الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق التاسع عشر من أخلاق المسلم مع الله: خلق الاستقامة: وفيه جاء قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 112 إلى 115]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت]، وقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30 إلى 33]، وقوله تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، والاستقامة تعني سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، الظاهرة والباطنة، المؤمن مطالب بالاستقامة الدائمة، ولذلك يسألها ربه في كل ركعة من صلاته: {أهدنا الصراط المستقيم}
ومما يدل على أهميتها أمور، منها: أنها في حقيقتها تحقيق للعبودية التي هي الغاية من خلق الإنس والجن، وبها يحصل للمرء الفوز والفلاح، و أن الله تعالى قد أمر رسوله e بتحقيقها، وكذلك كل من كان معه، فقال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك}، وقال تعالى: {فلذلك فأدع واستقم كما أمرت}، ومما يدل على أهميتها أن رسول الله e لما جاءه سفيان بن عبد الله الثقفي ـ رضي الله عنه ـ يقول له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فقال له النبي e: (قل آمنت بالله، ثم استقم) ([1]) .
لقد وعد الله تعالى مَنِ استقام على دينه بالأمْن مِن جميع المخاوف، وعدم الحُزْن على ما فات مِن مُتَعِ الحياة، وأن الملائكة تبشِّره بذلك عند الموت وعند البَعْث، كما تبشره بالفَوْز بالجنَّة، والنجاة من النار، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30 إلى 32]، وهذا ما يَتَمَنَّاهُ المسلم ويرْجوه، لذا يجب على المسلم أن يستقيمَ في عقيدته على عقيدة أهل السنة والجماعة من: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدَر خيره وشره، وأن يؤمن بعذاب القبر ونعيمه، والبعث بعد الموت، والجزاء والحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وأن يلزم الأدب مع الله – عز وجل – بمحبته وخوفه ورجائه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأن يلزم الأدب مع رسول الله e بالمحبة والطاعة لأمره، والاقتداء بسنته، والابتعاد عما نهى عنه، فالاستقامة تتمثل في طاعة الله وطاعة رسوله ومآلها إلى الفوز والسعادة، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]، والشقاوة كلُّها مجموعة في معصية الله ورسوله، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، ويجب على المسلم أن يستقيم على هدي القرآن الكريم، وأن يتدبره، ويعمل به، ويحفظ حروفه وأوامره ونواهيه ليكونَ حجَّة له عند ربه، وشفيعًا له يوم القيامة، وقد تكفَّل الله لِمَنْ استقام على هدي القرآن الكريم وعمل بما فيه ألاَّ يضلَّ في الدنيا، ولا يشقَى في الآخرة، بقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123]، ويجب على المسلم أن يستقيمَ في أقواله على الشَّرْع المطهَّر، فيحاسب نفسه على كلِّ كلمة يتكلم بها، فإن كانتْ خيرًا نطق بها، وإن كانت شرًّا أمسك عنها، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، وقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 70، 71]، ومن لزوم الاستقامة في القول قول الحق ولو كان مرا، ولزوم الصدق ولو كان صعبا، ومن لزوم الاستقامة في القول: الابتعاد عن السبّ واللَّعْن، والغيبة والنميمة والكذب، ويجب على المسلم أن يستقيمَ في أعماله على الشَّرْع المطهَّر، فيؤدي الفرائض والواجبات، ويكف عن الكبائر والمحرمات، ويقف عن حدود الله تعالى لا يتعداها، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، و قال تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]، فعلى المسلم أن يستقيمَ على طاعة الله بأعماله الظاهرة والباطنة، فلا يترك واجبًا، ولا يعمل مُحَرَّمًا، ولا يخالف أمرًا، ولا يرتكب نهيًا ولا يتجاوز حدا، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على أخلاق الإسلام، وأولها أخلاق المسلم مع الله تبارك وتعالى خالقه ورازقه وربه وإلهه، من التوحيد والبراءة من الشرك، ومن التخلق بشرف العبودية لله وحده، ومن إسلام الوجه لله، ومن الإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، ومن تقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله، والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله.
وأخلاق المسلم مع الرسول من وجوب الإيمان به وتصديقه فيا أخبر والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، وأن لا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول e، و محبته e أكثر من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وتعظيمه وتوقيره ونصرته e، والاستنان بسنته، و كثرة الصلاة عليه e، ومحبة آل بيته ومحبة أصحابه، فهذا كله يدخل في باب حسن الخلق مع رسول الله، وأخلاق المسلم مع دين الإسلام: وأولها الرضا به دينا، وفي الحديث: (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد e نبيا) ([2]) . ويدخل فيها التفاني في العمل من أجل هذا الدين، من نشر الدين بالدعوة إليه ومن حفظ الدين بالحسبة عليه ومن الدفاع عنه وإظهار أمره بالجهاد من أجل نصرته، ومن اعتقاد عقائده وامتثال أوامره والكف عن نواهيه ومحارمه، ومن الوقوف عند حدوده، والتخلق بأخلاقه والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، فهذا كله يدخل في باب أصول خلق المسلم مع الدين الإسلامي، {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
وأخلاق الفرد المسلم في ذات نفسه: من الصِّدْق، والأمَانَة، والعَدْل، والحِكْمَة، والكَرَم، والشَّجَاعَة، والحَيَاء، والعفة، والحِلْم، والأناة،، والرِّفق، والتواضع، والرحمة، والتحلي بأخلاق المجتمع المسلم: من التآخي في الله، والتحاب في الله، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والبر، والتضحية، والتآلف، والتَّودُّد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، والستر للعصاة والمذنبين والمقصرين، وبذل المعروف لهم، والتزام القيم الأخلاقية الإسلامية العالية: من طاعة أولياء الأمر واحترامهم، و الإحسان إلى الوالدين وبرهم، والخيرية للأهل والأزواج، وحسن تربية الأولاد، وصلة الأرحام والاحسان إلى الجار وإكرام الضيف واحترام الكبير والعطف على الصغير والتحاب في الله والتعاون على البر والتقوى والتناصر على الظلم والعدوان والتواصي على الحق والتواصي على الصبر وإفشاء السلام وإطعام الطعام وكتمان الأسرار والستر على العيوب وإحسان الظن بالمسلمين وسلامة الصدر لهم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وقضاء حاجات المسلمين والرحمة لهم والشفقة بهم وعموم البر والإحسان لهم، والتزام المبادئ الأخلاقية الإسلامية السامية: والتي يشملها قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 89، 90]، من العدل في كل أمر، والإحسان في كل شيء، وإيتاء ذي القربى جميعهم حقوقهم، والنهي عن كل دسائس الأخلاق مما يدخل في عموم الفحشاء والمنكر والبغي، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على محبة الله ورسوله وعباده المؤمنين، وعلى بُغْضِ الكفَرة والعصاة والمُلْحِدين، فالمرءُ مع مَنْ أحبَّ يوم القيامة، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على التوبة إلى الله في جميع الأوقات، من جميع الذنوب والسيئات، وأن يراقب الله تعالى ويعلم أن الله يراه ويسمعه، ويعلم ما يُكِنُّه ضميره، وأن يحاسبَ نفسه فيما يقول ويفعل، ويسمع ويبصر، ويأكل ويشرب، وأن يجاهد نفسه في طاعة الله – عزَّ وجلَّ – وأن يتَخَلَّق بأخلاق الإسلام، ويتأدَّب بآدابه، وأن يكون قدوةً حسنةً لغيره في جميع مجالات الخير، مُتَمَسِّكًا بشرْع الله ودينه، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على شُكْرِ نعم الله التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، فيعترف بها بقلبه، ويُثْنِي على الله بها بلسانه، ويستعين بها على طاعته، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لتستقر وتزداد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على الصبر على طاعة الله فلا يتركها، والصبر على المعاصي فلا يعملها، والصبر على الأقدار والمصائب فلا يتسخطها، أخرج مسلم عن النبي e قوله: (عجَبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كله له خَيْر، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إنْ أصابته سَرَّاء شَكَر، فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضراء صبَر، فكان خيرًا له) ([3]) . ويجب على المسلم أن يستقيمَ على التَّوكُّل على الله، والاعتماد عليه في جميع الأمور: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، فمن اعتمد على الله تعالى في جميع أموره، كفاه الله ما أهمَّه من أمر الدنيا والآخرة، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على أحسن الأخلاق وأبرها وأتقاها، فيعامل الناس بما يُحِبُّ أن يعاملوه به، وأن يُوَقِّر الكبير، ويرحم الصغير، وأن يعاملَ النظير بما يحب أن يعامله به، ويجب على المسلم أن يستقيمَ على الصِّدْق في أقوالِه وأفعاله ومُعاملاته مع الله ومع خلقه: وقد جاء في الحديث: (فإن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البر يهْدي إلى الجنة) ([4]) . وعلى المسلم أن يستقيمَ على خُلُقِ التواضُع لله ولعباده، فلا يستكبر على عبادة الله، ولا يتكبَّر على عباد الله، فمَنْ تواضَع لله رفعه، ومن تَكَبَّر وضعه، وعلى المسلم أن يستقيمَ على تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قولا وعملا وتخلقا، وعلى المسلم أن يستقيمَ على عبادة الله تعالى، وأول ذلك المحافظة على الصلوات الخمْس في أوقاتها مع الجماعة في حق الرجل، وأن يُرْدِفَها بالنوافل من السنن الراتبة والوتر، وأن يستقيمَ على أداء زكاة ماله، طيِّبة بها نفسُه، كاملة غير منقوصة، وأن يستقيم على صيام رمضان وقيامه، وأن يحفظَ جوارحه عن الآثام في رمضان وغيره، وأن يحجَّ بيت الله الحرام إذا استطاع إليه سبيلاً، إنّ الكبير والصغير الرجال والنساء من امة النبي e مأمورون بالاستقامة، على الشاب المسلم أن يستقيم على شرع الله، وأن يبادرَ إلى الزواج المُبَكِّر – إذا كان مستطيعًا – محافظةً على غضِّ البَصَر، وحفْظ الفَرْج، وصيانة العرْض والنسَب، وإذا لَم يستطعِ الزواج فليصبر، وليَسْتَعْفِف ويصوم حتى يغنيَه الله مِنْ فَضْلِه، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ)([5]) .وعليه أن يبحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته، وهي التي سوف تربي أولاده، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)([6]) .فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، التي سوف تربي ذريته أجيالاً صالحين، وعلى كل زوجة مسلمة أن تستقيم على شرع الله، فتكون مثالا للزوجة الصالحة التي تراقب الله في بيتها وزوجها وأولادها، تلك الزوجة التي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله تبارك وتعالى، وقد ندب الشرع إلى طلب الودود الولود، فإنّ إنجاب الأولاد هدف عظيم لأنهم في المستقبل حملة الدين، وخدام الشريعة، وقد أخرج أبو داود بسنده عن معقل بن يسار أن رسول الله e قال: (تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ) ([7]) .
وعلى كل أب وأم أن يستقيما على شرع الله فيحسنا تربية الأولاد والبنات، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال e: (إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) ([8]) . وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قوله: (إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك) ([9]) .
وفضل تربية البنات والإحسان إليهن ثابت في الأحاديث الصحيحة، أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) ([10]) . وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله e يقول:(من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة)([11]) . وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة أيضا عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رسول الله e: (ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة)([12]) . وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن النبي e قوله: (من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهنّ كنَّ له ستراً من النار)([13]) .
وعلى المسلم أن يستقيم في بيته على شرع الله، وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله e: (خيركم: خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ([14]) . فالإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات، وفاعله من خيرة الناس، وقوله e: (خيركم خيركم لأهله): أي لعياله، وذوي رحمه، وأزواجه، وأقاربه، وذلك لدلالته على حسن الخلق، وقوله e: (وأنا خيركم لأهلي) دلالة على أن من خلقه العظيم e أنّه كان أحسن الناس عشرة لأهله، وعلى المسلم أن يستقيم على أحسن الأخلاق وأقومها، ووقد كان e يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه، و أثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله e فهذه عائشة تقول عنه e: (لم يكن رسول الله e فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح) ([15]) . وتقول عنه أيضاً: (ما ضرب رسول الله e شيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله و ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله) ([16]) .
وهذا انس يقول “خدمت رسول الله e عشر سنين فما قال لي أفٍ قط وما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ و كان رسول الله e من أحسن الناس خلقاً) ([17]) .وهذه خديجة رضي الله عنها تقول له حينما قال لها لقد خشيت على نفسي تقول (كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الدهر) ([18]) .
لقد كان الحبيب المصطفى e النموذج الكامل في خلقه ومعاملته، بعث رحمة للناس كافة، ولأهله وآل بيته خاصة فكانت معاملته لهم كلها رحمة ورفق وتربية وتزكية وتعليم، يتودد e لأهله ويتحبب لهم، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، والمسلم يستقيم على شرع الله ويأخذ من هدي رسول الله e حسن خلقه، ويقتدي بخيريته لأهله ورحمته بهم حتى يكون من خير الناس، إذن تلك بعض جوانب الاستقامة، والتي من تحقق بها، استحق وعد الله تعالى بالأمْن والأمان، وعدم الخوف وعدم الحُزْن، وأن تتنزل عليه الملائكة عند موته وخروج رحه تبشره بالفَوْز بالجنَّة، والنجاة من النار، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30 إلى 32]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 13، 14]، اللهم ارزقنا الاستقامة في القول والعمل، اللهم ارزقنا الاستقامة في العقيدة والشريعة والأخلاق، اللهم ارزقنا الاستقامة في المحيا وعند الممات، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) مسند أحمد 24/141 ح 15416.
([3]) صحيح مسلم 4/2295 ح 2999.
([4]) صحيح البخاري 8/25 ح 6094، صحيح مسلم 4/2013 ح 2607 واللفظ له.
([5]) صحيح البخاري 7/3 ح 5065، صحيح مسلم 2/1018 ح 1400.
([6]) صحيح البخاري 7/7 ح 5090، صحيح مسلم 2/1086 ح 1466.
([7]) سنن أبي داود 3/395 ح 2050، وصححه الحاكم في المستدرك 2/176 ح 2685.
([8]) صحيح مسلم 3/1255 ح 1631.
([9]) مسند أحمد 16/375 ح 10610، سنن ابن ماجة 4/631 ح 3660.
([10]) صحيح مسلم 4/2027 ح 2631.
([11]) الأدب المفرد 41/76، سنن ابن ماجة 4/635 ح 3669.
([12]) الأدب المفرد 41/ 77. سنن ابن ماجة 4/636 ح 3670.
([13]) صحيح البخاري 8/7ح 5995، 4/ 2027 ح 2629.
([14]) سنن الترمذي 5/709 ح 3895، سنن ابن ماجة 3،148 ح 1978.
([15]) سنن الترمذي 4/369 ح 2016.
([16]) صحيح مسلم 4/1814 ح 2328.