الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول:
بيان الفرق الضالة المبتدعة في الدين: [صح الخبر عن رسول الله e واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها فرق مبتدعة على عقائد ضالة تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية قائمة على الحق]، وقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة، وابن حجر في المطالب العالية، والسيوطي في الجامع الصغير، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير، ومن روايات الحديث الدال على افتراق الأمة:
(أ) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([1]) .
(ب) أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([2]) .
(ت) أخرج أبو داود عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله e قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة([3]) .
وأهم رؤوس البدع الضالة التي خالفت اهل السنّة والجماعة الناجية: تتمثل في بدع التشيع، والخروج، و الاعتزال، والحشو والتجسيم، والارجاء، ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة، كما أن هناك بدع خطيرة معاصرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال، ومن ذلك: بدعة الغلو في مسائل التكفير، وكذلك بدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبدعة الغلو في مسائل الشرك، وبدعة الغلو في مسائل التبديع.
[أهم أصول البدع الضالة عند الشيعة الروافض]: أهم أصول البدع الضالة عند الشيعة الروافض تتمثل في: المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم (والإمامة) عند أهل السنة والجماعة الناجية: ليست من أصول الدين وأركانه، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام، وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي e ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله e، أما الإمامة عند الشيعة روافض الحق: فلها وضع عجيب غريب يمتلئ بالغلول والضلال، إذ جعلوها أساس الدين الأعظم وركنه الأكبر، وجعلوها الأصل الأول من أصول الاعتقاد وقدموها على الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعلوها محور الخلود في الجنة أو الخلود في النار ثم هم مختلفون في أئمتهم أشد الاختلاف وأئمة الإمامية غير أئمة الزيدية غير أئمة الإسماعيلية وجميعهم شيعة الباطل، ومن أصول الضلال عندهم: بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم وأصحاب النبي e الكرام البررة، هم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته، راجين رحمته وخائفين من عذابه، امتدحهم الله تعالى في قرآنه الكريم، أما الشيعة الإمامية يعتبرون عامه الصحابة كفاراً مرتدين وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على بمئات النصوص التي تدل على معتقدهم الضال في صحابة رسول الله e ورضي الله عنهم وأرضاهم، ومن أصول الضلال عندهم: التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم، حيث يقوم مذهب الرافضة الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم، ولما كان للصحابة رضي الله عنهم الفضل الأعظم بعد الله ورسوله في تبليغ القرآن الكريم وفي جمعه وكتابته بين دفتي المصحف، ولما كان القرآن الكريم تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم، كان الشيعة في مأزق عسير: إما أن يتوبوا إلى الله من ضلالاتهم ويجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لعلي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم، ومن أصول الضلال عندهم: عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب أهمها: أنّهم يكفرون أصحاب النبي e ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي e إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، والسبب الثاني: أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي e وحفظوه لمن بعدهم وإلى قيام الساعة، والشيعة ينكرون كل حديث صدر منهم، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي e الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي e وتكذيبها.ومن أصول الضلال عندهم: وقوع الشيعة الإمامية في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق، وأسباب ذلك: استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي e الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم، وهذا المعتقد عندهم سهل الشتيمة على ألسنتهم حتى صار اللعان والسباب صفة متأصلة تملأ صدورهم، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة، وضاعت غيرتهم وصاروا لا خلاق ولا أخلاق، نسأل الله العافية.
[أبرز ضلالات الخوارج]: الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم مخازي مشينة ومعتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول e من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة، ومن هذه المعتقدات الضالة: (أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه، ويشترطون فيه أن يكون قدوتهم في العبادات التي غالوا فيها وأوجبوها على أنفسهم مع أنها رغبة عن سنة النبي e، ويشترطون فيه أن يكون خالياً مبرئا من اللهو محب المعاصي وكأنهم يريدون نبياً يحكمهم ووالله لو كان نبياً لخرجوا عليه، ويشترطون في صحة إمامته أن تكو بيعته بإجماعه ويرضى كافتهم لا يغني بعضهم عن بعض، ونظراً لهذه المعتقدات الضالة في الإمامة فإن إمامهم لا يكون إلا أشد منهم تنطعاً وغلواً وإلا عاش بينهم مذعوراً ينتظر متى يخطئ أدنى خطأ حتى يكفروه ويخرجوا عليه مستحلين دمه وعرضه وماله، (ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد، (ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان ويشهدون لأنفسهم بالجنة، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم حتى وإن كان على مذهبهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار الإسلام على مذهبهم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى يدركوا فيعرضون عليهم الإسلام، ولا يحكمون عليهم قبل ذلك بإسلام ولا كفر، فهذه صور من غلو الخوارج وبالطبع فليست بإجماع منهم ولا اتفاق إذ المعروف عـن الخوارج أنهم فرق عديدة تمكنت منها أهواؤها ويميز كل فرق منهم بإعجابه برأيه واتباع هواه، فأدى ذلك إلى اختلافهم في عقائدهم حتى داخل الفرقة الواحدة، ولو ألقيت على جماعة منهم سؤلاً واحداً في الاعتقاد لربما انقسموا على أثره إلى فرق عديدة بعدد وجوه إجابة السؤال فنسأل الله السلامة. [أبرز ضلالات المعتزلة]: المعتزلة فرقة واسعة الانتشار بأفكارها الضالة إذ يظن البعض ممن لا دراية له أن المعتزلة فرقة ضالة ظهرت في القرن الثاني الهجري ثم اندثرت بعد ذلك وهذا خطأ بين إذ أن كثير من العقلانيين اليوم ما هم في حقيقة أمرهم إلا معتزلة، وكذلك فلا تنسى أن الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية هؤلاء جميعاً هم معتزلة في الأصول، ومن أصول الضلال الضلال عند المعتزلة: الأصل الأول عندهم: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي: وهذا الأصل يبحثون فيه مبحث صفات الله تعالى وما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه سبحانه وقد وصلوا من خلال هذا المبحث إلى نفي جميع صفات الله تعالى من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه سبحانه لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة، ووصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثباتاً، والأصل الثاني عندهم: يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى فوقعوا في وصفه سبحانه بالعجز تعالى الله عن ضلال المعتزلة علواً كبيراً ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد فيهم، وأن الله تعالى لم يخلقها، وإنما هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله تعالى لا يضل من يشاء، ولا يذل من يشاء، ويرون أنه إذا شاء الله عز وجل الهداية لإنسان وشاء هو لنفسه الضلالة غلبت مشيئة الانسان لأنه هو الخالق لأفعاله، والأصل الثالث عندهم: ويسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي e، وتحكم غير صحيح في مشيئة الله تعالى الذي إن شاء عذّب وإن شاء عفى، والأصل الرابع عندهم: ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، والأصل الخامس عندهم: ويسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر: وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين. [المجسمة فرقة من الفرق الضالة التي تنتسب إلى الإسلام]: تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، و (الجسمية) دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، وهي تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها الحد والمقدار فإن لكل جسم حد ومقدار والله تعالى منزه عن الحد والمقدار، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو {الغني} له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، والجسم مادة، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل، وقوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية فقوله تعالى (أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله {أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله {أحد} منافي للجسمية وقوله تعالى {الله الصمد} فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وأما قوله تعالى {ولم يكن له كفواً أحد} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة فلو كان تعالى جسما لكان مثلاُ لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {والله الغنى وأنتم الفقراء}دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم ؤ والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى: {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مقدَراً متناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يشركون، وقوله تعالى {هو الأول والأخر والظاهر والباطن} يقتضى أن يكون منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا أبدا، (والظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده، وقوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول [أبرز ضلالات المرجئة]: الإرجاء صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و(المرجئة) يخرجون أعمال الجوارح عن مسمى الإيمان، ولهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة) وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام، وأهل السنة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين، ومن أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء: الأصل الأول: الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، وإن نسيت إلى الإيمان فهي نسبة مجازية وليست حقيقية لأن الإيمان في القلب لا يتعداه إلى غيره، وهذا الأصل يكاد يجمع غالب فرق المرجئة، والأصل الثاني من أصول الضلال عند المرجئة: الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان، والأصل الثالث من أصول الضلال عند المرجئة: إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به، وبالتالي فالنتيجة الحتمية لذلك هي إهمال أداء الواجبات وإهمال قدرها، والاستهانة بالمعاصي والاجتراء عليها، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولات المرجئة: فمنهم من يقول: (الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط)، ومنهم من يقول: (فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا)، ومنهم من يقول: (لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً)، ومنهم من يقول: (النار محرمة على أهل لا إله إلا الله)، وهكذا من الأقوال التي يبدو فيها الخلل واضحاً في إهمال قيمة الطاعات وأداء الواجبات والكف عن المحرمات، والأصل الرابع من أصول الضلال عند المرجئة: زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة، فمن سجد للصنم أو سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ما كان في قلبه التصديق وعلى لسانه الإقرار. [أبرز ضلالات الجهمية]: الجهمية فرقة ضالة يقوم ضلالها على: الأصل الأول: تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، والأصل الثاني: القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، والأصل الثالث: القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، والأصل الرابع: القول بفناء الجنة والنار، والأصل الخامس: إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، وبعد، فتلك أصول البدع المخرجة عن إطار أهل السنّة والجماعة إلى أُطر الفرق الضالة وتتمثل في بدع الرفض والتشيع، والخروج، والاعتزال، والتجسيم، والارجاء، والتجهم ومن خلال تلك البدع ظهرت الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم أهل السنة والجماعة، على اني يلزمني ال (تنبيه) إلى أن: هناك بدع أخرى معاصرة خطيرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال:ومن ذلك: بدعة الغلو في مسائل التكفير، وكذلك بدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبدعة الغلو في مسائل الشرك، وبدعة الغلو في مسائل التبديع، فهذه الأربعة بدع خطيرة معاصرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة وتمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال،
[بدعة الغلو في مسائل التكفير]: بدعة الغلو في مسائل التكفير تمثلها جماعات الغلو في التكفير: هي جماعات غالية نهجت نهج الخوارج في تكفير أهل القبلة من المسلمين بالذنوب والمعاصي، والتكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعات فهم يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، ويرجع أصل بدعة الغلو في التكفير الى الخوارج والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة القرآن ولكنهم أتوا من فساد العقيدة، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وقد وصفهم النبي e بقوله: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، وأنّهم: (يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان)،، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم، وذلك في حلقات التجديد في علم الإيمان تناولت عبر ثمانية عشرة حلقة التأسيس لعلم الإيمان والرد على بدعة الغلو التكفير واتهام الأمة بالكفر الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ،، [بدعة الحشو في مسائل التقديس]: الحشوية: لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والكون في المكان، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، والحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، وهم من أخطر الفرق على منهاج أهل السنة والجماعة، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف، وقد سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، (ب) ولأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف، (ت) ولأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أ سقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، (ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.[بدعة الغلو في مسائل الشرك] لقد حدث الغلو في مسائل الشرك واتهام المسلمين بالشرك الأكبر في أعمال لا تبلغ بهم ذلك الشرك، والسبب في ذلك الغلو، هو الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة وذلك بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في تحديد الضابط الشرعي الدقيق والصحيح لمسمى العبادة، وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، في أعمال قد تسبب فيها الجهل أو البدعة، أو مجرد الخلاف الفقهي المشروع، وأدى ذلكم الغلو إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون تحل دماؤهم واعراضهم، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم، وذلك في حلقات التجديد في علم التوحيد تناولت عبر ثلاث وعشرين حلقة التأسيس لعلم التوحيد الصافي والرد على بدعة الغلو في التشريك واتهام الأمة بالشرك في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ.
[بدعة الغلو في مسائل التبديع]: لقد حدث الغلو في مسائل التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب الغلاة في التبديع في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، لقد حدث غلو شديد في مسائل التبديع، وصار الغلاة يبدعون حتى في المسائل الفقهية الاجتهادية التي قال بها الأئمة المجتهدين، وصار الغلاة يبدعون حتى المدارس الأصولية التى ارتضاها أهل السنّة والجماعة مدارس معبرة عن آرائهم، وهي الأثرية والأشعرية والماتريدية، تلك المدارس المتخصصة التي حفظ الله تعالى بها عقائد أهل السنّة والجماعة بعيدا عن الاعتزال والحشو والتجسيم، إن فقه مسائل السنّة والبدعة، باب خطير لأنّ التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع، والتبديع سلاح خطير، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره،، وأحمد الله تعالى أن أكرمني بالرد عليهم وإظهار تلبيسهم وتدليسهم وباطلاهم، وذلك في حلقات التجديد في علم الاتباع تناولت عبر سبعة وعشرين حلقة التأسيس لعلم الاتباع والرد على بدعة الغلو في التبديع، اللهم ارزقنا العلم والعمل، اللهم ارزقنا الفهم والفقه، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يُستجاب لها، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.***