أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله هو أبو بكر رضي الله عنه.
لا يوجد نص بالخلافة على الإمام علي t.
يزعم الشيعة عامة و(الإمامية) خاصة أن هناك نص على إمامة الإمام علي، وتزعم (الإمامية) بوجود النص على أحد عشر إماما من ذريته من بعده، وجعلوا هذا النص هو أساس المذهب وعليه بنوا ارتداد الصحابة الذين أنكروا هذا النص وعلى أساس هذا النص حكموا بردة وكفر كل من لم يكن اثني عشريا ونحن من حقنا ان نتساءل: أين هذا النص من القرآن الكريم لأنه مرجع كل المسلمين وقد تكفل الله بحفظه قائلا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فأين النص الصريح من القرآن الذي يدل على أنّ الإمام علي هو الوصي بالخلافة بعد رسول الله j، أين النص الصريح من القرآن الذي يدل على الأئمة الاحد عشر، من بعده، إنّ القرآن الكريم اشتمل على عشرات المواضع التي تنص صراحة على أركان الإسلام من التوحيد والإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وعشرات المواضع التي تنص على إقامة الصلاة وايتاء الزكاة والصيام والحج وعشرات المواضع في ذكر الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم كالصبر والشكر والإيمان والتقوى والتوبة والاستغفار والعفو والصفح والحياء وغيرها من أخلاق الإسلام كما اشتمل القرآن الكريم في عشرات المواضع على آيات التشريع وبيان الحلال والحرام وذكر الحدود وآيات أخرى عديدة عن الأسرة والزواج والطلاق واعتزال النساء في المحيض واشتمل على ذكر القصص كقصة يوسف وذي القرنين وأصحاب الكهف وأصحاب الجنة واسهب في بيان أحوال بني إسرائيل حتى ذكر القرآن قصة بقرة بني إسرائيل فهل يذكر القرآن ذلك كله بإسهاب ويأتي إلى مسألة الإمامة التي يكفر تاركها فلا يشير إليها ولو في آية واحدة نصا صريحا لا يقبل الاحتمال.
لقد ذكرت الملائكة في أكثر من خمسين موضعا في القرآن، والأئمة أهم من الملائكة في معتقد (الإمامية) ومع ذلك لم يذكر في حقهم نصا صريحا واحدا، إن الأولى – لو كان الأمر صحيحا – أن يورد القرآن الكريم عشرات الآيات كذلك في ذكر الأئمة بدلا من أن يذكر في مئات المواضع منه مدحا للصحابة أولئك الذين ارتدوا ونافقوا وكفروا لكتمانهم الوصية، أيهما أولى ان يركز القرآن على قضية الصحابة والثناء عليهم أم قضية الإمامة واعتقادها وهي أصل أصول الدين كما يزعمون، فأين في القرآن ذكر أسمائهم وأين في القرآن ذكر وجوب الإيمان بهم كما في القرآن وجوب الإيمان بالملائكة، وأين في القرآن عقوبة من لا يؤمن بهم على وجه التحديد والترتيب، إنهم يزعمون أن من لم يؤمن بالأئمة الاثني عشر كما يؤمنون هم فهو كافر فأين ذلك في القرآن أم ان القرآن محرف كما يزعم المرتدون منهم، إنهم أعياهم البحث في القرآن لإثبات دعوى معتقدهم في الإمامة فاستدلوا بعمومات مبهمة لا ترقى لمستوى الدليل وما كان الله ليختبرنا بمثل تلك المتشابهات على عقيدة منكرها كافر وإن صلى أو صام وهنا أذكر أهم أدلتهم والتي لا يساعد النص القرآني على ما يزعمون فهمه منه ثم أذكر الأدلة القرآنية الدامغة على عدم وجود النص على أحد بعينه بل القرآن حسم الأمر في الإمامة ان جعلها شورى بين المؤمنين، فهم يزعمون أن الإمامة أصل من أصول الدين، والأصل لا يحتاج تقريره إلى اجتهاد واستنباط، بل الأصل لابد وأن يكون كالشمس ظهورا لا ينكره إلا من كان به عمى في بصره وبصيرته أما العموميات فلا تصلح في اثبات الأصول، فإن الأصول تحتاج إلى نصوص صريحة صحيحة ملزمة للخصم، قاطعة للجدال، لا وجه للاجتهاد والاستنباط فيها، وهيهات هيهات.
(تنبيه): سبق ذكر ذلك في الفصل الثاني: [الأدلة اليقينية علي استحالة صحة مذهب الشيعة الإمامية] والرد عليها.
لا يقول جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأن النبي jنص على أبي بكر t، بل يقولون أنّه ترك الامر شورى في المسلمين، ولكن هناك نصوص تشير إلى أحقية ابي بكر بالخلافة بعد رسول الله jيعلمها أهل الفقه في الدين، ومن ذلك:
النصوص من كتاب الله عز وجل والتي أشارت إلى خلافة أبي بكر:
(1) قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7]، وقد وضحت الآية من سورة النساء من هم الذين امر الله تعالى عباده بسؤاله أن يهديهم صراطهم وطريقهم فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فكان اول أولئك بعد النبيين هم الصديقون والمقدم من الصديقين أبا بكر فقد كان اسمه الذي اشتهر به على زمن النبي jهو الصديق، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ t، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ jصَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ) ([1]) .
فهذا نص ان الصديق هو أبو بكر لان عمر وعثمان قتلا شهيدين، فإذا كان معنى الآية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ان نطلب الهداية التي كان عليها الصديق فدلت الآية على انه t أولى الناس بالإمامة بعد رسول الله j.
(2) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي ابن أبي طالب t أنه قال في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه) ([2]) . وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري رحمه الله أنه قال في قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: (هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله j)، ([3]) . فدلت الآية لمن تدبرها بإنصاف على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي jوجاهدهم أبو بكر t حتى رجعوا إلى الإسلام.
(3) قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله jبالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر t (ثاني اثنين) ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله jمن صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي jلأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين الله ثالثهما، فقد اخرج البخاري عن أَنَسٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ t، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ jفِي الغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) ([4]) .
قال القرطبي: (قال بعض العلماء في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي jأبو بكر الصديق t لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي jبالأمر كقيام النبي jبه أولا، وذلك أن النبي jلما مات ارتدت العرب كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثا فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي jفاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين) ([5]) .
(4) قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ y وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] جاء في تفسير الإمام فخر الدين الرازي: (ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي jأن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه t ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله jفصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما) ([6]) .
(5) قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، وهذا الوعد بالاستخلاف والتمكين أظهر ما يكون في خلافة الصديق t، قال الحافظ ابن كثير: (وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية) ([7]) .
(6) قوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]، قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل الله على إمامة أبي بكر في (سورة براءة) فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83] وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] يعني قوله:{لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال: {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: 15] -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16] والداعي لهم إلى ذلك غير النبي jالذي قال الله –عز وجل- له {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه j)، وقد قال مجاهد في قوله: أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس، وهو أحد قولي ابن عباس t، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر، وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله jوجب أنه أفضل المسلمين t)([8]) .
(7) قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، وجه دلالة هذه الآية على خلافته t أن الله –جل وعلا- سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب –جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق t (خليفة رسول الله) jومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته t .
النصوص من سنة النبي j التي أشارت إلى خلافة أبي بكر t.
(1) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) عن جبير بن مطعم قال: (أتت امرأة النبي jفأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال j: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) ([9]) .
اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر t، قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث أن مواعيد النبي jكانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس) ([10]) .
(2) وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله jمستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا) ([11]) . قال النووي: (هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي jعلى خلافته صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي t بقوله: (ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحداً ذكره له والله أعلم وأما قوله j.. (للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر) فليس فيه نص على خلافته وأمر بها بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم) ([12]) .
(3) وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي jجلوساً فقال: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه) ([13]) .
فقوله j: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: (بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة) ([14]) .
(4) وروى الشيخان من حديث أبي هريرة t عن رسول الله jقال: (بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر) ([15]) .
هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها، قال الشافعي رحمه الله تعالى: (رؤيا الأنبياء وحي وقوله: (وفي نزعه ضعف) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته) ([16]) .
(5) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله jفي مرضه: (ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ([17]) . دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق t حيث أخبر النبي jبما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره t.
(6) وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري t وفيه أن النبي jقال: (إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) ([18]) . وفي لفظ آخر للشيخين: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) ([19]) .
فأمره jبسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ ابن حجر: (قوله إلا باب أبي بكر) هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا باباً غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: (في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي jفي الوقت الذي أمرهم فيه لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلى هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي jلأنه حسم بقوله سدوا عنى كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده) ([20]) .
(7) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن أبي موسى الأشعري t قال: (مرض النبي jفاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي j) ([21]) .
(8) وفي رواية أخرى عن عائشةرضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله jقال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله j: مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً) ([22]) .
(9) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: (دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله jقالت: بلى ثقل النبي jفقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله jلصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله jإلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله jيأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقاً: يا عمر صل بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله jوجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي jأن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي jوالناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي jقاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله jقال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي) ([23]) .
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: (فضيلة أبي بكر الصديق t وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله jمن غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر t لأن أبا بكر لم يعدل إلى غيره) ([24]) .
(10) وروى الشيخان من حديث أنس t (أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله jالذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله jستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله jضاحكاً قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله jونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله jخارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله jفأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله jمن يومه ذلك) ([25])
(11) روي الشيخان عن أنس t قال: (لم يخرج النبي jثلاثاً فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله jبالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي jما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي jحين وضح لنا فأومأ النبي jبيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي jالحجاب فلم يقدر عليه حتى مات) ([26]) .
فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق t في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر t أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله j.
(12) فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود t قال: (لما قبض رسول الله jقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر t فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله jقد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر t فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) ([27]) .
(13) وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: (لما قبض النبي jنظرنا في أمرنا فوجدنا النبي jقد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله jلديننا فقدمنا أبا بكر) ([28]) . قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي jرأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك وإنما لم ينص عليه نصاً لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته) اهـ ([29])
هل خلافة أبي بكر ثبتت بالنص أم بالإشارة:
لأهل السنة والجماعة قولان في إمامة أبي بكر الصديق t من حيث الإشارة بالنص الخفي أو الجلي، (القول الأول): أن خلافة أبي بكر الصديق t ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث([30]) .وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل([31]) .
واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي jله في الصلاة وبأمره jبسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث، و (القول الثاني): أنّ خلافة أبي بكر t ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث([32]) .
واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها:إن لم تجديني فأتي أبا بكر([33]) .
وبقوله لعائشة رضي الله عنها: (ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ([34]) .وحديث رؤياه jأنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه([35]) .
و(القول الراجح) هو القول الأول، وذلك لأنّ القول بأنها قد ثبتت بالنص الجلي قد يصعب الاستدلال عليه، لأن أقواله – j- وأفعاله التي يستدل بها على أن خلافة أبي بكر ثابتة بالنص لا تفيد هذا إفادة صريحة، فتقديم الرسول j أبا بكر للصلاة بالناس ([36]) . ليس نصًا جليا على خلافته وإنما هو إرشاد للأمة إلى أن أبا بكر أولى بأن ينوب عن الرسول j وكذلك أحاديث سد الأبواب ([37]) . والخوخ إلا باب أبي بكر ففيه إشارة إلى فضله وتميزه عن غيره لا أكثر، أما الأحاديث الدالة على أنه أراد أن يكتب عهدًا ثم تركه([38]) . فقد ترك ذلك لعلمه بأن المؤمنين سيختارونه من دون عهد منه – j- فدل على أنه ليس هناك عهد، وكذلك حديث المرأة السائلة، ومبعوث بني المصطلق. ففيه: إخبار بأن الذي سيكون واليًا هو أبو بكر، فلتأته المرأة وتسأله، وليدفع بنوا المصطلق إليه زكاتهم. وكذلك حديث الأمر بالاقتداء ليس نصًا في الخلافة، فهذه الأحاديث التي يظن البعض أنها تفيد النص على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنما تدل على علم رسول الله – j- عن طريق الوحي بأن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لمزاياه التي لا يضارعه فيها أحد كما تدل إلى رضا الله ورسوله بذلك دون غيره، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم منها، يدل على ذلك ما يلي:
(أ) اجتماع السقيفة: حيث لما توفي رسول الله – j- اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين([39]) . فلو كان هناك نص ما اجتمعوا لذلك ولبايعوا المعهود إليه مباشرة وهم أحرص الناس على اتباع رسول الله – j.
(ب) كما يدل على ذلك أيضًا أخذ أبي بكر رضي الله تعالى عنه بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح وقوله:(قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم) ([40]) . فلو كان هناك عهد له لم يجز له أن يختار، ولا يعقل أن لا يعلم هو بذلك وهو المعهود له.
(ت) ومنها قول عمر رضي الله تعالى عنه حينما طلب منه أن يختار خليفة للمسلمين بعده فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني – يعني أبا بكر – وأن أترك فقد ترك من هو خير مني – يعني الرسول j) ([41]) . وهذا نص في المسألة بأن النبيj لم يستخلف أحدًا بعده.
(ث) ومما يدل على ذلك أيضًا قول عائشة رضي الله تعالى عنها حينما سئلت من كان رسول الله – j- مستخلفًا لو استخلف؟ فقالت: أبو بكر، قيل ثم من؟ قالت: عمر، قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح([42]) .
فقول السائل: (لو استخلف) دال على أنه لم يستخلف، والسؤال عما لو كان مستخلفًا فمن سيستخلف؟.
(ج) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مات رسول الله – j- ولم يوص) ([43]) . فهذا دليل صريح في المسألة على أن النبي – j- لم يوص بالخلافة لا لأبي بكر، ولا لعلي رضي الله عنها، ولا لغيرهما.
(ح) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى علي t قال: قيل يا رسول الله من تؤمر بعدك؟ قال: (إن تؤمروا أبا بكر تجده أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أميًنا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم) ([44]) .
فقول النبي – j-: (إن تؤمروا) دليل على أنه لم يؤمر أحدًا، وإنما وكل ذلك إلى المسلمين ثم استعرض – j- بعض أفاضل الصحابة مبتدئًا بأبي بكر وبين ما في كل واحد منهم من الخصال الحميدة المميزة له، وعلى ذلك فالتحقيق العلمي للمسألة يدلنا على أن النبي jدل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ولو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله jبياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) ([45]) .
والخلاصة: أنّ خلافة الصديق t دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله jله بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله له t، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله وعند رسوله وعند المسلمين، فصارت ثابتة ثبوتا لا ينازع فيه إلا اعمى البصيرة والفؤاد.
انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر t:
لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي jأبو بكر الصديق t لفضله وسابقته ولتقديم النبي jإياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي jمراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الله عز وجل ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن علياً تخلف عن بيعته فقد ثبتت بيعته في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله jفي اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن الإمام علي t بايعا ظاهراً وخالف باطناً فقد قال فيه أقبح القول، فهو t أجل قدراً وأكبر محلا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق t أولى بالخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: (أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي jعن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ورضوا به من بعده y)([46]) .
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: (أثنى الله – عز وجل – على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق t وسموه خليفة رسول الله jوبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك) ([47]).
وقال أيضاً: (بعد أن ذكر آيات القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: “ومما يدل على إمامة الصديق t أن المسلمين جميعاً تابعوه وانقادوا لإمامته… ثم رأينا علياً والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إماماً بعد النبي jبإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله – عز وجل – لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرها وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق) ([48]) .
وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق t: (وكان t مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيباً لقوله t لما قال:أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله jلديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان t أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً) ([49]) .
وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعاً بالخلافة لأبي بكر t (وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روى أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة y وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلا وجعله من قول الزهري منقطعاً من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن علياً بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن علياً بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله jفي باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذوراً فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخراً خطأ، ومن زعم أن علياً بايعه ظاهراً وخالفه باطناً فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها jقالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن علياً كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية… فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله jويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق) ([50]) .وقال عبد الملك الجويني: (أما إمامة أبي بكر t فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه… وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراساً وشماساً في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن t في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله jثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد) ([51]) .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهو أي أبو بكر أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي jلفضله وسابقته وتقديم النبي jله في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة y على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) ([52]) . وقال أبو عبد الله القرطبي: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش) ([53]) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قد اتفق الصحابة y على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما) ([54]) .
(وبعد): فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق t هو الأحق بالخلافة بعد النبي jلإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعاً وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقاً فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق t فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،
***
([1]) صحيح البخاري 5/9.ح 3675.
([4]) صحيح البخاري 6/66 ح 4663.
([5]) الجامع لأحكام القرآن8/147-148.
([7]) (الجامع لأحكام القرآن) (8/147-148) .
([8]) الإبانة عن أصول الديانة: ص: 615.
([9]) صحيح البخاري 9/81 ح 7220، صحيح مسلم 4/1856 ح 2386.
([11]) صحيح مسلم 4/1856 ح 2385.
([12]) شرح النووي على مسلم) (15/154-155)
([13]) مسند أحمد 38/310 ، سنن ابن ماجة 1/73 ح 97، سنن الترمذي 5/668 ح 3799. قال الترمذي حسن، وقال ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر) (1/143): مثله حسن.
([15]) صحيح البخاري 9/39 ح 7022، صحيح مسلم 4/1861 ح 2392.
([17]) صحيح البخاري 7/119 ح 5666 ، صحيح مسلم 4/1857 ح 2387. واللفظ له.
([18]) المصدر السابق 1/100 ح 466.
([19]) المصدر السابق 5/57 ح 3904، صحيح مسلم 4/1854 ح 2382.
([21]) صحيح البخاري 1/136 ح678، صحيح مسلم 1/316 ح 420.
([22]) صحيح البخاري 1/136 ح679، صحيح مسلم 1/316 ح 418.
([23]) صحيح البخاري1/138 ح 687 ، صحيح مسلم 1/311 ح 418.واللفظ له.
([24]) شرح النووي على مسلم 4/137.
([25]) صحيح البخاري 1/136 ح 680، صحيح مسلم 1/315 ح 419.
([26]) صحيح البخاري 1/137 ح 681 صحيح مسلم 1/315 ح 419.
([27]) المستدرك للحاكم 3/70 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر) (1/151)،
([28]) الطبقات الكبرى لابن سعد 3/167.
([29]) الاعتقاد للبيهقي ص: 172.
([30]) الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم 4/ 107.
([31]) المعتمد في أصول الدين: لأبي يعلى الفراء ص: 226.
([32]) الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/ 107.
([35]) صحيح البخاري 5/7 ح 3669. صحيح مسلم 4/1860 ح 2392
([36]) صحيح البخاري 1/133 ح 664. صحيح مسلم 1/311 ح 418.
([38]) صحيح مسلم 4/1857 ح 2387.
([39]) صحيح البخاري 5/7 ح 3669.
([40]) المصدر السابق 8/168 ح 6830.
([41]) المصدر السابق 9/81 ح 7218، صحيح مسلم 3/1454 ح 1823.
([42]) صحيح مسلم 4/1856 ح 2385.
([43]) مسند أحمد 5/267 ح 3189 قال ابن حجر في (فتح الباري) (5/ 426): إسناده قوي.
([44]) مسند أحمد 2/214 ح 859 ، المستدرك 3/73 ح 4434. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (5/ 179): رواه أحمد والبزار والطبراني في (الأوسط) ورجال البزار ثقات.
([45]) صحيح البخاري 8/168 ح 6830 ، صحيح مسلم 3/1317 ح 1691.
([47]) الإبانة عن أصول الديانة ص 612.
([49]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: (ص: 65)