مفاتيح النظر الصحيح عند دراسة الفتنة الكبرى بين الصحابة
(تنبيه): في الفصل السابق أثبتنا عدالة الصحابة من الكتاب والسنّة واقوال العلماء، وفي هذا الفصل نذكر مفاتيح النظر الصحيح فيما حدث بين الصحابة في الفتنة زمان الإمام علي t، وذلك حتى نحفظ للدين ناقليه، فنحفظ الدين بحفظ من نقلوه إلينا والله المستعان:
فهم الآيات من سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 إلى 10]
ففي الآية الأولى الثناء العام على المهاجرين وفي الثانية الثناء على الأنصار وكلاهما صحب النبي j، وفي الآية الثالثة بيان ما يتوجب علينا تجاه أصحاب النبي jوy أجمعين ألا وهو محبتهم والدعاء لهم، فإذا سمعنا شيء يريبهم تذكرنا قول الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، فهم أحسن منا وأفضل منا ولابد وأن نظن بهم الخير وننفي عنهم الشر، قال تعالى في حق المسلمين من بعد عصر الصحابة: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، فهذا حال الصالحين ودأبهم من بعدهم وإلى قيام الساعة.
قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه j، فلا يصح بحال الطعن على الصحابة: فإن هذا الدين جاءنا عن طريق الصحابة y، فالقرآن نزل على الرسول j، وأنبأ به الصحابة، فكتبوه، وحفظوه، ونقلوه إلينا والطعن فيهم طعن فيما نفلوه وبلّغوه لنا، والسنة المطهرة كذلك لم يكتبها الرسول j، بل نقلها الصحابة y عنه j، فالطعن في أحد هؤلاء الصحابة إنما هو طعن في الكتاب والسنة، وهل يبقى لنا من الإسلام شيء إذا طعنا في ناقلي الكتاب والسنة، وقديما قال أحد الزنادقة إنما نطعن في الصحابة حتى إذا سقط الناقل سقط المنقول، فمن طعن في أصحاب النبي jكان سائرا على خطى المنافقين والزنادقة، ولله در الإمام أبي زرعة الرازي حيث قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله jفاعلم أنه زنديق, لأن الرسول jعندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله jوإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة) ([1]) .
الأصل هو الإمساك عما شجر بين الصحابة:
الأصل هو الإمساك عما شجر بين الصحابة: من اقتتال وليس الأصل الكلام عن تلك الفتنة وتقييم حال من فيها فإن أدناهم منزلة خير من مليء الأرض من امثالنا فكيف تسول لنا انفسنا الخوض في أعراض من أختارهم الله لصحبة نبيه j، فإن دعت حاجة البحث العلمي والتحقيق البحث في الفتنة وأسبابها، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول تلك الفتن، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، وهذه الآية تأمر بالتثبت في الأخبار المنقولة لا سيما إن كانت تخص خير الناس بعد الأنبياء، خصوصا وأن أكثر الروايات التي تذم الصحابة وتنتقص منهم دخلها الكذب والتحريف، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب والبهتان، مثل ابي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن محمد الكلبي، وأمثالهما، ممن شوه تاريخ الصحابة الأجلاء بالكذب والبهتان، فقد أثبت الله تعالى في القرآن عدالتهم وأثبت النبي jفي الحديث عدالتهم، فنترك المقطوع بصحته ونسير خلف من نقطع بكذبه وزوره وفسقه، والقاعدة تقول: اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنا ما ثبت في فضائلهم y بشهادة الله ورسوله، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا تيقنا من بطلانها، ثم إذا صحت رواية في ميزان الجرح والتعديل، وكان ظاهرها القدح، فلابد وان نلتمس لها أحسن المخارج، قال ابن أبي زيد: (والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب) ([2]) .
والحاصل ان ما نقل عنهم وكان ظاهره القدح والذم والتنقيص فإن كان باطلا فلا يلتفت إليه وإن كان صحيحا وجب تأويله التأويل الحسن، وإن كان له وجها من الحق ووجها من الباطل لزم المسير إلى الوجه الحق، فإنهم أولى بكل حق وأبعد عن كل باطل، تحروا الصواب واجتهدوا فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد لا يحرمون الاجر لنياتهم.
(تنبيه): في هذا التنبيه نبين حال أولئك الذين رووا أخبار الفتنة: فإن أبرز من رووا أحاديث الفتنة ممن نشتم من رواياتهم رائحة الطعن على الصحابة y وكانوا يدسون السم في العسل: أربعة هم: أبو مخنف لوط بن يحيى، ومحمد بن عمر بن واقد الأسلمي (الواقدي)، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فهؤلاء الأربعة ترجع إليهم معظم روايات الفتنة المشكوك فيها والتي تطعن على الصحابة بطريق غير مباشر، وقد تخفف الإمام الطبري في تاريخه فلم يلتزم بقواعد الجرح والتعديل على أنها روايات تاريخية لا تمت إلى التشريع الإسلامي بصلة، فماذا قال علماء الجرح والتعديل في هؤلاء الأربعة؟ قال الإمام ابن حجر العسقلاني: لوط بن يحيى أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: شيعي محترق، أما الواقدي فهو لا يتورع بإظهار الصحابة y بمظهر المتآمرين على عثمان t، وقد جرحه علماء الجرح والتعديل وحذروا الناس من الأخذ بحديثه فقد اتهمه النسائي والشافعي بالكذب والبخاري ينص على عدم الأخذ بحديثه، يقول عنه ابن المديني: الواقدي يضع الحديث، ويقول البخاري: الواقدي متروك الحديث، ويقول معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب، وقال الشافعي: كتب الواقدي كلها كذب، وقال ابن المديني: عندي عشرون ألف حديث للواقدي ما لها أصل،وإبراهيم بن يحيى كذاب، وهو عندي أحسن من الواقدي، وقال النسائي: المعروفون بوضع الحديث على رسول الله jأربعة ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام، في حين أن الذهبي قال: استقر الإجماع على وهن الواقدي([3]) .
وانظر إلى لفظ الإجماع في كلام الذهبي، أما محمد بن السائب الكلبي فذُكر فيه الكثير والكثير من الطعن، يقول عنه الذهبي: شيعي متروك الحديث يروي عنه ولده هشام وطائفة، ويقول عنه ابن حجر: متهم بالكذب ورمي بالرفض، وقال أحمد بن حنبل: ما ظننت أن أحداً يحدث عنه وقال الدارقطني: متروك وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وقال الذهبي: قال يزيد بن زريع وكان سبئيا قال أبو معاوية قال الأعمش اتق هذه السبئية فإني أدركت الناس وإنما يسمونهم الكذابين، وقال ابن حبان عنه أنه كان سبئيا من أولئك الذين يقولون إن عليا لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا ويملؤها عدلا كما ملئت جوراً وإن رأوا سحابة قالوا أمير المؤمنين فيها، وقال الجوزجاني وغيره كذاب وقال ابن حبان مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، وأما ابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فهو متهم بالكذب أيضا، قال عنه ابن عساكر رافضي ليس بثقة وقال عنه ابن عراق متهم بالكذب، وقال عنه الدارقطني: متروك وقال عنه الذهبي لا يوثق به، وقال عنه يحيى بن معين غير ثقة وليس عن مثله يُروى الحديث، فهؤلاء الأربعة هم رواة أخبار الفتنة وكلهم متهم بالكذب والوضع وليس فيهم ثقة، ومنه نعلم قيمة هذه الاخبار، لا سيما وأن غالبها ينتقص من الصحابة الأجلاء الذين وثقهم الله في كتابه والرسول في سنته، ومما يجدر الإشارة إليه أن من أهم المراجع الموثوق فيها والتي تحدثت عن أحداث الفتنة: كتاب (العواصم من القواصم) لأبي بكر بن العربي، وهو من أفضل الكتب التي كُتبت للرد على من طعن في الصحابة y.
الخلاف والقتال الذي حدث بين الصحابة:
الخلاف والقتال الذي حدث بين الصحابة لم يكن على دنيا ولا جاه ولا حتى على الإمامة فلم ينازع الإمام علي t أحد على الخلافة، وإنما كان الخلاف بسبب الاجتهاد في كيفية القصاص من قتلة عثمان t، أما القتال فلولا المكر والمكيدة من السبأية أتباع عبد الله بن سبأ والغوغاء من قتلة عثمان t لما تقابل صحابيان بسيفيهما أبدا، وأكثر الصحابة ممن عايشوا الفتنة كانوا لا يتوقعون ان تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من سفك الدماء، والكثير منهم كانوا ممن اعتزل الفتنة، فقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: (حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن علية،حدثنا ايوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله jعشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين)، ومراسيل ابن سيرين من أصح المراسيل، فالكثير منهم اعتزل الفتنة ومن تورط فيها كان هدفه الإصلاح ولم يخطر ببالهم أن الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه، ومن ذلك قول أم المؤمنين عائشة الصديقة الطاهرة المطهرة بنت الصديق: (إنما أريد أن يحجر بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم اقف ذلك الموقف أبدا) ([4]) .
وهذا امير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقول عنه الشعبي: (لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا، جعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء.. ثم قال: ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة) ([5]) .
وهذا معاوية t، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب، جلس وهو يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي. فقالت امرأته: أنت بالأمس تقاتله، واليوم تبكيه؟!. فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره) ([6]) .
فهذا الندم يدل على أنها كانت أمور متشابهة، فاجتهدوا، ولم يتوقعوا ان تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل، وعلى أقل الاحوال، لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبا، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم، والمصائب المكفرة، والتوبة التي يبدل بها الله عز وجل السيئات حسنات، ولله در عبد الله بن عمر حيث قال: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام احدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([7]) . وعبد الله بن عباس حيث قال: (لا تسبوا أصحاب محمد فان الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون) ([8]) .
أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم كعصمة الأنبياء:
أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم كعصمة الأنبياء بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد j، وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الدنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها: إن أصابوا فلهم اجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، يقول الذهبي رحمه الله: (فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة) ([9]) . ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساوئهم مطلقا، وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ صحابي، فلا بد أن يقترن بذلك منزلة هذا الصحابي من توبته أو جهاده وسابقته.
لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به:
لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، يقول القرطبي في درة من كلامه عند تفسير الآية {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي – j- عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي – j- أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا، وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب عليه، لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار، وقوله: سمعت رسول الله – j- يقول: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) ([10]) .
إذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال، لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي jفي طلحة: شهيد، ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل، بل صواب أراه الله الاجتهاد، وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم، والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين y، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد – j- وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق) انتهى([11]) .
الحق في الفتنة كان دائما أقرب إلى الإمام علي t الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين:
أما لماذا كان الحق أقرب إلى الإمام علي t؟ فالإجابة: لأنه كان الخليفة الشرعي وقد بايعه الصحابة الذين كانوا بالمدينة ورفض أن تكون البيعة إلا بالمسجد وبايعه جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا بالمدينة، وتمت له البيعة وصار الخليفة الشرعي وصارت طاعته في عنق كل مسلم على وجه الأرض آنذاك، واما القصاص لدم الخليفة عثمان t فهو واجب شرعي ولكن الحفاظ على الخلافة وعلى وحدة الدولة الإسلامية أهم واوجب بكثير، فتوحيد المسلمين على خليفة واحد أهم بكثير في مقياس المصالح والمفاسد العامة من القصاص لمقتل الخليفة السابق، ثم كيف يتم القصاص منهم إلا في وجود الخليفة صاحب الرأي والحزم والقوة والبطش، ففي غياب الخليفة لن يكون قصاص بل فوضى وهرج ومرج وعصبية كما حدث عندما اقتص جيش طلحة والزبير من قتلة عثمان من أهل البصرة حيث صارت حرب قتل على أثرها ستمائة من أهل البصرة وتجيش ستة آلاف من أهل القبائل يدافعون عن البقية من قتلة عثمان ولولا تدخل الإمام علي في الوقت المناسب لكانت فتنة تأكل الأخضر واليابس من أهل الإسلام في عامة الامصار وانقلبت الفتنة إلى هرج ومرج وسفك عريض للدماء، وحينها يتسع الخرق على الراقع ويستحيل علاج الامر وتتفتت الدولة الإسلامية المترامية الأطراف وحينها يطمع فيها مبغضوها وأعداؤها من الفرس والروم والبربر وغيرهم من سائر أجناس البشر التي كانت تحيط بالخلافة الإسلامية، فكان الأولى اجتماع المسلمين خلف الخليفة صاحب الحزم والعزم وتصبح عقدة الأمور في يده ويكون هو صاحب الامر والنهي ومن ثم يقتاد القتلة إلى القصاص وقد كان هذا هو رأي الإمام علي وكان هو الخليفة وكانت طاعته واجبة في عنق كل مسلم آنذاك فحرك الجيوش لتوحد الامة.
ولولا وجود القتلة في جيشه لكان الحق كله معه ولكن لوجود القتلة في جيشه واحتمائهم بقبائلهم في صفوف الجيش، سبب هذا الأمر لبسا عند أهل الجمل وأهل صفين حيث اختلط الحق ببعض الباطل فكان الحق أقرب إلى علي وكانت طائفته أدنى الطائفتين إلى الحق، وكان هناك وجه حق عند الصحابة المطالبين بدم عثمان t، والناظر للوضع بإنصاف يعلم ان ما فعله الإمام علي هو عين الصواب لأنه كان حريصا على اخراج هؤلاء القتلة من مدينة رسول الله j، فأخذه لهم ضرورة اضطر إليها وهم أبغض الناس إلى قلبه، وكان ينوي القصاص منهم حين تواتيه الفرصة لذلك، وفي الختام فالكل صحابة كرام والكل أكابر لهم حشمة الصُحبة ومقام السبق فلا مجال للأقزام أمثالنا ان يتكلموا في حضرة الكبار علما وفقها وسبقا وصحبة لا مجال إلا أن يتكلموا في الجميع بكل أدب والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،
***
([1]) الكفاية في علم الرواية: 49.
([2]) رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص 9.
([5]) أسد الغابة لابن الأثير 3 / 61.
([6]) البداية والنهاية 11/129.
([7]) فضائل الصحابة أحمد بن حنبل: 1/57.
([8]) فضائل الصحابة أحمد بن حنبل: 1\51.