الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق حملة القرآن أهل الله وخاصته، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وهم خير المسلمين، وهم الواقفون على أعظم كتاب الله تعالى، وهم الموعودون من الله تعالى بتجارة لن تبور، وأخلاقهم لابد وان تكون أحسن الأخلاق، يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الله تعالى، من أخلاق: التوحيد والبراءة من الشرك، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله، والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، ويتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الرسول e من وجوب الإيمان به والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، ومن محبته e أكثر من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن تعظيمه وتوقيره e، والاستنان بسنته، و كثرة الصلاة عليه e، ومحبة آل بيته ومحبة أصحابه، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع أخلاق المسلم مع الدين: من الرضا به دينا، ومن التفاني في العمل من أجل نصرة هذا الدين، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق الفرد المسلم في ذات نفسه: وهي كثيرة أهمها: الصِّدْق، والأمَانَة، والعَدْل، والحِكْمَة، والكَرَم، والشَّجَاعَة، والحَيَاء، والعفة، والحِلْم، والأناة، والرِّفق، والتواضع، والرحمة، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المجتمع المسلم من التآخي في الله، والتحاب في الله، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والبر، والتضحية، والتآلف، والتَّودُّد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، والستر للعصاة والمذنبين والمقصرين، وبذل المعروف لهم، وسلامة الصدر لهم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وقضاء حاجات المسلمين والرحمة لهم والشفقة بهم وعموم البر والإحسان لهم، وفي هذا الدرس أتناول أهم الأخلاق التي تميز حملة القرآن الكريم، وأتناول عرض هذه الأخلاق من خلال تلك المباحث: (1) فضل تلاوة القُرآن الكريم، (2) فضل تعلم القرآن وتعليمه، (3) في آداب تلاوة القرآن، (4) أخلاق وآداب مُعلِّم القُرآن، (5) أخلاق وآداب المتعلم للقرآن، وأكثرها مستفاد من كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(1) فضل تلاوة القُرآن الكريم: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30]، وأخرج البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (خُيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه) ([1]) . وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e: («مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ».) ([2]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله e: («مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ. رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ. لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ. رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ. لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ.) ([3]) . وأخرج مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي e قال: (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكتاب أقواما ويضع به آخرين”.) ([4]) . وأخرج مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول e يقول: (اقرؤوا القرآن، فإنَّه يأتي يومَ القيامة شفيعًا لأصحابه) ([5]) . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي e قال: (لا حَسدَ إلاَّ في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناءَ اللَّيْل وآناءَ النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناءَ الليل وآناءَ النهار)([6]) . وأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه عن النبي e قال: (يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله تعالى) ([7]) . وأخرج البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أنَّ النبي e كان يجمع بين الرَّجلَين من قَتْلى أُحد، ثم يقول: (أيُّهما أكثرُ أخْذًا للقرآن؟)، فإن أُشير إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحْد([8]) .
(2) فضل تعلم القرآن وتعليمه، القرآن الكريم كتاب الله الخالد في إعجازه، وهو حجة الله عز وجل البالغة في خلقه، تعبدهم بتلاوته وفهمه وحفظه وتدبره والعمل به، أيد الله عز وجل به خير الخلق وخير الأنبياء سيدنا محمد e، وقد تكفل الله تعالى بحفظه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، وقد أرشد رسول الله e أمته إلى حفظ القرآن الكريم وتلاوته والاهتمام به تعلماً وتعليماً, قال عليه الصلاة والسلام:(الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ) ([9]) . وإن تعلم القرآن الكريم والقيام بتعليمه وبيانه للناس من أفضل الأعمال وأجلِّ القرب يحظى معلمه ومتعلمه بالخيرية في الدنيا والآخرة، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال e: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)([10]) .
وقد ذكر أهل العلم أن القيام بتعليم القرآن فرض كفاية، إن قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يوجد في المجتمع من يقوم بهذا الواجب إلا واحد أو قلة تعين عليهم، وتعليم القرآن الكريم باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله عز وجل ومجالاتها، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت: 33]. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “والدعاء إلى الله تعالى يقع بأمور شتى، من جملتها تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع) ([11]) . ومعلم القرآن والعامل به من خيار الأمة، فهو خيار من خيار، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[آل عمران: 110]، وما ذاك إلا لأن تعلم القرآن وتعليمه هو الأساس الذي يقوم عليه الدين وبه تعرف الشرائع والأحكام، وبنوره تستضيء الأمة وتسير على طريقه وتتربى على منهجه، وقد توعد الله الذين يكتمون القرآن ولا يُعلِّمونه ولا ينشرونه ولا يبينون أحكامه للأمة بالطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة: 159-160]، ومما يدل على أهمية تعليم القرآن وفضله على الفرد والمجتمع أن الله قد أخذ العهد والميثاق على كل أمة أنزل عليها كتاباً أن تتعلمه وتعلمه ولا تكتم منه شيئًا، أو تقصر في نشره وتبليغه، كما قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}[آل عمران: 187]، ولأن هذه الأمة خير الأمم، وكتابها أفضل الكتب كان واجبها أعظم من غيرها في تعليمه وتبليغه للناس لتسعد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[المائدة: 15-16]، وتعليم القرآن وتعلمه من أشرف العلوم وأعلاها منزلة، والمشتغلون به داعون إلى الخير، وأعظم الخير نشر العلم، وأفضل العلم كلام الله عز وجل وهم مثابون مأجورون بإذن الله عز وجل؛ وذلك لأن نفع تعليم القرآن من النفع المتعدي الدائم الذي يثاب عليه صاحبه ولو بعد مماته، فعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن النبي e قال: (مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ) ([12]) . وقد ذكر أهل العلم في كتبهم ومصنفاتهم فضل تعليم القرآن الكريم وتعليمه ونقلوا ذلك عن الصحابة وسلف هذه الأمة, فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: “عليكم بالقرآن فتعلَّموه وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظًا لمن عقل) ([13]) . بل إن من العلماء مَنْ فَضَّل تعليم القرآن وتعلمه وقدَّمه على الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، فقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن أيهما أفضل؟ فرجح الثاني محتجًا بالحديث (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ولهذا فقد حرص الصالحون من عباد الله والراغبون في الخير على تعلم القرآن وتعليمه، فاستثمروا في ذلك أوقاتهم وعمروا به مجالسهم وبذلوا جهودهم من أجله، والأمثلة على أقوالهم وأحوالهم في ذلك كثيرة، فقد كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يعلم الناس القرآن بمسجد البصرة مع كثرة مسؤولياته؛ لأنه أمير البصرة، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: “بعثني الأشعري إلى عمر, فقال عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت: تركته يعلم الناس، فقال عمر: إنه كيِّس) ([14]) . وهذا أبو عبد الرحمن السلمي أحد أئمة الإسلام، التابعي الجليل، اشتغل معظم حياته بتعليم القرآن بعد أن تعلمه ممن أدركه من الصحابة رضي الله عنهم فقد بدأ يعلم الناس في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة , وكان يروي حديث: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. ([15]) . وكانوا رحمهم الله يحرصون على تعليم أبنائهم القرآن وهم في سن مبكرة؛ لأن التعليم في الصغر أدعى للحفظ والفهم والإتقان, وقد بوَّب البخاري في صحيحه: باب تعليم الصبيان القرآن([16]) .ويقول الإمام النووي رحمه الله: (كان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن) ([17]) .
ذكر الخطيب البغدادي عن الوليد بن مسلم قوله: (كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدثًا –أي غلاماً- قال: يا غلام قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ، وإن قال: لا، قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم) ([18]) . وقال الحافظ ابن حجر: (لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل) ([19]) .
فاللهمَّ اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصّتك يا أرحم الراحمين، اللهمَّ اجعله حجة لنا وشاهدًا لنا لا علينا يوم لقاك يا رَبَّ العالمين.
(3) في آداب تلاوة القرآن:
[في آداب القرآن]: فأول ذلك يجب على القارئ الإخلاصُ، ومراعاة الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضرَ في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال مَن يرى الله تعالى فإنَّه إن لم يكن يراه، فإنَّ الله تعالى يراه، وينبغي إذا أراد القِراءة أن يُنظِّف فاه بالسواك وغيرِه، والاختيار في السواك أن يكونَ بعُود من الأراك، ويجوز بسائرِ العِيدان، وبكلِّ ما ينظِّف، كالخِرْقة الخشنة، وغير ذلك، ويستاك عَرْضًا مبتدئًا بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإتيان بالسُّنة، قالوا: وينبغي أن يستاك بعُود متوسِّط، لا شديد اليبوسة، ولا شديد الرطوبة، فإن اشتد يبسُه ليَّنه بالماء، وأما إذا كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فإنَّه يُكرَه له قراءة القرآن قبلَ غسله، ويستحب أن يقرأ وهو على طهارة، فإنْ قرأ محدِثًا جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث فيه كثيرة معروفة، فإن لم يجدِ الماء تيمَّم، وأما الجُنب والحائض فإنَّه يحرُم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراءُ القرآن على قلبهما من غيرِ تلفُّظ به، ويجوز لهما النظرُ في المصحف وإمراره على القلْب، وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على النبي e وغير ذلك من الأذكار للجُنب والحائض، ويجوز لهما أن يقولاَ عند المصيبة {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] إذا لم يقصدَا القرآن، ويجوز أن يقولاَ عند ركوب الدابة: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13]، وعند الدعاء: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]، إذا لم يقصدَا القرآن.
[فصل] إذا لم يَجِد الجُنب أو الحائض ماءً تيمَّم، ويُباح له القراءة والصلاة وغيرهما، فإن أحْدَث حَرمُت عليه الصلاة، ولم تحرم القراءة والجلوس في المسجد وغيرهما، ممَّا لا يحرم على المُحدِث، كما لو اغتسل، ثم أَحْدَث، ولو تيمَّم ثم صلَّى وقرأ، ثم رأى ماءً يلزمه استعماله، فإنَّه يحرُم عليه القراءة، وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل.
[فصل]: ويُستحبُّ أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحبَّ جماعةٌ من العلماء القراءةَ في المسجد؛ لكونه جامعًا للنظافة، وشَرَف البقعة، ومحصلاً لفضيلة أخرى، وهي الاعتكاف، فإنَّه ينبغي أوَّل دخوله المسجد أن ينويَ الاعتكاف، وهذا الأدب ينبغي أن يُعتنَى به، ويُشاع ذِكرُه، ويعرفه الصِّغار والعوام، فإنَّه ممَّا يغفل عنه.
[فصل]: ويستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبلَ القِبلة، فقد جاء في الحديث: («أَكْرَمُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ») ([20]) . ويجلس متخشِّعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، ويكون جلوسه وحدَه في تحسين أدبه وخضوعه كجُلوسه بين يدي معلِّمه، فهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا على فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، جازَ وله أجرٌ، ولكن دون الأول، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191]، وثَبَت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله e: يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ».) ([21]) .
[فصل]: فإن أراد الشروعَ في القراءة استعاذَ فقال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، هكذا قال الجمهور من العلماء، ثم صيغة التعوُّذ كما ذكرْناه، وكان جماعةٌ من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس بهذا، ولكن الاختيار هو الأول، ثم إنَّ التعوُّذَ مستحب، وليس بواجب، وهو مستحبٌّ لكلِّ قارئ سواء كان في الصلاة، أو في غيرها، وينبغي أن يحافظَ على قراءة “بسم الله الرحمن الرحيم” في أوَّل كل سورة سوى براءة، فإذا أخلَّ بالبسملة كان تاركًا لبعض القرآن عند الأكثرين.
[فصل]: فإذا شَرَع في القراءة، فليكنْ شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، فهو المقصودُ المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ} [محمد: 24]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص: 29]، والأحاديث فيه كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعةٌ من السلف يتْلُون آية واحدة يتدبرونها، ويُردِّدونها إلى الصباح، وعن بعض الصالحين: “دواء القلْب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبُّر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرُّع عند السَّحَر، ومجالسة الصالحين”، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالْآيَةُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ([22]) .، وعن تميمٍ الداري رضي الله تعالى عنه: أنَّه كرَّر هذه الآية حتى أصبح: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21]، وعن عُبادة بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطُّور: 27] فوقفتُ عندها، فجعلتْ تعيدها وتدعو، فطال عليَّ ذلك فذهبتُ إلى السوق فقضيتُ حاجتي، ثم رجعتُ وهي تعيدها وتدعو، ورُويتْ هذه القصة عن عائشة رضي الله عنها، وردَّد ابن مسعود رضي الله عنه {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وردَّد سعيد بن جُبير: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281]، وردَّد أيضًا: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} وكان الضحَّاك إذا تلاَ قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} ردَّدها إلى السَّحَر،]] ([23]) .
. (4) أخلاق وآداب مُعلِّم القُرآن: قال النووي: [[أوَّل ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدَا بذلك رِضا الله تعالى قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البيِّنة: 5]، وأخرج البخاري ومسلم عن رسول الله e: (إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى) ([24]) . هذا الحديث مِن أصول الإسلام، ورُوِّينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما يُعطَى الرجل على قدر نيَّته، وعن أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال: الإخلاصُ إفرادُ الحق في الطاعة بالقصْد، وهو أن يريد بطاعته التقرُّبَ إلى الله تعالى دون شيء آخر، من تصنُّع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبَّة أو مدح من الخَلْق، أو معنى من المعاني سوى التقرُّب إلى الله تعالى قال: ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعْل عن ملاحظة المخلوقين، وعن سَهْلٍ التُّسْتريِّ رحمه الله قال: نَظَر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غيرَ هذا: أن تكون حركتُه وسكونه في سِرِّه وعلانيته لله تعالى وحدَه، لا يمازجه شيء، لا نَفْس، ولا هوى، ولا دنيا، وينبغي للمعلِّم ألاَّ يقصد بإقرائه توصُلاًّ إلى غرض من أغراض الدنيا، من مال أو رئاسة أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عندَ الناس، أو صَرْف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك، ولا يشوب المقرئُ إقراءَه بطمع في رِفْق يحصل له مَن بعض مَن يقرأ عليه، سواء كان الرِّفق مالاً أو خِدمة وإن قلَّ ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءتُه عليه لَمَا أهداها إليه، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشُّورى: 20]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَاَ لَهُ فِيهَاَ مَاَ نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيد} [الإسراء: 18]، وليحذرِ المعلِّمُ كلَّ الحذر مِن قصْده التكثُّرَ بكثرة المشتغلين عليه، والمختلفين إليه، وليحذرْ من كراهته قراءةَ أصحابه على غيره ممَّن ينتفع به، وهذه مصيبة يُبتلَى بها بعضُ المعلمين الجاهلين، وهي دلالةٌ بيِّنة من صاحبها على سوء نيَّته، وفساد طويته، بل هي حُجَّة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجهَ الله تعالى الكريم، فإنَّه لو أراد الله بتعليمه لَمَا كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردتُ الطاعة بتعليمه وقد حصلتْ، وقد قصد بقراءته على غيري زيادةَ علم فلا عتبَ عليه، قال النووي: وقد رُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَع على حِفظه وإمامته أبي محمَّدٍ الدارمي رحمة الله عليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنَّه قال: يا حملةَ القرآن، أو قال: يا حملةَ العلم، اعملوا به، فإنَّما العالِم مَن عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلمَ لا يجاوز تَرَاقِيَهم يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا، يُباهي بعضُهم بعضًا حتى إنَّ الرجل ليغضبُ على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعَه، أولئك لا تَصعد أعمالُهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى وقد صحَّ عن الإمام الشافعي رضي الله عنه: أنَّه قال: وددتُ أنَّ الخَلْق تعلَّموا هذا العلم يعني: عِلمَه وكتبه وألاَّ ينسب إليَّ حرف منه، ([25]) .
ويَنبغي للمُعلِّم أن يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشَّرْع بها والخصال الحميدة، والشيم المرضية، التي أرشده الله إليه من الزَّهادة في الدنيا، والتقليلِ منها، وعدمِ المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، وطَلاقة الوجه مِن غير خروج إلى حدِّ الخلاعة، والحِلْم والصبر، والتُّنزُّه عن دنيء المكاسب، ومُلازمة الورع والخشوع، والسكينة والوقار، والتواضع والخضوع، واجتناب الضَّحِك والإكثارِ من المزاح، وملازمة الوظائف الشرعية، كالتَّنظيف بإزالة الأوساخ، والشعور التي ورَدَ الشرع بإزالتها، كقصِّ الشارب، وتقليم الظفر، وتسريح اللحية، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة، وليحذرْ كلَّ الحذر من الحَسَد والرياء، والعُجب واحتقار غيره، وإن كان دونَه، وينبغي أن يستعملَ الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل، ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقبَ الله تعالى في سِرِّه وعلانيته، ويحافظ على ذلك، وأن يكون تعويلُه في جميع أموره على الله تعالى، ويَنبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه، وأن يرحِّب به، ويحسن إليه بحسب حاله، فقد أخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هارون العبدي رحمه الله تعالى قال: كنَّا نأتي أبا سعيد الخدريَّ رضي الله عنه فيقول: مرحبًا بوصية رسول الله e: إنَّ النبي e: (قال: إنَّ الناس لكم تبع، وإنَّ رجالاً يأتونكم من أقْطار الأرض يتفقَّهون في الدِّين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا) ([26]) .
كيف يعامل طالب العلم: وينبغي أن يبذلَ لهم النصيحة، فإنَّ رسول الله e: (قال الدِّين النصيحة، لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين وعامتهم) ([27]) .
ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه:إكرامُ قارئه وطالبه، وإرشادُه إلى مصلحته، والرِّفق به، ومساعدته على طلبه بما أمكن، وتأليفُ قلْب الطالب، وأن يكون سمحًا بتعليمه في رِفْق، متلطفًا به، ومحرضًا له على التعلُّم، وينبغي أن يذكِّره فضيلة ذلك؛ ليكونَ سببًا في نشاطه، وزيادة في رغبته، ويُزهِّدَه في الدنيا، ويصرفَه عن الركون إليها، والاغترار بها، ويذكِّره فضيلةَ الاشتغال بالقرآن وسائرِ العلوم الشرعية، وهو طريق العارفين، وعباد الله الصالحين، وأنَّ ذلك رُتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينبغي أن يُشفِق على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولدِه ومصالح نفسه، ويجري المتعلِّم مجرى ولدِه في الشفقة عليه، والصبر على جفائه، وسوء أدبه، ويَعذِره في قلَّة أدبه في بعض الأحيان، فإنَّ الإنسان معرَّض للنقائص، لا سيَّما إن كان صغيرَ السن، وينبغي أن يحبَّ له ما يحبُّ لنفسه من الخير، وأن يكرَه له ما يكرُه لنفسه من النقص مطلقًا، فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله e أنه قال: (لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)، وينبغي ألاَّ يتعاظَم على المتعلِّمين، بل يلين لهم ويتواضع معهم، فقد جاء في التواضُع لآحاد الناس أشياءُ كثيرةٌ معروفة، فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده؟! مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن، ومع ما لهم من حقِّ الصحبة، وتردُّدهم إليه، وقد جاء عن رسول الله e أنه قال: (لِينوا لِمَن تُعلِّمون، ومن تتعلَّمون منه) ([28]) . وعن أيوب السختياني رحمه الله قال: ينبغي للعالِم أن يضعَ الترابَ على رأسه؛ تواضعًا لله عز وجل([29]) .
طريقة التأديب: وينبغي أن يؤدِّب المتعلِّم على التدريج بالآداب السَّنِية، والشِّيَم المرضية، ورياضته نفسه بالدقائق الخفية، ويُعوِّده الصيانةَ في جميع أموره الباطنة والجلية، ويُحرِّضه بأقواله وأفعاله المتكرِّرات على الإخلاص والصِّدق، وحُسْن النيَّات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، ويعرِّفه أن لذلك تتفتح عليه أنوارُ المعارف، وينشرح صدره، ويتفجَّر من قلبه ينابيعُ الحِكم واللطائف، ويبارك له في عمله وحاله، ويُوفَّق في أفعاله وأقواله، ويُستحب للمعلِّم أن يكون حريصًا على تعليمهم، مؤثرًا ذلك على مصالح نفسِه الدنيويَّة التي ليستْ بضرورية، وأن يفرِّغ قلبَه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها، وهي كثيرة معروفة، وأن يكون حريصًا على تفهيمهم، وأن يعطيَ كلَّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يُكثِر على مَن لا يحتمَّل الإكثار، ولا يُقصر لِمَن يحتمل الزيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويُثني على مَن ظهرت نجابتُه ما لم يخشَ عليه فِتنة بإعجاب أو غيره، ومَن قصَّر عنَّفه تعنيفًا لطيفًا فيما لم يخشَ عليه تنفيره، ولا يحسد أحدًا منه لبراعةٍ تظهر منه، ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه، فإنَّ الحسد للأجانب حرامٌ شديدُ التحريم، فكيف للمتعلِّم الذي هو بمنزلة الولد، ويعود من فضيلته إلى معلِّمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناءُ الجميل؟! والله الموفِّق، ويقدِّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأولَ فالأول، فإن رضي الأولُ بتقديم غيرِه قدَّمه، وينبغي أن يُظهِر لهم البشر وطلاقةَ الوجه، ويتفقد أحوالهم، ويسأل عمَّن غاب منهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونِه غيرَ صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبُهم للعلم نيَّة، وقالوا: طلبْنا العلم لغير الله، فأبَى أن يكون إلاَّ لله، معناه كانت غايته أن صار لله تعالى، ومن آدابه المتأكدة وما يعتني به: أن يصون يديه في حال الإقراء عن العَبَث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقعدَ على طهارة، مستقبلَ القبلة، ويجلس بوقار، وتكون ثيابُه بيضاءَ نظيفة، وإذا وَصَل إلى موْضع جلوسه صلَّى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجدًا أو غيره، فإن كان مسجدًا كان آكدَ فيه، فإنه يكره الجلوس فيه قبل أن يُصلِّي ركعتين، ويجلس متربِّعًا إن شاء أو غير متربِّع، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يُقرئ الناس في المسجد جاثيًا على ركبتيه، وينبغي أن يكون مجلسُه واسعًا ليتمكَّن جلساؤه فيه، ففي الحديث عن النبي e: (خيرُ المجالس أوسعُها) ([30]) .
[آداب معلم القرآن]: من آدابه: أن يكونَ على أكملِ الأحوال، وأكرم الشمائل، وأن يرفعَ نفسَه عن كلِّ ما نهى القرآن عنه؛ إجلالاً للقرآن، وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، شريفَ النفس، مرتفعًا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون مُتخشِّعًا، ذا سكينة ووقار، قال النووي: قد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنَّه قال: (يا معشرَ القُرَّاء، ارْفعوا رؤوسكم، فقد وَضَح لكم الطريق، فاستبقوا الخيرات، لا تكونوا عيالاً على الناس) ([31]) . وجاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ينبغي لحامِلِ القرآن أن يُعرَفَ بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطِرون، وبحُزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصَمْته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يَختالون) ([32]) . وجاء عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: (إنَّ مَن كان قبلكم رأَوُا القرآن رسائلَ من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار) وعن الفُضَيل بن عِياض رحمه الله قال: (ينبغي لحامل القرآن ألاَّ تكونَ له حاجةٌ إلى أحد من الخلفاء فمَن دونهم) وعنه أيضًا قال: (حامِلُ القرآن حاملُ راية الإسلام، لا يَنْبغي أن يلهوَ مع مَن يلهو، ولا يسهوَ مع مَن يسهو، ولا يلغوَ مع مَن يلغو؛ تعظيمًا لحق القرآن) ([33]) .ومن أهمِّ ما يؤمر به: أن يَحذرَ كلَّ الحذر من اتِّخاذ القرآن معيشةً يتكسب بها، فقد جاء عن عبدالرحمن بن شبيل رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ) ([34]) .
وأما أخْذ الأُجْرة على تعليم القرآن، فقد اختلف العلماء فيه، فحكى الإمام أبو سليمان الخطَّابي منعَ أخْذ الأجرة عليه عن جماعة من العلماء؛ منهم الزهري وأبو حنيفة، وعن جماعة أنَّه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصري والشعبي وابن سيرين، وذهب عطاءٌ ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارَطه واستأْجَره إجارةً صحيحة، وقد جاء بالجواز الأحاديثُ الصحيحة، وينبغي أن يحافظَ على تلاوته ويُكثِر منها، وكان السلف رضي الله عنهم لهم عاداتٌ مختلفة في قدر ما يختمون فيه: فرُوي عن بعض السلف رضي الله عنهم: أنهم كانوا يَختِمون في كلِّ شهرين خَتْمة واحدة، وعن بعضهم في كلِّ شهر خَتْمة، وعن بعضهم في كلِّ عشر ليالٍ ختمة، وعن بعضهم في كلِّ ثمان ليال، وعن الأكثرين في كلِّ سبع ليال، وعن بعضهم في كلِّ ستّ، وعن بعضهم في كلِّ خمس، وعن بعضهم في كلِّ أربع، وعن كثيرين في كلِّ ثلاث، وقد كَرِه جماعة من المتقدِّمين الختْم في أقل من ثلاث، ويدلُّ عليه الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله e:(لا يَفقُه مَن قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاث) ([35]) .
وأما وقت الابتداء والختْم لِمَن يختم في الأسبوع: فقد روى أبو داود أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يفتتح القرآنَ ليلةَ الجمعة، ويختِمه ليلةَ الخميس، ورُوي عن عمر بن مرة التابعي قال: كانوا يحبُّون أن يختم القرآن من أوَّل اللَّيْل أو من أول النهار، وعن طلحة بن مصرِّف التابعي الجليل قال: مَن خَتَم القرآن أيَّةَ ساعة كانت من النهار صلَّتْ عليه الملائكة حتى يُمسي، وأيةَ ساعة كانت من الليل صلَّتْ عليه الملائكة حتى يُصبح، وعن مجاهد مِثْلُه،([36]) .
وينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثرَ، قال الله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} وثَبَت في الصحيح عن رسول الله e: أنَّه قال: (نِعْمَ الرجلُ عبدُالله، لو كان يصلِّي مِنَ الليل) ([37]) . وفي الحديث الآخر من الصحيح: أنَّه e قال: (يا عبدَالله، لا تكنْ مثلَ فلان، كان يقوم الليلَ ثم تَرَكَه) ([38]) . وروى الطبرانيُّ وغيره عن سهْل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله e قال: (شَرَفُ المؤمن قِيامُ الليل) ([39]) . والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، وإنما رجحتْ صلاة الليل وقراءته؛ لكونِها أجمعَ للقلْب، وأبعدَ عن الشاغلات والملهيات، والتصرف في الحاجات، وأصونَ عن الرياء وغيره من المحبطات، مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل؛ فإنَّ الإسراء برسول الله e كان ليلاً، وحديث: (إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تبارك وتعالى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ”)([40]) .
واعلم أنَّ فضيلةَ القيام بالليل والقراءة فيه تحصُل بالقليل والكثير، وكلَّما كثُر كان أفضلَ، إلاَّ أن يستوعب الليل كله، فإنَّه يُكره الدوام عليه، وإلاَّ أن يضرَّ بنفسه، ومما يدلُّ على حصوله بالقليل حديثُ عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (مَن قام بعَشْر آيات لم يُكتبْ من الغافلين، ومَن قام بمائة آية كُتِب من القانتين، ومَن قام بألْف آية كُتِب من المُقْسطين) ([41]) .
[في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان]: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي e قال: (تعاهدُوا هذا القرآن، فو الذي نفس محمَّد بيده لهو أشدُّ تفلتًا من الإبل في عقلها) ([42]) . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله e قال: («إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ: إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ».) ([43]) . وأخرج أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (عُرِضت عليَّ أجور أمَّتي، حتى القذاة يُخرجها الرجل من المسجد، وعُرِضت عليَّ ذنوب أمَّتي، فلم أرَ ذنبًا أعظمَ من سورة من القرآن أو آية أُوتيها رجلٌ ثم نسيها) ([44]) . وأخرج أحمد عن سعد بن عُبادة عن النبي e قال: (وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ) ([45]) .
[فيمن نام عن ورده]: أخرج مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (مَن نام عن حِزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاةِ الفجر وصلاة الظهر، كُتِب له كأنَّه قرأه من الليل) ([46]) . وأخرج أبو داود عن سليمان بن يسار رضي الله عنه قال: قال أبو أسيد رضي الله عنه: (نِمتُ البارحةَ عن وِرْدي حتى أصبحت، فلمَّا أصبحت استرجعتُ، وكان ورْدي سورة البقرة، فرأيت في المنام كأنَّ بقرة تنطحني) ([47]) .
(5) أخلاق وآداب المتعلم للقرآن: من آدابه: أن يجتنب الأسبابَ الشاغلة من التحصيل، إلاَّ سببًا لا بدَّ منه للحاجة، وينبغي أن يُطهِّر قلبه من الأدناس؛ ليصلحَ لقَبول القرآن، وحِفظه واستثماره، فقد صحَّ عن رسول الله e أنه قال: (ألاَ إنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلحتْ صلح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدتْ فسد الجسدُ كلُّه، ألاَ وهي القلْب) ([48]) . وقد أحسن القائل بقوله: يُطيَّب القلْب للعلم كما تُطيَّب الأرض للزراعة، وينبغي أن يتواضع لمعلِّمه، ويتأدب معه، وإن كان أصغرَ منه سِنًّا، وأقلَّ شهرة ونسبًا، وصلاحًا، وغير ذلك، ويتواضع للعِلم، فبتواضعه يدركه، وقد قالوا نظمًا: (الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِي = كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي)، وينبغي أن ينقادَ لمعلِّمه، ويشاورَه في أموره، ويَقبلَ قوله كالمريض العاقل يقبل قولَ الطبيب الناصح الحاذق، وهذا أوْلى، ولا يَتعلَّم إلاَّ ممن تكملت أهليتُه، وظهرتْ دِيانته، وتحقَّقت معرفتُه، واشتهرتْ صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس، وغيرهما من السَّلف: هذا العِلم دِين، فانظروا عمَّن تأخذون دِينكم، وعليه أن ينظرَ معلِّمَه بعين الاحترام، ويعتقد كمالَ أهليته، ورجحانه على طبقته، فإنَّه أقربُ إلى انتفاعه به، وكان بعضُ المتقدِّمين إذا ذهب إلى معلِّمه تصدَّق بشيء، وقال: اللهم استرْ عيبَ معلِّمي عني، ولا تُذهب بركةَ علمه مني، وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله: ما اجترأتُ أن أشربَ الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ، هيبة له، قال النووي: روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: مِن حقِّ المعلِّم عليك أن تسلِّم على الناس عامَّة، وتخصَّه دونهم بتحية، وأن تجلسَ أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تغمزنَّ بعينيك، ولا تقولنَّ قال فلان خلافَ ما تقول، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا تشاور جليسَك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلحَّ عليه إذا كَلَّ، ولا تعرض أيَّ تشبُّع من طول صحبته، فينبغي أن يتأدَّب بهذه الخصال التي أرشد إليها عليٌّ كرَّم الله وجهه وأن يردَّ غِيبة شيخه إن قدر، فإن تعذَّر عليه رَدُّها، فارَقَ ذلك المجلس، ويدخل على الشيخ كاملَ الخصال، متصفًا بما ذكرْناه في المعلِّم، متطهرًا مستعملاً للسواك، فارغَ القلْب من الأمور الشاغلة، وألاَّ يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخُ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان، وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل، ويخصَّه دونهم بالتحية، وأن يُسلِّم عليه وعليهم إذا انصرف، كما جاء في الحديث: (فليست الأولى بأحقَّ مِن الآخِرَة) ([49]) .
ولا يتخطَّى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلاَّ أن يأذنَ له الشيخ في التقدُّم، أو يَعلم من حالهم إيثارَهم ذلك، ولا يُقيم أحدًا من موضعه، فإن آثره غيرُه لم يقبلْ؛ اقتداءً بابن عمر رضي الله عنهما إلاَّ أن يكون في تقديمه مصلحةٌ للحاضرين، أو أَمَرَه الشيخ بذلك، ولا يجلس في وسط الحلقة، إلاَّ لضرورة، ولا يجلس بين صاحبَين بغير إذنهما، وإن فسحَا له قعد وضمَّ نفسه، وينبغي أيضًا أن يتأدَّب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ، فإنَّ ذلك تأدُّب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشيخ قعدةَ المتعلِّمين، لا قعدة المعلِّمين، ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، ولا يضحك ولا يُكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً من غير حاجة، بل يكون متوجِّهًا إلى الشيخ، مصغيًا إلى كلامه، ومما يتأكَّد الاعتناءُ به ألاَّ يقرأَ على الشيخ في حال شُغل قلْب الشيخ ومَلله، وروعه وغمِّه، وفرحه وعطشه، ونُعاسِه وقَلقِه، ونحو ذلك مما يشقُّ عليه، أو يمنعه من كمال حضور القلْب والنشاط، وأن يغتنمَ أوقات نشاطه.
ومن آدابه: أن يتحمَّلَ جفوةَ الشيخ وسوءَ خُلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمتِه واعتقاد كماله، ويتأوَّل لأفعاله وأقواله التي ظاهرُها الفساد تأويلاتٍ صحيحةً، فما يَعجز عن ذلك إلاَّ قليلُ التوفيق أو عديمُه، وإن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أنَّ الذنب له، والعتب عليه، فذلك أنفعُ له في الدنيا والآخرة، وأنقى لقلْب الشيخ، وقد قالوا: مَن لم يصبر على ذُلِّ التعليم بقي عمرَه في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آلَ أمره إلى عِزِّ الآخرة والدنيا، ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما: ذللتُ طالبًا فعززت مطلوبًا، ومن آدابه المتأكدة: أن يكون حريصًا على التعليم، مواظبًا عليه في جميع الأوقات التي يتمكَّن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنُّه من الكثير، ولا يُحمِّل نفسه ما لا يُطيق؛ مخافةً من الملل وضياع ما حصَّل، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال، وينبغي ألاَّ يؤثِرَ بنوبته غيره، فإنَّ الإيثار مكروه في القُرَب، بخلاف الإيثار بحظوظ النفس فإنَّه محبوب، ومما يجب عليه ويتأكَّد الوصية به: ألاَّ يحسُدَ أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلةٍ رزقه الله إيَّاها، وألاَّ يعجب بنفسه بما خصَّه الله، وطريقه في نفي الحسد: أن يعلم أنَّ حِكمة الله تعالى اقتضتْ جَعْل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي ألاَّ يعترض عليها، ولا يكره حِكمةً أرادها الله تعالى، وطريقه في نفي العُجب: أن يُذكِّر نفسه أنه لم يُحصِّل ما حصَّله بحوله وقوَّته، وإنما هو فضل من الله، فلا ينبغي أن يُعجَب بشيء لم يخترعه، بل أوْدَعه الله فيه.
([1]) صحيح البخاري 6/192 ح 5027.
([2]) المصدر السابق 6/166 ح 4937، صحيح مسلم 1/549 ح 798.
([3]) صحيح البخاري 6/190 ح 5020، صحيح مسلم 1/549 ح 797. واللفظ له.
([5]) المصدر السابق 1/553 ح 804.
([6]) صحيح البخاري 1/25 ح 73. صحيح مسلم 1/558 ح 815.
([8]) صحيح البخاري 2/92 ح 1347.
([11]) فتح الباري لابن حجر 9/76.
([12]) سنن ابن ماجة 1/162 ح 240.
([13]) فضائل القرآن أبو عبيد القاسم بن سلام ص 52.
([14]) سير أعلام النبلاء للذهبي 2/390.
([15]) صحيح البخاري 6/192 ح 5027.
([16]) فتح الباري لابن حجر 9/83.
([18]) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 1/108.
([19]) فتح الباري لابن حجر 9/76.
([20]) المعجم الكبير للطبراني 8/189 ح 8361.
([21]) صحيح البخاري 1/67 ح 297. صحيح مسلم 1/246 ح 301.
([22]) سنن ابن ماجة 2/372 ح 1349.
([23]) انتهى مختصرا من كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للنووي 85.
([24]) صحيح البخاري 1/6ح 1، صحيح مسلم 3/1515 ح 1907.
([26]) سنن الترمذي 5/30 ح 2650، سنن ابن ماجة 1/168 ح 250.
([28]) الفردوس بمأثور الخطاب (الديلمي) 1/79 ح 238.
([29]) مصنف ابن أبي شيبة 7/240 ح 35684.
([30]) سنن أبي داود 7/194 ح 4819.
([31]) التبيان للنووي ص 54،حلية الاولياء 6/382.
([32]) مصنف ابن أبي شيبة 7/231 ح 35584.
([34]) مسند أحمد 24/295 ح 15534.
([35]) سنن أبي داود 2/542 ح 1394، سنن الترمذي 5/198 ح 2949. قال: حديثٌ حسن صحيح.
([37]) صحيح البخاري 2/49 ح 1121.
([38]) المصدر السابق 2/54 ح 1152.
([39]) المعجم الأوسط 4/306 ح 4278.
([41]) سنن أبي داود 2/545 ح 1398
([42]) صحيح البخاري 6/193 ح5033، صحيح مسلم 1/545 ح 791.واللفظ له.
([43]) صحيح البخاري 6/193 ح 5031، صحيح مسلم 1/543 ح 789.
([44]) سنن أبي داود 1/346 ح 461، سنن الترمذي 5/178 ح2916.
([45]) مسند أحمد 37/444 ح 22781.