الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق السابع عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق اليقين في الله وفيما عند الله اليقين هو سكون القلب واطمئنانه إلى الله، واليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , وخلق عظيم من أخلاق أهل التقوى والإحسان , قال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 4، 5]، ولقد كان من دعاء النبي e: (اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا ,) ([1]) .
و[اليقين] هو حال الأئمة المهديين الذين تقوم على أكتافهم دعوة الإسلام، هؤلاء الأئمة الربانيين الذين يمتلئون يقيناً بالله عز وجل وبنصر الله عز وجل، قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، واليقين هو مَقامُ الإِحسان، الذي شرحه النبي e بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([2]) .
كما أن اليقين هو استقرارُ العِلْم الذي لا يتغيَّرُ في القَلْب، واليقين: نقيض الشك، كما أنّ العلم نقيض الجهل، ولهذا يقول المشركون في إيمانهم بالساعة: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}، واليقين هو تصديق جازم لا يقبل الشك، واليقين هو العلم دون شك، واليقين: هو تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب، واليقين: رؤية العيان بنور الإيمان، اليقين: ارتفاع الريب في مشهد الغيب، والقرآن الكريم يمتدح أهل اليقين، قال تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، ويذم من لا يقين عنده، كما في قوله تعالى:} أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ}، وجاء عن النبي e عددٌ كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر فيها فضل اليقين ومنزلته وشرفه: كما في حديث أبي هريرة قال: أعطاني النبي e نعله، وقال لي: (اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) ([3]) . أي من كانت هذه صفته فبشره بدخول الجنة، وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم، لقد خص الله تعالى أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}، وخصَّ أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالَمين، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وأخبر عن أهل النار أنهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}، وأخبر أنّ الله تعالى بين الدلالات الواضحة لأهل اليقين، قال الله تعالى: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} أي بينا العلامات والدلالات الواضحة لمن آمن وصدق واتبع نور الوحي بكليته، والمؤمنون وحدهم هم الذين يعلمون أنها آيات من ربهم فيتعاملون معها بيقين لا يتزعزع، إذ جعل الله لهم بصائر من عنده يتبصرون بها، قال تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}، وكان من دعاء النبي e فيما يرويه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلَّما كان رسول الله e يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدَّعوات لأصحابه: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ بيننا وبين معاصِيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا) ([4]) . ويتجلى يقين نبينا محمد e حينما يشتد به الكرب فيبدو يقينه مثالاً يحتذى، ولا كرب أشد من ساعة الهجرة حين يقول له الصديق: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، والرسول e يهدئ من روعه: (يا أبا بكرٍ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا)
و[مراتب اليقين ثلاثة]: تحدث القرآن الكريم عن اليقين وعن أقسامه الثلاثة ففي سورة التكاثر أشار إلى: (علم اليقين) و (عين اليقين)، فقال تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} وفي سورة الواقعة أشار إلى “حق اليقين” فقال تعالى: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} وفي سورة الحاقة قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}، بدأ القرآن الكريم بعلم اليقين وهو الخبر الموثوق، ثم عين اليقين وهي المشاهدة العيانية للحدث، ثم حق اليقين وهي أن تعيش الحدث بنفسك وتتلمس تفاصيله بشكلٍ مباشر، فاليقين على ثلاث مراتب بعضها فوق بعض، فأدنى مراتب اليقين هي: (علم اليقين)، وفوقه (عين اليقين)، وأعلى المراتب هي: (حق اليقين)، فعلم اليقين: هو التصديق الكامل الجازم الذي لا تردد فيه، بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة، ولا ريب بحالٍ من الأحوال، فينكشف بذلك المعلوم للقلب، فيصير بمنزلة المُشَاهِد له فلا يشك فيه أبداً، وذلك كعلمنا بالجنة: بوجودها ونعيمها كما أخبرنا الله عز وجل، فنعلم أنها دار المتقين، ومقر المؤمنين، فهذه مرتبة علم اليقين، ثم إذا كان اليوم الآخر، ورأينا الجنة بأعيننا، فإن هذه المرتبة هي مرتبة عين اليقين، والفرق بين هذه المرتبة والتي قبلها هو كالفرق بين العلم وبين المشاهدة، فموسى عليه السلام أخبره الله عز وجل – وهو أصدق القائلين- أن قومه قد عبدوا العجل فما ألقى الألواح، فلما قدم ورأى قومه يعبدون العجل بعينه؛ ألقى الألواح، وغضب، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ولهذا قال النبي e: {لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ}([5]) .
وهذه المرتبة: مرتبة عين اليقين هي التي سألها إبراهيم e ربه فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، فإبراهيم e كان كامل الإيمان واليقين، ولكنه أراد أن ينتقل من مرتبة إلى أخرى أعلى منها، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فيرى ذلك بأم عينه، لينضم إلى المعرفة الإيمانية المجردة المعرفة اليقينية المشاهدة، وأما المرتبة الثالثة فهي: مرتبة حق اليقين: وهي مباشرة الشيء بالإحساس فعلاً، وذلك حين يكون أهل الجنة في وسطها، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين، وقد ضرب بعض أهل العلم مثالا لذلك، قال الفيروزآبادي: (والفَرْقُ بين عِلْم اليَقِين وعَيْن اليقين كالفَرْقِ بين الخَبَر الصادِق والعَيان، وحَقُّ اليَقين فَوْقَ هذا. وقد مُثِّلَت المراتب الثلاثة بمن أَخبرك أَنَّ عنده عَسَلاً وأَنت لا تَشُكَّ فى صِدْقه، تمَّ أَراك إِيّاه فازددت يقيناً، ثم ذُقْت منه، فالأَوّل عِلْمُ يَقِين، والثاني عَيْنُ يَقِينٍ؛ والثالث حَقُّ يَقِين. فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار عِلْمُ يَقينٍ، فإِذا أَزْلِفَتِ الجنَّة في المَوْقف وشاهَدَها الخلائِقُ، وبُرِّزت الجَحيم وعاينها الخلائِق، فذلك عَيْنُ اليَقين، فإِذا دخل أَهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأَهلُ النَّار النَّارَ فذلك هو حَق اليقين) ([6]) . والحق أنّ النبي صلى الله عليه بلغ هذه الدّرجة (حق اليقين)، فإِنَّه e رأى بعينه الجنَّة والنَّار، فحصل له حقُّ اليقين.
ولقد ضرب أنبياء الله ورسله الكرام المثل الأعلى في اليقين وحسن الثقة بالله تعالى , فها هو الخليل إبراهيم عليه وسلم يقول عنه القرآن الكريم: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، وحينما حاجه قومه قال لهم في يقين وثبات: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}، وها هو كليم الله موسى عليه السلام يقول لأصحابه حينما أدركهم فرعون فوجدوا البحر من أمامهم والعدو من ورائهم: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء]، وهذا الحبيب محمد e يقول لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار وقد أحدقتم به الإخطار: لا تحزن إن الله معنا، قال سبحانه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [(40) سورة التوبة]، وأهل اليقين هم أهل الإيمان الراسخ بالله تعالى، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
فأهل اليقين يؤمنون بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار , لذا فإن الحياة بما فيها وبمن فيها تهون في أعينهم أمام مرضاة الله تعالى وانتظار الجزاء الأوفى منه سبحانه , ومن ذلك ما أخرجه مسلم من قصة عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ في غزوة بدر، ما كان من يقينه في الله تعالى، فحينما انطلق رَسُولُ اللهِ e وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e: لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، قَالَ: عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بَخٍ. بَخٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ. بَخٍ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، رضي الله عنه) ([7]) .
ومن عظمة خلق اليقين عند الصحابة: ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه حين أتاه كفار قريش وقالوا له: إن صاحبك قد كان يزعم ويزعم أما الآن فقد جاء بأمر عجيب، وما نظنك إلا تكذبه، قال: ما هو؟ قالوا: يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء وعاد في ليلة، فقال رضي الله عنه بكل ثقة يقين: (إن كان قاله فقد صدق) ([8]) . وما روي عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- أنه قال: (لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقيناً) ([9]) . وما روي عن عامر بن عبد القيس رضي الله عنه: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً) ([10]) . وما روي عن أنس بن النضر رضي الله عنه – وقد كان أعرجاً- ذهب إلى معركة أحد فقال له بعضهم: يا أنس إن الله قد عذرك: {وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]، فقال: (والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة، فقال e: لقد رأيته في الجنة وما به عرج) ([11]) .
ومن أعظم اليقين ما كان من موقف السحرة مع موسى وهارون عليهما السلام: قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 65 إلى 76]، (لما القى موسى العصا صارت ثعبانا عظيما هائلا، ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي، حتى لم تبق شيئا الا ابتلعته، والناس ينظرون الى ذلك عيانا نهارا، فلما عاين السحرة ذلك، وشاهدوه علموا علم اليقين، ان هذا ليس من قبيل السحر والحيل، وانه حق لا مرية فيه، فعند ذلك وقعوا سجدا لله، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، قال ابن عباس: كانوا اول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة، هددهم فرعون بعذاب الدنيا، فقال: [فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى]؟ [قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات] لن نختارك ونفضلك على الهدى والايمان، الذي جاءنا من الله، ولو كان في ذلك هلاكنا، [والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا، وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) يا سبحان الله هكذا يفعل اليقين في الله وفيما عند الله، هان عليهم عذاب فرعون، وهانت الدنيا عندما أيقنوا في ثواب الله،.
ومن أعظم اليقين ما كان من موقف مؤمن سورة يس،: قال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِـنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 20 إلى 27]، [وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى (رجل يعدو، يسرع في مشيه) [قال يا قوم اتبعوا المرسلين] أي اتبعوا الرسل الكرام الداعين إلى توحيد الله، [اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون] أي اتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين المخلصين، الذين لا يسألونكم أجرة على الإيمان، وهم على هدى وبصيرة، فيما يدعونكم إليه من توحيد الله، [وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون] كأنه ينصح نفسه، ويختار لهم ما يختار لنفسه، والمعنى: أي شيء يمنعني من أن أعبد خالقي الذي أبدع خلقي؟ وإليه مرجعكم بعد الموت فيجازي كلا بعمله؟ [أأتخذ من دونه آلهة] كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع ولا تنفع، ولا تغني عن عابدها شيئا؟ [إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا] أي هي في المهانة والحقارة، بحيث لو أراد الله أن ينزل بي شيئا من الضر والأذى، وشفعت لي لم تنفع شفاعتهم، ولم يقدروا على إنقاذي، فكيف وهي أحجار لا تسمع، ولا تنفع ولا تشفع؟ [ولا ينقذون] لا يقدرون على إنقاذي من عذاب الله، [إني إذا لفي ضلال مبين] إني إن عبدت غير الله واتخذت الأصنام آلهة، لفي خسران ظاهر جلي، [إني آمنت بربكم فاسمعون] أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم، فاسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي، قال المفسرون: لما قال لهم ذلك ونصحهم وأعلن إيمانه، وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه أذاهم، وقيل: رموه بالحجارة حتى مات، [قيل ادخل الجنة] أي فلما مات قال الله له: ادخل الجنة مع الشهداء الأبرار، جزاء على صدق إيمانك وفوزك بالشهادة، [قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين] أي فلما دخل الجنة وعاين ما أكرمه الله بها لإيمانه وصبره، تمنى أن يعلم قومه بحاله، ليعلموا حسن مآله، قال ابن عباس: نصح قومه في حياته، ونصحهم بعد مماته، هكذا خلق اليقين وما يفعل في أصحابه([12]) .
[من ثمرات اليقين]: إن اليقين يورث صاحبه أموراً جليلة عظيمة، ويؤثر في سلوكه تأثيراً عجيباً؛ فهو يزيد العبد المسلم قربة من الله عز وجلّ وحبًّا ورضاً بما قدره وقضاه، ويزيد صاحبه استكانة وخضوعاً لربه جل جلاله، كما أنه يكسبه رفعة وعزة، ويبعده عن مواطن الذل والضعة، ونجمل هنا من ثمرات اليقين ما يلي: أولاً: يورث صاحبه الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة، ومعلوم أن الفلاح هو تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، ولهذا قال الله عز وجل عن المؤمنين: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، أخرج الإمام أحمد عن الحسن: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس فقال: قال رسول الله e: (يا أيها الناس إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيراً من اليقين والمعافاة فسلوهما الله عز وجل) ([13]) .
ثانياً: أنه يورث صاحبه الزهد في الدنيا وقصر الأمل، فلا تتعلق نفسه بها، ولا يتشبث بُحطامها، وإنما يكون زاهداً فيها؛ لأنه يعلم أنها ليست موطناً له، ولأنه يعلم أنها دار ابتلاء، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب، ولهذا لما قال النبي e لأصحابه: (قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) ([14]) .وهذا الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه حين طعن في ظهره غدراً يوم حادثة بئر معونة فما كان منه إلا أن هتف قائلاً: (فزت ورب الكعبة) ([15]) .فأي مدى من اليقين بالله بلغه أصحاب النبي e.
ثالثاً: الانتفاع بالآيات والبراهين، فالله عز وجل يقول: {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}، صاحب اليقين يرى في كل شيء آيات دالة على وجود الله، مصداقا لقوله تعالى: {وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون}، وأما الغافل: فهو ينظر إلى هذه الأشياء، ولا يُحرك ذلك في قلبه ساكناً، ولهذا يقول الله عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}
رابعاً: أن اليقين إذا تزوج بالصبر فإنه يولد بينهما الإمامة في الدين؛ قال الله عز وجلّ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فشرط الإمامة في الدين الصبر واليقين، اللهم إنا نسألك يقيناً لا يخالطه شك، ونسألك إيماناً لا يخالطه شرك، ونسألك الصدق في حبك والشوق إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) السنن الكبرى للنسائي 9/154 ح 10161.
([6]) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (الفيروزآبادي) 5/402.
([7]) صحيح مسلم 3/1509 ح 1901.
([8]) تفسير ابن كثير 5/14، سير اعلام النبلاء 1/202.
([11]) السنن الكبرى للبيهقي 18/84 ح 17880.البداية والنهاية لابن كثير 5/418.