الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الرابع عشر من أخلاق المسلم مع الله: الرجاء في الله والرغبة فيما عند الله: الرجاء: هو الطمع في فضل الله ورحمته، وهو الثقة بجود الرب تبارك وتعالى.
[معنى الرجاء]: الرجاء المحمود هو الطمع والأمل في الله تعالى، وحسن الظن به، والرجاء الممدوح لا يكون إلا مع إحسان العمل، كما قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أّحَداً}، فمن أساء العمل متعمدا على الرجاء وسعة رحمة الله عز وجل فهو في عداد المغرورين الحمقى، وعمله هذا من باب التمني لا من باب الرجاء، وقد بين الله تعالى أن الذين يستحقون أن يرجوا رحمة الله هم أهل الايمان والعمل الصالح والمجاهدة، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ يرْجُونَ رَحْمَتَ الله} فأما من ينهمك فيما يكرهه الله تعالى، ولا يذمُّ نفسه عليه، ولا يعود على التوبة والرجوع، فرجاؤه المغفرة غرور واتكال، قال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب، على رجاء العفو من غير ندامه، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط، ولله در القائل: (ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها… إن السفينة لا تجري على اليبس). والرجاء الصحيح من الايمان لأنه يضادّ اليأس والقنوط، والله تعالى يقول عن اليائسين القانطين: {إنَّهُ لا يَيْأَسُ من رَّوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافرُونَ}، ويقول جل شأنه: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}، وخلق الرجاء من أخلاق الأنبياء الداعين إلى الله رب العالمين قال إبراهيم –عليه السلام- كما جاء في القرآن الكريم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} .وخلق الرجاء من أخلاق المؤمنين المجاهدين قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما} [النساء: 104]، وخلق الرجاء من أخلاق المؤمنين العاملين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر: 29], وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110]، وخلق الرجاء من أخلاق أهل العلم العارفين بالله، قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، وخلق الرجاء هو خلق المقتدين بالحبيب محمد-e– قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}[الأحزاب: 21].
ولا يُحرم من خلق الرجاء إلا الكافرون، قال تعالى: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7], وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15], وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21]، وقال تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11]، والمؤمن يجمع بين خُلقي الخوف والرجاء، قال أبو علي الروذباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائرُ في حدِ الموت ” أهــ([1]) .
وقد ورد في كتاب الله –عز وجل- الكثير من الآيات الكريمة التي جمع الله فيها بين الخوف والرجاء، ليكون الإنسان بين الخوف والرجاء، قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [الحجر: 49-50]، وقال-تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} [الأعراف: 56]، وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165]، وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6], [تنبيه]: من معاني الرجاء في الله تعالى الرغبة فيما عند الله، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، وقال تعالى: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ}، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}، وقال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع، والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه، والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئا هرب منه.
[والفرق بين الرجاء والتمني]: هناك فرق بين الرجاء والتمني، فالرجاء تمن مع الجد والعمل والتوكل، والتمني: رجاء مع الكسل والتواكل، والرجاء لا يكون إلا مع البذل الجهد، وحسن التوكل على الله تعالى، [ومن أعظم آيات الرجاء في القرآن الكريم]: قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقوله تعالى: {إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}، [ومن أعظم أحاديث الرجاء في السنة المشرفة]: أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ e قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبه، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد) ([2]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ e قال: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني) ([3]) . وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي e قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل) ([4]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، ان رحمتي تغلب غضبي) ([5]) . وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إن لله تعالى مائة رحمه، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة) ([6]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي e قال: (لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم) ([7]) . وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله e يقول: (يُدني المؤمن يوم القيامة من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: ربي أعرف، فيقول: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته) ([8]) . وأخرج مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي e قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس عن مغربها ) ([9]) .إذن أين نحن من خلق الرجاء في الله، والطمع في فضل الله ورحمته، والثقة برحمة الرب تبارك وتعالى، لقد نادانا القرآن الكريم بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 53 إلى 55]، والمعنى: [قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم] بشر يا أيها الرسول عبادي المؤمنين، الذين أفرطوا في الجناية على أنفسهم بالمعاصي والآثام، وقل لهم: [لا تقنطوا من رحمة الله] أي لا تيأسوا من مغفرة الله ورحمته [إن الله يغفر الذنوب جميعا] أي إنه تعالى يعفو عن جميع الذنوب لمن شاء، وإن كانت مثل زبد البحر، [إنه هو الغفور الرحيم] أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، [وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له] أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له، بالطاعة والخضوع؟ والعمل الصالح، [من قبل أن يأتيكم العذاب] من قبل حلول نقمته تعالى بكم [ثم لا تنصرون] أي ثم لا تجدون من يمنعكم من عذابه [واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم] أي اتبعوا القرآن العظيم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهية، والزموا أحسن كتاب أنزل إليكم فيه سعادتكم وفلاحكم [من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون] أي من قبل أن ينزل بكم، العذاب فجأة، وأنتم غافون، لابد من الرجاء في رحمة الله مع التعجيل بالتوبة العمل الصالح، لأن رحمة الله قريب من المحسنين.
[ما هي علامات صحة الرجاء]: (أولا) الاقبال على الله عز وجل بالعبادة والطاعة: قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، (ثانيا) الدعاء وكثرة اللجوء إلى الله تعالى: قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}، (ثالثا) اتباع السنة: لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَّن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}، (رابعا): قصر الأمل: قال تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ}، [الرجاء في الله خلق لا يستغني عنه المسلم]، ومعناه: تحسين العبد الظن بربه حين غلبة المخاوف عليه، وكان السلف الكرام يغلبونه حال الاحتضار حين يكون منهم الخوف من سوء الخاتمة، والخوف والرجاء جناحان للعبد يطيران به إلى رضى الله تعالى، وأجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل، وإلا كان غفلة، كما أنّ الرجاء مع فعل المعاصي وترك الطاعات غرور، وحال السلف (بين الخوف الرجاء) هو: تغليب الرجاء في زمن الشدائد، وخاصة عند الاحتضار، و تغليب الخوف في زمن الأمن والحياة، والجمع بينهما فيما بين الحالين السابقتين، قال يحيى بن معاذ: لقد رجوت ممن ألبسني بين الأحياء ثوب عافيته أن لا يعذبني بعد الممات، وقد عرفت جود رأفته، وكان يقول: إلهي: إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك، فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضل سعتك، إلهي: لولا ما عرفت من عدلك ما خفت من عذابك، و لولا ما عرفت من فضلك ما رجوت ثوابك، إلهي: إن كنت لا تعفو إلا عن أهل طاعتك، فإلى من يفزع المذنبون؟ وإن كنت لا ترحم إلا أهل تقواك، فبمن يستغيث المسيؤون؟، وهذا أبو عبد الرحمن السلمي لما حضره الموت دخل بعض الناس يرجون، فقال: أنا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضانًا، والرجاء ثلاثة أنواع، قال ابن القيم في مدارج السالكين: (والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم، فالأول: رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها؛ فهو راج لمغفرة الله، تعالى، وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه، والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب) اهـ([10]) .ومن أقوال العارفين في الرجاء، قال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على الإمام مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا: يا أبا عبد الله كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم؛ إلا إنكم ستعاينون غدًا من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب، قال: ثم ما برحنا حتى أغمضناه، وقال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، راجيًا لله، حسن الظن به، وقال ابن المبارك: (جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم)، قال حماد بن سلمة: (والله لو خيرت بين محاسبة الله لي، وبين محاسبة أبوي، لاخترت محاسبة الله؛ وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي)، وقال يحيى بن عون: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض، فقال: ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله، قال له سحنون: ألست مصدقًا بالرسل والبعث والحساب، والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا نخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا؟ قال: إي والله، فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت، وقال معتمر بن سليمان بن طرخان: قال لي أبي عند موته: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى، وأنا حسن الظن به، وقال شعيب بن حرب لرجل: إن دخلت القبر ومعك الإسلام فأبشر، ورحم الله الشافعي، فما أجمل شعره، وكان يقول: (ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي… جعلت رجائي دون عفوك سلما… تعاظمني ذنبي فلما قرنته… بعفوك ربي كان عفوك أعظما… فما زلت ذا عفو عن الذنب لم… تزل تجود وتعفو منة وتكرما… فإن تنتقم مني فلست بآيس… ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما… وإني لآتي الذنب أعرف قدره… وأعرف أن الله يعفو ترحما)، لقد عاش السلف الكرام مع الرجاء، رجاء في قول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، وقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، ومع رجائهم كانوا سباقين إلى كل طاعة وبر، مصداقا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، وكان هديهم رضي الله عنهم: الجمع بين الخوف والرجاء، والجمع بين الترغيب والترهيب، لأنّ إدامة الترغيب وحده قد يجعل النفس تركن إلى الرجاء وحسن الظن وتقصر في العمل، وفي إدامة الترهيب من وعيد الله وحده قد تقنط النفس من روح الله وتيأس من رحمته، فلا بد من الجمع بين الخوف والرجاء، قال ابن القيم في مدارج السالكين: (القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر) ([11]) .، وقال بعض أهل العلم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد)، وقال الطحاوي في عقيدته: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) ([12]) .
فيجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله، فهو راج لمغفرته، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} [البقرة: 218]، أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب، وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] الآية وقال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، [السجدة: 16، 17]. فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا، والمسلم في سفره الى الله عز وجل يحتاج الى (الخوف والرجاء) فالخوف يحجزه عن المعصية، والرجاء يمنعه من القنوط واليأس، والقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس، مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان أو أحدهما فهو عرضه لكل صائد وكاسر، وأكمل أحوال القلب: اعتدال الرجاء والخوف، قال الواسطي:الخوف والرجاء زمامان على النفوس، لئلا تخرج إلى رعونتها، وقال أبو عثمان المغربي: من حمل نفسه على الرجاء تعطّل، ومن حمل نفسه على الخوف قنط، ولكن من هذه مرة، ومن هذه مرة، اللهم ارزقنا الحب والخوف والرجاء، اللهم ارزقنا الخوف منك والرجاء فيما عندك وحسن التوكل عليك يا أرحم الراحمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) مدارج السالكين، ج 2: 36.
([2]) صحيح مسلم 4/2109 ح 2755.
([3]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405، صحيح مسلم 4/2061 ح 2675.
([4]) صحيح مسلم 4/2205 ح 2877.
([5]) صحيح البخاري 9/120 ح 7404، صحيح مسلم 4/2107 ح 2751.
([6]) صحيح مسلم 4/2108 ح 2753.
([7]) المصدر السابق 4/2106 ح 2749.