المبحث الواحد والعشرون الصوفية وأحكام التوحيد والشرك
[المفتاح الأول]: لقد أكرم الله تعالى أهل التصوف بفقه مسائل وأحكام علم التوحيد، اعتقادا وشهودا، هم أهل الفهم الواسع لحقائق التوحيد، وأنه يشمل الدين كله، إذ التوحيد هو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بالتوحيد وحقائقه سوى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، ولا يجزئ عن شهادة (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا كمال إلا لله)، وما ذاك إلا لأنّ قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، ف (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال فلا خالق إلا الله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، لقد أكرم الله تعالى أهل السنة بجمع تلك المباحث وصياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن تهمل أي قسم منها، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام، ووضعوا لكل قسم ضوابطه التي تمنع من الغلو فيه، وبهذا يخرج دارس علم التوحيد على علم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة، بلا غلو ولا تقصير، وبلا إفراط ولا تفريط، وفي المقابل انحرف الوهابيون في باب التوحيد بسبب اتباع المتشابهات من آيات التوحيد والشرك، فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة حقيقة الشرك، ولا حقائق التوحيد، وما دروا حقيقة الإسلام، ولا ما هو إطاره الواسع الذي يدخل فيه كل مسلم.
[المفتاح الثاني]: إن علم التوحيد من أهم العلوم التي يؤدي غيابها إلى وجود خلل الفكري والعقدي عند بعض فرق المسلمين، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في اتهام الامة بالشرك الأكبر ومن ثم استحلال حرمات ومحارم أهل الإسلام، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يحتم علينا استيعاب عدة معان تستوفيها شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): أولها: توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وثانيها: توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى، وثالثها: توحيد الله تعالى في صفاته، ورابعها: توحيد الله تعالى في أفعاله، وخامسها: توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه، فلا رب للعالمين سواه، وسادسها: توحيد الله تعالى في عبوديته، فلا معبود بحق إلا إياه، وسابعها: البراءة من الشرك في الإلهية بجميع أقسامها.
[المفتاح الثالث]: لقد تسبب الذهول (أولا) عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد عند الوهابية، إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بأهم جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين، والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد الذات) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف أهل السنة والجماعة، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك، إنّ دراسة علم التقديس (قسم توحيد جناب الذات) هو عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف، وذلك لأنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، إن معرفة قسم توحيد جناب الذات من أقسام التوحيد يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان، ولأن المكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها.
[المفتاح الرابع]: أيضا فإن الذهول عن فقه توحيد العبودية عند الوهابية آثاره خطيرة، لأنّ الفقيه ينبغي أن يفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، وبين صور العبادة التي تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال، إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[المفتاح الخامس]: لقد أخطأ الوهابية في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو اعتقاد ألهيتهم من دون الله، وقد كانوا يسمونها آلهة ويعبدونها ويظنون فيها النصر والعزة، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74)} [يس: 74]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى حكاية عن اعتقادهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والمسلم يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [فاطر: 10]، والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8]، ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[المفتاح السادس]: أسس وركائز اعتمدها أهل التصوف تمنع من الغلو في توحيد الربوبية: المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} [آل عمران:80]، وقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)[التوبة: 31،]، وقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة (منها): اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، و(منها): اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، و(منها): اعتقاد المشركين بوجود الند لله:، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، و(منها): أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك.
[المفتاح السابع]: معنى العبودية والمقصود من توحيد العبودية عند اهل التصوف: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، إذ قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم، فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، كذلك: الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة.
[المفتاح الثامن]: خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح التاسع]: تعريف العبادة عند اهل التصوف: التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر، ولهذا فإن تعريف العبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[المفتاح العاشر]: أسس وركائز عند أهل التصوف تمنع من الغلو في توحيد العبودية:
(أ) الاعتقاد هو الضابط في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
(ب) العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
(ت) من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة.
(ث) ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، (ج) ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الأكبر.
(ح) وما قيل في السجود يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة، (خ) وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الأكبر.
(د) وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]، وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب.
(ذ) إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
[المفتاح الحادي عشر]: ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل عند اهل التصوف: الشرك قسمان: أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله، وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد: ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك: قولهم أنّ: الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله، لا يمكن أن يقال له: لا بل أنت مشرك، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد(لا إله إلا الله) مسلم، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر، ففي صحيح مسلم: (إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) ([1]) .
[المفتاح الثاني عشر]: جهود اهل التصوف في بيان أخطاء الوهابية في باب الشرك:
[1] من ذلك خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والمسلم يعتقد أنّ: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات، والمسلم يوحد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته، كالعزى من العزيز، ويلحد في صفاته وأفعاله، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى – وهم يتعاتبون في النار -: {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين} [الشعراء: 97، 98]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8]، ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.[2] ومن تلك الأخطاء في باب الشرك: خطأ من اعتقد أن الشفاعة الإسلامية لها علاقة بالشرك: الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك: هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقوله تعالى {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته، فهذه شفاعة شرك وكفران، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فالمشركون – كما تدل الآية -: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله، تعالى الله عما يشركون، مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
[3] ومن تلك الأخطاء في باب الشرك: خطأ المقارنة بين التوسل وبين الشرك بالله:
(أ) التوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة): إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لحال أمته، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وآله وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة.
(ب) الخطأ في فهم المقصود من التوسل: ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك، والمعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام.
***