يشتمل المدخل على درسين من دروس الأخلاق:
الدرس الأول: التجديد الإسلامي في الجانب الأخلاقي.
الدرس الثاني: آيات وأحاديث جامعة لبيان المنهاج الأخلاقي.
الدرس الأول حاجة الأمة الإسلامية إلى الإصلاح والتجديد الأخلاقي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } [الأعراف: 170]، وأخرج أبو داود في السنن، عن رسول الله e قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها) ([1]) . والحديث صححه السخاوي في المقاصد الحسنه، والسيوطي في الجامع الصحيح، والحديث مشهور أشار إلى شهرته كثير من الحفاظ منهم الحافظ بن حجر والحافظ السيوطي والحافظ المناوي، والمعنى الصحيح للتجديد: البعث والإحياء والإعادة لما دُرس من معالم الدين، ولما غاب من أخلاقه وعلومه وأعماله، لما نُسي من جوانبه وأركانه ولما تبدل من صفاته وآدابه، والعودة به جديدا إلي قريب من حالته الأولي النقية الصحيحة الصافية زمان النبي صلي الله علية وسلم وأصحابه الكرام رضي الله تعالي عنهم، والتجديد سنة ماضية وبشارة من الله تعالى لهذه الأمة يتبين من خلالها حفظ الله تعالى لهذا الدين القيم، والتجديد الإسلامي له جوانب عديدة، من أهمها الجانب الأخلاقي، وتجديد أخلاق الإسلام العظيمة وآدابه القويمة، ولا شك أن المسلمين يحتاجون إلى التجديد في الأخلاق، وأهم القدوة في ذلك الرسول e، لقد كان رسول الله e مضرب المثل والقدرة الحسنة في حسن الخلق فلقد أثنى عليه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] و امتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، وحينما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه e قالت (كان خلقه القرآن) ([2]) . فلقد صار امتثال القرآن أمراً ونهياً خلقاً له، فما أمره به القرآن الكريم فعله و ما نهاه عنه تركه و ما جاء فيه من خلق حسن إلا و اتصف به و ما ذكر له من خلق سيئ إلا ابتعد عنه، و كان e حريصاً على حسن الخلق فقد كان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن على رضي الله عنه، كان من دعاء النبي e: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها ولا يصرف عني سيئها إلا أنت) ([3]) . و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله e فهذه عائشة تقول عنه e: (لم يكن رسول الله e فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح) ([4]) . و تقول رضي الله عنها عنه e: (ما ضرب رسول الله e شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله) ([5]) . و هذا انس رضي الله عنه يقول: (خدمت رسول الله e عشر سنين فما قال لي أفٍ قط وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ و كان رسول الله e من أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيء ألين من كف رسول الله عليه وسلم ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق النبي e) ([6]) . وهذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (كلا و الله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) ([7]) .
إذن الأمة في أمس الحاجة إلى التجديد الأخلاقي، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق وعظيم الآداب، وأحسن الأخلاق، إنّ حسن الخلق: من أهم أسباب دخول الجنة وقد سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) ([8]) . وحسن الخلق: أثقل شيء في الميزان، وقد قال رسول الله: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق) ([9]) . وحسن الخلق: من كمال الإيمان، قال رسول الله: (أكـــــمل المؤمنين إيماناً أحسنــــهم خلقاً)، ([10]) .
كما أن النبي e حصر دعوته في حسن الخلق، قال: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ) ([11]) . كما يدرك المؤمن بحسن خلقه درجة الصائم القائم، قال رسول الله: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) ([12]) . وقد تكفل الرسول e ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه، قال رسول الله: (أنا زعيم بيت في أعلى الجـــنة لمن حسن خلقه) ([13]) . وأحب الناس وأقربهم إلى رسول الله صاحب الخلق الحسن، قال رسول الله e: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً([14]) .
إن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ولا تجديد لأمر الدين إلا بالتجديد الأخلاقي وامتثال أخلاق الإسلام: إن مكارم الأخلاق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله ولهذا جاء في القرآن الكريم: قوله تعالى في وصف المؤمنين الكاملين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 إلى 11]، وقوله تعالى في بيان معاني البر (الإيمان): {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وجاء في السنة النبوية بيان أن المؤمنين يتفاضلون في الايمان، وأفضلهم فيه احسنهم أخلاقاً، جاء في الحديث: قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ايماناً؟ قال: “أحسنهم خلقاً”.([15]) .
وجاءت الأحاديث تدلل على أن أحسن المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي e قال: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقا) ([16]) . وروى أبو أمامة رضي الله عنه عن النبي e قوله: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) ([17]) . أعلى بيوت الجنة لمن حسنت أخلاقهم من المؤمنين، وفي الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) ([18]) .
فالإيمان لا بدّ أن يورث صاحبه الأخلاق الحسنة على رأسها الأمانة وحفظ العهد، فمن فقد الأمانة وضيع العهد كان ذلك ايذاناً بخلوه من معاني الإيمان، وتفريطه في معاني التقوى من الله، وفي الحديث: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه) ([19]) . فهذا الحديث الشريف يدل على أن الأخلاق السيئة تنافي الإيمان وتناقضه، وأنه لا يجتمع الايمان والخلق الرديء.
إنّ من أَجَلّ الغايات التي تريد الرسالة الإسلاميَّة تحقيقها: أن يكون للإنسان خُلقٌ كريم، ولهذا قال النبي: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ) ([20]) . ونبينا الكريم كان أعظم الخلق خلقا، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، ومن أراد معرفة أخلاق النبي العظيمة فعليه بالقرآن، سُئلَت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي e، فقالت: “كان خلقه القرآن” ([21]) .
ومن وصف أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لخلق نبيِّنا e، نعرف أن أخلاقه e هي اتباع القرآن، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي، وهي التَّخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها، والبعد عن كل خلق ذمه القرآن ونهى عنه، ولقد تعددت الآيات القرآنيَّة المتعلقة بموضوع الأخلاق، والدعوة إلى أحسنها والنهي عن سيئها، ومن ذلك: قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}، وقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}، إن حسن الخلق في الإسلام تعدى الإنسان ليشمل الحيوان أيضا كما في الحديث الذي رواه مسلم عن شداد بن أوس عن النبي e قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته. وليرح ذبيحته) ([22]) . وجاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال e: (بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر)، ([23]) . فحسن الخلق في الإسلام يمتد ليشمل كل الكائنات الحية ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة تدلنا على أنّ الله تعالى غفر لبغى من بنى إسرائيل سقت كلباً يلهث من العطش، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض .
لقد بلغ من أهمية جانب الأخلاق في دين الإسلام القيم: أن العبادات ربما تذهب آثارها ويضيع ثوابها بسبب سوء أخلاق أصحابها، كما جاء في الحديث: (قيل للنبي صلى الله عليه و سلم: إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل، وتتصدق، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله e: لا خير فيها، هي من أهل النار. قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة، و تصدق بأثوار، ولا تؤذي أحدا؟ فقال رسول الله: هي من أهل الجنة) ([24]) .
لقد فتح المسلمون الأوائل بحسن أخلاقهم بلادا لم تفتحها السيوف، وعجزت عن الوصول إليها الجيوش، ففتحها المؤمنون بأخلاقهم، لما رأى الكفار ما هم عليه من مكارم الأخلاق، التي ما بعث رسول الله e إلا ليتممها، قال e (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)([25]) . إنّ الإسلام دين الله تعالى لا يقبل من عباده دينا سواه، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، قال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، هذا الدين الرباني القيم حباه الله تعالى بكافة الانظمة التامة الشاملة التي تغطي كافة الأنشطة البشرية المتعددة، ومن تلك الأنظمة: النظام الاجتماعي: الذي يبني العلاقات الاجتماعية على اسس عقائدية وأخلاقية ربانية عظيمة تسعى إلى حفظ ضروريات وحاجيات المجتمع وتكافله، وتسعى إلى تحقيق سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، إن من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام: أنه يمثل منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب القيم والعفة والفضيلة، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على حفظ كل الضرورات اللازمة لحفظ المجتمع، وتتمثل في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال، حفظ الدين بحفظ عقائده وشرائعه وأخلاقه العظيمة التي بها زكاة المجتمع ورضا الرحمن، وحفظ النفس بتحريم كل ظلم يقع على النفس كالقتل والضرب والسب والإهانة، وحفظ العرض بتحريم الزنا واللواط وكافة الفواحش والرذائل، وحفظ العقل بتحريم كل مذهب للعقل من مسكر ومخدر ينزل بالإنسان إلى مرتبةٍ أخس من مراتب البهائم، وحفظ المال بتحريم الربا والميسر، وتحريم السرقة والغش ووكل صور أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على عفة المجتمع وطهارته من الرذائل والفواحش، وذلك بعفة الفروج عن كافة أنواع الفاحشة، وتحريم كافة مقدمات الزنا، فنص الآية لا يأمر بتحريم الزنا فحسب، وإنما نهى عن مجرد الاقتراب من مسبباته، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وعفة اللسان عن القذف (رمي الغير بالزنا) وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة، ولهذا كان عقابه غليظاً يتفق مع رعاية الأخلاق الفاضلة التي حرص على الإسلام على ترسيخها في المجتمع، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على سد كل ذريعة إلى الفواحش والرذائل، ومن ذلك عدم جواز أن تخلو المرأة برجل غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً ساتراً لجميع البدن – ما عدا كحد أدنى الوجه والكفين – وأن لا يصف ولا يشف، ومن ذلك الأمر بغض البصر للرجال والنساء على السواء، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على كافة حقوق الإنسان التي تضمن له الكرامة، ولهذا حرّم الإسلام كل صور انتهاك أي حق من حقوق الإنسان،حتى حرّم التجسس والغيبة والنميمة وشهادة الزور وجعلها من الكبائر، وحرّم جميع صور الإهانة ومنها الضرب والسباب والشتم، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على جعل جميع المعاملات بين البشر يجب أن تقوم على الصدق والأمانة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على مراعاة مظاهر الأخوة والتواد والتراحم والتعاون والتعاطف بين جميع المسلمين، كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقوله e (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([26]) .
وهذه المنظومة الاخلاقية شريعة الرحمن، وهو سبحانه الأعلم بما يُصلح أحوال عباده، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، وقال تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، لقد أجمع الفقهاء على أن الآفات القلبية والأمراض الأخلاقية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، وأنه لابد من معالجة هذه الأمراض القلبية والأخلاق السيئة، إن المنهج الأخلاقي في الإسلام منهج رباني متكامل يقوم على علاج تلك الدسائس والأخلاق الرديئة، عبر تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، وعبر تحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، لقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، وقوله تعالى: {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله e (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([27]) .
إن صلاح امة الإسلام لا قيام له إلا بالتجديد الأخلاقي، وامتثال أصول الأخلاق الإسلامية العظيمة، والتي منها ما يخص المسلم: كالصدق والامانة والعدل والكرم والحكمة والشجاعة والعفة والحياء والحلم والتواضع، وما يخص المجتمع: من التآخي والتحاب في الله والإيثار والتعاطف وبر الوالدين وصلة الأرحام والاحسان إلى الجار وإكرام الضيف والتكافل الاجتماعي والتعاون والتناصر وحب الله ورسوله، وما يخص القيم والمبادئ العظيمة، كالعدل والإحسان، والتحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن دسائس الأخلاق مما يدخل في معاني الفحشاء والمنكر والبغي، وما يخص المواقف الأخلاقية الخالدة، في محبة الله والثقة بالله والتوكل على الله، وفي محبة النبي صلى الله عيه وسلم وتعظيم اوامره والاقتداء به في خلقه العظيم، وفي الثبات على الحق، وفي الصبر على البلاء، وفي الرضا بالقضاء، وفي صدق التآخي في الله عز وجل، تلك المواقف التي خلدها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، وقوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، اللهم اجعلنا من أتباعهم وعلى منهاجهم، اللهم اهدنا صراطهم، ووفقنا لنهج سبلهم، اللهم آمين.
***
الدرس الثاني آيات وأحاديث جامعة لبيان المنهاج الأخلاقي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: آيات وأحاديث جامعة فيما يتعلق بحسن الخلق ومكارم الأخلاق، لقد تعرض القرآن الكريم في مواضع عديدة من سوره وآياته إلى بيان المنهاج الأخلاقي الذي ينبغي أن يتصف به الفرد المسلم والمجتمع المسلم مع الله ومع الرسول ومع الدين ومع نفسه ومع البشرية كافة، ومن ذلك: آيات من سورة المؤمنون، وسورة الفرقان،، وسورة الانعام، وسورة آل عمران، وسورة المائدة، وسورة الأحزاب، وسورة الرعد، وسورة الشورى، وسورة الضحى، وسورة العصر، بل وسورة الحجرات كلها تخصصت في بيان المنهاج الأخلاقي الذي ينبغي أن يتصف به الفرد المسلم والمجتمع المسلم مع الله ومع الرسول ومع الدين ومع نفسه ومع البشرية كافة، كما تعرضت سنة النبي e إلى بيان ذلك المنهاج الأخلاقي الرباني العظيم، ونظرة عابرة إلى أحاديث الأخلاق من كتاب رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين، والذي لا غنى لكل مسلم عنه بعد القرآن الكريم،نعلم سمو الأخلاق ومدي تركيز الكتاب والسنة على حسن الأخلاق وعظيم الآداب.
[فمن القرآن الكريم]: نجد قوله تعالى في وصف المؤمنين الكاملين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وأصول الأخلاق في الآيات: الإيمان بالله {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، والخشوع والخضوع لله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، والإعراض عن اللغو وكل ما لا فائدة من ورائه {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، وفي أموالهم حق للمحتاجين {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، ويتصفون بالعفة والبعد عن الفاحشة: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}، ويتصفون بحفظ الأمانات والعهود {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وقوله تعالى في بيان معاني البر: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، فأهل البر والخير والإيمان يتصفون بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}، ويتصفون بالإنفاق على كل محتاج {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}، ويتصفون بإقامة الصلاة وأداء الزكاة {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ}، ويتصفون بالوفاء بالعهود مع الله ومع الناس {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}، ويتصفون بالصبر على كل حال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}، ويتصفون بالصدق والتقوى {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}وقوله تعالى في بيان أخلاق العظمة والحكمة: قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 23 إلى 39]، فهذه أخلاق الحكمة وتبدأ بالتوحيد (توحيد العبودية) {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}، ثم البر بالوالدين وخفض الجناح لهما والدعاء لهما: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، وصلة الأرحام {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}، ورعاية المساكين والغرباء والمحتاجين {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}، والنهي عن التبذير {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}، والاعتدال في النفقة {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، والنهي عن تحديد النسل خشية الفقر {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} فدلت الآية على أنّ كثرة الذرية تزيد في الرزق ولا تقلله، وتحديد النسل في شرع الإسلام محرم، وتنظيم النسل مكروه، ومخالف لسنّة النبي e، وهو القائل: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) ([28]) .والابتعاد عن الفاحشة ومقدماتها {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، والابتعاد عن سفك الدماء بغير حق {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}، والتعفف عن مال اليتيم {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}، والوفاء بالعهود {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}، والأمانة في البيع والشراء {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ}، وترك ما لا يعنيه {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، والمسؤولية عن السمع فلا يسمع إلا خيرا، وعن البصر فلا يبصر إلا حلالا وعن القلب فلا يعتقد إلا حقا، وعن اللسان فلا يقول إلا صدقا {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، والاتصاف بالتواضع والبعد عن الكبر {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}، وهذه أخلاق الحكمة {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}، والنهي عن الشرك لأنه أكبر الكبائر {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}، وقوله تعالى في بيان أهم مبادئ الإسلام الأخلاقية الجامعة: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 89، 90]، قرأ الحسن البصري: هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ثمَّ وقف فقال: إنَّ الله جمع لكم الخير كلَّه والشَّر كلَّه في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحْسَان شيئًا مِن طاعة الله عزَّ وجلَّ إلَّا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي مِن معصية الله شيئًا إلَّا جَمَعه) [حلية الأولياء، ج 2، ص 158]، وتشمل الآيات على أربعة مبادئ ربانية أساسية عظيمة شاملة: أولها العدل في كل أمر وثانيها: الإحسان في كل شيء، وثالثها التحلي بمكارم الأخلاق وأهمها إيتاء ذي القربى جميعهم حقوقهم، ورابعها النهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي.
ومن الآيات الجامعة لمكارم الأخلاق: سورة الحجرات كلها، ولذلك فهي تسمى عند أهل التفسير بسورة الآداب، لكونها اشملت على ما ينبغي أن يتحلى به المؤمن من مكارم الأخلاق وفضائل العادات، في علاقته بربه ونبيه محمد e، ثم مع عامة المؤمنين في غيبتهم وحضورهم، ثم مع الناس جميعا من كافة الأعراق الأجناس، ثم تناولت كيف تكون الأخلاق مع دين الله تعالى، تبدأ السورة بقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] أي يا أيها المؤمنون، يا من اتصفتم بالإيمان، وصدقتم بكتاب الله، لا تقدموا أمرا أو فعلا بين يدي الله ورسوله، [واتقوا الله إن الله سميع عليم] أي واتقوا الله فيما أمركم به، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأحوالكم، [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي] أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول e، واجلاله واحترامه e، إذا كلمتم رسول الله e فاخفضوا أصواتكم، ولا ترفعوها على صوت النبي، [ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض] أي ولا تبلغوا حد الجهر عند مخاطبته e، كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا يا نبي الله، ويا رسول الله، تعظيما لقدره، ومراعاة للأدب، [إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى] أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول e، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها، قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلا له، [لهم مغفرة وأجر عظيم] أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم، ثواب عظيم في جنات النعيم، [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] ذكر المفسرون أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إلى حجرات أزواج النبي e فجعلوا ينادونه: يا محمد أخرج إلينا، يا محمد أخرج إلينا فأنزل الله [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون]، ذم الله تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول e فقال: [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات] أي يدعونك من وراء الحجرات، منازل أزواجك الطاهرات، [أكثرهم لا يعقلون] لأن العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيما لمن كان بهذا المنصب الخطير، (منصب النبوة والرسالة)، [ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم] أي ولو أن هؤلاء المنادين، صبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل، عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة، [والله غفور رحيم] أي الغفور لذنوب العباد، من رحمته اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم ينزل العقاب بهم، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] حذر تعالى من الاستماع للأخبار بغير تثبت، فقال سبحانه: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ] أي إذا أتاكم رجل فاسق – غير موثوق بصدقه وعدالته – بخبر من الأخبار [فتبينوا] أي فتثبتوا من صحة الخبر، [أن تصيبوا قوما بجهالة] أي لئلا تصيبوا قوما وأنتم جاهلون حقيقة الأمر، [فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم، [واعلموا أن فيكم رسول الله] أي واعلموا – أيها المؤمنون – أن بينكم الرسول المعظم، والنبي المكرم، المعصوم عن اتباع الهوى، [لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم] لو يطيعكم في غالب ما تشيرون عليه في الأمور، لوقعتم في العنت أي في الجهد والهلاك والحرج، [ولكن الله حبب إليكم الإيمان] بمنه وفضله نور بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان، [وزينه في قلوبكم] وحسنه في قلوبكم، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء [وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان] أي ويغض إلى نفوسكم أنواع الضلال، من الكفر، والمعاصي، والخروج عن طاعة الله، [فضلا من الله ونعمة] أي هذا العطاء تفضل منه تعالى عليكم وإنعام، [والله عليم حكيم] أي عليم بمن يستحق الهداية، حكيم في تدبيره، [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما] أي وإن حدث أن فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا جهدكم للإصلاح بينهما، [فإن بغت إحداهما على الأخرى] أي فإن اعتدت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح، وصممت على البغي، [فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله] فقاتلوا الفئة الباغية، حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى اخوة الإسلام، [فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا] فإن رجعت وكفت عن القتال، فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيف على إحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم، [إن الله يحب المقسطين] أي يحب أهل العدل الذين لا يجورون في أحكامهم، [إنما المؤمنون إخوة] أي ليس المؤمنون إلا إخوة، جمعتهم رابطة الإيمان، فلا ينبغي أن تكون بينهم عداوة ولا شحناء، ولا تباغض ولا تقاتل، قال المفسرون: [إنما] للحصر فكأنه يقول: لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين مؤمن وكافر، وفي الآية إشارة إلى أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب، بحيث لا تعتبر أخوة النسب، إذا خلت عن أخوة الإسلام، [فأصلحوا بين أخويكم] أي فأصلحوا بين إخوانكم المؤمنين، ولا تتركوا الفرقة تدب، والبغضاء تعمل عملها، [واتقوا الله لعلكم ترحمون] اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لتنالكم رحمته، وتسعدوا بجنته ومرضاته، ثم تبدأ الآيات في تربية المجتمع على مكارم الأخلاق، [يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم] أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان، ومذقتم بكتاب الله وبرسوله e لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المستهزئ منه، خيرا عند الله من الساخر (ورب أشعث أغبر ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره)، [ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن] أي ولا يسخر نساء من نساء، فعسى أن تكون المحتقر منها، خيرا عند الله وأفضل من الساخرة، [ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب] أي ولا يعب بعضكم بعضا، ولا يذكر أو ينادي بعضكم بعضا بلقب السوء، وقال: [أنفسكم] لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة [بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان] أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمن، وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، [ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون] أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب، [يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن] ابتعدوا عن اساءة الظن بالأهل والناس، [إن بعض الظن إثم] أي إن في بعض الظن إثم وذنب، يستحق صاحبه العقوبة عليه، [ولا تجسسوا] أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوا معايبهم (وفي الحديث: ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته “([29]) . [ولا يغتب بعضكم بعضا] أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته بما يكرهه، [أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا] تمثيل لشناعة الغيبة وقبحها بما لا مزيد عليه من التقبيح أي هل يحب الواحد منكم أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت؟ [فكرهتموه] أي فكما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا الغيبة شرعا، فإن عقوبتها أشد من هذا، [واتقوا الله] أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، [إن الله تواب رحيم] أي إنه تعالى كثير التوبة، عظيم الرحمة، لمن اتقى الله وتاب وأناب، وفي الآية حث على التوبة، ثم تناولت السورة الأخلاق مع الناس جميعا، ودعت إلى التعارف بين الإنسانية وإعلاء ميزان التفاضل الرباني بين الناس [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى] والخطاب لجميع البشر: خلقناكم من أصل واحد، وأوجدناكم من أب واحد هو آدم عليه السلام، فلا تفاخر بالآباء والأجداد، ولا اعتداد بالحسب والنسب، كلكم لآدم وآدم من تراب، [وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا] أي وجعلناكم شعوبا شتى وقبائل متعددة، ليحصل بينكم التعارف والتآلف، لا التناحر والتخالف، [إن أكرمكم عند الله أتقاكم] أي إنما يتفاضل الناس بالتقوى لا بالأحساب والأنساب، فمن أراد شرفا في الدنيا ومنزلة في الآخرة، فليتق الله تعالى، [إن الله عليم خبير] أي عليم بالعباد، مطلع على ظواهرهم وبواطنهم، يعلم التقي والشقي، والصالح والطالح [فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى]، ثم تناولت السورة الأخلاق مع دين الله تعالى: [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]، جاءت قبيلة من الأعراب إلى رسول الله e، فقالوا يا رسول الله: أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، واخذوا يمنون عليه فنزلت الآية الكريمة [يمنون عليك أن أسلموا]، وقد دلت الآية على أن مرتبة الإيمان مرتبة أعلى من مرتبة الإسلام، ولهذا قال تعالى: [ولما يدخل الإيمان في قلوبكم] أي ولم يدخل الإيمان إلى قلوبكم، ولم تصلوا إلى حقيقته بعد، ثم ذكر تعالى صفات المؤمنين الكمل، الصادقين في إيمانهم، فقال سبحانه: [إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله] أي إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان، الذين صدقوا الله ورسوله، [ثم لم يرتابوا] أي ثم لم يشكوا ولم يتزلزلوا في إيمانهم، بل ثبتوا على التصديق واليقين، [وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله] أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله، وابتغاء رضوانه، [أولئك هم الصادقون] أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإيمان، وصف تعالى المؤمنين الكاملين بثلاثة أوصاف: الأول: التصديق الجازم بالله ورسوله الثاني: عدم الشك والارتياب الثالث: الجهاد بالمال والنفس، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المؤمن الصادق، [قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض] أي وهو جل وعلا، العليم بأحوال جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض، [والله بكل شيء عليم] أي واسع العلم رقيب على كل إنسان، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الكون، [يمنون عليك أن أسلموا] أي يعدون إسلامهم عليك يا محمد منة، يستوجبون عليها الحمد والثناء، [قل لا تمنوا على إسلامكم] أي قل لهم: لا تمتنوا على بإسلامكم، فإن نفع ذلك عائد عليكم، [بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين] أي بل لله المنة العظمى عليكم، بالهداية للأيمان والتثبيت عليه، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان، [أن الله يعلم غيب السموات والأرض] يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والارض، [والله بصير بما تعملون] أي مطلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية، إذن سورة الحجرات اشملت على ما ينبغي أن يتحلى به المؤمن من مكارم الأخلاق وفضائل العادات، في علاقته مع الله تعالى ومع نبيه محمد e، ومع عامة المؤمنين في غيبتهم وحضورهم، ومع الناس جميعا من كافة الأعراق الأجناس، ثم تناولت كيف تكون الأخلاق مع دين الله تعالى، وهي بحق دستور أخلاقي لكل مسلم ولكل مجتمع إسلامي يريد فضائل الآداب وعظيم الأخلاق.
ومن آيات الجامعة لحسن الخلق ومكارم الأخلاق: قوله تعالى في بيان دستور الأخلاق القرآني: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151 – 152]، الوصايا العشر وبيان أعظم الأخلاق: وأولها التوحيد والبراءة من الشرك {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}، والبر بالوالدين وشكرهما {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، والحذر كل الحذر عن تحديد النسل: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}، وهي مثل الآية التي جاءت في الإسراء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} فدلت الآيتين على أنّ كثرة الذرية تزيد في الرزق ولا تقلله، وتحديد النسل في شرع الإسلام محرم، وتنظيم النسل مكروه، ومخالف لسنّة النبي e، وهو القائل: (تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم) ([30]) . والنهي عن جميع الفواحش الظاهرة والباطنة {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وهي آية جامعة تشمل جميع المعاصي والذنوب، والنهي عن قتل النفس بغير حق {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، والاحسان إلى اليتيم والحرص على حقوقه {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}، والأمانة في الكيل والميزان {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}، والصدق في القول والشهادة {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} والوفاء بالعهد {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا}، والاستقامة على أمر الله وأمر رسوله واتباع الصراط المستقيم والحذر من أهل البدعة والضلالة والمعصية وسلوك سبيل المتقين {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقوله تعالى في حسن الأقوال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}، وقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}، وقوله تعالى في بيان الدفع بالتي هي أحسن: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}، والقرآن الكريم كذلك نجد فيه الآيات التي تبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها على أحسن الأخلاق وأكملها، كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وما أكثر الآيات التي تتناول طهارة القلوب وسلامتها من الأخلاق الدنيئة، كقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]، بل ما أكثر الآيات التي تتحدث عن حسن الخلق وأصول الأخلاق العظيمة، منها قوله تعالى في وصف عباد الرحمن، وبيان صفاتهم وأخلاقهم قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}، وأصول الأخلاق العظيمة في الآيات واضحة، وتشمل: التحقق بالعبودية: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ}، والبراءة من الكبر والاتصاف بخلق (التواضع)، {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}، والإعراض عن أهل الجهل والمعصية: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، أي قالوا قولا يسلمون فيه من الاثم ومن مجاراة الجاهلين، والاتصاف بالإخلاص في عبادة الله وقيام الليل {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، ويتصفون بالخوف والخشية من الله ومن عذاب الله {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}، ويتصفون بالاعتدال في النفقة الاقتصاد في المصرف {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}، وهم أهل التوحيد والبراءة من الشرك {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ}، ولا يأتون شيئا من الكبائر التي حرم الله {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ}، ويتصفون بالتوبة النصوح {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، وهم أهل صدق في الشهادة، فلا يشهدون الزور ولا يشهدون مجالس المعصية، ولا مجالس اللهو واللغو، {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، ومن صفاتهم أنهم يتدبرون القرآن وإذا ذكروا بالله تذكروا: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}، وهم حريصون على صلاح أزواجهم وذرياتهم {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}، وحريصون على منازل المقربين عند الله {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}، {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}، وما أعلى الغرف في الجنة، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ([31]) . وقوله تعالى – في بيان أحسن الأخلاق -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 12 إلى 19]، وأصول الأخلاق العظيمة في الآيات واضحة، وتشمل: (الحكمة) وتعني: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}، وتشمل الشكر لله والحمد له سبحانه: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، وتشمل تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وتشمل بر الوالدين والإحسان إليهما: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وتشمل اتباع الهدى والصلاح: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}، وتشمل عزائم الأمور وهي أربعة: (الصلاة) و(الأمر بالمعروف) و(النهي عن المنكر) و(الصبر لله)، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، وتشمل التواضع والنهي عن الكبر: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، وحسن السمت والهيئة: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 133، 136]، وأصول الأخلاق العظيمة في الآيات واضحة، وتشمل: المسارعة إلى طاعة الله ومغفرته: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}، وتشمل تقوى الله، وهي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وتشمل: النفقة في كل حال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}، وتشمل: حسن الأخلاق من كظم الغيظ والعفو عن الناس والإحسان إلى الناس: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وتشمل: التوبة الصادقة النصوح: {إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}، وبعد: فهذه بعض الآيات القرآنية العظيمة الهادية والداعية إلى التخلُّق بكل خلقٍ حسن نبيل والقرآن مملوء بعشرات بل مئات الآيات في هذا الجانب الأخلاقي لمن تتبَّع واستقرأ ذلك بدقة وتدبر.
والنبي e كان كما وصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، جاءت أوصافه e فى القرآن الكريم صفات الكمال البشرى ومن هذه الصفات: أ ـ الخلق العظيم، ب ـ (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ت ـ التواضع (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)، ث ـ الصبر (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، ج ـ الشجاعة (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)، ح ـ العفو (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، خ ـ الجود والكرم (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)، د ـ الزهد (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ)، ذ ـ الحياء (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ)، لقد تمتع الرسول e بصفات خلقية ونفسية عظيمة أهلته لحمل الرسالة، فكان عند الناس جميعا حتى الذين لم يؤمنوا به شهدوا بأنه الصادق الامين، وأنه ذو خلق كريم، وهذه الصفات هي التي جعلت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها تجعل من أخلاقه دليلاً وبرهاناً على نبوته وصدقه فيما بلغ عن ربه حيث دللت على ذلك بصفاته الأخلاقية والتي بسببها لن يخزيه الله أبداً ومنها: أنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين عن نوائب الحق، لقد تعرض الرسول لأشد أنواع البلاء من قومه ولكنه كان يقول ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، ولما دارت الدائرة عليهم، قال اذهبوا فانتم الطلقاء، فهذه كانت أخلاق النبي e، والذى ما عرفت البشرية بأسرها كمثله في عظيم أخلاقه، شمل الخلائق برحمته حتى أثنى عليه أرحم الراحمين بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وعن عظيم أخلاقة أخرج البخاري ومسلم عن أَنسٍ رضيَ اللَّه عنه قال: كانَ رَسُولُ اللَّهِ e أَحْسنَ النَّاسِ خُلقاً. ([32]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أنس أيضا: قال: مَا مَسِسْتُ دِيباجاً ولاَ حَرِيراً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رسُولِ اللَّهِ e، وَلاَ شَمَمْتُ رائحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِن رَسُولِ اللَّه e، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ e عشْرَ سِنينَ، فَما قالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قالَ لِشَيْءٍ فَعلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لشيءٍ لَمْ افعَلْهُ: أَلاَ فَعَلْتَ كَذا؟ ([33]) . وأخرج البخاري ومسلم عن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ رضيَ اللَّهُ عنه قال: أَهْدَيْتُ رسُولَ اللَّهِ e حِمَاراً وَحْشِياً، فَرَدُّهُ عليَّ، فلمّا رأَى مَا في وَجْهي قالَ: « إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ لأَنَّا حُرُمٌ » ([34]) . ومن أحاديث النبي e في حسن الخلق: قوله e: (البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإِثمُ: ما حاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) ([35]) .
وأخرج البخاري عن عبد اللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قال: لم يكن رسولُ اللَّه e فَاحِشاً ولا مُتَفَحِّشاً، وكانَ يَقُولُ: (إِنَّ مِن خِيارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلاقاً) ([36]) . وأخرج الترمذي عن أبي الدرداءِ رضي اللَّه عنه: أَن النبيَّ e قالَ: (ما من شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة من حُسْنِ الخُلُقِ، وإِنَّ اللَّه يُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيِّ) ([37]) . [والبِذيُّ: هو الذي يَتَكَلَّم بالفُحْشِ، ورِديء الكلامِ، وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هُريرة رضيَ اللَّه عنه قال: سُئِلَ رسولُ اللَّه e عَنْ أَكثرِ مَا يُدْخلُ النَّاس الجَنَّةَ؟ قال: (تَقْوى اللَّهِ وَحُسنُ الخُلُق وَسُئِلَ عن أَكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: الفَمُ وَالفَرْجُ) ([38]) . وأخرج الترمذي عن أبي هُريرة رضيَ اللَّه عنه قال: قال رسولُ اللَّه e: (أَكْمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحسَنُهُم خُلُقاً، وخيارُكُم خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ) ([39]) . وأخرج أبو داود عن عائشةَ رضيَ اللَّه عنها، قالت سمعت رسولَ اللَّه e يقول: (إِنَّ الُمؤْمِنَ لَيُدْركُ بِحُسنِ خُلُقِه درَجةَ الصائمِ القَائمِ) ([40]) . وأخرج أبو داود عن أبي أُمَامَة الباهِليِّ رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه e: (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وإِن كَانَ مازِحاً، وَببيتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ) ([41]) . وأخرج الترمذي عن جابر رضي اللَّه عنه أَن رسول اللَّه e قال: (إِن مِنْ أَحَبِّكُم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلساً يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلاقاً، وإِنَّ أَبَغَضَكُم إِليَّ وَأَبْعَدكُم مِنِّي يومَ الْقِيامةِ، الثَّرْثَارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قالوا: يا رسول اللَّه قَدْ عَلِمْنَا الثَرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفيْهِقُونَ؟ قال: المُتَكَبِّروُنَ) ([42]) . والثَّرثَارُ هُوَ كَثِيرُ الكَلامِ تَكلُّفاً، وَالمُتَشَدِّقُ المُتَطاوِلُ عَلى النَّاسِ بِكَلامِهِ، وَالمُتَفَيْهِقُ: هُوَ الذي يَمْلأ فَمَهُ بِالكَلامِ تَكَبُّراً. وكما وضح النبي e مكارم الأخلاق نهى عن دسائسها، ومن ذلك نهيه e عن الكبر والحقد والحسد والغضب وغيرها من الذنوب القلبية الباطنة، ونهيه e عن الكذب والغيبة والنميمة وعن الغش والخداع، وغيرها من الذنوب الظاهرة، كما أمر e باجتناب الكبائر والموبقات، التي تُهلك المسلم، ومن ذلك القتل والسرقة والزنا وشرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل مال الربا، وكان من أحاديثه الجامعة في بيان تلك الموبقات: ما أخرجه البخاري ومسلم النَّبِيُّ e قوله: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ) ([43]) .
لقد تناولت السنة النبوية المشرفة كما تناول القرآن الكريم كل ما يتعلق بالمنهاج الرباني في الأخلاق، ونظرة عابرة إلى دواوين السنة النبوية المشرفة نعرف منها المنهج المتكامل للخلق الحسن من حديث الرسول e، ودراسة متأنية لموضوعات كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي، أو منهاج القاصدين أو مختصره أو رياض الصالحين للإمام النووي، نجد فيها المنهاج النبوي الأخلاقي الذي يمثل قمة التزكية والإحسان، فالفضل في ذلك لله ولرسوله، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]، إذن تجديد أمر الدين لا قيام له إلا بالتجديد الأخلاقي، وامتثال أصول الأخلاق الإسلامية العظيمة، كالصدق والامانة والعدل والكرم والحكمة والشجاعة والعفة والحياء والحلم والتواضع، والتآخي في الله، والتحاب في الله والإيثار والتعاطف وبر الوالدين وصلة الأرحام والاحسان إلى الجار وإكرام الضيف والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى، والتناصر على الحق والعدل، والتواصي بالحق والصبر، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) سنن أبي داود 6/349 ح 4291.
([2]) مسند أحمد 42/183 ح 25302.
([4]) سنن الترمذي 4/369ح 2016.
([5]) صحيح مسلم 4/1814 ح 2328.
([6]) سنن الترمذي 4/368 ح 2015.
([8]) سنن الترمذي 4/363 ح 2004.
([9]) سنن أبي داود 7/177 ح 4799.
([10]) مسند أحمد 12/364 ح 7402.
([11]) المستدرك علي الصحيحين 2/670 ح 4221.
([12]) سنن أبي داود 7/176 ح 4798.
([13]) سنن ابي داود 7/179 ح 4800، المعجم الأوسط للطبراني 5/68 ح 4693.
([14]) سنن الترمذي 4/370 ح 2018.
([16]) صحيح البخاري 4/189 ح 3559.
([17]) سنن ابي داود 7/179 ح 4800.
([18]) مسند أحمد 20/33 ح 12568.
([19]) صحيح البخاري 8/10 ح 6016.
([22]) صحيح مسلم 3/1548 ح 1955.
([23]) صحيح البخاري 3/111 ح 2363.
([24]) الادب المفرد ص 54 ح 119.
([25]) مسند البزار 15/364 ح 8949.
([26]) صحيح البخاري 8/10 ح 6011، صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([28]) مسند أحمد 20/63 ح 12613، السنن الكبرى للبيهقي 14/11 ح 13606.
([29]) سنن أبي داود 7/242 ح 4881.
([30]) مسند أحمد 20/63 ح 12613، السنن الكبرى للبيهقي 14/11 ح 13606.
([31]) صحيح البخاري 8/114 ح 6555، صحيح مسلم 4/2177 ح 2831.
([32]) صحيح البخاري 8/45 ح 6203، صحيح مسلم 1/457 ح 659.
([33]) صحيح البخاري 4/189 ح3561، صحيح مسلم 4/1814 ح 2329.
([34]) صحيح البخاري 3/13 ح 1825، صحيح مسلم 2/850 ح 1193.
([35]) صحيح مسلم 4/1980 ح 2553.
([36]) صحيح البخاري 4/189 ح 3599.
([37]) سنن الترمذي 4/362 ح 2002،
([38]) المصدر السابق 4/363 ح 2004.
([39]) المصدر السابق 3/458 ح 1162.
([40]) سنن أبي داود 7/176 ح 4798.