الخط العام هم أهل السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة
منذ فجر الإسلام والخط العام لأهل الإسلام هم سوادهم الأعظم وهم أهل السنّة والجماعة، يتحزبون على الكتاب والسنة والإجماع، هم أهل القرآن وخاصته،، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ القرآن غضا طريا كما أُنزل، فأسسوا مدرسة القرآن، وتتلمذ على أيديهم نوابغ القراء من التابعين، وكان من بركتها ظهور القراءات المتواترة المعروفة، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة التي تنتسب إلى قراء أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله j، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة، وهم أهل الإجماع، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
وأهل السنّة والجماعة هم الخط العام الذي ينطبق عليه أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد جاء الخبر عن رسول الله jواشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال j: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([1]) . وقال j: (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة)([2]) .
لقد تمايزت الجماعة الأم بمسمى (أهل السنة والجماعة)،(فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي jوصحابته الكرام y وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال، وأهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله j باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك t يقول: سمعت رسول الله j، يقول إن أمتي لا تجتمع على ضلالة،فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم([3]) .
وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله j: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار) ([4]) .
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، لقد اجتمعوا على الكتاب والسنة فهم أهل الكتاب والسنة ولقد اجتمعوا على محبة الصحب والآل فهم وحدهم من يترضى على جميع الصحب والآل، ولقد اجتمعوا على الخلفاء الراشدين الأربعة وهم وحدهم اتباع الخلفاءء الراشدين الأربعة يترضون على الجميع، اجتمعوا على أبي بكر الصديق خليفة ثم عمر الفاروق ثم ذي النورين عثمان ثم أبي السبطين علي.
وأكرم الله تعالى الأمة بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه،ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وأول تلك المدارس، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالت ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي jأنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل أهل الحق الخالص الخط العام للجماعة (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة، لقد وضح النبي jميزانا نبويا لمعرفة الحق في هذه الامة، فقال j: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)، ([5]) .
لقد وضع لنا النبي jميزانا دقيقا، حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، فلا نضيع عند تزاحم الأهواء والبدع والضلالات، فقوله j: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ)، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله j: (فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته jلأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم، لقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، ففي باب العقيدة: لهم ثلاث مذاهب معروفة، وهي (المذهب الأثري) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، و(المذهب الأشعري) وعليه غالب المالكية والشافعية إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، والأشاعرة هم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، و(المذهب الماتريدي) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وفي باب الفقه: استقر لهم مذاهب أربعة، وهي (المذهب الحنفي)، و(المذهب المالكي)، و(المذهب الشافعي)، و(المذهب الحنبلي)، وكما أكرم الله تعالى أهل السنة والجماعة بمدارس الأصول ومدارس الفقه، كذلك أكرمهم بأهل التصوف الربانيين الذين قاموا على علم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها واجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، وأخذت بيد المسلمين إلى رضا رب العالمين، وكلها تسعى بالذكر والاجتهاد المشروع إلى بلوغ مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه، وكلها يمثل الإطار الكلي والخط العام للجماعة الأم سواد المسلمين الأعظم أهل السنة والجماعة الناجية.
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([2]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.