الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثالث عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق الحشية من الله والخوف من الله: الخشية من الله تعالى خلق عظيم من أخلاق المؤمن مع الله، بل هي شرط من شروط الإيمان قال تعالى: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة التوبة:13]، والخشية من الله، والخوف من الله متقاربان في المعنى، وفي الفرق بين الخشية والخوف،يقول المولى تبارك وتعالى – آمرا نبيه موسى عليه السلام -: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى}، أي لا تخاف من إدراك فرعون وجنده لكم، ولا تخشى الغرق، والغرق أعظم ليس فيه نجاة في الغالب، أما الدرك فقد يتمكنوا من الهروب منهم، ولهذا كانت الخشية أعظم من الخوف، وقد جمع الله الخشية والخوف في قوله تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21]، فالخشية من الله والخوف من عذاب الله، فالخشية هي الخوف مع المهابة والإجلال، والخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من تخشاه و كمال سلطانه، وغالبًا ما تكون الخشية عن علم وبصيرة، ولذلك خص بها العلماء، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28]، إذن الخشية أعلى مرتبةً من الخوف في مقام العبودية، لأنها خوف ورهبة ووجل وتعظيم وإجلال، و الخشية مرتبة وصل إليها الأنبياء و الرسل، قال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}، وأما الخوف فهو خوف من عذاب الله ومن مقام الله، قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41]،
والخشية من الله مقام العلماء (علماء البصر والبصيرة) , قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28]، والخشية خلق لا يتصف به إلا عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال: 2]، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر: 23]، وقد عاب الله تعالى على بني إسرائيل قساوة قلوبهم وعدم خشيتهم له سبحانه فقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة: 74]، وضرب لنا سبحانه مثلا طيبا في الخشية من الله عند سماع آياته فقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الحشر: 21]، وقد وصف الله تعالى بها عبادة المؤمنين الصالحين فقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [سورة فاطر: 18]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}
[والخوف من الله من أجل الأخلاق] قال تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وهو من أخلاق الملائكة المكرمين، قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 49، 50]، وهو من أخلاق الرسل الكرام، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15]، وهو من صفات الذين أحبهم الله تعالى ويحبونه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، وهو من أبرز أخلاق الصحابة الكرام، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [معنى الخوف]: الخوف المحمود هو الذي يحجز الإنسان عن محارم الله عز وجل، ويورث صاحبه الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا، ومن خاف من شيء هرب منه، إلا الخوف من الله، فمن خاف من الله عز وجل هرب إليه، قال تعالى {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}، وقال تعالى: {لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}، فالخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. [علامات الخوف]: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: علامة خوف الله تتبين في سبعة أشياء:أولهما: تتبين في لسانه، فيمتنع لسانه من الكذب والغيبه، وكلام الفضول، ويجعل لسانه مشغولا” بذكر الله وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم، والثاني: أن يخاف في أمر بطنه، فلا يدخل بطنه إلا طيباً حلالاً، ويأكل من الحلال مقدار حاجته، والثالث: أن يخاف في أمر بصره، فلا ينظر الى الحرام، ولا إلى الدنيا بعين الرغبة، وإنما يكون نظره على وجه العبرة، والرابع: أن يخاف في أمر يده، فلا يمدنَّ يده الى الحرام، وإنما يمد يده الى ما فيه طاعة الله عز وجل، والخامس: أن يخاف في أمر قدميه، فلا يمشي في معصية، والسادس: أن يخاف في أمر قلبه، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان، ويدخل فيه النصيحة والشفقه للمسلمين، والسابع: أن يكون خائفا” في أمر طاعته، فيجعل طاعته خالصه لوجه الله، ويخاف الرياء والنفاق، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله فيهم: {وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ للْمُتَّقِينَ})([1]) .إن الناظر في سير الصالحين والباعث لهم على إكثار العبادات، وملازمة الطاعات يرى أن سبب ذلك كله هو الخوف من الله تعالى، والرجاء لما عنده، والمحبة له سبحانه، ولذلك اعتبر العارفون أنّ الخوف والرجاء والمحبة أجنحة المقربين يطير بها السالكون إلى كل مقام عال، الخوف من الله تعالى من أجل أخلاق المقربين: عوتب الحسن البصري -رحمه الله- في شدة حزنه وخوفه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع عليَّ في بعض ما يكره فمقتني، فقال: اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معتمل، وهذا طاووس يفرش له الفراش فيضطجع ويتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى ثم يثب ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: “طير ذكر جهنم نوم الخائفين”، وصح أن زرارة بن أوفى قرأ في صلاة الفجر {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} فخر ميتًا،، وقال مالك بن دينار: لو استطعت لم أنم مخافة أن ينزل العذاب يا أيها الناس النار، النار، وكان سفيان الثوري ينادي في ليله: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم، وقرئ في مجلس يحيى بن سعيد القطان سورة الدخان فصعق يحيى وغشي عليه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: مات سفيان الثوري عندي فلما اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب؟ فرفع شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت، هذا هو خوف الصالحين يخافون من سلب الإيمان عند الموت، ويخشون سبق الكتاب عليهم في كونهم عاملين بعمل أهل النار.
وللخوف أسباب عديدة: أولها: الخوف من العقوبة، وهذا الخوف هو الخوف الذي يصح به الإيمان، وهو الخوف الواجب على كل مسلم أن يأتي به، ولا يعذر بتركه، والقدر الواجب منه هو ما كان باعثًا على فعل الواجبات، مانعا من فعل المحرمات، وهناك الخوف من مكر الله تعالى: وهذا الذي جلب للصالحين الحزن الدائم الطويل يخشى أحدهم أن يعمل بالليل طاعات لله تعالى ثم يدركه في صباحه قدر الله فيتغير حاله، جزع محمد بن المنكدر عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ قال أخشى آية من كتاب الله {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن احتسب، وقرئ على يحيى البكاء {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30] فصاح صيحة مكث منها مريضًا أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة، وذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء، فقال نوف البكالي: لغير الدجال أخوف مني من الدجال، فقال أبو الدرداء: وما هو؟ قال: أخاف أن أسلب إيماني وأنا لا أشعر، فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك وهل في الأرض مائة يتخوفون ما تتخوف، وقال أحمد بن أبي الحواري: كنت أسمع وكيعًا يبتدئ قبل أن يحدث فيقول: ما هنالك إلا عفوه، ولا نعيش إلا في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم، هذه جمل من أحوالهم رحمهم الله، في الخوف من المكر بهم، ذكرها العلماء في تراجمهم وسيرهم، كانوا يخافون من مكر الله، قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، اللهم لا تؤمنا من مكرك ولا تيأسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين، فإنه لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، وإنه لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، كان السلف الكرام رضوان الله عليهم يخافون من سوء الخاتمة، كانوا يخافون من الانقلاب من الإسلام إلى الكفر، كانوا يخافون من الانقلاب من السنة إلى البدعة، ومن الطاعة إلى المعصية، لما احتضر سفيان الثوري جعل يبكي، فقيل له: يا أيا عبد الله، عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أو على ذنوبي أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال.
إذن هناك الخوف من العقوبة، وهناك الخوف من المكر والعاقبة وسلب الإيمان، وهناك الخوف من عظمة الله: قال إبراهيم بن بشار: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27] وكنت فيمن صلى عليه رحمه الله، وقال نهر بن حكيم: أمَّنا زرارة بن أوفى، فقرأ المدثر فلما انتهى إلى هذه الآية {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8] خرَّ ميتًا، وقد يكون بكاء الصالحين رغبة فيما عند الله تعالى، وقد يكون رهبة من وعيده وعذابه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 106 إلى 109]، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى: الهداية والصلاح: قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [سورة التوبة: 18]، ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى: الفوز والفلاح: قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة النور: 52]، ومن أهم ثمار خلق الخشية من الله تعالى: المغفرة والأجر الكبير: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [سورة الملك: 12]، ومن ثمار هذا الخلق القويم دخول الجنة والنجاة من النار: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7، 8]، وقال سبحانه {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 34، 35]، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللَّهِ) ([2]) .اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية , فإن من رُزق خشيتك كان من العلماء، قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر: 28].
من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 إلى 61]، [وهذه صور ونماذج لما بلغ له خوف السلف الكرام من الله تعالى]: وغلبها أنقله من كتاب حلية الأولياء، أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء والبيهقي في شعب الإيمان: قال الضحاك بن مزاحم رحمه الله: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه على طيرٍ قد وقع على شجرة فقال: طُوبى لك يا طيرُ تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حسابٌ ولا عذاب! ياليتني كُنت مثلك، والله لوددتُ أني كنتُ شجرةً إلى جانتِ الطريق فمر عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم إزدردني ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً!، ([3]) . وذكر الإمام أحمد عن الصديق أبي بكر رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ([4]) . وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل، وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب،([5]) . وكان عمر رضي الله عنه يقول: يا ليتني كُنتُ كبشَ أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضه قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً.! ([6]) .
وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: إن عذاب ربك لواقع [سورة الطور: 77] فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثا)، ثم قضي، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يعاد، يحسبونه مريضا، وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء، وقال له ابن عباس، مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل، فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر، وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت، فكيف عملت فيما علمت؟ وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل، وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أخلق وعرضت عليه النفقة، فقال: ما عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها، ومحرر يخدمنا، وفضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها، وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح،. وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: وددت أني كبش فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي وحسوا مرقي([7]) .
وقيل لأبي مسعود الأنصاري رحمه الله: ماذا قال حذيفة رضي الله عنه عند موته؟ قال: لما كان عند السحر، قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار ثلاثا ثم قال: اشتروا لي ثوبين أبيضين؛ فإنهما لن يتركا علي إلا قليلا حتى أبدل بهما خيرا منهما، أو أسلبهما سلبا قبيحا([8]) .وقال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه لمّا طعن: (لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب اللّه قبل أن أراه) ([9]) .
وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء والطبراني في المعجم الكبير: (قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو وقفتُ بين الجنة والنار، فقيل لي: من أيهما تكونُ أحبُّ إليك، أو تكونَ رماداً؟ لأحببتُ أن أكونَ رماداً.! ([10]) . وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء وابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق في مصنفه: (قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: والله لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ولو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فُرُشِكُم، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون، والله لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني، شجرة تُعْضَدُ، ويؤكل ثمرها) ([11]) . وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَه الله: لَو فَارق ذكر الْمَوْت قلبِي ساعة لفسد، قال أرطأة بن المنذر رحمه الله: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جعلت على نفسك حرسا أمينا إذا صلّيت لا تغتال، فقال: (اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي أخاف يوما دون يوم القيامة فلا تؤمّن خوفي) ([12]) . وبكى الحسن البصري رحمه الله فقيل: ما يبكيك؟ قال: (أخاف أن يطرحني غدا في النّار ولا يبالي) ([13]) . وقال يزيد بن حوشب رحمه الله: (ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأنّ النّار لم تخلق إلّا لهما) ([14]) . وأوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل رحمه الله إلى فراشه فقال: (يا ليت أمي لم تلدني. فقالت له امرأته: أبا ميسرة، أليس قد أحسن الله إليك، هداك للإسلام، وفعل بك كذا؟ قال: بلى، ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار، ولم يبين لنا أنا صادرون عنها) ([15]) .
وقال إبراهيم التيمي رحمه الله: (شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت وذكر الموقف بين يدي الله تعالى) ([16]) .
[تبيه] المؤمن يجمع بين خُلقي الخوف والرجاء، قال أبو علي الروذباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائرُ في حدِ الموت ” أهــ([17]) . وقد ورد في كتاب الله تعالى الكثير من الآيات الكريمة التي جمع الله فيها بين الخوف والرجاء، ليكون الإنسان بين الخوف والرجاء، قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [الحجر: 49-50]، وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165]، وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6], وقال-تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]، ومقام الخوف من الجليل سبحانه له عند الله تعالى الأجر العظيم، وهو من أخلاق المحسنين أصحاب أعلى الدرجات في الجنة، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، وقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 46 إلى 78]، جاء في صفوة التفاسير للشيخ محمد على الصابوني: [[[ولمن خاف مقام ربه جنتان] أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنة لسكنه، وجنة لأزواجه وخدمه، كما هي حال ملوك الدنيا، حيث يكون له قصر ولأزواجه قصر [فبأي آلاء ربكما تكذبان] (أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن؟) ثم وصف تعالى الجنتين فقال: [ذواتا أفنان] أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة، قال في البحر: وخص الأفنان – وهي الغصون – بالذكر لأنها التى تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال، وتجنى الثمار، [فبأي آلاء ربكما تكذبان] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن، [فيهما عينان تجريان] أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، تجري بالماء الزلال، كقوله تعالى: [فيها عين جارية] قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتعمر من جميع الألوان قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [فيهما من كل فاكهة زوجان] أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروف، وغريب لم يعرفوه في الدنيا، [فبأي آلاء ربكما تكذبان] [متكئين على فرش بطائنها من إستبرق] أي مضطجعين في جنان الخلد، على فرش وثيرة بطائنها من ديباج – وهو الحرير السميك – المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها، لأن البطانة إذا كانت بهذا الوصف، فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ وقال ابن عباس: لما سئل عن الآية: ذلك مما قال الله تعالى: [فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين]، [وجنى الجنتين دان] اي ثمرها قريب يناله القاعد، والقائم، والنائم، بخلاف ثمار الدنيا، فإنها لا تنال إلا بكد وتعب، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولى الله، إن شاء قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء مضطجعا، [فبأى آلاء ربكما تكذبان]، [فيهن قاصرات الطرف] أي في تلك الجنان نساء قاصرات الطرف، قصرن أعينهن على أزواجهن، فلا يرين غيرهم، كما هو حال المخدرات العفائف، [لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان] أي لم يمسهن ولم يجامعهن أحد قبل أزواجهن، لا من الإنس ولا من الجن، بل هن أبكار عذارى، [فبأي آلاء ربكما تكذبان] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن؟ [كأنهن الياقوت والمرجان] أي كأنهن يشبهن الياقوت والمرجان، في صفائهن وحمرتهن، وفي الحديث: (إن المرأة من نساء أهل الجنة، ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير، حتى يرى مخها) [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [هل جزاء الإحسان إلا الإحسان] أي ما جزاء من أحسن في الدنيا، إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قال أبو السعود: أي ما جزاء الإحسان في العمل، إلا الإحسان في آلثواب والغرض أن من قدم المعروف والإحسان، استحق الإنعام والإكرام، [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [ومن دونهما جنتان] أي ومن دون تلك الجنتين في الفضيلة والقدر، جنتان أخريان، قال المفسرون: الجنتان الأوليان للسابقين، والأخريان لأصحاب اليمين، ولا شك أن مقام السابقين أعظم وأرفع، لقوله تعالى: [فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة؟ وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة؟ والسابقون السابقون أولئك المقربون]، [فبأي آلاء ربكما تكذبان] أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإنس والجن؟ [مدهامتان] أي سوداوان من شدة الخضرة والرى، قال الألوسي: والمراد أنهما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، وذلك من كثرة الرى بالماء، [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [فيهما عينان نضاختان] أي فوارتان بالماء لا تنقطعان، وقال ابن مسعود وابن عباس: تتضج على أولياء الله بالمسك والعنبر، والكافور في دور أهل الجنة كزخ المطر، [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [فيهما فاكهة ونخل ورمان] أى في الجنتين من أنواع الفواكه كلها، وأنواع النخل والرمان، وإنما ذكر النخل والرمان، تنبيها على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه، [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [فيهن خيرات حسان] أي في تلك الجنان نساء صالحات، كريمات الأخلاق، حسان الوجوه، [فبأي آلاء ربكما تكذبان]، [حور مقصورات فى الخيام] أي من الحور العين المخدرات المستورات، لا يخرجن لكرامتهن وشرفهن، [فبأى آلاء ربكما تكذبان]، [لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان] أي لم يجامعهن ولم يغشهن أحد قبل أزواجهم، لا من الإنس ولا من الجن، الجنتان المذكورتان أولا للسابقين، والجنتان المذكورتان ثانيا لأصحاب اليمين، وانظر كيف جعل أوصاف الجنتين الأوليين، أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما، فقال هناك: [فيهما عينان تجريان] وقال هنا: [فيهما عينان نضاختان، والجري أشد من النضخ، وقال هناك: [فيهما من كل فاكهة زوجان] وقال هنا: [فيهما فاكهة ونخل ورمان] والأول أعم وأشمل، وقال في صفة الحور هناك: [كأنهن الياقوت والمرجان] وقال هنا: [فيهن خيرات حسان] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، فالوصف هناك أبلغ، وقال هناك في وصف الفرش: [متكئين على فرش بطائنها من استبرق] وهو الديباج وقال هنا: [متكئين على رفرف خضر] ولا شك في أن الفرش المعدة للاتكاء، أفضل من الوسائد الخضر من وسائد الجنة، [وعبقرى حسان] أي وطنافس ثخينة مزخرفة، محلاة بأنواع الصور والزينة، [فبأي آلاء ربكما تكذبان] أي فبأي نعمة من نعم الله تعالى تكذبان يا معشر الإنس والجن، [تبارك اسم ربك] أي تنزه وتقدس الله العظيم الجليل، وكثرت خيراته وفاضت بركاته، [ذي الجلال والإكرام] أي صاحب العظمة والكبرياء، والفضل والإنعام]] ([18]) . [ومما جاء عن الخوف في السنة المشرفة]: أخرج أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: قَول الله عز وجل {وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ} أهو الذي يزني، ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا أبنة الصدّيق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي، ويصدّق، ويخاف ألا يقبل منه) ([19]) .وأخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله e يقول: (إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل، يوضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدا أشدّ منه عذابا”، وإنه لأهونهم عذابا) ([20]) .وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله e خطبة، ما سمعت مثلها قط، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله e وجوههم ولهم خنين) ([21]) .
اللهم ارزقنا الخوف والرجاء، اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلانية , واجعل خير أعمالنا خواتيمها , وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
([1]) تنبيه الغافلين: ص 390 ـ 391.
([2]) سنن الترمذي 4/175 ح 1639.
([3]) شعب الإيمان 1/485 ح 786.
([6]) حلية الأولياء (1/52)، شعب الإيمان (1/485).
([8]) سير أعلام النبلاء 2/368.
([10]) المعجم الكبير للطبراني 7/499، حلية الأولياء 1/133.
([11]) مصنف ابن ابي شيبة 7/103، حلية الأولياء 1/164.
([12]) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص 163.
([13]) التخويف من النار لابن رجب ص 31.
([17]) مدارج السالكين، ج 2: 36.
([18]) صفوة التفاسير 3/281- 284.
([19]) مسند أحمد 42/465 ح 25704. المستدرك للحاكم 2/427 ح 3486.