الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة الأنعام: قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151 إلى 153]،
[المعنى الإجمالي للآيات] جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[تختم سورة الأنعام بالوصايا العشر التي نزلت في كل الكتب السابقة، ودعا إليها جميع الأنبياء السابقين [قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم..] الآية. وتنتهي بآية فذة تكشف للإنسان عن مركزه عند ربه في هذه الحياة، وهو أنه خليفة في الأرض، وأن الله سبحانه جعل عمارة الكون، تحت يد الإنسان تتعاقب عليها أجياله، ويقوم اللاحق منها مقام السابق، وأن الله سبحانه قد فاوت في المواهب بين أفراد الإنسان لغاية سامية وحكمة عظيمة وهي ” الابتلاء والاختبار ” في القيام بتبعات هذه الحياة، وذلك شأن يرجع إليه كما له المقصود من هذا الخلق وذلك النظام [وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سربع العقاب وإنه لغفور رحيم]، قال تعالى: [قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم] أي قل يا أيها الرسول لقومك: تعالوا أقرا الذي حرمه ربكم عليكم باليقين، لا بالظن والتخمين: [ألا تشركوا به شيئا] أي لا تعبدوا معه غيره، [وبالوالدين إحسانا] أي وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، وذكر ضمن المحرمات، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فكأنه قال: ولا تسيئوا إلى الوالدين، قال ابو السعود: والسر في ذلك المبالغة والدلالة على إن ترك الإساءة إليهما، غير كاف في قضاء حقوقهما، [ولا تقتلوا أولادكم من إملاق] أي ولا تقتلوا أولادكم خشية الفقر، قال ابن الجوزي: المراد دفن البنات أحياء من خوف الفقر، [نحن نرزقكم وإياهم] أي رزقكم ورزقهم علينا، فإن الله هو الرزاق للعباد، [ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن] أي لا تقربوا المنكرات الكبائر، علانيتها وسرها، قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرمه الله في السر والعلانية، [ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق] أي لا تقتلوا النفس البريئة التى حرم الله قتلها إلا بموجب، وقد فسره قول رسول الله e: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ([1]) .، [ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون] أي ذلكم المذكور، هو ما أوصاكم تعالى بحفظه، وأمركم به أمرا مؤكدا، لعلكم تسترشدون بعقولكم إلى فوائد هذه التكاليف، ومنافعها في الدين والدنيا، قال ابو حيان: وفي لفظ [وصاكم] من اللطف والرأفة، وجعلهم أوصياء له تعالى، ما لا يخفى من الإحسان، [ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده] أي لا تقربوا مال اليتيم بوجه من الوجوه، إلا بالخصلة التي هى أنفع له، حتى يصير بالغا رشيدا، والنهي عن القرب يعم وجوه التصرف، لأنه إذا نهي عن أن يقرب المال فالنهي عن أكله أولى وأحرى، والتي هي أحسن منفعة اليتيم وتثمير ماله، قال ابن عباس: هو أن يعمل له عملا مصلحا، فيأكل منه بالمعروف، [وأوفوا الكيل والميزان بالقسط] أي بالعدل والتسوية في الأخذ والعطاء، [لا نكلف نفسا إلا وسعها] أي لا نكلف أحدا إلا بمقدار طاقته، بما لا يعجز عنه، قال البيضاوى: أي إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، وذكره بعد وفاء الكيل، لأن إيفاء الحق على وجه التمام والكمال عسر، فعليكم بما في وسعكم، وما وراءه معفو عنكم، [وإذا قلتم فإعدلوا ولو كان ذا قربى] أي اعدلوا في حكومتكم وشهادتكم، ولو كان المشهود عليه من ذوي قرابتكم، [وبعهد الله أوفوا] أي أوفوا بالعهد إذا عاهدتم، قال القرطبي: وهذا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده، ويحتمل أن يراد به ما انعقد بين (الناس) وأضيف إلى (الله) من حيث أمر بحفظه والوقاء به، [ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون] أي لعلكم تتعظون، [وأن هذا صراطي مستقيما فإتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله] أي وبأن هذا ديني المستقيم، شرعته لكم فتمسكوا به، ولا تتبعوا الأديان المختلفة والطرق الملتوية، فتغرقكم وتزيلكم عن سبيل الهدى، عن ابن مسعود قال: (خط لنا رسول الله، يوما خطا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه ويساره، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه..} الآية)، [ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون] كرر الوصية على سبيل التأكيد، أي لعلكم تتقون النار، بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، قال ابن عطية: لما كانت المحرمات الأولى لا بقع فيها عاقل جاءت العبارة [لعلكم تعقلون] والمحرمات الآخر شهوات وقد يقع فيها من لم يتذكر جاءت العبارة [لعلكم تذكرون] ولما كان السير في الجادة المستقيمة يتضمن فعل الفضائل، ولا بد لها من تقوى الله جاءت العبارة [لعلكم تتقون]]] ([2]) .
[أصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات] [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ]: جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما: ” هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وقال أيضا عنها: (في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب”، ثم قرأ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ([3]) . وجاء في التفسير عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن رجلٍ، عن الرَّبيع بن خُثَيمٍ أنه قال لرجلٍ: هل لك في صَحيفةٍ عليها خاتمُ محمدٍ؟ ثم قرَأ هؤلاء الآياتِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ،([4]) . بدأت الآيات بالنداء: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}، و فيها دعوة للناس جميعا أن يستمعوا لبيان ما جعله الله تعالى محرما، [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا]: أول تلك المحرمات: (الشرك الأكبر بالله)، وهو أن تجعل لله ندا وشريكا في إلهيته أو ربوبيته أو استحقاقه وحده للعبودية، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: من الآية72]، وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: من الآية13]، والشرك بالله أبغض إلى الله من جميع الكبائر والمعاصي وهو يوجب الخلود الأبدي في النار، بخلاف بقية الكبائر، فإنها داخلة تحت المشيئة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء:48]، [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا]: عقب سبحانه وتعالى على تحريم الشرك، بتحريم عقوق الوالدين المتضمن أمره سبحانه بالإحسان إليهما، وذلك لأن أول الواجبات التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبودية وضده الشرك بالله، ثاني الواجبات الإحسان إلى الوالدين، وضده عقوق الوالدين، إذن ثاني تلك المحرمات: (عقوق الوالدين)، قال تعالى – وهو سبحانه يقرن بين التوحيد وبر الوالدين -: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]، وقد تواترت الأحاديث على بر الوالدين والإحسان إليهما، ومن ذلك: ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله e: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها). قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) ([5]) .وقد سبق الحديث عن ذلك في الدرس الثاني من الباب السادس [ من القيم الأخلاقية العالية بر الوالدين]
[وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ]: لما ذكر القرآن الكريم حق الوالدين، أوصى بالأبناء، فحرم قتلهم، لأنّ الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي e: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال:(أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ([6]) . وثاني تلك أعظم الذنوب والكبائر: (قتل الأولاد مخافة الفقر)، وإذا كان قتل النفس بدون سبب شرعي كالقصاص أو الزاني المحصن أو المرتد التارك لدينه،عموما من أكبر الكبائر، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93]، وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32]، وقوله e قال:(لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.») ([7]) . وقوله e قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ([8]) . وما أخرجه النسائي: عن النبي e قوله: (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) ([9]) .
هذا حال القتل المجرد، فكيف حال (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) لا شك أنّ ذلك أعظم ذنبا وأحط خطيئة، وقد أودع الله تعالى الولد عند أبيه ليربيه ويعلمه لا ليقتله، ولهذا لما سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي e: عن أعظم الذنوب عند الله تعالى، ذكر منها ثلاث: الأول: الشرك لأنه ليس بعد الشرك ذنب، والثاني هو (قتل الولد مخافة الفقر)، وهناك أمور لابد من التنبيه إليها منها أن الاجهاض بعد نفخ الروح في الجنين بسبب الفقر الحاجة يدخل في الحديث: (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)، فالإجهاض آنذاك من أعظم الذنوب عند الله، وأمر آخر ألا وهو: أن هناك من يحدد النسل بوسائل طبية معروفة، وإذا سألته عن السبب ذكر مخافة الفقر والحاجة، ولذلك تكرر في القرآن الكريم النهي عن ذلك في موضعين: الأول: قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، والثاني قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]، فدلت الآيتين على أنّ كثرة الذرية تزيد في الرزق ولا تقلله، وتحديد النسل في شرع الإسلام محرم، وتنظيم الناس مكروه، ومخالف لسنّة النبي e، وهو القائل: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) ([10]) . عن أبي هريرة رفعه: انكحوا فإني مكاثر بكم، ([11]) .وأخرج الشافعي عن ابن عمر: تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث: فإني مكاثر بكم؛ فصح من حديث أنس بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة. أخرجه ابن حبان، وذكره الشافعي بلاغاً عن ابن عمر بلفظ: تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم، وللبيهقي من حديث أبي أمامة: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى. وورد: فإني مكاثر بكم أيضاً من حديث الصنابحي وابن الأعسر ومعقل بن يسار بن حنيف وحرملة بن النعمان وعائشة وعياض بن غنم ومعاوية بن حيدة وغيرهم، ([12]) .
[وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]: ارتكاب الفواحش، والفواحش هنا لا تخصص بالزنا فقط، وإنما تجرى على عمومها من جميع الفواحش الظاهرة والباطنة مما يدخل في عموم الفاحشة، كما في قوله تعال: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، وقوله تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ}، [وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ]: قتل النفس داخل في جملة الفواحش، ولكن الله عز وجل أفرده في هذه الآية لخطورة الجريمة وعظم فحشها، والأصل الشرعي في قتل النفس هو الحرمة. وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل وقطعي، قال تعالى في الآية 32 من سورة المائدة: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وما ذلك إلا لأن النفوس البشرية كلها خلقت من نفس واحدة، والجراءة على قتل الفرع جراءة على قتل الأصل، وليس مباشرة القتل وحدها هي الجريمة والفاحشة، بل الإعانة على القتل بأي طريق أو وسيلة تعد قتلا، ولو بكلمة أو إشارة، أو خبر يبلغ للقاتل، سواء كان شخصا حقيقيا أو شخصا اعتباريا، كرجال السلطة الظالمة التي تبحث عن الذرائع لقتل المؤمنين وسجنهم وتشريد أبنائهم، قال رسول الله e فيما أخرجه ابن ماجه في سننه: (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله) ([13]) . وقال فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.») ([14]) . وقال فيما أخرجه أحمد في مسنده: (مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) ([15]) . وقال فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ([16]) .
[ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون] كل تلك الوصايا يحكم بوجوبها العقل السليم، وجميع تلك المحرمات من الشرك الأكبر بالله و عقوق الوالدين وقتل الذرية خشية القتل، وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، يحكم بحرمتها العقل السوي، ولهذا جاءت الخاتمة بمخاطبة العقل السوي السليم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ]: وهذا يقتضي من كافل اليتيم أن يرعى ماله وينميه، وألا يضيعه بتبذير أو إسراف، حتى إذا بلغ اليتيم راشدا غير سفيه سلمه ماله كله، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220]، وقد حذر الرسول e أبا ذر رضي الله عنه من أن يلي أموال اليتامى بقوله: (يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا. وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي. لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ. وَلَا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم) ([17]) .كما عد النبي e أكل مال اليتيم من السبع الموبقات في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)، قالوا: يَا رسولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ) ([18]) .
[وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا]: من المحرمات الغش في الكيل والميزان، قال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 1 إلى 7]، لذا قال الله تعالى ها هنا في آيات سورة الأنعام: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، والقسط معناه العدل، والوفاء معناه التمام، لذلك يشترط في الكيل والميزان أخذا وعطاء، عدم انتقاص الحقوق، وإلا كان ذلك غشا وأكلا لأموال الناس بالباطل، ومن القسط تجنب الربا والنصب والخداع في التعامل التجاري مع جميع الناس، [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى]: العدل في القول والشهادة: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)، والعدل هنا معناه التزام الحق والصدق في كل ما ينطق به لسان المرء، في حال الرضا، وحال الغضب، (ولو كان ذا قربى) مع القريب والبعيد، ومع الصديق والعدو لقوله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
[وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا]: الوفاء بالعهد من أهم أخلاق المرء المسلم: والوفاء هو تمام أداء الحقوق إلى أصحابها، وعهد الله تعالى أولى ما يوفى به، وعهود الخلق تبع لعهد الله، ولذلك قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]، كما بين عز وجل عاقبة الغدر بنقض العهود فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين َالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]، وحذر رسول الله e من عاقبة نقض العهد في أحاديث كثيرة منها: ما أخرجه مسلم: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هذه غدرة فلان بن فلان) ([19]) .
[ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]: كل تلك الوصايا من الإحسان إلى اليتيم والصدق في الكيل الميزان والعدل في القول والشهادة و الوفاء بالعهد، كلها تحتاج إلى تذكير دائم لذا ختمت الآية بذلك: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]: لقد جاءت الوصايا التسع السابقة لتهيئ المسلم لاقتضاء الصراط المستقيم، الصراط المستقيم هو ما جاء به الكتاب وما دل عليه هدي الرسول صلى الله عليه سلم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 161 إلى 163]، وقال تعالى: {الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)} [إبراهيم: 1]، وهو الصراط المتمثل في عبادة الله تعالى وحده وإفراده بالعبادة والطاعة، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [يس: 60، 61]، وهو الصراط الذي أقسم الشيطان على القعود عليه لإضلال بني آدم، كما حكى القرآن الكريم: – على لسان إبليس الرجيم: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)} [الأعراف: 14 إلى 18]، واتباع الصراط المستقيم يقتضي الدخول في سائر تعاليم الإسلام، ويقتضي الاتباع، بامتثال أوامر الله تعالى في كتابه الكريم، والاقتداء بنبيه e في سنته وهديه، واتباع الصراط المستقيم يقتضي البراءة من اتباع ما سوى ذلك من سبل، لأن فيها كفرا أو فسوقا أو عصيانا، وذلك كله يؤول إلى تمزيق وحدة المسلمين، كما في قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} فالصراط المستقيم واحد، والباطل سبل متعددة وأصناف متنوعة، ومذاهب وفرق وملل ونحل ضالة باطلة، أخرج أحمد في المسند: عن جابر قال: كنا جلوسا عند النبي e، فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامَهُ، فَقَالَ: ” هَذَا سَبِيلُ اللهِ ” وَخَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّيْنِ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: ” هَذِهِ سَبِيلُ الشَّيْطَانِ ” ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([20]) .
وأخرج أحمد والترمذي عن سمعان عن رسول الله e قال: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) ([21]) .
واتباع الصراط المستقيم هو الطريق إلى تقوى الله، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والتقوى هي الخوف من الجليل سبحانه، وقد أمر الله تعالى بها على أكمل وجه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، وأخبر سبحانه أن التقوى هي خير الزاد للآخرة قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]، والتقوى مقياس التفاضل بين البشر قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ومعنى التقوى كما قال بعض السلف: أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر هذا معنى {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102]، ولا شك أن الإنسان عرضة للخطأ وعرضة للمخالفات، أنزل الله سبحانه وتعالى بعدها قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فمن اتقى الله على حسب استطاعته فقد اتقاه حق تقاته وهذا تيسير من الله وتخفيف على عباده، والأتقياء في أعلى منازل الجنّة قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55]، وبعد فهذه هي الوصايا العشر من سورة الأنعام، وقد حوت بيان أعظم الأخلاق التي تؤهل المسلم للسير على الصراط المستقيم، وقد جاء في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله e التي عليها خاتم النبوة فليقرأ هذه الآيات: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح مسلم 3/1302 ح 1676.
([2]) صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني 1/397- 398.
([5]) صحيح البخاري 4/14 ح 2782، صحيح مسلم 1/89 ح 85.
([6]) صحيح البخاري 8/164 ح 6811، صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([7]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([8]) صحيح البخاري 8/111 ح 6533.
([9]) السنن الكبرى للنسائي 3/417 ح 3436.
([10]) مسند أحمد 20/63 ح 12613، السنن الكبرى للبيهقي 14/11 ح 13606.
([11]) سنن ابن ماجة 3/66 ح 1863.
([12]) فتح الباري لابن حجر 9/111.
([13]) سنن ابن ماجة 3/640 ح 2620.
([14]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([15]) مسند أحمد 7/193 ح 4123.
([16]) صحيح البخاري 8/111 ح 6533.
([17]) صحيح مسلم 3/1457 ح 1826.
([18]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([19]) صحيح مسلم 3/1359 ح 1735.
([20]) مسند أحمد 23/417 ح 15276.
([21]) مسند أحمد 29/182 ح 17633 واللفظ له، سنن الترمذي 5/144 ح 2859.