الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: تتمة بيان: الخلق الثامن عشر من أخلاق المسلم مع الله: العلم الراسخ بالله تعالى وتقدس:
وفي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله الرد على بعض اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه، وذلك تتمة في الحرص على تحلي المسلم بخلق التقديس والتسبيح لجناب الله تعالى وتقدس، حل اشكالية الصورة في حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث، وحل اشكالية المكان في حديث: (أين الله) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث، وحل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون.
[(أولا): حل اشكالية الصورة في حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا] والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات الجارحة والصورة والشكل، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث]: [روايات الحديث]: (الرواية الأولى): رواية صحيحة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([1]) . و(الرواية الثانية): رواية صحيحة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([2]) .و(الرواية الثالثة): رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال: أخرج عبدالله بن أحمد في السنة وابن أبي عاصم في السنة ، من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) ([3]) . قلت: هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: وأعله بأربعة علل، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ([4]) .وهو ممن تأول الحديث – الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، والرابعة ذكرها الألباني، وهي: جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم وكذا اللالكائي – بلفظ (على صورته) ولم يذكر (على صورة الرحمن) ولفظ (على صورته) هو الصحيح المحفوظ عن النبي e من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة ([5]) .
قلت: ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (على صورة الرحمن) لا يصح البتة، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح: (على صورته) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه : (عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن)، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث، وفي جميع أجوبته نظر، ثم ما الطائل وراء ذلك ؟، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف تلك العقيدة بقول: ليس كمثله شيء
[المفتاح الأول]:قوله e: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله e (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
[المفتاح الثاني]: قوله e: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله e (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة.
[المفتاح الثالث]: لفظ (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) مع ضعفه البين، فإن له – إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه – مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فقوله e: (خلق آدم على صورته) يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها.
[المفتاح الرابع]: وهو حمل المتشابه على المحكم، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين المادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم، تنزه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوق.
[(ثانياً): حل اشكالية المكان في حديث: (أين الله)] والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث]:حديث الجارية مشهور وله روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بألفاظ مختلفة، (الأولى) بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) و(الثانية): بلفظ (من ربك)، و(الثالثة): بلفظ (أين الله)، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) بقولها (نعم) و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) بقولها (في السماء) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم e بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم e بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي.
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، وجاء بلفظ (أين الله) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
روايات الحديث: للحديث عدة روايات اجتهدت في جمعها من كتب الحديث، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، ورأيت أنها تؤول إلى روايات متعددة لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها، (الرواية الأولى): بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله e بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله e: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله e أعتقها) ([6]) . و(الرواية الثانية): بلفظ (من ربك)، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ([7]) .و(الرواية الثالثة): بلفظ (أين الله)، وهي رواية صحيحة أيضا أخرجها مالك في موطئه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأخرجها الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينما أنا أصلي مع رسول الله e إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله e فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله e، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله e فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([8]) .
و(روايات أخرى للحديث): منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً ، وفيه: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء؟ قالت الله. قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة) ([9]) .وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن، ، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى النبي e وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة)، ([10]) فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها: (فأشارت إلى السماء) ([11]) .
[المفتاح الأول]: (مفتاح حل الإشكال في الروايات): الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين – سوى ابن مالك – ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي: (أ) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (من ربك) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ب) رواية (من ربك) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ت) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ث) رواية (أين الله؟ قالت في السماء) ورواية (أين الله؟ فأشارت إلى السماء) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف. (ج) رواية (أين الله) عند مسلم تختلف عن رواية (أين الله) عند مالك، فعند مسلم: (يقول وعلي رقبة أفأعتقها وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة) وعند مالك: (يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها. (خ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ (أين الله) لمعرفة معبودها – وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث – لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي e لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([12]) . يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه e على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) ([13]) . ح) لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي e أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله e قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([14]) . وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي e بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ([15]) (خ) لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي e لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([16]) . (د) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
[المفتاح الثاني]: [أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية (أين الله) على أساس ثبوتها]: (أ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله e: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اه([17]) .
(ب) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري: (قوله e للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) أهـ ([18]) .
(ث) وقال العلامة ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب: (الحديث السابع عشر: روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب شاه، (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون) فصككتها صكة، فأتيت رسول الله e فعظم ذلك علي، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله ؟ قالت في السماء، قال من أنا: قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة) قلت: قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها) أهـ([19]) .
[(ثالثاً): حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون]: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([20]) .اللوازم الفاسدة للقول بالنزول الحقيقي: من تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم (أربعة وعشرون ساعة نازل صاعد) وهل يقول بهذا إلا أحمق مجنون، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك، (ث) كما يقول الرازي: أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل، وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى، (ج) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، (ح) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت، (6) حل إشكالية حديث النزول: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([21]) .وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ومعلوم أنّ العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بالعلم الراسخ بجناب ذات الله تعالى وتقدس، ومن أراد التخصص فعليه بكتابي (التجديد في علم التقديس) أو بسماع حلقات التجديد في علم التقديس وكلاهما موجود على شبكة النت موقع دار الإصلاح والتجديد، ومن العلم الراسخ بالله ومن العلم الراسخ بالله العلم بأسماء الله الحسنى، وصفاته وأفعاله وانفراده في ربوبيته لخلقه واستحقاقه وحده للعبودية لا رب غيره ولا معبود بحق سواه ولا إله إلا هو، اللهم ارزقنا العلم الراسخ بك وبأسمائك وبصفاتك وبأفعالك لا إله إلا أنت ولا رب سواك ولا معبود بحق إلا أنت، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يُستجاب لها، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([2]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([3]) السنة لعبدالله بن الامام أحمد1/ 268ح 498. السنة لابن أبي عاصم 1/228 ح 517.
([4]) التوحيد لابن خزيمة 1/85.
([5]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/470، أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3/316.
([6]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارود ص 344.،العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 ، تفسير ابن كثير2/374.، التمهيد لابن عبدالبر6/223.
([7]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([8]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([9]) العلو للعلي الغفار ص 120،تحفة الأشراف 8/426 ح11378.
([10]) مسند أحمد 13/285 ح 7906.
([11]) مصنف عبد الرزاق 9/176 ح 16816.
([12]) سنن الترمذي5: 519ح 3483.
([13]) الاقتصاد في الاعتقاد صـ 36.
([14]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([15]) صحيح البخاري 2/104 ح 1395.
([16]) سنن الترمذي5: 519(3483)
([17]) النووي في شرحه على صحيح مسلم5/22.
([19]) مشكل الحديث وبيانه صـ 159.