خاتمة في بيان تفرق الامة إلى فرق عديدة وبيان أسعد تلك الفرق بالنجاة
صح الخبر عن رسول الله – j- واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة، وابن حجر في المطالب العالية والسيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور والألباني في صحيح سنن الترمذي وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير، وعلى ذلك فالخبر عن رسول الله – j- في افتراق الأمة ثابت صحيح معتبر عند أهل السنة والجماعة، ذكر السيوطي أنه حديث متواتر والتوتر هو أعلى درجات الصحة والتوثيق ([1]) .
روايات حديث الافتراق: وردت روايات عديدة في باب تفرق الامة ومن أصح تلك الروايات:
الرواية الأولى: عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله – j- (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([2]) . والحديث آية في بيان صدق النبوة، في افتراق الامة، وانها ستفترق على مرور الزمن إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد افترقت الامة فعلا إلى فرق عديدة، فارقت الجماعة الأصل التي يقوم منهاجها على محكمات الكتاب والسنّة، وخالفت هديها، ورؤوس تلك الفرق الخوارج والنواصب والشيعة والقدرية المعتزلة والجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة، وكلها خالف هدي الكتاب والسنّة في باب او اكثر من أبواب العقيدة.
الرواية الثانية: عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – j– (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([3]) .
(قلت) ويؤيد حديثنا هذا قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فقد دلت الآية على أن الناجين يوم القيامة هم المتمسكون بما عليه النبي – jوأصحابه الكرام أئمة المؤمنين الهداه المهديين، وأن الخاسرين آنذاك هم المشاقون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه jوالمخالفون لهدى الصحابة، y، وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات، وينطبق عليه قول الله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8-10]، إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين من الصحابة ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار وهم من الصحابة ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي j، وهل الصحابة إلا المهاجرون والانصار، والآية الثالثة : تمتدح أولئك الذين ليس في قلوبهم لأصحاب النبي jإلا المحبة والود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و(النواصب)، و(المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب t ويكفرون كل من والاه، و(النواصب) يبغضون الإمام علي t ويفسقونه ومن كان معه، و(الشيعة الروافض) يلعنون غالب أصحاب النبي jويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم و(المعتزلة القدرية) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ويدخل فيهم الإمام علي t، وجميع الصحابة الذين كانوا معه، والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو والصحابة الذين كانوا معهم، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله jكلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله j، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وانهم مع ذلك ليست لهم العصمة، يخطؤون ولكنهم خير البشر بعد الأنبياء.
الرواية الثالثة: عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – jقام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([4]) .
وأسعد الناس حظا بالحديث هم أهل السنّة والجماعة جماعة المسلمين الكبرى وسواده الأعظم، وهل تسموا بالسنّة إلا لاجتهادهم في متابعة السنّة وهل تسموا بالجماعة إلا لحرصهم على الجماعة.
الرواية الرابعة: عن أنس ابن مالك t قال: قال رسول الله – j: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([5]) .
وهذه الرواية تؤكد سابقتها، وان النجاة أقرب لأحرص الناس على الجماعة وهم اهل السنّة والجماعة .
(1) أخرج الترمذي: عن عبدالله بن عمر: (إن الله لا يجمع أمتي أو قال : أمة محمد j- على ضلالة ويد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذ إلى النار) ([6]) .
(2) وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك t سمعت رسول الله j، يقول: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم) ([7]) .
(3) وأخرج الحاكم عن ابن عمر t: قال رسول الله j: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ([8]) .
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، وهذه الروايات تدل على انّ أسعد الناس حظا بالنجاة هم (أهل السنّة والجماعة) إذ هم الجماعة وهم سواد الامة الأعظم، الذين لا يشذ عنهم إلا من يستحق الوعيد بالنار، و(بعد): فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وفي الباب روايات عديدة أخرى عن جم غفير من صحابة النبي j منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة، وواثلة ابن الأسقع وغيرهم، والحديث قد صححه جم غفير من أهل هذا العلم منهم الترمذي والحاكم والذهبي والعراقي والسيوطي،
(فائدة): في بيان معنى النجاة في حديث تفرق الامة الضالة:
(أ) المعنى الصحيح للنجاة: ليس معنى (الفرقة الناجية) أن أفرادها ناجون من النار مهما أتوا من الذنوب والمعاصي، يل ثبت أن هناك من يعذب في النار من امة الإسلام بذنوبه ومعاصيه، فإنّ كل نفس بما كسبت رهينه، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، وليس معنى (الفرقة الناجية) أنّهم في مأمن من من عذاب النار، بل كل مسلم أيا كان يحاسب على عمله فمن غلبت سيئاته حسناته فهو معرض لعذاب النار إلا أن يعفوا الله عنه، ولكن المقصود بــــ (الفرقة الناجية) أنهم اعتقدوا الاعتقاد الحق في أصول الدين وأركان العقيدة سالمين من بدع الضلالة التي تستوجب النار ، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، (كلها في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم دخول النار، كما قد يعفو الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فيه فأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، (الوعيد بالنار) لتلك الفرق لا يقتضي الخلود فيها، يستحقون النار ، نعم، لبدعتهم في الدين، ولكن لا يحكم على جملتهم بالكفر، ولا بالنار، وإن كان من أقوالهم ما يكون كفرًا؛ فليس يلزم من كون القول كفرا أن يكون قائله كافرا ، ولا يلزم من كون الفعل كفرًا أن يكون فاعله كافرًا، لعدم توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد تكون البدعة ممن في قلبه الإيمان بالرسول jوما جاء به وغلط فيما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة، وقتالاً للأمة، وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، وخير مثال لنا هو قتال الإمام علي t للخوارج الناكثين فكان لا يبدأهم بقتال ولا يستحل أموالهم ولا حرماتهم، بل كان يداوي جريحهم ويطعم أسيرهم ولا يلاحق الفار منهم والهارب حتى يكونوا هم من بذءوا المسلمين بالقتال، كما ذكرت الآثار عنه t، وهكذا سائر الثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين ، إلا من كان منافقا يظهر الإسلام ، ويبطن الكفر، وهو في الروافض اكثر من غيرهم.
(ب) الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة فرق المسلمين الضالة: أهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج اهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه، ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، والحديث: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن.
(ت) المسلمون بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وهم أمة واحدة من دون الأمم، وهم جميعا داخلون في الاصطفاء الرباني، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجميعهم مآلهم إلى رضوان الله تعالى وجنته، إلا من اتى بمكفر يُنكر به معلوما من الدين بالضرورة، وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك ، واعظم سياج لحفظ حرمة المسلم هو قول النبي j: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ([9]) .
ولا يصح عندهم تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاة المسلمين واستقبل قبلتهم وأكل ذبيحتهم فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين،وعليه ما على المسلمين، وفي هذا المسلم قال j:( كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُه) ([10])
أسعد المسلمين حظا بهذه الأحاديث هم الجماعة الناجية (اهل السنّة والجماعة) وهم سواد أهل الإسلام الأعظم، وهم جماعته الكبرى، وجميع الفرق الإسلامية الأخرى شراذم قليلون في مجموع الامة، وكل فرقة منها ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى الجماعة التي تنطبق عليها الشروط التي جاءت بها الاحاديث، فهي الجماعة وهي الخط العام للإسلام المحافظ على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وأصحابه الكرام y.
ولذلك لا تصلح أن تكون الصحة والنجاة إلا لـــ (أهل السنة والجماعة) سواد أهل الإسلام الأعظم، لأسباب عشرة عريضة:
السبب الاول: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله jواشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال j: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([11]) .
(قلت) ويؤيد حديثنا هذا قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فقد دلت الآية على أن الناجين يوم القيامة هم المتمسكون بما عليه النبي – jوأصحابه الكرام أئمة المؤمنين الهداه المهديين، وأن الخاسرين آنذاك هم المشاقون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه jوالمخالفون لهدى الصحابة، y، وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات، وينطبق عليه قول الله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8-10]، إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين من الصحابة ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار وهم من الصحابة ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي j، وهل الصحابة إلا المهاجرون والانصار، والآية الثالثة: تمتدح أولئك الذين ليس في قلوبهم لأصحاب النبي jإلا المحبة والود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و(النواصب)، و(المعتزلة)، و(الرافضة)، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله jكلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله j، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وانهم مع ذلك ليست لهم العصمة، بخطؤون ولكنهم خير البشر بعد الأنبياء، لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي jوصحابته الكرام y وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
السبب الثاني: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله jباتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك t يقول: سمعت رسول الله j، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله j: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة).
السبب الثالث: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت منها بقية الفرق، فلم يقبض النبي jإلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة y على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي jإلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله jلأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله j، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول j، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي t خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي t في مسجد رسول الله jوتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية y وأتباعهم لم ينازعوا عليا t في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي t وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي t وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله، وظل علي t يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي t سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي j، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله jعلى المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فهذا الحسن t وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول jعلم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة، الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن t.
وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي y على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي jوهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة والجماعة، فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب، لقد كان الخط العام للجماعة الأم الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي jوأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن (الخوارج) يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم و(النواصب) يبغضون آل البيت خاصة و(الروافض) يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت (القدرية) تنفي قدر الله وفي مقابلها (الجهمية الجبرية) تدعي أن الأمر جبر والإنسان كالريشة في مهب الريح واحتجوا على الله بالمعاصي، وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنة والجماعة)، فالجماعة تجعل الخلق لله الخالق والكسب للإنسان المخلوق فيما أقدره الله عليه، وعلى نقيض الخوارج ظهر (المرجئة) كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوا إيمان العصاة كإيمان جبريل وميكائيل وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و(المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم (الخط العام للمسلمين) بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وأول تلك المدارس، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال – والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالى ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي jأنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل الخط العام للجماعة (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الجماعة الناجية.
السبب الرابع: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق t، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان t، والصحابة y هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – j، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله jوتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
السبب الخامس: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله j، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي jما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي jإلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
السبب السادس: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين،والإجماع هو المصدرالثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع، (الخوارج) يكفرون الإمام عليا t ويكفرون أصحابه، و(النواصب): يفسقون الإمام عليا t وأصحابه و(الروافض) يلعنون أصحاب النبي jويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي t، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية t، فهذه الفرق لا يسلم لها الإجماع أبدا، أما (أهل السنة والجماعة)، فهم يوالون أصحاب رسول الله jجميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله j، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم يتذكرون دائما قول النبي j: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([12]) .وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([13]) .
السبب السابع: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي: لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”))([14]) .
وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول j، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
السبب الثامن: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت y بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
السبب التاسع: أهل السنّة والجماعة هم أهل الرسوخ في العلم يعملون بالمحكم من القرآن، وهم ابعد الفرق عن متشابه القرآن، يردون المتشابه إلى المحكم، عملا بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، والفرق الضالة كلها تتبع المتشابه، المعتزلة القدرية تتبع الآيات الدلة على أن الإنسان صانع مشيئته، وقالوا بالقدر، والجهمية الجبرية تتبع الآيات المتشابهات التي تدل على انّ كل شيء بيد الله وحده، وقالوا بالجبر، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وقالوا بالكسب، وهو الصيغة القرآنية الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وهكذا في كل أبواب العلم والعقيدة أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، ففي باب الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، كلٌ يستدل لمذهبه بمتشابهات القرآن، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب التقديس والتنزيه والاثبات، فلا هم معطلون تعطيل المعتزلة والجهمية ولا هم مفرطون في التجسيم والتمثيل تشبيه المجسمة والحشوية، وقعدوا قواعد التقديس التي ملئت الدنيا علما ونورا وتقديسا لله وتسبيحا بحمد الله، وقد اشتمل بحمد الله تعالى كتابي الاول من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، (مفاتيح علم التقديس) كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه في الدين ورد المتشابه إلى محكماته، في باب التقديس والتنزيه، ففي باب الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب الإيمان فلا هم متشددون تشدد الخوارج والمعتزلة ولا هم مفرطون تفريط الجهمية والمرجئة، وقعدوا القواعد التي ملئت الدنيا علما وفقها في الدين، وقد اشتمل بحد الله تعالى كتابي الثاني من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه للدين ورد المتشابه إلى محكماته، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]
السبب العاشر: أهل السنّة والجماعة هم أهل الفقه في الدين، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم الفقه الذي يغطي مرتبة الإسلام، وأبدعوا فيه أيما ابداع، فمنهم الفقهاء وإليهم تعود المذاهب الفقهية المعتمدة وهم أهل أصول الفقه وأهل القواعد الفقهية والنظريات الفقهية التي تغطي كل احكام العبادات والمعاملات، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والليث بن سعد، وغيرهم من اكابر الفقهاء في امة النبي jالكثير والكثير، والمذاهب الأربعة في كل مذهب منها على اقل تقدير وعلى مر عصور الإسلام آلاف من الفقهاء المجتهدين في المذهب.
واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم العقيدة وهم من تخصص في علم العقيدة، وهم من حل مشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعوا ادلة الكتاب والسنّة في ككل مسألة وأنزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وهم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل،واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله.
وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين.
واهل السنّة والجماعة هم أهل السلوك والتخصص، هم القائمون على ثغور الإحسان، ومنهم الصديقون والاولياء، لأنّ التصوف الحق هو المدرسة التي يتخرج منها الأولياء، وورثة الأنبياء، قال تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [ الكهف: 17 ]، ومنهم أهل المشاهدة والعرفان، لأنه من اهم معاني التصوف (( ان تعبد الله كأنك تراه )) وهم الربانيون الوارثون لأحوال النبي jوعلومه ومعارفه، وهم اعلم الناس بمنازل الدين وهم السائرون إلى الله بالله وفي الله كما قال تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، وقال تعالى: { وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، وهم أهل المجاهدة في الله، عندما يجاهد المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وهم القائمون المتحققون بمنازل الإحسان، لأن التصوف الحق هو القائم على حقائق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، فعند غيابه يغيب ثلث الدين الأعلى، وتغيب منازله ومعارفه، وعند غيابه تغيب التزكية إحدى مهام النبي jفي امته، قال تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } [ البقرة: 151 ]، لأنه القائم على علم تزكية الانفس وسلامة القلوب وتصفية الباطن وتخليته من الرذائل، وتحليته بالفضائل، وعند غيابه يضيع الطريق إلى الحق سبحانه، لأنه العلم الذي يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وعند غياب التصوف الحق نعلم ظاهرا من الدين ونفقد لبه وباطنه، لأنه لباب الشريعة وحقيقتها، وعند غيابه يضيع الفهم الراقي والعميق لكل علوم الدين ومعارفه، وعند غيابه تضيع بوصلة الطريق، وذلك لأن طرحه في الإصلاح العلمي والعملي والسياسي والأخلاقي الإسلامي هو الطرح الأمثل للخروج من الأزمات الراهنة، والمشكلات الطاحنة، أهله هم الخلاصة في معرفة العلوم الإسلامية الدقيقة والأحكام الصحيحة، وهم الغاية في معرفة أحكام الإيمان والكفر، والنهاية في معرفة أحكام التوحيد والشرك، وعلم السنة والبدعة، وعلم التقديس والتنزيه معرفة وشهودا، وهم الفاهمون تماما لعلم السياسة الشرعية واقعا وعيانا، وهم أقدر الناس على احترام التخصص العلمي لأهل السنة والجماعة، وهم أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام قاطبة، وهم أعدل الناس في موقفهم من الفرق الإسلامية الضالة المنحرفة، وهم اكثر الناس لله تعالى عبودية واجتهادا، وهم أعظم الناس خلقا وديانة، وهم أعرف الخلق بالله ودين الله، أهل الشريعة يؤمنون بالله استدلالا وهم يوقنون بالله شهودا وعيانا، وحين يدور العلماء حول علم اليقين استدلالا يدورون هم حول عين اليقين وحق اليقين تحقيقا وعرفانا، هم أهل منازل السير إلى الله وهم أهل السفر إلى الحق المبين ابتداء من اليقظة وسيرا نحو التوحيد، وهم أهل الزهد فيما سوى الله، لا يشقى بهم جليسهم، يحتون جميع المخالفين بسعة العلم والصدر والدين، وهم في عمق التاريخ الإسلامي العريق أهل الولاية أهل المخاطبات والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات، وأهل التحقق والتمكين، وأهل التجريد والتفريد والجمع والتوحيد، وهم أعمق الناس فهما للكتاب وهم اعرف الناس بسنة المصطفى المختار، وهم اعلم الناس بحال الدنيا وهم اعلم الناس بمكائد النفس والشيطان والدنيا والهوى، فهل سمع احد عن التصوف الحق الرشيد إلا في أهل السنّة والجماعة الناجية وسواد أهل الإسلام الأكبر، ومن عداهم فرق متعادون وشرازم قليلون فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، (اهل السنّة والجماعة) هم أهل التوسط والاعتدال، والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فالمسلمون أمة وسط بين الناس جميعا وأهل السنّة والجماعة وسط بين أهل الإسلام جميعا، ولهذه الأسباب كانت الجماعة الناجية (أهل السنّة والجماعة) أسعد المسلمين حظا بهدي الكتاب والسنّة والاجماع واحسن المسلمين حالا مع الآل والصحب الكرام، ولا يصلح أن تكون النجاة إلا لمن كان على مذهبهم، يقتدي بهداهم.
***
([1]) فيض القدير للمناوي 5/384.
([2]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640. قال الترمذي (واللفظ له) حديث حسن صحيح مشهور وقال الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي
([3]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([4]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([5]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([6]) سنن الترمذي 4/466 ح 2167. حلية الأولياء 3/37. وصححه الالباني في صحيح الترمذي رقم 2167.
([7]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950. مسند الشاميين 3/196 ح 2069.
([8]) المستدرك 1/199 ح 392. الأسماء والصفات للبيهقي 2/133 ح 107.
([9]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([10]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([12]) صحيح البخاري 5/8 ح 3673 صحيح مسلم 4/1967 ح 2540.
([13]) سنن ابن ماجة1/112 ح 162، مصنف عبدالرازق6/405 ح 32415،