الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: أصول الأخلاق في القرآن الكريم: آيات من سورة: سورة الأحزاب.
[1] قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 21 إلى 24]، جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في هذا الرسول العظيم قدوة حسنة، تقتدون به e في إخلاصه، وجهاده، وصبره، فهو المثل الأعلى الذي يجب أن يقتدى به، في جميع أقواله، وأفعاله، وأحواله، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحي وتنزيل، فلذلك وجب عليكم تتبع نهجه، وسلوك طريقه، [لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر] أي لمن كان مؤمنا مخلصا، يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه، [وذكر الله كثيرا] أي وأكثر من ذكر ربه، بلسانه وقلبه، قال ابن كثير: أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي e في صبره ومصابرته، ومجاهدته ومرابطته، ولهذا قال للذين تضجروا وتزلزلوا، واضطربوا يوم الأحزاب [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] والمعنى: هلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله e!! ثم حكى تعالى موقف المؤمنين الصادقين في غزوة الأحزاب أثناء رؤيتهم جنود قريش ومن تحزب معهم، وما صدر عن المؤمنين من إخلاص ويقين، تظهر بوضوح روح الإيمان والتضحية، فقال سبحانه: [ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله] أي ولما رأى المؤمنون الكفار قادمين نحوهم، وقد أحاطوا بهم من كل جانب، إحاطة السوار بالمعصم، قالوا: هذا ما وعدنا به الله ورسوله، من المحنة والابتلاء، ثم النصر على الأعداء، [وصدق الله ورسوله] أي صدق الله في وعده، ورسوله فيما بشرنا به، قال المفسرون: لما كان المسلمون يحفرون الخندق اعترضتهم صخرة عظيمة، عجزوا عن تكسيرها، فأخبروا الرسول e بها فجاء وأخذ المعول وضربها ثلاث ضربات، أضأءت له منها مدائن كسرى، وقصور الروم، فقال أبشروا بالنصر، فلما أقبلت جموع المشركين وراؤهم، قالوا: [هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله]، [وما زادهم إلا إيمانا وتسليما] أي وما زادهم ما رأوه من كثرة جند الأحزاب، ومن شدة الضيق والحصار، إلا إيمانا قويا عميقا بالله، واستسلاما وانقيادا لأوامره، [من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه] أي ولقد كان من أولئك المؤمنين رجال صادقون، نذروا أنهم إذا أدركوا حربا مع رسول الله e ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا [فمنهم من قضى نحبه] أي فمنهم من وقى بنذره وعهده، حتى استشهد في سبيل الله كأنس بن النضر، وحمزة، [ومنهم من ينتظر] أي ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيل الله [وما بدلوا تبديلا] أي وما غيروا عهدهم الذي عاهدوا عليه ربهم أبدا [ليجزي الله الصادقين بصدقهم] أي ليجزي الله الصادقين بسبب صدقهم وحسن صنيعهم، أحسن الجزاء في الآخرة، [ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم] أي ويعذب المنافقين الناقضين للعهود، بأن يميتهم على النفاق فيعذبهم، أو يتوب عليهم فيرحمهم [أن الله كان غفورا رحيما] أي واسع المغفرة رحيما بالعباد، وللآيات (سبب النزول): أخرج ابن جرير الطبري عن أنس بن مالك قال: غاب عمي ” أنس بن النضر، عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن أول قتال مع رسول الله e؟ لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما اصنع؟ فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون – انهزموا – فقال: اللهم إني أبرا إليك مما فعل هؤلاء – يعني المشركين – وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين – ثم مشى بسيفه، فلقيه ” سعد بن معاذ ” فقال: أي سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد! ثم قاتل حتى قتل، فقال سعد يا رسول الله: ما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فما عرفناه حتى جاءت أخته فعرفته ببنانه – رءوس الأصابع – قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية [من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر..] نزلت فيه وفي أصحابه]] ([1]) . ([2]) .
وأصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات: (1) اتخاذ الرسول مثالا أعلى في أخلاقه وسيرته وعمله لدين الله، وهذا الخلق لا يظهر إلا فيمن اتصف بخلقي الرجاء في الله وما عند الله، وخلق الذكر الكثير لله تعالى، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، (2) خلق اليقين في الله وفيما عند الله وتصديق وعد الله ووعد رسوله والتسليم لأمر الله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}، (3) خلق الصدق مع الله، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.
[2] قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]: (سبب النزول): عن أم سلمة رضي الله عنها قالت للنبي e يا نبى الله: ما لي أسمع الرجال يذكرون فى القرآن، والنساء لا يذكرن!؟ فأنزل الله تعالى: [إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات..] الآية، ([3]) .[إن المسلمين والمسلمات] هم المتمسكون بأوامر الإسلام، المتخلقون بأخلاقه رجالا ونساء، [والمؤمنين والمؤمنات] أي المصدقين بالله وآياته، وما أنزل على رسله وأنبيائه، [والقانتين والقانتات] أي العابدين الطائعين، المداومين على الطاعة، [والصادقين والصادقات] أي الصادقين في إيمانهم، ونياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم، [والصابرين والصابرات] أي الصابرين على الطاعات، وعن الشهوات، في المكره والمنشط، [والخاشعين والخاشعات] أي الخاضعين الخائفين من الله جل وعلا، المتواضعين له بقلوبهم وجوارحهم، [والمتصدقين والمتصدقات] أي المتصدقين بأموالهم على الفقراء، بالإحسان وأداء الزكوات، [والصائمين والصائمات] أي الصائمين لوجه الله شهر رمضان وغيره من الأيام، فالصوم زكاة البدن، يزكيه ويطهره، [والحافظين فروجهم والحافظات] أي عن المحارم والآثام، وعما لا يحل من الزنى وكشف العورات، [والذاكرين الله كثيرا والذاكرات] أي المديمين ذكر الله بألسنتهم وقلوبهم، في كل الأوقات والأمكنة، [أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما] أي أعد الله وهنا لهؤلاء المتقين الأبرار، المتصفين بالصفات الجليلة، أعظم الأجر والثواب وهو الجنة، مع تكفير الذنوب عنهم، بسبب ما فعلوه من الأعمال الحسنة، [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا] (سبب النزول): عن ابن عباس قال: خطب رسول الله e (زينب بنت جحش) لمولاه (زيد بن حارثة) فاستنكفت منه وكرهت وأبت فنزلت الآية [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..] الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته.. وفي رواية ” فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، فلما نزلت الآية جاء أخوها، فقال: يا رسول الله مرني بما شئت؟ قال: فزوجها من زيد، فرضي وزوجها، ([4]) .[وما كان لمؤمن ولا مؤمنة] أي لا ينبغي ولا يصح ولا يليق بأي واحد من المؤمنين والمؤمنات، [إذا قضى الله ورسوله أمرا] أي إذا أمر الله عز وجل وأمر رسوله بشيء من الأشياء، قال الصاوي: ذكر اسم الله للتعظيم، وللإشارة إلى أن قضاء رسول الله هو قضاء الله، لكونه لا ينطق عن الهوى، [أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] أي أن يكون لهم رأي أو اختيار، بل عليهم الانقياد والتسليم، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء([5]) .، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ولا رأي ولا قول، ولهذا شدد النكير فقال: [ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا] أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله فقد حاد عن الطريق السوي، وأخطأ طريق الصواب، وضل ضلالا بينا واضحا] ([6]) .
وأصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات: (1) الاتصاف بأخلاق المنازل العشرة العالية، إسلام الوجه لله، والإيمان بالله، والقنت ودوام العبودية لله، والصدق مع الله والصبر مع الله، والخشوع والخشية من الله، والإنفاق في سبيل الله، والصوم طاعة لله وتزكية للأنفس، والعفة وحفظ الفروج، والذكر الكثير لله، قال تعالى:: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، (2) الطاعة الكاملة لله والتسليم التام لأمر الله تعالى ورسوله، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}،
[3]: قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}
جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[الذين يبلغون رسالات الله] أى هؤلاء الذين أخبرتك عنهم يا محمد، وجعلت لك قدوة بهم، هم الذين يبلغون رسالات الله، إلى من أرسلوا إليه [ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله] أي يخافون الله وحده، ولا يخافون أحدا سواه فاقتد يا محمد بهم [وكفى بالله حسيبا] أي يكفي أن يكون الله محاسبا على جميع الأعمال والأفعال، فينبغي أن لا يخشى غيره، ثم أبطل تعالى حكم التبني الذي كان شائعا فى الجاهلية فقال: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم] قال المفسرون: لما تزوج رسول الله (e) زينب قال الناس: إن محمدا قد تزوج امرأة ابنه فنزلت هذه الآية قال الزمخشري: أي لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه، ما يثبت بين الأب وولده، من حرمة الصهر والنكاح([7]) . [ولكن رسول الله وخاتم النبيين] أي ولكنه عليه السلام آخر الأنبياء والمرسلين، ختم الله به الرسالات السماوية، فلا نبى بعده، قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به النبيين، لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا [وكان الله بكل شيء عليما] أي هو العالم بأقوالكم وأفعالكم، لا تخفى عليه خافية من أحوالكم [يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا] أي اذكروا الله بالتهليل والتحميد، والتمجيد والتقدير، ذكرا كثيرا، بالليل والنهار، والسفر والحضر، [وسبحوه بكرة وأصيلا] أي وسبحوا ربكم في الصباح والمساء، قال العلماء: خصهما بالذكر لأنهما أفضل الأوقات بسبب تنزل الملائكة فيهما، [هو الذي يصلي عليكم] أي هو جل وعلا يرحمكم على الدوام، ويعتني بأمركم، وبكل ما فيه ملاحكم وفلاحكم، [وملائكته] أي وملائكته يصلون عليكم أيضا بالدعاء، والإستغفار، وطلب الرحمة، قال ابن كثير: والصلاة من الله سبحانه لقاؤه على العبد عند الملائكة، وقيل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، [ليخرجكم من الظلمات إلى النور] أي لينقذكم من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمات العصيان إلى نور الطاعة والإيمان [وكان بالمؤمنين رحيما] أي واسع الرحمة بالمؤمنين، حيث يقبل القليل من أعمالهم، ويعفو عن الكثير من ذنوبهم، لإخلاصهم في إيمانهم، [تحيتهم يوم يلقونه سلام] أي تحية هؤلاء المؤمنين يوم يلقون ربهم السلام والإكرام في الجنة من الملك العلام كقوله تعالى:{سلام قولا من رب رحيم}، [وأعد لهم أجرا كريما] أي وهيأ لهم أجرا حسنا وهو ” الجنة ” وما فيها من النعيم المقيم، قال ابن كثير: والمراد بالأجر الكريم الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر([8]) .،ثم لما بين تعالى أنه أخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال، إلى أنوار الهداية والإيمان، عقبه بذكر أوصاف السراج المنير، الذي أضاء الله به الأكوان فقال سبحانه: [يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا] أي شاهدا على أمتك وعلى جميع الأمم، بأن أنبياءهم قد بلغوهم رسالة ربهم، [ومبشرا] أي مبشرا للمؤمنين بجنات النعيم، [ونذيرا] أي ومنذرا للكافرين من عذاب الجحيم، [وداعيا إلى الله بإذنه] أي وداعيا للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، بأمره جل وعلا، لا من تلقاء نفسك، [وسراجا منيرا] أي وأنت يا محمد كالسراج الوهاج المضيء للناس، يهتدى بك في الدهماء، كما يهتدى بالشهاب في الظلماء، قال ابن كثير: أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها واضاءتها لا يجحدها إلا معاند ([9]) . وقال الزمخشري: شبهه بالسراج المنير لأن الله جلى به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به،،([10]) . وصفه تعالى بخمسة أوصاف، كلها كمال وجمال، وثناء وجلال، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدد الله به ظلمات الضلال فصلوات ربي وسلامه عليه في كل حين وآن [وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا] أي وبشر يا محمد المؤمنين خاصة، بأن لهم من الله العطاء الواسع الكبير في جنات النعيم، [ولا تطع الكافرين والمنافقين] أي لا تطعهم فيما يطلبونه منك من المساهلة والملاينة في أمر الدين، بل اثبت على ما أوحي إليك، [ودع أذاهم] أي ولا تكترث بإذائتهم لك، وصدهم الناس عنك، [وتوكل على الله] أي واعتمد في جميع أمورك وأحوالك على الله، [وكفى بالله وكيلا] أي إن الله يكفي من توكل عليه في أمور الدنيا والآخرة، قال الصاوي: وفي الآية إشارة إلى أن التوكل أمره عظيم، فمن توكل على الله كفاه ما أهمه من أمور الدنيا والدين]] ([11]) .
وأصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات: (1) تبليغ رسالات الله لا يخافون في تبليغها لومة لائم: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، (2) الخشية من الله وحده {وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، (3) الذكر الكثير لله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}، (4) التسبيح لله في أذكار الصباح والمساء (الشروق والغروب) {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، (5) الدعوة إلى الله وحمل أمانة الدين، {أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}.
[4] قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 56 إلى 59]، جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[إن الله وملائكته يصلون على النبي] أي أن الله جل وعلا يرحم نبيه، ويعظم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته الأبرار يدعون للنبي ويستغفرون له، ويطلبون من الله أن يمجد عبده ورسوله، وينيله أعلى المراتب قال القرطبي: والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره وقال الصاوي: وهذه الآية فيها أعظم الدليل على أنه، مهبط الرحمات، وأفضل الأولين والآخرين على الإطلاق، إذ الصلاة من الله على نبيه: رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن الله على غير النبي مطلق الرحمة كقوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} فانظر الفرق بين الصلاتين، والفضل بين المقامين، وبذلك صار مهبط الرحمات، ومظهر التجليات [يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما] أي فأنتم أيها المؤمنون أكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، والمخرج لكم من الظلمات إلى النور، فقولوا كلما ذكر اسمه الشريف (اللهم صل على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا) عن كعب بن عجرة قلنا يا رسول الله: قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: ” قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم.. ” الحديث،([12]) . قال الصاوي: وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين على النبي e تشريفهم بذلك، حيث اقتدوا بالله جل وعلا في الصلاة عليه وتعظيمه، ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وحق على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، ولما كان الخلق عاجزين عن مكافأته e طلبوا من القادر الملك أن يكافئه، وهذا هو السر في قولهم: ” اللهم صل على محمد [إن الذين يؤذون الله ورسوله] أي يؤذون الله بالكفر، ونسبة الصاحبة والولد له، ووصفه بما لا يليق به جل وعلا، كقول اليهود: (يد الله مغلولة) وقول النصارى (المسيح ابن الله) ويؤذون الرسول بالتكذيب برسالته، والطعن في شريعته، والاستهزاء بدعوته، قال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على الرسول e حين اتخذ صفية بنت حيى([13]) . [لعنهم الله في الدنيا والآخرة] أي طردهم من رحمته، وأحل عليهم سخطه وغضبه، في الدنيا بالهوان والصغار، وفي الآخرة بالخلود في عذاب النار، [وأعد لهم عذابا مهينا] أي وهيأ لهم عذابا شديدا، بالغ الغاية في الإهانة والتحقير، [والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا] أي يؤذون أهل الإيمان بغير ما فعلوه، وبغير جناية واستحقاق للأذى، [فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا] أي فقد حملوا أنفسهم البهتان والكذب، والزور، والذنب الواضح الجلى، قال القرطبي: أطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات بقوله [بغير ما اكتسبوا]، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه ولما حرم تعالى الإيذاء([14]) . [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا].
أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يوجه النداء إلى الأمة جمعاء، للتمسك بالإسلام وتعاليمه الرشيدة، وبالأخص في أمر اجتماعي خطير وهو ” الحجاب ” الذي يصون للمرأة كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنوايا الخبيثة، لئلا تتعرض لأذى الفساق، (سبب النزول): ذكر أهل التفسير عن السدي أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة فأذوها فأنزل الله: [يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن..] الآية، ([15]) .[يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن] أي قل يا أيها الرسول لزوجاتك الطاهرات – أمهات المؤمنين – وبناتك الفضليات الكريمات، وسائر نساء المؤمنين، قل لهن يلبسن الجلباب الواسع، الذي يستر محاسنهن وزينتهن، ويدفع عنهن ألسنة السوء، ويميزهن عن صفات نساء الجاهلية، [ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين] أي ذلك التستر أقرب بأن يعرفن بالعفة والتستر والصيانة، فلا يطمع فيهن أهل السوء والفساد، وقيل: أقرب بأن يعرفن أنهن حرائر، ويتميزن عن الإماء، [وكان الله غفورا رحيما] أي إنه تعالى غفور لما سلف منهن من تفريط، رحيم بالعباد حيث راعى مصالحهم وشئونهم في تلك الجزئيات]] ([16]) .
وأصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات: (1) كثرة الصلاة والسلام على النبي e: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، (2) البعد عن أذية الله ورسوله والمؤمنين بمخالفة الدين ومحاربته المؤمنين، {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، (3) التزام المؤمنات بلبس الحجاب، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}،
[5] قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 69 إلى 73].
جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين أذوا موسى فبرأه الله مما قالوا] أي لا تكونوا أمثال بني إسرائيل، الذين أذوا نبيهم موسى، واتهموه ببرص في جسمه، أو أدرة – انتفاخ الخصية لفرط تستره وحيائه، فأظهر الله براءته، وأكذبهم فيما اتهموه به، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (e) قال: (إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء، استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما أدرة – انتفاخ الخصية – وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه أي هرب بثوبه – فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبى حجر، ثوبي حجر!! حتى مر على ملأ من بني إسرائيل، فرأوه أحسن ما خلق الله عريانا، وأبراه مما يقولون الحديث،([17]) . [وكان عند الله وجيها] أي وكان موسى ذا وجاهة ورفعة، ومكانة عند ربه، قال ابن كثير: أي له وجاهة وجاه عند ربه، لم يسأل شيئا إلا أعطاه الله إياه، [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا] أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وقولوا قولا مستقيما مرضيا لله، قال الطبري: أي قولا قاصدا غير جائر، حقا غير باطل، [يصلح لكم أعمالكم] أي يوفقكم لصالح الأعمال ويتقبلها منكم، قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم، [ويغفر لكم ذنوبكم] أي يمحو عنكم الذنوب والأوزار، [ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما] أي ومن أطاع الله والرسول، فقد نال غاية مطلوبه.. ثم لما أرشدهم إلى مكارم الأخلاق، نبههم على قدر التكاليف الشرعية التي كلف الله بها البشرية، فقال سبحانه: [إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها] أي عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية، على السموات والأرض والجبال الراسيات، فأعرضن عن حملها، وخفن من ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، والمعنى: إن تلك الأمانة في عظم الشأن، بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام – التي هي مثل في القوة والشدة – وكانت ذا شعور لإدراك على مراعاتها، لأبين قبولها وأشفقن منها وقال ابن جزى: الأمانة هي التكاليف الشرعية من إلتزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الله خلق. لها إدراكا، فعرضت عليها الأمانة حقيقة، فأشفقت منها وامتنعت من حملها، والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثفل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله([18]) .[وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا] أي وتحملها الإنسان إنه كأن شديد الظلم لنفسه، مبالغا في الجهل بعواقب الأمور، قال ابن الجوزي: لم يرد بقوله: (أبين) المخالفة، وإنما أبين للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما([19]) . [ليعذب الله المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات] قال ابن كثير: أي إنما حمل بني آدم الأمانة، وهي التكاليف الشرعية، ليعذب الله المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والمشركين الذين ظاهرهم وباطنهم على الكفر،([20]) . [ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات] أي ويرحم أهل الإيمان، ويعود عليهم بالتوبة والمغفرة والرضوان، [وكان الله غفورا رحيما] أي واسع المغفرة للمؤمنين حيث عفا عما سلف منهم، رحيما بهم حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات!]] ([21]) .
وأصول الأخلاق التي دلت عليها الآيات: (1) طاعة الرسول والبعد عن ايذائه بمخالفة هديه ومعاداة أتباعه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا}، (2) تقوى الله والقول الصالح السديد وطاعة الله ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، (3) التخلق بخلق الأمانة، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، إذن أصول الأخلاق التي اشتملت عليها الآيات من سورة الأحزاب تتمثل في: (1) اتخاذ الرسول مثالا أعلى في أخلاقه وسيرته وعمله لدين الله، وهذا الخلق لا يظهر إلا فيمن اتصف بخلقي الرجاء في الله وما عند الله، وخلق الذكر الكثير لله تعالى، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، (2) خلق اليقين في الله وفيما عند الله وتصديق وعد الله ووعد رسوله والتسليم لأمر الله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}، (3) خلق الصدق مع الله، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، (4) الاتصاف بأخلاق المنازل العشرة العالية، إسلام الوجه لله، والإيمان بالله، والقنت ودوام العبودية لله، والصدق مع الله والصبر مع الله، والخشوع والخشية من الله، والإنفاق في سبيل الله، والصوم طاعة لله وتزكية للأنفس، والعفة وحفظ الفروج، والذكر الكثير لله، قال تعالى:: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، (5) الطاعة الكاملة لله والتسليم التام لأمر الله تعالى ورسوله، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، (6) تبليغ رسالات الله لا يخافون في تبليغها لومة لائم: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، (7) الخشية من الله وحده {وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، (8) الذكر الكثير لله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}، (9) التسبيح لله في أذكار الصباح والمساء (الشروق والغروب) {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، (10) الدعوة إلى الله وحمل أمانة الدين، {أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}، (11) كثرة الصلاة والسلام على النبي e: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، (12) البعد عن أذية الله ورسوله والمؤمنين بمخالفة الدين ومحاربته المؤمنين، {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، (13) التزام المؤمنات بلبس الحجاب، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، (14) طاعة الرسول والبعد عن ايذائه بمخالفة هديه ومعاداة أتباعه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا}، (15) تقوى الله والقول الصالح السديد وطاعة الله ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، (16) التخلق بخلق الأمانة، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، اللهم اهدنا لأخلاق القرآن الكريم فإنها أحسن الأخلاق، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صفوة التفاسير 2/478:477.
([3]) السنن الكبرى للنسائي 10/219 ح 11340، الكشاف للزمخشري 3/538.
([6]) صفوة التفاسير 2/478 -482.
([7]) التفسير البسيط للواحدي 18/260، تفسير القرطبي 14/196.
([11]) صفوة التفاسير 2/486- 487.
([12]) صحيح البخاري 8/77 ح 6358. صحيح مسلم 1/305 ح 406.
([16]) صفوة التفاسير 2/493-494.
([17]) صحيح البخاري 4/156 ح 3404.