ([22]) . وقال الحسن البصري رحمه الله عن النفاق: (ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق) ([23]) . وقال الحسن البصري أيضاً: (المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وَجِلٌ خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن) ([24]) .إنّ الأمن من مكر الله تعالى كبيرة من الكبائر، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (عَدّ ذلك كبيرة هو ما أطبقوا عليه؛ لما علمتَ من الوعيد الشديد الذي فيه، بل جاء تسميته أكبر الكبائر، روى ابن أبي حاتم في تفسيره والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله e سئل ما الكبائر؟ فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله) ([25]) . قيل: والأشبه أن يكون موقوفاً، وبكونه أكبر الكبائر صرح ابن مسعود كما رواه عبد الرزاق والطبراني) ([26]) .والحاصل إنّه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون.
(7) فضل الأمانة وحفظ العهود: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} وقد سبق الحديث عنها في الدرس الثاني من الباب الرابع [خلق الأمانة]
(8) فضل المحافظة على الصلاة: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، عظمها الله تعالى إذ فرضها على نبيه e من غير واسطة، وهي عمود الدين، وآخر ما يفقد المسلمون من دينكم، فهل يستقيم الدين بلا عماد، وهل يبقى في الدين شيء إذا ذهب آخره، وقد سبق الحديث عنها في الباب الثامن الدرس الثالث:أصول الأخلاق في سورة المؤمنون.
(9) الجزاء: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} جنات عرضها كعرض السماوات و الأرض لمن أطاعه، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء والأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، و قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وقال تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]، اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([3]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 3/421- 422.
([4]) صحيح البخاري 5/168 ح 4368، صحيح مسلم 1/47 ح17.
([5]) صحيح البخاري 8/2 ح 5970، صحيح مسلم 1/90 ح 85.
([6]) صحيح البخاري 9/149 ح 7517، صحيح مسلم 1/145 ح 162.
([8]) صحيح البخاري 1/21 ح 57، صحيح مسلم 1/75 ح 56.
([10]) صحيح البخاري 1/132 ح 657، صحيح مسلم 1/451 ح 651.
([12]) كنز العمال 8/4 ح 21620.
([13]) صحيح الترغيب والترهيب 1/370 ح 575.
([15]) شعب الأيمان 3/78 ح 2925.
([16]) صحيح البخاري 2/112 ح 1425، صحيح مسلم 2/112 ح 1425.
([17]) صحيح البخاري 9/143 ح 7496، صحيح مسلم 2/690 ح 993.
([18]) صحيح البخاري 2/111 ح 1423، صحيح مسلم 2/715 ح 1031.
([19]) صحيح البخاري 2/115 ح 1442، صحيح مسلم 2/700 ح 1010.ٍ
([20]) مسند أحمد 42/465 ح 25704. المستدرك للحاكم 2/427 ح 3486.
([22]) إحياء علوم الدين 4/146.