الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثاني عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق المحبة لله، والذين آمنوا أشد حبا لله، المحبة من أعظم الأخلاق مع الله، ومحبة الله من أعظم مقامات العبادة تدور عليها رحى الطاعة والسير إلى الله لأنها تسوق المؤمن إلى القرب وترغبه في الإقبال على الله، قال تعالى في وصف المؤمنين: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}، وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله e: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار) ([1]) . فمحبة الله يذوق بها العبد حلاوة الإيمان، وخلق المحبة معناه إيثار دين الله وشرعه على ما سواه بالتزام أمره واجتناب نهيه واتباع رسوله e في كل كبير وصغير وسلوك طريق المؤمنين ونصرتهم ومودتهم وصرف المحبة الإيمانية لكل محبوب لله والبعد عن كل ما يسخط الله وينافي محبته، وخلق المحبة عليه دليل، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآية هي آية الامتحان يمتحن بها كل من يدعي محبة الله فإن كان متبعا للسنة كان صادقا في دعواه وإن كان معرضا عن السنة كان كاذبا في دعواه، أما دعوى المؤمن الصادقة لمحبة الله ورسوله تنفعه بإذن الله ولو قصر في العمل لما ثبت عند الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (أين السائل عن قيام الساعة فقال الرجل أنا يا رسول الله قال ما أعددت لها قال يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صوم إلا أني أحب الله ورسوله فقال رسول الله e المرء مع من أحب وأنت مع من أحببت فما رأيت فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بهذا) ([2]) .
وأعظم الأدلة على كمال خلق المحبة، قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، والمؤمنون في خلق المحبة لله على مراتب ثلاث: المرتبة الأولى: كامل المحبة لله تعالى وهو من التزم السنن والواجبات واجتنب المكروهات والمحرمات. وهذا حال المحسنين والأصفياء من هذه الأمة، المرتبة الثانية: مقتصد المحبة لله تعالى وهو من اقتصد في عمله فواظب على الواجبات وترك المحرمات ولم يتزود من الصالحات، وهذا حال المؤمنين الصالحين، والمرتبة الثالثة: ناقص المحبة لله تعالى وهو من قصر في فعل الواجبات وارتكاب المحرمات وأسرف على نفسه بالسيئات، وهذا حال أهل الغفلة والهوى من هذه الأمة، أما المنافق والكافر فقد خلا قلبه من محبة الله الخالصة وانصرف حبه للآلهة والأنداد من دون الله وساووهم بمحبة الله فأشركهم في محبة الله كما ذمهم الله بذلك بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}، وخلق المحبة يحقق الولاية ومحبة الله تعالى للعبد، لقوله صلي الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر فيه ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعـطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) وإذا نال العبد محبة الله سدد الله تعالى سمعه وبصره ويده ورجله وأيده بتوفيقه وصانه عن الرذائل فلا يستعمل جوارحه إلا في المباحات وإذا أحب الله عبدا حماه من فتنة الدنيا، لأن الدنيا لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن النبي e: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) ([3]) . فعلامة التوفيق في العبد إعراضه عن الدنيا وفراره من فتنتها وخشيته من زخرفها وعلامة الخذلان والحرمان للعبد إقباله على الدنيا وفرحه بها وافتتانه بزخرفها والانغماس في ملذاتها، وليس أضر على قلب المؤمن ودينه من حب الدنيا وأهلها، قال تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله e: (إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) ([4]) . وخلق المحبة من أوثق عرى الإيمان، ولهذا ورد في الحديث: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ([5]) .وأخرج الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي e أنه قال: “كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد”([6]) .
والقرآن الكريم دلنا على من يحبهم الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 54 إلى 56]، فهذه الآيات الكريمات اشتملت على أخلاق أولئك الذين {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، والذين يحبهم الله معلمون في القرآن الكريم، كما جاء في قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}، وقوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، وقوله: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}، وقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وقوله : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وقوله : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، إنّ المحبة من أعظم الأخلاق مع الله، وهي من أعظم مقامات العبادة لأنها تسوق المؤمن إلى القرب من الله، وترغبه في الإقبال على الله.
[ومن أحاديث النبي e في خلق المحبة]، أخرج البخاري ومسلم: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:(جاء رجل إلى النَّبي عليه السلام فقال: يا رسول اللَّه، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا، ولم يلحق بهم؟ فقال النَّبي e: المرء مع من أحبَّ)([7]).وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي e: (أنَّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا فلمَّا أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربَّها؟ قال: لا، غير أنِّي أحببته في الله عزَّ وجلَّ، قال: فإنِّي رسول الله إليك، بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه) ([8]) . وأخرج أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى عليه وسلم أخذ بيده، وقال: (يا معاذ، واللَّه إنِّي لأُحبُّك، واللَّه إنِّي لأُحبُّك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كلِّ صلاة تقول: اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) ([9]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (لا تدخلون الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أولا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم) ([10]) .وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله… وذكر منهم… ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه) ([11]) .
قال بعض الصالحين:(القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر)، وقال بعض أهل العلم: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد)، إن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو المحبة لله، والخوف والخشية من الله تعالى، والرجاء لما عنده سبحانه.
[[ما هي الأسباب المورثة للمحبة]]: [جاء في كتاب مدارج السالكين:] ” من الأسباب المورثة للمحبة أموراً كثيرة، وأهمها عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، والثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، والثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر، والرابع: إِيثار محابِّ الله على محابِّك، وإيثار هدي النبي e عند غلبة الهوى، والخامس: مطالعة القلب لأسماء الله تعالى وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة، والسادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته، والسابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً، والثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة، والتاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك، والعاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل، فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة. ([12]) . [[علامات المحبة]]: من السهل أن يدعى الإنسان المحبة (محبة الله ورسوله)، وما أسهل دعوى اللسان، ولذلك جعل الشرع الحكيم للحب الصادق علامات تدل عليه، ومن تلك العلامات: (العلامة الأولى) حب اللقاء، ولهذا أخرج البخاري، عن النبي e قوله: (مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) ([13]) .ولهذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله، فهذا أنس بن النضر الأنصاري عم أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين -، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين – ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد. فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، ونزلت هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} [الأحزاب: 23]، قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه([14]) .
وهذا عُمير بن الحُمام رضي الله عنه: أخرج مسلم في صحيحه: أنّ عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه: (قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ) فقال: يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخ بخ، فقال e: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟)، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل([15]) .
(موقف آخر من مواقف المحبة): بلال رضي الله عنه، وعند وفاته رضي الله عنه تبكي زوجته بجواره، فيقول لها وهو فرح مسرور (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه)، رضي الله عنه وأرضاه، تذكر كتب السيرة أنّه رضي الله عنه لم يستطع الآذان للصلاة بعد وفاة النبي e، كانت تأخذه عبرة شديدة إذا وصل إلى قوله (أشهد أنّ محمدا رسول الله)، لا يستطيع بعدها أن يكمل الآذان، فذهب يستأذن أبا بكر الصديق للذهاب إلى الشام للجهاد في سبيل الله، فأبى عليه الصديق رضي الله عنه، رغبة في بقائه، وقال له: بل ابق وأذن لنا يا بلال، فقال بلال رضي الله عنه: إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له، فقال أبو بكر رضي الله عنه: (بل أعتقتك لله) فسافر إلى الشام رضي الله عنه حيث بقي مرابطا ومجاهدا، وبعد سنين يرى بلال رضي الله عنه النبي e في منامه وهو يقول:(ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟)، فانتبه حزيناً، فركب إلى المدينة، فأتى قبر النبي e، وجعل يبكي عنده، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبلهما و يضمهما فقالا له: (نشتهي أن تؤذن) فعلا سطح المسجد فلمّا قال: (الله أكبر الله أكبر)، ارتجّت المدينة فلمّا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) زادت رجّتها فلمّا قال: (أشهد أن محمداً رسول الله) خرج النساء من خدورهنّ، فما رؤي يومٌ أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم، وعندما زار الشام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه طلب المسلمون إليه أن يحمل بلالا رضي الله عنه على أن يؤذن لهم صلاة واحدة، ودعا أمير المؤمنين بلالا رضي الله عنه، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها، وصعد بلال وأذن، فبكى الصحابة، وكان عمر أشدهم بكاء، وهذا بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره، فيقول لها وهو فرح مسرور (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه)، إذن العلامة الأولى: حب اللقاء، (مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)، و(العلامة الثانية من علامات المحبة): اتباع النبي e في كل أحواله، وأن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى ورسوله e على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، ومَنْ أحبَّ الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: [تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس بديعُ لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ]، فطاعة الله تعالى ومحبته تستلزم اتباع رسوله e في الأقوال والأفعال والأخلاق، و(العلامة الثالثة) الإكثار من ذكر الله، لا يفتُرُ عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره، قال الشاعر: [خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ]، و(العلامة الرابعة): أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته، و(العلامة الخامسة): أن لا يتأسف على ما يفوته من أمر الدّنيا مما سوى الله عز وجل، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته، قال تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 32]، أي من أمر الدنيا، فإنما هي متاع الغرور، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، و(العلامة السادسة): الوحشة من دار الغرور، والأنس بالله والرضا به ومناجاته بالأسحار، وعلامة الأنس بالله: التلذذُ بذكر الله، وعدمُ الاستئناس بالخلق، الله ارزقنا الأنس بك والمحبة لك، لقد رأى المحبون الصادقون في حبهم لله ولما يحبه الله، رأوا: أن من أعظم منازل العبودية الحب الصادق لله، قال بعض أهل الحب لله: [فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ]، أهل الحب في الله هم الذين يصدق فيهم الحديث القدسي: (وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) ([16]) .
ومحبة الله تعالى تستلزم محبة رسول الله e، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] فَالآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تعالى وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ –e– يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مَهْمَا كَانَ، إِنَّ المَحَبَّةَ الكَامِلَةَ لِلنَّبِيِّ –e– الَّتِي يَنْجُو بِهَا العَبْدُ مِنَ العَذَابِ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا النَّعِيمَ، يَجِبُ أَنْ تَتَجَاوَزَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، وَتَتَخَطَّى مَحَبَّتَهُ لِوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله e: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ([17]) . وقوله e: (فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) ([18]) .
لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في خلق المحبة، ومن ذلك: (موقف من مواقف المحبة): أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة عن عائشة قالت: (جاء رجل إلى النبي e فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك وعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي e حتى نزل جبريل بهذه الآية {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}([19]) .
(موقف آخر من مواقف المحبة):أخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ e عَنْ السَّاعَةِ فَقَال:َ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ e فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ:فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ e أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ eوَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ)([20]) .
(موقف آخر من مواقف المحبة): ذكر صفي الرحمن المباركفوري في [الرحيق المختوم]: (مر النبي e بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد، فلما نعوا لها قالت : فما فعل رسول الله e؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت : أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلَلٌ ـ تريد صغيرة)،([21]) .
(موقف آخر من مواقف المحبة): صهيب الرومي رضي الله عنه لما خرج من مكة مهاجراً يريد الالتحاق بحبيبه ونبيه e لحق به كفار قريش يريدون منعه من إكمال مسيره نحو الغاية التي يريد، فأعطاهم ما يملك، فتركوه وشأنه فأنزل الله تبارك وتعالى فيه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وهكذا هو شأن الصحابة الكرام يضحي أحدهم بما يملك لينال شرف الصحبة مع النبي e، ذكر الإمام القرطبي في [تفسيره:]: نزلت {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} في صيهب فإنه أقبل مهاجراً إلى رسول الله e فأتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قَدِم على رسـول الله e نزلت: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} الآية، فقال له رسول الله e: ربح البيع أبا يحيى، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما، وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ})([22]) .
(موقف آخر من مواقف المحبة): قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على أبنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله e طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت : بل هو فراش رسول الله e، وأنت رجل مشرك نجس) ([23]) .
تأولت رضي الله عنها الآية: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، هذا حال الصحابة الكرام: صدقوا في محبتهم لدين الله، امتثلوا قول الله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]، فكانت مَحَبَّةَ اللهِ تعالى وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ –e– ومحبة دينه الإسلام أولى من كل شيء، قدموا مراد الله ومراد رسوله، على كل حطام الدنيا الزائل، صدق فيهم الحديث القدسي: (وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) ([24]) .صدق في حالهم ومقالهم، ما قاله بعض أهل الحب لله: [فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ]، أحبوا الله فأحبهم الله واختارهم لنصرة دينه مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، اللهم ارزقنا حبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك e: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار) ([25]) .
اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك e: (إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) ([26]) .وخلق المحبة من أوثق عرى الإيمان، اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك e: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ([27]) .اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسولك e: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ([28]) . اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارزقنا خلق المحبة من أوثق عرى الإيمان، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا
([1]) صحيح البخاري 1/12 ح 16، صحيح مسلم 1/66 ح 43 .
([2]) صحيح البخاري 5/12 ح 3688.
([3]) سنن الترمذي 4/560 ح 2320.
([4]) صحيح البخاري 4/111 ح 3209. صحيح مسلم 4/2030 ح 2637.
([5]) سنن أبي داود 7/69 ح 4680.
([6]) سنن الترمذي 5/522 ح 3490.
([7]) صحيح البخاري 8/39 ح 6169، صحيح مسلم 4/2034 ح 2640.
([8]) صحيح مسلم 4/1988 ح 2567.
([9]) سنن أبي داود 2/631 ح 1523، سنن النسائي 9/47 ح 9857.
([11]) صحيح البخاري 1/133 ح 660، صحيح مسلم 2/715 ح 1031.
([13]) صحيح البخاري 8/106 ح 6508.صحيح مسلم 4/2065 ح 2683.
([14]) صحيح البخاري 4/19 ح 2805، صحيح مسلم 3/1512 ح 1903.
([15]) صحيح مسلم 3/1509 ح 1901.
([17]) صحيح البخاري 1/12 ح 15.
([18]) المصدر السابق 1/12 ح 14.
([19]) المعجم الصغير للطبراني 1/53 ح 52.حلية الأولياء 4/240.
([20]) صحيح البخاري 5/12 ح 3688.
([23]) تفسير البغوي 5/319 سيرة ابن هشام 2/396، سير اعلام النبلاء 2/155.