الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس وعلى مدار أربعة دروس أتناول بمشيئة الله تعالى: كيف تكون أخلاق المسلم مع الرسول e، أتناول فيها بمشيئة الله تعالى: بيان حقوق الرسول على كل مسلم، وبيان معاني أخلاق الإيمان بالرسول، ووجوب نصرة الرسول، ووجوب محبة الرسول محبة تفوق محبة النفس والوالدين والأهل والولد، أقول وبالله التوفيق: من معاني شهادة أن محمداً رسول الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله تعالى، وما ذرأ، وما برأ نفساً ـ أكرم عليه من محمد – e -، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]، من أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: الإيمان الصادق به – e – قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]، وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، الإيمان به e رسولاً من عند الله، وأنه خاتم الأنبياء والرسل وأنه مرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة لا يقبل إسلام المرء إلا بهذا الإيمان وهذا الأمر تضمنته آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف: 158]، وقولـه تعـالى {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً} [النساء: 79]، وقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40].
ومن الإيمان الصادق بالنبي e، اعتقاد صدقه e فيما أخبر: ويدل عليه قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3- 4]، وما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله e أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله – e – ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله – e فقال “أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق”([1]) .
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: طاعته – e – وامتثال أمره واتباع هديه: طاعته – e – واجبة بكتاب الله عز وجل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20]، قال – e -: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ([2]) .
ومما يجب على كل مسلم اتباع هدي النبي – e – قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، فلا بد للمسلم من اتباع هدي نبيه – e – واقتفاء آثره والعمل بما جاء به من قول وفعل فللوصول إلى محبة الله ورضوانه ومغفرة الذنوب اتباع ما جاء به النبي – e -، ومن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه e فقد كفر، قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} [النساء: 13-14].
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: الاقتداء به – e: قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، فلقد أمر الله جل وعلا نبيه – e – بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل، وأمر المسلمين باتباع النبي – e – والاقتداء به فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: توقيره e وتعظيم شأنه: فالنبي e هو خير خلق الله تعالى وأفضلهم، وهو أفضل الرسل وخاتم النبيين، وهو صاحب الوسيلة والفضيلة، وهو صاحب المقام المحمود مقام الشفاعة للناس يوم القيامة، أمر الله عز وجل بإجلاله وتوقير واحترامه، ونهى عن رفع الصوت بحضرته وأنذرهم بإحباط أعمالهم، وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عند حضرته، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيـم} [الحجرات: 3 إلى 5]، ونهى سبحانه أن يدعي الرسول باسمه كما يدعي سائر الناس وإنما يدعي بالنبوة والرسالة فيقال يا رسول الله أو يا نبي الله قـال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكـم كدعاء بعضكم بعضاً} [النور: 63]، وأمر سبحانه المسلمين بتوقيره فقال جل شأنه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الفتح: 8، 9]، فيجب توقيره e وإجلاله وتعظيمه، ومن توقيره e تعظيم شأنه احتراماً وإكباراً لكل ما يتعلق به من اسمه وحديثه وسنته وشريعته وآل بيته وصحابته رضوان الله عليهم وكل ما اتصل به e من قريب أو بعيد، فيُرفع من قدره – e – حتى لا يساويه ولا يدانيه أحد من الناس، ومن تعظيمه – e – تعظيم حديثه فيحترم كلامه e فقد روي عن جعفر بن محمد الصادق وكان كثير الدعابة والتبسم أنه إذا ذكر عنده النبي – e – اصفر وجهه وما رئى يحدث عن رسول الله – e – إلا على طهارة، وكان بن مسعود – رضي الله عنه – إذا حدث عن رسول الله – e – علاه كرب وتحدر العرق من جبينه – رضي الله عنه – وأرضاه، ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: أَنْ يَتَحَاكَمُ إِلَى سُنَّتِهِ – e – وأن يرِّضَى بِحُكْمِهِ – e -، وأن لا يتقدم على قوله بقول ولا على حكمه بحكم ولا على سنته وهديه برأي، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليمـاً} [النساء: 65]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1]، وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائـزون} [النور: 47 إلى 52]، [وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين]: ليس هذا بالإيمان إن كان الحق بجانبهم جاءوا إلى رسول الله طائعين منقادين، لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق، [أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا] أي هل في قلوبهم نفاق؟ أم شكوا في نبوته عليه السلام؟ [أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله] أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم، [بل أولئك هم الظالمون] أي بل هم الكاملون في الظلم والعناد لإعراضهم عن حكم رسول الله، [إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا] [وأولئك هم المفلحون]، هم الفائزون بسعادة الدارين، [ومن يطع الله ورسوله] أي ومن يطع أمر الله وأمر رسوله في كل فعل وعمل، [ويخش الله ويتقه] أي ويخاف الله تعالى لما فرط منه من الذنوب، ويمتثل أوامره ويجتنب زواجره، [فأولئك هم الفائزون] أي هم السعداء الناجون من عذاب الله، الفائزون برضوانه.
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: محبته – e -، إِذْ هِيَ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ – تَعَالَى-، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبة النبي – e – تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] فَالآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ -تَعَالَى- وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ –e– يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مَهْمَا كَانَ، وَهَذِهِ المَحَبَّةُ العَظِيمَةُ لِلنَّبِيِّ –e– لَازِمُهَا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ –e– أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَهْمَا كَانَ قُرْبُهُ مِنْهُ وَمَحَبَّتُهُ لَهُ، بَلْ هُوَ –e– أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا أَعْظَمَ المَحَبَّةِ، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، رَوَى البخاريِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ –e– قَالَ: “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمُ: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ”، ([3]) .وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ –e– أَنَّهُ قَالَ: “أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ“.([4]) .
إِنَّ المَحَبَّةَ الكَامِلَةَ لِلنَّبِيِّ –e– الَّتِي يَنْجُو بِهَا العَبْدُ مِنَ العَذَابِ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا النَّعِيمَ، يَجِبُ أَنْ تَتَجَاوَزَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، وَتَتَخَطَّى مَحَبَّتَهُ لِوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله e: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ([5]) . وقوله e: (فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده). ([6]) .
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، كَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَمَرَنَا بِذَلِكَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ–: {إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَصَلَاةُ اللهِ -تَعَالَى- عَلَيْهِ هِيَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فِي المَلَأِ الأَعْلَى، وَصَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ بِثَنَاءِ اللهِ -تَعَالَى-، وَدُعُاؤُهُمْ لَهُ. وَلَيْسَتْ صَلَاتُنَا عَلَى النَّبِيِّ –e– شَفَاعَةً لَهُ، فَإِنَّ مِثْلَنَا لَا يَشْفَعُ لِمِثْلِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَمَرَنَا بِمُكَافَأَةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهَا كَافَأْنَاهُ بِالدُّعَاءِ، فَأَرْشَدَنَا اللهُ -لَمَّا عَلِمَ عَجْزَنَا عَنْ مُكَافَأَةِ نَبِيِّنَا- إِلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، ذَلِكَ أَنَّ أَعْظَمَ خَيْرٍ حُزْنَاهُ وَهُوَ الإِيمَانُ، وَأَعْظَمُ شَرٍّ حَذِرْنَاهُ وَهُوَ الكُفْرُ كَانَ بِسَبَبِ بَلَاغِهِ –e -، وَمَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ e، وَاجِبٌ على كل مسلم، فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ أُجُورًا جَزِيلَةً، جَاءَتْ بِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: فَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ –e– سَبَبٌ لِمُضَاعَفَةِ صَلَاةِ اللهِ – تَعَالَى- عَلَى العَبْدِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ –e-: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا” ([7]) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ”([8]) .وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذِهِ العِبَادَةَ أَفْضَلُ العِبَادَاتِ، قَالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: “الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ –e– أَفْضَلُ العِبَادَاتِ، لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- تَوَلَّاهَا هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا المُؤْمِنِينَ، وَسَائِرُ العِبَادَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ”. وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ –e– وَيَقُولُ: “اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ الكُبْرَى وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ العُلْيَا وَآتِهِ سُؤْلَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى كَمَا آتَيْتَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى”.([9]) .
وَمِنْ فَضْلِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ: أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِنَا عَلَى النَّبِيِّ –e– تَبْلُغُهُ حَيْثُ كَانَ، فَيَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا صَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ –e-: “لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ” ([10]) . وَيُبَلِّغُهُ صَلَاتَنَا عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ اخْتُصُّوا بِذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ –e-: “إِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ” ([11]) .
وَلِلصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ – e – مَوَاطِنُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ – e – عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَبَعْدَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ، وَفِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي صَلاَةِ الْجَنَازَةِ، وَفِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا، وَفِي الْخُطَبِ: كَخُطْبَتَيْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَعِنْدَ كِتَابَةِ اسْمِهِ، وعند ذكره e، قَالَ e: (الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) ([12]) .
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: النصح لدينه – e: وقد جعل النبي – e – الدين النصيحة، له لقوله e: [الدِّينُ النَّصِيحَةُ] قُلْنَا لِمَنْ قَالَ: [لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ] ([13]) .
. والنصيحة لرسوله e تكون بنصرته وحمايته حياً وميتاً , وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها, وتعليمها والذب عنها, ونشرها, والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة، قال بن رجب: (وأما النصيحة للرسول – e – في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد موته، فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والإيمان به وبما جاء به، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه) انتهى([14]) .
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: محبة أهل بيته وصحابته – e، محبَّتُهم، وموالاتهم، وَبَرُّهمْ, وَمَعْرِفةُ حَقِّهِمْ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِم، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ, وَالاسْتِغْفَارُ لَهمْ، وَالإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وَالذَبُّ عَنْهُمْ، قال e(لا تسبوا أصحابي) ([15]) . وقال: e (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض) ([16]) . إن محبة أهل بيت رسول الله – e -، ومحبة أصحابه رضي الله عنهم، كل ذلك من محبته – e – وهي محبة واجبة، فمن أبغض أحداً من أهل بيت النبي – e – أو أحداً من صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد أبغض النبي – e – لأن محبته مقرونة بمحبتهم، ومودته مقرونه بمودتهم، قال تعالى – في حق آل البيت -: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، وقال – e في حق آل البيت -: (أنشدكم الله أهل بيتي) ([17]) .
[قال تعالى – في حق الصحابة -: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، وقال e – في حق الصحابة –: (الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) ([18]) .
ومن أهم حقوق الرسول e على كل مسلم: أن نوالي أولياءه، ونعادي أعداءه، فمن والاه فهو ولينا، ومن عاداه فهو عدونا، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55، 56]، وقَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22]، وَمِنْ ذَلِكَ مَحَبَّةُ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمُوَالَاتُهُمْ وَتَرْكُ انْتِقَاصِهِمْ وَالْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهم، لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في أخلاقهم مع الرسول e، أخرج البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قال: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ e وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ e: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ e الْآنَ يَا عُمَرُ) ([19]) .
لقد بلغ حب رسول الله e في قلوب الصحابة مبلغاً عظيماً، إلى درجة أنه شق عليهم أن يتصوروا عدم رؤيتهم له يوم القيامة في الجنة، لما سيبوء به من مقام رفيع وعال وهم دون ذلك، أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة عن عائشة قالت: (جاء رجل إلى النبي e فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك وعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي e حتى نزل جبريل بهذه الآية {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}،([20]) . وفي زاد المسير: إن لنزول الآية ثلاثة أسباب: أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله e كان شديد المحبة لرسول الله e، فرآه رسول الله يوماً فعرف الحزن في وجهه، فقال: يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية، والثاني: أن أصحاب رسول الله e قالوا له ما ينبغي أن نفارقك في الدنيا فانك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت هذه الآية، والثالث: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي وهو محزون، فقال: مالي أراك محزوناً؟ فقال: يا رسول الله غداً ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك، فنزلت هذه الآية) أهــ ([21]) .
وعَنْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: (كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) ([22]) .
وأخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ e عَنْ السَّاعَةِ فَقَال:َ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ e فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ e أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ e وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) ([23]) .
وأخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ) ([24]) . وأخرج البخاري عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ e بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) ([25]) .
لقد أرسل النبي e زيداً بن الدثنة في سرية عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي، ليفقهوا من أسلم من عضل والقارة في الدين ويقرئوهم القرآن، حتى إذا كانوا بالرجيع أتتهم هذيل فقاتلوهم، ووقع بعضهم في الأسر، ومنهم زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأمر به مولى له يقال له: نسطاس فخرج به إلى التنعيم فضرب عنقه ولما أرادوا قتله قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: نشدتك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ) ([26]) . لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، ظن الصحابي الجليل ثابت ابن قيس رضي الله عنه أنه المقصود في الآية فحبس نفسه في بيته لأنه بحسب رأيه رأى أنه قد آذى النبي e وتجاوز الأدب معه، على الرغم من أن طبيعة صوته جهورياً دون أن يقصد رفعه على صوت النبي e، فقد أخرج البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ e افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ فَقَالَ: شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ e فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ –أحد الرواة- فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة)([27]).
إن الصورة لتتجلى أكثر، فيما رواه البخاري في قصة عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى الرسول e في الحديبية يكلمه في أمر قريش، وقد انتدبته قريش لذلك، ثم جعل عروة يرمق صحابة النبي e، فو الله ما تنخم رسول الله e نخامة إلاّ وقعت في كف رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له، قال: فرجع عروة لأصحابه، فقال: (أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه تعظيم أصحاب محمد، والله إن تنخم نخامة إلاّ وقعت في كف رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له) ([28]) .
هذا هو الحب الصادق لرسول الله e، نسأل الله تعالى أن يرزقنا حب النبي وآله وصحبه وأتباعه وسنته وهديه، والإيمان الصادق به، وطاعته وامتثال أمره واتباع هديه، والاقتداء به وتوقيره e وتعظيم شأنه، ومَحَبَّتُهُ e وكثرة الصلاة والسلام عليه ، والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة، ومحبة أهل بيته الأطهار وصحابته الكرام وموالاتهم، وَبَرُّهمْ, وَمَعْرِفةُ حَقِّهِمْ , وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِم, وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ, وَالاسْتِغْفَارُ لَهمْ، وَالإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم , وَالذَبُّ عَنْهُمْ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) صحيح البخاري 9/92 ح 7280.
([3]) صحيح البخاري 6/116 ح 4781.
([8]) سنن النسائي 2/77 ح 1221.
([9]) مصنف عبدالرازق 2/211 ح 3104.
([10]) سنن أبي داود 3/385 ح 2042.
([11]) مسند أحمد 6/183 ح 3666.
([12]) سنن الترمذي 5/551 ح 3546.
([14]) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 200.
([15]) صحيح البخاري 5/8 ح 3673. صحيح مسلم 4/1967 ح 2540.
([16]) مسند أحمد 17/170 ح 11104.
([17]) الشفا بأحوال المصطفى للقاضي عياض 2/105.
([18]) مسند أحمد 34/169ح 20548، سنن الترمذي 5/696 ح 3862.
([19]) صحيح البخاري 8/129 ح 6632.
([20]) المعجم الصغير للطبراني 1/53 ح 52، حلية الأولياء 4/240.
([23]) صحيح البخاري 5/12 ح 3688.
([24]) صحيح مسلم 4/1812 ح 2325.
([25]) صحيح البخاري 1/49 ح 187.
([26]) سيرة ابن هشام 2/172، البداية والنهاية 5/506.