الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: حمل أمانة الدين بالحسبة عليه، وبيان أهمية الحسبة على الدين لحفظ الدين:
أقول وبالله التوفيق: [المعروف]: هو كل ما يأمر به الشرع ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك جميع عقائد الإسلام وعباداته وطاعاته وأخلاقه، والمنكر: هو كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله، ويدخل في ذلك جميع معتقدات أهل الكفر والشرك والبدع والمعاصي التي تخالف دين الإسلام، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر فإنه يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، ولأنه لا يتم فعل المعروف إلا بترك المنكر، وإذا أطلق النهي عن المنكر من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف، وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك المنكر إلا بفعل المعروف.
[حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويكون فرض عين على من يشاهده بحسب قدرته، لقوله e: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([1]) . كما يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المحتسب الموظف القائم على نظام الحسبة في المجتمع. [أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان فضله]: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، متوقف على القيام به قيام الدين وحفظ شرائعه وتعظيم شعائره وعلو كلمته، ومتوقف عليه صلاح البلاد والعباد في دينهم ودنياهم، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وفي اهماله يظهر الفساد في البر والبحر وتنتشر المنكرات ويعم العذاب وتضيع عرى الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز ما وصف به النبي e في الكتب السابقة، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز صفات المؤمنين، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية أمة النبي e على سائر الأمم، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب الفلاح، كما في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب النجاة من عذاب الدنيا، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]، وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو علامة قوة الإيمان، كما في قوله e: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) ([2]) . وقوله e: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([3]) . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب استجابة الدعاء، كما في قوله e: (مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) ([4]) . تَدْعُوا فَلاَ يُسْتَجَابَ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – أنه من أسباب النصر، قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنِ يِنَصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوىُّ عَزيزُ * الَّذيِنَ إن مَّكَّناهُم في الأَرضِ أقَامُوا الّصلاةَ وأتُوا الزكاةَ وَأمَرُوا بِالمعرُوفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَرِ وللهِ عَاقِبةُ الأمُورِ} والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الصالحين، قال تعالى: {لَيسُوا سَواءً من أهلِ الكتَابِ أُمةُ قَائِمةُ يَتلُونَ آياتِ اللهِ آناء الليلِ وَهُم يَسجُدُونَ * يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوم الآخِرِ وَيَأمرونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَن المُنكَر وَيُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وَأولئِكَ منَ الصَّالِحُينَ}. [عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال المنافقين، كما في قوله تعالى: {المُنَافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنَهَونَ عَن المَعرُوفِ وَيَقبِضُونَ أيدِيَهُم نَسُوا اللهَ فَنَسِيهُم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ}، وعاقبة ترك الأمر بالعروف والنهي عن المنكر هو اللعن والطرد من رحمة الله، كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79]، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بئس صنيع العلماء، كما في قوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، وعاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي وقوع الهلاك والعذاب، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فَتنَةً لا تُصِيبَنَ الذين ظَلَمُوا مِنكُم خاصةً}، وأخرج أحمد والترمذي عن حذيفة رضى الله عنه مرفوعاً: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) ([5]) .وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو بداية النقص كما أخرج أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا: اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم) ([6]) . [مثال عظيم ضربه الرسول صلى الله عله وسلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: أخرج البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) ([7]) . وفي هذا الحديث مثال عظيم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتمثل في أمور منها: أنّ المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا، وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة، بل في الدنيا، كما في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى، ومنها: أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد، إنما أفسد فيما يخصني، كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسنة الجاهلين، لأن شؤم فعله وسوء عاقبته فساد يشملهم أجمعين، ومنها: أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك، ومنها: أنه إذا أنكر مُنْكِر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم، نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل، والجهل بعواقب هذا الفعل، إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله، وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذ المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره، وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج، ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق، آثم فيما نـزل به، وعاص بقتل نفسه، كذلك الساكت عن إنكار المنكر آثم بسكوته، عاص بإهلاك نفسه، ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح منهم وغيره([8]) . [واجب الدعاة والعلماء والربانيين تجاه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: على العلماء واجب عظيم ومسئولية خطيرة تجاه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ببيان الشرع للناس، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الـرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 174، 175]، وقوله e: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) ([9]) .وقد ذم القرآن الكريم علماء اليهود وأحبارهم لعدم قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 62، 63]، وقوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].
[ضرورة وجود نِظامُ للحِسْبَة على الدين]: (الحسبة): معناها: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، لقد شرع الإسلام نظام الحسبة على المجتمع حتى تكون أفعاله وأقواله وفق شرع الإسلام، فإن ترك المجتمع معروفاً تكفلت الحسبة بالأمر به وإيجاده، وأن ظهر في المجتمع منكراً قامت الحسبة بالنهي عنه وعملت على إزالته، ويتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المحتسب القائم على الحسبة في المجتمع، و(الحسبة على الدين): فرض كفاية إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد، أثم القادرون جميعاً، و(للحسبة) مكانة عظيمة جداً في الاسلام لأنها من أخص خصائص الرسول e، كما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، وهي من أخص خصائص المؤمنين كما جاء في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، وقد كان ترك الحسبة سبب في لعن الأمم السابقة وطردهم من رحمة الله، كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]، وقد كانت فضيلة (الحسبة) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة الإسلام، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، والحسبة هي صمام الأمن في المجتمع وسبب نجاة المؤمنين من وقوع العذاب، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]، و(تجري الحسبة على أي فرد في المجتمع، إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر والكل أمام هذا الفرض سواء، إلا احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ولا يتعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعاية لحق الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب، وإلا احتساب المحتسب على الأمير وصاحب السلطان والمنصب فإنّه يكون بالرفق واللين مع الصدع بالحق. [شروط المنكر الذي ينبغي الاحتساب عليه]: (أ) أن يكون ظاهراً ينكشف للمحتسب بدون تجسس، وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلق الجدار أو يكسر الباب ليطلع على ما يفعله أهل الدار، (ب) أن يكون المنكر قائماً في الحال، ومعنى ذلك أن يكون موجوداً في الحال لأن المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه، (ت) عدم الخلاف فيه بمعنى أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكراً حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء وإن كان غير جائز على رأي المحتسب، ولكن ينبغي أن يكون الخلاف سائغاً، وعلامة كونه كذلك أن يكون قال به عالم معتبر من علماء أهل السنّة المجتهدين كأحد أئمة المذاهب الأربعة المقتدى بهم في الدين، فهذا الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب عليه، أما الخلاف غير السائغ، فهو الخلاف الباطل الذي لم يقل به أحد الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، فهذا الخلاف لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول، ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب عليه. [أمثلة للحسبة في الإسلام]: (أ) تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو اظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة أو دعا الناس إليها أو حرف النصوص أو ابتدع في العقيدة بدعة لا أصل لها، منع من ذلك وجرت الحسبة عليه، ويدخل في ذلك الحسبة على الفرق الضالة كالشيعة والخوارج والمعتزلة والمشبهة والمرجئة، (ب) وتجري الحسبة على العبادات: ويدخل في ذلك ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها، أو الافطار في رمضان، أو الامتناع عن اخراج الزكاة، وهكذا، (ت) وتجري الحسبة على المعاملات: ويدخل في ذلك الرشوة والغش في الصناعات والمبيعات، وأكل أموال الناس بالباطل، والتعامل بالربا، والتطفيف في الكيل والميزان وغيره من أنواع الغش. [فقه الاحتساب]: الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلاً، وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب فيجب أن ينظر المحتسب الى ما يؤول اليه احتسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب، وذلك لأن الاحتساب إنما يطلب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوباً شرعاً وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجباً أو فعل محرماً، لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر، لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح، فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقداراً من الفساد أكبر من الفساد القائم أو يفوت من الصلاح مقداراً أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع، فمن فقه الاحتساب: أن يتبصر المحتسب في حسبته، ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه او يحجم عنه،وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين، اما بالنسبة للعموم فإن المحتسب يأمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً، و(من فقه الاحتساب): نستطيع أن نفهم لماذا منع الشرع من الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق، لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة أعظم لم يجز الاحتساب، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح واحداث الفتنة والاقتتال بين المسلمين، كما أنّ السلطان بحاجة الى التلطف معه لما يحس من نفسه من سلطة، ولأنه محتاج الى الهيبة وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعاً لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب وبهذا أشار الفقهاء. ويقاس على السلطان نوابه وولاة الأمور. وقد يدل على ذلك و يؤيده، ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون وقد أرسلهما الى فرعون بقوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، و(من فقه الاحتساب): الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك عند الاحتساب، ودليل ذلك قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقوله e: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف) ([10]) . وفعله e وهو إمام المحتسبين، فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن ابي امامة رضي الله عنه أن غلاماً شاباً أتى النبي e فقال يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي e قربوه، أدن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك حتى ذكر e العمة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا جعلني الله فداك، والنبي e يقول: كذلك الناس لا يحبونه. فوضع رسول الله e يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض اليه من الزنى) ([11]) .([4]) سنن ابن ماجة 5/139 ح 4004.
([5]) مسند أحمد 38/332 ح 23301. سنن الترمذي 4/468 ح 2169.
([6]) سنن أبي داود 6/391 ح 4336، السنن الكبرى للبيهقي 20/262 ح 20222.
([7]) صحيح البخاري 3/139 ح 2493.
([8]) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الجاهلين: ابن النحاس ص 89.
([9]) مسند أحمد 13/18 ح 7571.، المستدرك للحاكم 1/181 ح 344.