الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: ذكرت في الحلقة السابقة أنّ من معاني شهادة أن محمداً رسول الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله تعالى، وما ذرأ، وما برأ نفساً ـ أكرم عليه من محمد – e -، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الحجر: 72].
إنّ من أهم أخلاق المسلم مع رسول الله e: الإيمان به بنيا ورسولا وقدوة وأسوة: عندما نتحدث عن الإيمان بالرسول e فإننا نتحدث عن أعظم البشر، رسول الله إلى الناس أجمعين، ومن قرأ سيرته وعرف أخلاقه وشمائله عرف وأيقن أنه أكمل خلق الله تعالى خلقا وعبودية لله، اجتمعت فيه أعظم الأخلاق التي لم تجتمع لأحد غيره من خلق الله، كان قائدا مهابا مطاعا دانت له الأرض، وهو مع ذلك أعظم الناس تواضعا، وهو أكرم الناس وأجود الناس ينفق ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويبقى مع ذلك محتاجاً لا توقد في بيته نار لطعام في لأشهر عديدة , وكثيراً ما يطوي على الجوع، وكان أشجع الناس يقود الجند القليل العدد الضعيف العُدَد فيقاتل بهم ألوفاً من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة , ويكون أول الصفوف يتقي الناس به إذا حمي الوطيس، ثم ينتصر عليهم، ثم يعفو عنهم ويصفح , لين هين رحيم رؤوف رقيق القلب يُحب السلام ويؤثر الصلح، أرسله ربه رحمة للعالمين أجمعين، كان مشغول الفكر والهم بدعوة العالم أجمع إلى دين الإسلام، دين الله الذي لا يقبل من عباده دينا سواه، يكاد يقتل نفسه كمدا وحزنا على حال الكافرين والمعرضين عن دعوته، وهو مع ذلك لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده وأصحابه، بل ولا يفوته أمر من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم أهل الصفة الذين لا مأوى لهم إلا المسجد، يهتم بأمر الكافرين المعرضين يحرص على هدايتهم وإصلاحهم، ويهتم لأمر المسلمين يخفض جناحه لهم ويصبر نفسه على تعليمهم وتربيتهم وتزكيتهم، وهو مع ذلك كله أعبد الخلق لخالقه وربه، عبد متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا , يقوم من الليل حتى تفطرت وتقرحت قدماه، قلبه متعلق بالله وحده، لم ينتقم من أحد لنفسه قط، بل كان يدعو لعدوه كما كان يدعو لصاحبه، رموه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين، وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين فأبى، ودعا لهم بالهداية المغفرة (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، لم تجتمع أخلاقه لأحد من خلق الله، فهو النبي الكامل والرسول المعصوم، كريما حييا سخيا زاهدا في الدنيا يوزع ما أفاء الله عليه، ثم يعود إلى حجرته لينام على حصير , ويتكئ على وسادة من ليف , تأتيه الأموال العظيمة فينفقها في سبيل الله، لا يدخر منها شيئا، وتأتيه ابنته وفلذة كبده فاطمة تشكو إليه ما تكابده من الحاجة والفقر والجهد فيعلمها دعاء تدعو الله تعالى به هو خير لها من الدنيا وما فيها، تولى الله عز وجل الثناء عليه، فقال تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [سورة الضحى]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [سورة الشرح]، ووصفه بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] و امتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، ووصفه بالرحمة على الكافرين والحرص على هدايتهم فقال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، وقال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، كان e أحسن الناس أخلاقا، وكان يدعو الله أن يهديه لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها و يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق و يدعو الله أن يحسن خلقه، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن على رضي الله عنه، كان من دعاء النبي e: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها ولا يصرف عني سيئها إلا أنت) ([1]) .
وأثنى الصحابة على حسن خلق رسول الله e فهذه عائشة تقول عنه e: (لم يكن رسول الله e فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة و لكن يعفو ويصفح) ([2]) .
[نسب الرسول]: هو رسول الله e: محُمَّدٌ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارَ بْنِ مَعَدَّ بْنِ عَدْنَانَ، ينتهي نسبه نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم خليل الله عليهما السلام، وهو خير أهل الأرض نسباً، أخرج مسلم عنه e قوله: (إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ([3]) .
[مولده ونشأته]: ولد عام الفيل، سنة (571م) في قبيلة قريش التي كانت أوسط العرب نسبا ينتهي نسبها إلى نبي الله إسماعيل ابن نبي الله ابراهيم عليهما السلام، كان العرب يجلونها ويكنون لها كل تقدير واحترام في مكة المكرمة، حيث الكعبة المشرفة التي بناها نبي الله إبراهيم أبو الأنبياء وابنه نبي الله إسماعيل عليهما السلام، حيث كان العرب إليها يحجون وبها يطوفون، توفي أبوه وهو لايزال في بطن أمه، وبعد ولادته توفيت والدته، فعاش يتيماً, كفله جده عبدالمطلب فلما توفي جده كفله عمه أبو طالب، كانت حياته e كلها صدق وأمانة، ما عهد عليه غدر ولا كذب، ولا خيانة ولا خداع، عرف بين قومه بالأمين فكانوا يضعون عنده أماناتهم، ويحفظون عنده ودائعهم إذا أرادوا سفرا، وعرف بينهم بالصادق لما عرف عنه من الصدق فيما يقول ويحدث به، وكان حسن الخلق طيب الكلام فصيح اللسان، يحب الخير للناس، أحبه قومه، يعظمه ويجله القريب والبعيد، جميل المنظر, لا تمل العين من رؤيته عليه الصلاة والسلام، فهو جميل الخَلق والخُلق، وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وامتن عليه بقوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
[نبوته ورسالته e]: حبب إليه e قبل بعثته الخلوة والعزلة فكان يتحنث – يتعبد – الليالي الطوال في غار حراء، و كان عليه الصلاة والسلام بعيداً كل البعد عن ما كان قومه يعملون من سفاهات فما شرب خمراً قط وما سجد عليه الصلاة والسلام لصنم أو حلف به أو قرب له قرباناً كما يفعل قومه، بعد أن بلغ عليه الصلاة والسلام الأربعين من عمره، نزل عليه الوحي من السماء وهو في مكة في غار حراء يتعبد، أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله e من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء, وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه, وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها, حتى جاءه الحق وهو في غار حراء, فجاءه الملك فقال: اقرأ قال:”ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق]، فرجع بها رسول الله e يرجف فؤاده, فدخل على أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال:” زملوني زملوني ” فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر:” لقد خشيت على نفسي “. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا, إنك لتصل الرحم, وتحمل الكل, وتكسب المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على نوائب الحق, فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة, وكان امرأً تنصر في الجاهلية, وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب, وكان شيخا كبيرا قد عمي, فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة:يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله e خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك, فقال رسول الله e: “أو مخرجي هم؟”. قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا, ثم لم ينشب – يلبث – ورقة أن توفي وفَتَر الوحي) ([4]) .فكانت هذه السورة بداية نبوته، ثم أنزل عليه بعدها قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [سورة المدثر]، وكانت هذه السورة بداية رسالته ودعوته.
[دعوته e الناس إلى الإسلام] بدأ e بالجهر برسالته, فبدأ e بدعوة قومه من أهل مكة فلاقى منهم ما لاقى من التعنت والرفض لدعوته، ولكنه واصل دعوته، وكان يعرض نفسه على القبائل التي تأتي إلى مكة للحج، فآمن به نفر قليل من أهل يثرب (المدينة المنورة) , وعاهدوه على النصرة والمنعة إن هو جاء لهم، وأرسل معهم مصعب بن عمير وضي الله عنه يعلمهم تعاليم الإسلام، وبعد الاضطهاد والعنت الذي وجده من قومه هو ومن آمن معه من المستضعفين أذن له ربه بالهجرة إلى المدينة المنورة, فاستقبله أهلها خير استقبال, فكانت هي منطلق دعوته وعاصمة دولة الإسلام, فاستقر فيها e وأخذ يقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الدين, ولقد تأثر الصحابة بمكارم أخلاق الرسول e فأحبوه أكثر من حبهم لأنفسهم, وكانوا يتسابقون على خدمته ويبذلون الغالي والنفيس في سبيله، فعاشوا في مجتمع إيماني ظهرت فيه أواصر المحبة والألفة والإخاء بين أفراد مجتمعه، وبعد سنة من استقراره e بالمدينة بدأت المواجهات بينه وبين قومه الذين ساءهم ما وصلت إليه دعوته, فوقعت أول معركة في الإسلام وهي معركة بدر بين فئتين متفاوتتين فيما بينهم لامن ناحية العدد ولا العدة, فقد كان عدد المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً وعدد المشركين ألف مقاتل، فأيد الله سبحانه وتعالى رسوله وأصحابه فكان النصر حليفهم, ثم توالت بعد ذلك المعارك بين المسلمين وقومهم من المشركين، وبعد ثمان سنوات استطاع الرسول e أن يجهز جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل توجه به إلى مكة فدخلها فاتحاً وهزم قبيلته وقومه الذين آذوه بجميع أنواع الأذى, وعذبوا أتباعه بشتى أنواع التعذيب حتى اضطروهم إلى ترك أموالهم وأولادهم ووطنهم, وانتصر عليهم، ثم عفى عنهم وسامحهم، فكان هذا سبباً في دخول كثير منهم في الإسلام، وسمي هذا العام عام الفتح الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [سورة النصر]، ثم رجع الرسول e إلى المدينة، وبعد مدة يسيرة من الزمن خرج الرسول e قاصداً مكة للحج مع مائة وأربعة عشر ألفاً من أصحابه الذين اتبعوه, وعرفت هذه الحجة بحجة الوداع لأنها كانت بمثابة التوديع للمسلمين لقرب وفاته e، وفيها نزل قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، إيذانا باكتمال الدين وتمام النعمة والرضا عن من تمسك بهذا الدين، وتوفي e في المدينة المنورة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الثاني من السنة الحادية عشرة للهجرة ودفن فيها، ولقد صدم المسلمون بوفاته e حتى إن بعض الصحابة لم يصدق النبأ ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: من سمعته يقول إن محمداً قد مات ضربت عنقه، فقام أبوبكر رضي الله عنه وتلا قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، فلما سمع عمر هذه الآية وقف عندها، وكان رضي الله عنه وقّافاً عند كتاب الله، وكان عمره e – عند وفاته – ثلاثاً وستين سنة، مكث في مكة المكرمة أربعين سنة قبل أن ينبأ, وبعد نبوته مكث فيها ثلاث عشرة سنة يدعو الناس للإسلام، ثم هاجر إلى المدينة المنورة وأقام فيها عشر سنوات, تتابع نزول الوحي عليه فيها حتى نزل عليه القرآن كاملاً, وكملت شرائع الإسلام.
[الإيمان بالرسول e نبيا ورسولا] يستلزم عدة أمور: أولها اعتقاد أنّه نبي ورسول مرسل من عند الله، قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 45 إلى 48]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، وقال e: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) ([5]) .
والأمر الثاني الإيمان بأنّه النبي الخاتم والرسول الذي ليس بعده نبي ولا رسول، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، والأمر الثالث: اعتقاد أنّه مرسل إلى الناس جميعا منذ بعثته وإلى قيام الساعة، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، والأمر الرابع: أنّ الله تعالى بعد بعثته وإلى قيام الساعة لا يقبل من عباده جميعا دينا سوى دين الإسلام الذي حوى أصوله القرآن والسنة، ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ودين الإسلام الذي جاء به النبي e من عند الله، يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي e وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي e ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته e –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي e ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال e: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([6]) .
يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله e لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) أهـ([7]) .
فكل من سمع برسالة النبي e ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا وصدق به وانقاد له، فهو من أهل النار وبئس المصير، [الإيمان الحق بالرسول e] هو عقيدة قوية راسخة في القلب يظهر أثرها على اللسان والجوارح، وهو منزلة عالية تستلزم القول والعمل، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 62 إلى 64]، والمعنى إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان، الذين صدقوا الله ورسوله تصديقا جازما لا يخالجه شك، [وإذا كانوا معه على أمر جامع] وإذا كانوا مع الرسول في أمر هام، فيه مصلحة للمسلمين، [لم يذهبوا حتى يستاذنوه] أي لم يتركوا مجلسه حتى يستأذنوه فيأذن لهم، [إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله] إن الذين يستأذنونك يا أيها الرسول أولئك هم المؤمنون حقا، [فإذا استأذنوك لبعض شأنهم] أي فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون لبعض شؤونهم ومهامهم [فأذن لمن شئت منهم] أي فاسمح لمن أحببت بالانصراف إن كان فيه حكمة ومصلحة، [واستغفر لهم الله] أي وأدع الله لهم بالعفو والمغفرة، فإن الاستئذان ولو لعذر قصور، لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين [إن الله غفور رحيم] أي عظيم العفو واسع الرحمة، [لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا] أي لا تنادوا الرسول باسمه كما ينادي بعضكم بعضا باسمه، بل قولوا: يا نبي الله، و يا رسول الله، تفخيما لمقامه وتعظيما لشانه! [قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا] أي قد علم الله الذين ينسلون قليلا قليلا، ويخرجون من الجماعة في خفية، يستتر بعضهم ببعض، [فليحذر الذين يخالفون عن أمره] أي فليخف الذين يخالفون أمر الرسول ويتركون سبيله ومنهجه وسنته [أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا، أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة [ألا إن لله ما في السموات والأرض] أي له جل وعلا ما في الكون ملكا وخلقا وعبيدا [قد يعلم ما أنتم عليه] أي قد علم ما في نفوسكم من الإيمان أو النفاق، والإخلاص أو الرياء [ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا] أي ويوم القيامة يرجعون إليه فيخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من صغير وكبير، وجليل وحقير، ويجازي كلا بعمله، [والله بكل شيء عليم] أي لا يخفى عليه خافية، لأن الكل خلقه وملكه، وهم في قبضته وسلطانه، لا تخفى عليه أعمالهم وأحوالهم].
و[الإيمان الحق بالرسول e] هو عقيدة قوية راسخة في القلب يظهر أثرها على اللسان والجوارح، وهو منزلة عالية تستلزم القول والعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 1 إلى 5] والمعنى: [يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] أي يا أيها المؤمنون، يا من اتصفتم بالإيمان، وصدقتم بكتاب الله، لا تقدموا أمرا أو فعلا بين يدي الله ورسوله، وحذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع إلى كل ما يمكن تقديمه من قول أو فعل، أي لا تبرموا أمرا، ولا تبدوا رأيا، ولا تقضوا حكما في حضرة النبي e مثله إذا عرضت مسألة في مجلسه e لا يسبقونه بالجواب، وإذا حضر الطعام لا يبتدئون بالأكل، وإذا ذهبوا معه إلى مكان، لا يمشون أمامه ونحو ذلك، قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه e، أي الله تعظيما له وإشعارا بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله، [واتقوا الله إن الله سميع عليم] أي واتقوا الله فيما أمركم به، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأحوالكم، [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي] e، أرشد تعالى المؤمنين إلى وجوب توقير الرسول e، واجلاله واحترامه أي إذا كلمتم رسول الله e فاخفضوا أصواتكم، ولا ترفعوها على صوت النبي، [ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض] أي ولا تبلغوا حد الجهر عند مخاطبته e، كما يجهر بعضكم في الحديث مع البعض، ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا يا نبي الله، و يا رسول الله، تعظيما لقدره، ومراعاة للأدب، [أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون] أي خشية أن تبطل أعمالكم من حيث لا تشعرون ولا تدرون!! فإن رفع الصوت والجهر بالكلام في حضرته e استخفاف قد يودي إلى الكفر المحبط للعمل، [إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى] أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول e، أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى، ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها، [لهم مغفرة وأجر عظيم] أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم، ثواب عظيم في جنات النعيم، [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]: ذكر المفسرون أن بعض الأعراب الجفاة جاءوا إلى حجرات أزواج النبي e فجعلوا ينادونه: يا محمد أخرج إلينا، يا محمد أخرج إلينا فأنزل الله [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون]، ذم الله تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول e فقال: [إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون] أي أكثر هؤلاء غير عقلاء، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيما لمن كان بهذا المنصب الخطير منصب النببة الرسالة عن الله فإنها أعظم من أعظم المناصب بل لا مقارنة أصلا بين مقام الرسالة ومقامات الدنيا وإن عظمت، [ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم] أي ولو أن هؤلاء المنادين، لم يزعجوا الرسول e بمناداتهم، وصبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل، عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة، [والله غفور رحيم] أي الغفور لذنوب العباد، الرحيم بالمؤمنين حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم ينزل العقاب بهم.
و[الإيمان الحق بالرسول e] هو عقيدة قوية راسخة في القلب يظهر أثرها على اللسان والجوارح، وهو منزلة عالية تستلزم القول والعمل، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 56 إلى 58]، والمعنى: [إن الله وملائكته يصلون على النبي] أي أن الله جل وعلا يرحم نبيه، ويعظم شأنه، ويرفع مقامه، وملائكته الأبرار يدعون للنبي، ويطلبون من الله أن يمجد عبده ورسوله، ويعطيه أعلى المراتب، والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره، [يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما] أي فأنتم أيها المؤمنون أكثروا من الصلاة عليه والتسليم، فحقه عليكم عظيم، فقد كان المنقذ لكم من الضلالة إلى الهدى، والمخرج لكم من الظلمات إلى النور، فقولوا كلما ذكر اسمه الشريف (اللهم صل على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا)، وفي الحيث عن كعب بن عجرة قلنا يا رسول الله: قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: (قولوا: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ([8]) .
وصلاة المؤمنين على النبي e تشريفهم بذلك، حيث اقتدوا بالله جل وعلا في الصلاة عليه وتعظيمه، ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وحق على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، ولما كان الخلق عاجزين عن مكافأته e طلبوا من القادر الملك أن يكافئه، وهذا هو السر في قولهم: ” اللهم صل على محمد “، [إن الذين يؤذون الله ورسوله] قال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على الرسول e [لعنهم الله في الدنيا والآخرة] أي طردهم من رحمته، وأحل عليهم سخطه وغضبه، في الدنيا بالهوان والصغار، وفي الآخرة بالخلود في عذاب النار [وأعد لهم عذابا مهينا] أي وهيأ لهم عذابا شديدا، بالغ الغاية في الإهانة والتحقير، [والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا] أي يؤذون أهل الإيمان بغير ما فعلوه، وبغير جناية واستحقاق للأذى، [فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا] أي فقد حملوا أنفسهم البهتان والإثم المبين]
و[الإيمان الحق بالرسول e] هو عقيدة قوية راسخة في القلب يظهر أثرها على اللسان والجوارح، وهو منزلة عالية تستلزم القول والعمل، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 15 إلى 18]، والمعنى [إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله] أي إنما المؤمنون الصادقون في دعوى الإيمان، الذين صدقوا الله ورسوله، فأقروا لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، عن يقين راسخ، وإيمان كامل [ثم لم يرتابوا] أي ثم لم يرتابوا ولم يتزلزلوا في إيمانهم، بل ثبتوا على التصديق واليقين، وظهر أثر ذلك الإيمان بالتضحية والجهاد، [وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله] أي وبذلوا أموالهم ومهجهم في سبيل الله، وابتغاء رضوانه [أولئك هم الصادقون] أي أولئك الذين صدقوا في ادعاء الإيمان [قل أتعلمون الله بدينكم] الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي قل لهم يا محمد: أتخبرون الله بما في ضمائركم وقلوبكم؟ [والله يعلم ما في السموات وما في الأرض] أي وهو جل وعلا، العليم بأحوال جميع العباد، لا تخفى عليه خافية لا في السموات ولا في الأرض [والله بكل شيء عليم] أي واسع العلم رقيب على كل إنسان، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الكون، [يمنون عليك أن أسلموا] أي يعدون إسلامهم عليك يا محمد منة، يستوجبون عليها الحمد والثناء، [قل لا تمنوا على إسلامكم] أي قل لهم: لا تمتنوا على بإسلامكم، فإن نفع ذلك عائد عليكم [بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين] أي بل لله المنة العظمى عليكم، بالهداية للأيمان والتثبيت عليه، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان [أن الله يعلم غيب السموات والأرض] أي يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والارض [والله بصير بما تعملون] أي مطلع على أعمال العباد، لا تخفى عليه خافية.. كرر تعالى الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وإحاطته بجميع المخلوقات، ليدل على سعة علمه، وشموله لكل صغيرة وكبيرة، في السر والعلن، والظاهر والباطن.
و[الإيمان الحق بالرسول e] هو عقيدة قوية راسخة في القلب يظهر أثرها على اللسان والجوارح بالجهاد في سبيل نصرة دين الحق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 إلى 13]، والمعنى: [يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة] أي يا من صدقتم الله ورسوله، وآمنتم بربكم حق الإيمان، هل أدلكم على تجارة رابحة جليلة الشأن [تنجيكم من عذاب أليم] أي تخلصكم وتنقذكم من عذاب شديد مؤلم؟ [تؤمنون بالله ورسوله] أي تعتقدون بالله، وتؤمنون به إيمانا صادقا، وتؤمنون برسوله e إيمانا صادقا، [وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم] وتجاهدون أعداء الدين، بالمال والنفس، لإعلاء كلمة الله، [ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون] {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، وبشر المؤمنين بالأجر العظيم عند الله تعالى.
إن الإيمان بالله لا ينفك عن الإيمان برسوله، ومن جحد رسالة الرسول كان كمن جحد بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقال تعالى::{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 150 إلى 152]، اللهم ارزقنا الإيمان الحق بك وبنبيك ورسولك الكريم الذي لا يكتمل إيماننا إلا باتباعه وتوقيره وتعظيم أمره والاقتداء بسنته وحبه حبا يفوق محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، اللهم ارزقنا حب النبي وآله وصحبه ودينه وسنته وهديه، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([2]) سنن الترمذي 4/369ح 2016.
([3]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2276.
([4]) صحيح البخاري 1/7 ح 3. صحيح مسلم 1/139 ح 160.
([5]) صحيح البخاري 1/14 ح 25 ، صحيح مسلم 1/52 ح 21.