الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: تتمة بيان: الخلق التاسع عشر من أخلاق المسلم مع الله: العلم الراسخ بالله، أقول وبالله التوفيق: تحدثت في الدروس الأربعة السابقة عن العلم الراسخ بالله في جناب ذاته {ليس كمثله شيء}، وعن وجوب التخلق بخلق التقديس والتسبيح والتنزيه لجناب ذات الله تعالى تقدس، وفي هذا الدرس أكمل الخلق التاسع عشر من أخلاق المسلم مع الله: العلم الراسخ بالله، وأتناول فيها – بمشيئة الله تعالى –: العلم الراسخ بالله وأسمائه الحسنى، وصفاته وأفعاله وانفراده في ربوبيته لخلقه واستحقاقه وحده للعبودية لا رب غيره ولا معبود بحق سواه ولا إله إلا هو، أقول وبالله التوفيق: ومن العلم الراسخ بالله [العلم بأسماء الله الحسنى]، قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة طه: 8] و قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180]، وقال e (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [متفق عليه]، والأسماء الحسنى لله وحده، لا يشاركه سبحانه فيها بإطلاقها غيره، (الأسماء الحسنى) لله وحده هي وما دلت عليه من صفات الكمال والجلال والإكرام، وعدد الأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله تعالى، كما جاء في حديث الرسول e: (أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) ([1]). ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي e (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([2]). والعلم بأسماء الله الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى، والأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، فكل اسم منها له معنىً لا يتضمنه غيره، [ومن العلم الراسخ بالله: العلم بصفات الله تعالى العلا: إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان صفات ذاته تعالى، فصفة العلم تدلا على أنّ الله تعالى عليم بكل شيء، لا يغيب عن علمه شيء، وصفة الرحمة تدل على أنّ الله تعالى رحيم بعباده وأنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء، والقول في الصفات كالقول في جناب الذات تماماً، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والمقدار، والمثيل والكف والند والشبيه، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات، فعلمه لا حد له، ولا نهاية لمعلوماته، ولو كان لعلمه حد، لما اتصف بالكمال، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان، فإن قبل الزيادة، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً، وإن قبل النقصان فليس بالكمال، وهكذا القول في جميع الصفات، تابعة للذات، وكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكف والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66].
والصفات الواجبة لله تعالى والتي دل على وجوبها العقل الصريح: تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، وهذا بيانها مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها، (تنبيه): الفرق بين الوجوب العقلي والوجوب السمعي: [الحكم العقلي]: ينحصر في ثلاثة أقسام: الوجوب والاستحالة والجواز، ومعنى الوجوب العقلي: هو ما لا يُتصور في العقل عدمه، والمستحيل العقلي: هو ما لا يُتصور في العقل وجوده، والجائز العقلي هو ما يصح وجوده وعدمه، و [الحكم السمعي]، قد يكون للوجوب إذا دل الشرع على وجوبه، وقد يكون للجواز إذا دل الشرع على جواز وجوده وعدمه، وقد يكون للاستحالة إذا دل الشرع على استحالته، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس شرعي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98]، فليس الواجب السمعي ما لا يُتصور عدمه، فإنّ الله تعالى كما هو الرحمن الرحيم، فإنّه شديد العقاب، ولكن الواجب السمعي هو ما دل الشرع على وجوبه، ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا سبع صفات وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى، والمشكلة تكمن في تشغيب الحشوي على تلك المدارس المؤصلة الراسخة في العلم، والواجـــب العقلي في حق الله تعالى: يجب لله تعالى كل كمال يليق بذاته تقدس وتعالى، وكمالات الله تعالى لا تتناهى، ولا يحصرها العد ولا يحيط بها علمنا المحدود، فيجب أن نؤمن بأن كل كمال يليق بذات الله تعالى واجب له، وأن كمالاته سبحانه لا تتناهى، وأصول تلك الكمالات كما ثبتت بالعقل الصريح والنقل الصحيح، والصفات الواجبة لله تعالى من جهة العقل والسمع معاً: تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، وهذا بيانها بالتفصيل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها.
(الصفة الأولى): صفة الوجود: قال تعالى {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الوجود: (أ) وهناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات وهي كل ما عدا الله سبحانه، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود، (ب) وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء، ليس وجوده في مكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في زمان لأنه خالق الزمان , فهو سبحانه قبل الزمان والمكان (ت) الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوه سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء.
(الصفة الثانية) صفة القدم: (الأول بلا ابتداء)، والقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله e: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([3]) . وقوله e: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ([4]) . ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، وقوله e: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([5]) ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدم:
(أ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ، (ب) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، (ت) قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى – وحده سبحانه – هو الأزليٌّ الأبديٌّ بذاته تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا.
(الصفة الثالثة) صفة البقاء: يجب وصف البقاء لله تعالى ومعناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 25]، وقال تعالى:: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ}، وقوله e: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) [أخرجه مسلم]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البقاء: (أ) هناك فرق بين صفة البقاء الله وبين بقاء الجنة والنار وخلود أهل الجنة والنار , فبقاء الله ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء أما بقاء الجنة أو النار فهو بقاء متعلق بإبقاء الله تعالى لها، فهي باقية لأن الله أراد لها البقاء، (ب) وكذلك فإن بقاء الله تعالى أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا بإيجاد الله تعالى لهما.
(الصفة الرابعة) صفة المخالفة للحوادث: ومعناها نفي المشابهة في الذات والصفات والأفعال، فليست ذاته من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله خلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، منزه عن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي لا تعلم له مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله e: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة المخالفة للحوادث: (أ) لو كان القدوس يشبِهُ شيئًا من خلقِهِ لجازَ عليه ما يجوزُ على الخلقِ من التغيُّر والتطورِ والفناءِ، ولو جازَ عليهِ ذلك لاحتاج إلى من يُغَيّرُهُ والمحتاجُ إلى غيره لا يكونُ إلها فثبت أنه لا يشبِهُ شيئًا، (ب) قوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهو أوضحُ دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرءانِ لأنَّ هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة الأجرام والأجسام والأعراضِ فهو تباركَ وتعالى كما لا يشبه ذوي الأرواحِ من إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ وغيرهِم لا يشبهُ الجماداتِ من الأجرامِ العُلوية والسّفلية لا يُشبِهُ شيئًا من ذلك، فالله تبارك وتعالى لم يُقيّد نفي الشَّبَهِ عنه بنوعٍ من أنواعِ الحوادثِ بل شمل نفي مشابهتِهِ لكلّ أفرادِ الحادثاتِ، (ت) ويشملُ هذا النفيُ {ليس كمثله شيء} تنزيهَهُ تعالى عن الكميةِ والكيفية، فالكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ كالأجرامِ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ لأنه لا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو جَعَلَ نفسَه بذلك الحدّ، والمحتاجُ إلى غيرِهِ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء.
(الصفة الخامسة) صفة الوحدانية: إن معنى الوحدانية يرجع إلى أن البارئ جلّ وعلا واحد أحد لا ثاني له لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ربوبيته ولا في عبوديته واستحقاقه للعبادة وحده، فتكون أوجه الوحدانية ستة، ولا مشاحة في التقسيم إذ المقصود ان يشمل كافة أوجه التوحيد وأقسامه، فيجب اعتقاد الوحدانية في حق الله تعالى وهى: وحدانية الذات، ووحدانية الأسماء، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال، ووحدانية الربوبية، ووحدانية العبودية، وكل هذه الأقسام يشملها توحيد الألوهية (لا إله إلا الله)، (الصفة السادسة) صفة الحياة: ويجب الإيمان بوجوب الحياة في حق الله عزّ وجلّ وهى صفة قديمـة قائمـة بذات الله تعالى، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات اللائقة به تعالى، والحياة صفة من صفات الله عَزَّ وجَلَّ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان: 58]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الحياة: (أ) حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255]، (ب) وإذا كان كل حي حياتة قائمة بروح، فإن حياة الحي القيوم سبحانه ليست بروح، ودليل ذلك اقتران صفة الحياة مع صفة القيومية: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فهو سبحانه القائم على صفاته بذاته، والمستغني بذاته عمّن سواه، (ت) له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت، وهو الحي بعد كل ميت، وهو الحي القيوم لا إله إلا هو، وكل حي فمحتاج إليه، مستمد حياته من فيض كرمه وجوده.
(الصفة السابعة) صفة القيام بالنفس: ومعناه أنه سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه، له كمال الغنى والقيومية، فهو سبحانه الغنيُ الغنى المطلق، والحي القيوم، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه، فقير إلى فضله وغناه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، وقال تعالى:{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القيام بالنفس: (أ) معنى قيامه تعالى بنفسه أنه تعالى منزه عن الحاجة، والحاجة نقص والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغـه ويـدركه وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج فالنقص منفى عن القديم بكل حال والعجز غير جائز عليه، (ب) القيام بالنفس هو غناه تعالى عن المحل، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه أو عرش يحمله، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، فهو الواحد القهار، (ت) الله تبارك وتعالى مستغنٍ عن كل شىءٍ ومحتاجٌ إليه كلُّ شىءٍ سِواهُ، والله تبارك وتعالى من كمال غناه وقيامه بنفسه لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا يُضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء} [سورة محمد].
(الصفة الثامنة) صفة القدرة: وهي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه، وهي تتعلّق بالممكن ولا تتعلّق بالواجب والمستحيل، والقدرة صفة أزلية يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه، وهي تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق، إما لإيجاده أو لإعدامه،، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى، فلا يجوز، ولا يصح أن يقال: أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم، ومتى شاء أن يجهل فإنه يجهل، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى، لا تعلق للقدرة بها، لأنه بكل شيء عليم، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى،، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً، والله تعالى على كل شيء قدير، بمعنى إيجاد الممكن – وهو كل ما يتعلق بالمخلوق – وإعدامه، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدرة: (أ) الفقه الصحيح لما تتعلق به القدرة: أن قدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها، قال تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير، ولكن قدرة الله تعالى صفة من صفات الله تعالى الواجبة له، فلا تعلق لها ببقية صفاته الواجبة له سبحانه كالعلم والسمع والبصر، لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود، (ب) قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى، كمثل شخص يقول: هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه؟، وهذا السؤال كفر والجواب عليه: لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً، فلا يكون إلهاً، ولا خالقاً، ومثل ذلك تماماً، زعم النصارى أن لله تعالى الولد، وهذا مستحيل، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله e – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى، العظيم جرماً نسبتها إلى الله، يتضح ذلك في مواضع كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}
(الصفة التاسعة) صفة الإرادة: وهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتة بالكتاب والسنة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه كوجود المخلوق في زمن دون غيره وفى مكان دون آخر وعلى صفة أو هيئة دون غيرها وهكذا، لقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] وقوله تعالى:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49] وقوله تعالى:{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]، وقوله تعالى:{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَم} [الأنعام: 25] وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]، وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ []، وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} []، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله e يقول: (إذا أراد الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم). ([6]) .
(الصفة العاشرة) صفة العلم: العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة وهي صفة أزلية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء، الواجبات والممكنات والمستحيلات فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ويعلم أفعال عباده، وكل ما يكون منهم. عالم بكل شيء، عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه خافية، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات: قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] وقال تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98] وقال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75]، وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]وقال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة العلم: (أ) علم الله تعالى قديم كامل، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور، ووجد الكون على هذا الصنع البديع، قال تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}[الملك:2 إلى 4]، وقال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]، وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7)} [السجدة: 7]، (ب) علم الله تعـالى ليس كسبيا كما قدمنا ولا يوصف بكونه ضرورياً أو نظريا أو بديهياً أو يقينيا أو تصورياً أو تصديقياً، لأنه صفة قديمة أزلية ليس لها نهاية ولا بداية يعلم بها الله تبارك وتعالى جميع الأشياء، الواجبات والممكنات والمستحيلات، لا يضل ربي ولا ينسى، (ت) صفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي معلوم، وهو بكل شيء عليم.
(الصفة الحادية عشرة) صفة السمع: صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسنة ينكشف لله بها جميع المسموعات، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، و(السميع) من أسمائه تعالى: قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة السمع: (أ) سمع الله تعالى ليس كمثله شيء، فهو سمع منزه عن الأذن والصماخ،فهو يسمع بلا آلات كما أنه يتكلم بلا آلات خلافا للمشبهة، قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (ب) سمع الله تعالى صفة ينكشف لله بها جميع المسموعات المرئية وغير المرئية والأشياء المسموعة الدقيقة الخفيفة والأشياء التي نسمعها نحن والتي يسمعها غيرنا، والله يسمع هذه الأشياء من غير واسطة كالأذن، ولا يطرأ على سمعه ضعف ولا انقطاع، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، (ت) صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان.
(الصفة الثانية عشرة) صفة البصر: صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه تحيط بجميع المبصرات وينكشف لله تعالى بها جميع الموجودات، و(البصير): اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً} [النساء: 58]، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56] ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البصر: (أ) الله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته، يرى سبحانه من غير احتياج لحدقة أو واسطة أخرى وإن رؤيته أزلية وأبدية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع، (ب) صفة البصر صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان، {إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً}، (ت) الرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر: قال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى} [العلق: 14]، ومن السنة: حديث جبريل المشهور وفيه: (00 قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك 000) [أخرجه البخاري ح (50)، ومسلم ح (9)]، (ث) البصر صفة واجبة لله تعالى لأنه تعالى لو لم يكن سميعاً بصيراً لكان ذلك نقص تنزه وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،.
(الصفة الثالثة عشرة) صفة الكلام: صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقـال تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 1.9]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]،وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الكلام: (أ) القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله الأزلي القديم، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم،، (ب) كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى أزلي أبدي ليس بمخلوق ولا يقال عنه أنه من صفات الفعل ولا يقال عنه أنه يتعلق بالمشيئة لأن هذا تكييف قياسا على كلام البشر والله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه ولا يعلم الله على حقيقته إلا الله، ولأنّ صفة الكلام قديمة وكل ما تعلق بالمشيئة محدث مخلوق، فمن قال يتكلم متى شاء كيفما شاء فقد جعل الكلام مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه، ونحن لا نملك إلا أن نقول: العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، والله تعالى له كمال صفة الكلام، (ت) كلام الله تعالى ليس كمثله كلام، وليس كلامه تعالى من جنس كلام البشر بحرف وصوت، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، (ح) القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، كما لا يقبل العدم ولا ما فى معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات، ليس كمثل كلامه كلام، (خ) أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فقالوا: صفة الكلام من صفات الفعل، وهي صفة تابعة عندهم للمشيئة والقدرة، بمعنى أنه يتكلم متى شاء بما شاء، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالقدرة والمشيئة، يتكلم متى شاء ويسكت – سبحانه عما يقولون – متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وبالتالي فالقرآن الكريم – على لازم قولهم – مخلوق لأنه كان بعد أن لم يكن، والصواب ان صفة القدرة لا تعلق لها بصفة الكلام، تماماً مثل عدم تعلق القدرة بصفة العلم، وكما أنه لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يعلم، كذلك لا يصح أن نقول أن الله تعالى متى شاء لم يتكلم، فينفون عنه صفة الكلام في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث.
[تنبيه]: الصفات الواجبة لله تعالى والتي دل على وجوبها والشرع هي: جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و (الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و (القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و (السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و (المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و (المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و (العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و (الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و (المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و (البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و (المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، و (الغفار): يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة، و (القهار): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته، و (الوهاب): يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء، و (الرزاق): يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، وجميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد، [تنبيه آخر]: الصفات الثبوتية الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم، والفقه في الدين عند الحديث عنها: وتتناول ثلاثة أقسام عريضة، القسم الأول: ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله، وأظهرها الوجه واليد والعين، والقسم الثاني: وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور، وقد تقدم الحديث عنها في باب التوحيد في الذات، وذكرنا محاذير نسبتها على ظواهرها إلى الله، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله: أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو، و المسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله e، و المسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله، منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله، منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، وأنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}، والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه، وكلاهما من البدع الضالة، وفي حلقات التجديد في علم التقديس بيان واف لذلك مع حل جميع الاشكالات المتعلقة بذلك.
[ومن العلم بالله: توحيد الله تعالى في الافعال]: واعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته،هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله: فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، إن فعل الخير يحمد الله، وإن فعل الشر يجأر إلى الله بطلب الهداية والعفو، فلا منجا لا ملجأ منه إلا إليه، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}. [ويتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية]، ومعناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، والحاصل أن مصطلح توحيد الربوبية مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، وقوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله تعالى {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42][ويتفرّع عن توحيد الربوبية، توحيد العبودية]: ومعناه: (لا معبود بحق سوى الله)، ولا تصرف العبودية إلا إلى الله، وهو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة، وصرف العبادات جميعها لله وحده، ودليلها قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات: 56]، وقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، والعبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، وضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبودية، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده ربا وإلها، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله e: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى) ([7]) . ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وهذا الضابط من أهم الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية بما يؤول إلى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تصل بهم إلى هذا الحد]، وبعد فهذا من العلم الراسخ بالله في جناب ذاته، {ليس كمثله شيء}، والعلم الراسخ بالله في حسن أسمائه {له الأسماء الحسنى}، العلم الراسخ بالله في كمال صفاته وأفعاله، والعلم الراسخ بالله في مفردات ربوبيته لخلقه، لا رب غيره، واستحقاقه للعبودية وحده لا معبود بحق سواه، والعلم الراسخ بالله في توحيد إلهيته لجميع خلقه.
اللهم ارزقنا العلم الراسخ بك وبأسمائك وبصفاتك وبأفعالك لا إله إلا أنت ولا رب سواك ولا معبود بحق إلا أنت، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) مسند أحمد 4/215.ح 4316، المستدرك علي الصحيحين 1/690ح 1877.
([2]) صحيح البخاري 3/198 ح 2736، صحيح مسلم 4/2063 ح 2677.
([5]) سنن أبي داوود1/349 ح 466.