الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أهم أخلاق القادة في باب الجهاد، وبيان أهم أخلاق الجندية في الإسلام، أقول وبالله التوفيق:
أهل الجهاد هم أهل الإيمان والإحسان الواقفون على أعظم ثغور الإسلام وذروة سنامه وأعلى سهم فيه، وهم الموعودون من الله تعالى بالمنازل العالية في الجنة، وأخلاقهم لابد وان تكون أحسن الأخلاق، يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الله تعالى، من أخلاق: التوحيد والبراءة من الشرك، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله، والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، ويتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الرسول e من وجوب الإيمان به والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، ومن محبته e أكثر من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن تعظيمه وتوقيره e، والاستنان بسنته، و كثرة الصلاة عليه e، ومحبة آل بيته ومحبة أصحابه، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع أخلاق المسلم مع الدين: من الرضا به دينا، ومن التفاني في العمل من أجل نصرة هذا الدين، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق الفرد المسلم في ذات نفسه: وهي كثيرة أهمها: الصِّدْق، والأمَانَة، والعَدْل، والحِكْمَة، والكَرَم، والشَّجَاعَة، والحَيَاء، والعفة، والحِلْم، والأناة، والرِّفق، والتواضع، والرحمة، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المجتمع المسلم من التآخي في الله، والتحاب في الله، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والبر، والتضحية، والتآلف، والتَّودُّد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، والستر للعصاة والمذنبين والمقصرين، وبذل المعروف لهم، وسلامة الصدر لهم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وقضاء حاجات المسلمين والرحمة لهم والشفقة بهم وعموم البر والإحسان لهم، وفي هذه الدروس أتناول أهم الأخلاق التي تميز المجاهدين الصادقين قادة وجنودا، (9) أهم أخلاق القادة في باب الجهاد: إن قيادة الرجال هي من أصعب أنواع القيادة فهي ليست بالمهمة السهلة لأنها تتطلب ممن يقوم بها أن يكون مؤهلا متفهما لمبادئها وقواعدها وأساليبها وأصولها، لذا فلابد أن يتمتع القائد بمميزات وصفات حسية ومعنوية ونفسية تمكنه من أداء مهمته وصولا إلى ما يصبو إليه من أهداف.
ومن ابرز الصفات والخصائص التي تدرس على أنها صفات القائد الناجح ما يلي: (1) المظهر: ينبغي أن يظهر القائد بشكل مميز سواء في ملبسة أو تصرفاته أو أخلاقة بحيث يكون القدوة الحسنة لمرؤوسيه ويجب أن يعبر مظهر القائد عن ثقته بنفسه ونشاطه وحيويتة وفطنته، ويجب أن يوحي كذلك بالهدوء والاتزان والرصانة وعلية أن لا يكون سريع الغضب والانفعال لان ذلك يفقده القدرة على اتخاذ القرار الصائب وكذلك يفقده ثقة مرؤوسيه واحترامهم له، إن إحساس المرؤوسين وكل من هم حول القائد بثباته واتزانه، يترك لديهم انطباعاً عاماً بالثقة والأمان، كما أن كثرة الهياج وحدّة الطباع، يفقد القائد ثقة المرؤوسين في.
(2) الشجاعة: وهي الحالة العقلية التي تمكن الإنسان من السيطرة على الخوف وتمكنه من اجتياز المخاطر والصعاب، وتجعله يتقبل المسؤولية ويتصرف بالطريقة المناسبة في حالات التهديد، والشجاعة أيضاً تعني الوقوف مع الحق حتى لو أدّت بصاحبها أن يواجه إجماعاً رافضاً لهذا الحق، إن القائد الذي يتمتع بالشجاعة الروحية سوف يكون قادراً على تصحيح أخطائه، وسوف يفرض قراراته طالما أحس بأنه على صواب، ومن الشجاعة الأدبية والتي تكسب القائد ثقة ومحبة واحترام مرؤوسيه تقبل اللوم والانتقاد والاعتراف بالأخطاء، والشجاعة عنصر هام يجب توافره في القائد لأنه من خلاله يتمكن من إصدار القرار بثقة وجراءة.
(3) الحزم: وهو القدرة على اتخاذ القرار دون تردد وبشكل واضح وفي اللحظة المناسبة، وهو صفة هامة لا غنى للقائد أو المدير عنها لأنه سيمر بظروف وأحوال تفرض علية اتخاذ القرار بشجاعة وبحزم وبسرعة.
(4) الصبر والاحتمال: الصبر:هو القدرة العقلية والبدنيه على الاحتمال، وهو كذلك القدرة على تحمل المصاعب والتعب وقلة النوم والراحة وتحمل الإجهاد الشديد في أقسى الظروف وهي صفه تكسب القائد ثقة واحترام مرؤوسيه، والصبر بوجه عام مماثل للشجاعة، إن افتقاد القائد للجلد سيجعله عنصر ضعف بدلاً من أن يكون عنصر قوة، كما هو مفروض أن يكون.
(5) العدل: يجب أن يتخذ القائد قراراته ويصدر أحكامه دون أي تحيز أو تمييز أو ظلم أو إفراط أو تفريط لان ذلك يصنع الرضا بين المرؤوسين ويزيد من محبتهم لرئيسهم، والقائد الذي يمارس أسلوب المحسوبية والإيثار سينتهي به الأمر إلى تدمير معنويات مؤسسته ومرؤوسيه.
(6) النزاهة: وهي استقامة الخلق والتحلي بصفات الأمانة والعفة ونظافة اليد واللسان والجوارح، وهي صفة لا غنى للقائد عنها لأنه بغير الأخلاق لا ينجح في عمله ولا يحقق أهدافه، أن النزاهة وصحة المبادئ الأخلاقية والصدق والأمانة تصبُّ جميعاً في مبدأ الاستقامة.
(7) المعرفة: ينبغي على القائد أن يكون على قدر كبير من العلم والمعرفة بما يجعله واسع المدارك لاسيما في كل ما يتعلق بمجال تخصصه وعمله.
(8) اللباقة وحسن التعامل: اللباقة هي كيفية التعامل مع الآخرين بأسلوب مهذب ومحترم، يجب أن يتمتع القائد بالقدرة على التعامل مع الآخرين باحترام وأدب وكياسة ولباقة، والقائد الحقيقي لا يبحث عن السلطة حبا في السيطرة وإنما يبحث في سبل مساعدتها لتصبح قادرة على خدمه هدف نبيل عادل.
(9) الإيثار: وعكسها الأنانية القاتلة التي تعمي الإنسان عن رؤية إلا مصلحته متناسيا مصالح الآخرين ولا يأبه إلا بمنفعته الخاصة على حساب مرؤوسيه وأتباعه، والقائد المنكر لذاته هو ذلك الشخص الذي يتجنب أن يرتفع على حساب الآخرين، إن القائد الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يضع نفسه في آخر سلم الأولويات ويشاطر المرؤوسين الأوقات الصعبة والأخطار.
(10) الولاء والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين، مع الحماس والرغبة الصادقة للقيام بالمهام وتحمل الأعباء العمل، والإيمان بالهدف والغاية، وأن يكون القدوة الحسنة لكافة مرؤوسيه، ثمرات وفوائد القيادة في حياه الأفراد والجماعات: إن القيادة جزء من نشاط الإنسان في هذه الحياة، وما أرادها الإنسان لنفسه الا لفوائدها وثمراتها العظيمة في حياته العملية،حيث تشكل القيادة جوهر النجاح وسره في كل منظمة مهما كان نوعها او مستواها او حجمها، فبدون القائد الموجة لا يتم الأمر مهما كان ولا يبلغ الإنسان هدفه ومبتغاة، وبالتالي فان القيادة- الناجحة- هي الموجه لنشاط الأفراد والجماعات وهي الداعم لنجاحاتهم وتحقيق أهدافهم، ومن أهم ثمرات القيادة في الحياة العملية: أنها تسهم في تنظيم وترتيب مجريات الحياة وحمايتها من الاضطراب والفوضى، وأنها تسهم في أقامه العدل والحق والإنصاف في المجتمع ونصب موازين الحق بين الناس وإعادة الحق لأصحابه، وانها ضرورية لتوجيه الطاقات والتنسيق بينها بما يضمن توحيد جهود العاملين في إطار تحقيق الأهداف والغايات، حيث لا تتحقق الأهداف والغايات في أي عمل مهما كان نوعه ومستواه إلا بالقيادة، كما تساهم القيادة في توظيف القدرات والطاقات البشرية وتنميتها ورعايتها بهدف تحقيق غايات المسلم ومقاصده، وثمرات القيادة في حياة الأفراد والجماعات مهمة ولا غنى للإنسان عنها، اعتبارات ضرورية تجعل من القائد صالحًا لعملية القيادة:
لكي يكون القائد ناجحا لابد أن يراعي بعض العوامل وأهمها:
(1) القدوة الحسنة والمثل الأعلى: لأن من أساسيات نجاح القائد في إدارة مرؤوسيه هو ان يكون قدوة حسنة ومثلا أعلى لهم، (2) الاقتناع بأهداف العمل وغاياته: لا يمكن لأي قائد أن ينجح أو يحقق أهدافه إذا لم يكن مؤمنا بها الإيمان الذي يصل إلى كحد الشغف بها والتفاني من أجلها، والقائد المؤمن بالهدف المقتنع بإمكانية تحقيقه والمتفاني من أجل ذلك بوقته وجهده سوف يملأ نفوس مرؤوسيه بالحماس ويرفع من روحهم المعنوية ويجدد طاقاتهم ويدفعهم للمزيد من البذل والعطاء، (3) التصرف بمسؤولية: القائد يجب أن يكون مستعدا لمواجهة أسواء الاحتمالات، والقيادة الناجحة ترتبط بالإقدام وليس بالإحجام، والقائد المسؤول هو الذي يرتفع بشخصيته وبوظيفته إلى مستوى المسؤولية، والقائد الناجح هو الذي يتصف بالشجاعة وقوة الإرادة، والتصرف بالمسؤولية، (4) الطموح والتطلع إلى الأمام: لأنّ القيادة الناجحة تتطلب الطموح وعدم الركون للجمود، فالقيادة الطموحة هي التي تسعى للإصلاح، (5) تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة: لأنّ من صفات القائد الناجح: الإيثار وعدم الأنانية، والقائد النزيه هو الذي ينتمي إلى الجماعة على حساب نفسه، ويؤثر المصلحة العامة على مصلحته الشخصية ويشجب كل مظاهر الموالاة والتحيز، ويعمل على إنجاز الأعمال بكفاءة وفاعليه تقوم على العلاقات الإنسانية السليمة وأهمها العدل والانصاف، (6) الفهم التام للعوامل البيئية المحيطة: لأنها على فقه بالواقع، فلا تعيش في فراغ، بل تعمل في إطار بيئات تحكمها، سياسية واقتصادية واجتماعية، ومسؤولية القائد تفرض عليه أن يراعي تلك الظروف المختلفة وتأثيراتها المحتملة من أجل إنجاح المهام وتحقيق الغايات، (7) إطلاع المرؤوسين على مجريات الأمور: إن هذا الأمر هام جدا لأنه يبقيهم في صورة الوضع القائم، بحيث لا يكون احدهم غافلا عن مجريات إحداث الأمور، مما يساعد على التشاور من أجل الوصول للحلول المثلى لكافة ما يتعلق بالعمل،
أهم أخلاق الجندية في الإسلام: لقد وضح دين الإسلام القيم أهميه الجهاد وجعله ذروة سنام الإسلام وأعلى سهم فيه، قال e: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) ([1]) .
وقد وضع القادة الأوائل في الإسلام شروطا للجندية، ووضحوا أهم أخلاق الجندي المجاهد، والتي تجعله قدوة ومثلا يحتذى بأخلاقه وشجاعته وصموده وقدرته على المواجهة، شروط الجندية الإسلامية: لابد قبل الحديث عن أخلاق المجاهد ان نتطرق الى من هو المجاهد المسلم وكيف يتم اختياره ليكون الأساس منذ البدء سليما صحيحا، لذا كان لابد من شروط يتحلى بها الجندي والمقاتل المسلم والتي من أهمها:
(1) الإسلام: فلابد لمن أراد الانخراط في الجيش الإسلامي ان يكون مسلما لكي يدافع عن دينه وبلادة بإخلاص وقناعه وان يكون لديه الحافز والدافع للتضحية بروحه في سبيل وطنه وأمته ضد الطامعين والمعتدين، (2) البلوغ: لابد من ان يكون المقاتل بالغا راشدا ليدرك معنى وأهميه وقيمه ما يفعل من عمل، (3) الصحة والسلامة: وهو ان يتمتع من أراد الدخول في الجندية بالسلامة والصحة بأقسامها المختلفة وهي: (الصحة الجسدية): لابد من ان يكون الجندي صحيح الجسم وليس عاجزا ضعيفا وخاليا من الأمراض والعلل، لان الواجبات التي ستناط به ستكون شاقه وصعبه تتطلب منه ان يكون سليم البنية قوى الجسد، و (الصحة العقلية): حتى تتكامل سلامه العقل مع الجسد هو تمام كمال الصحة والسلامة للإنسان، ولا ريب أيضا ان من فقد عقله قد سقطت الواجبات، و (الصحة النفسية): لأن الاضطراب النفسي والهذيان وغيرها من علل النفس هي موانع الانخراط في الجندية لأنها قد تؤدي بصاحبها الى إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين، فشرط تمام الصحة النفسية هو شرط أساسي لدخول في جيش الإسلام، (4) الشجاعة والإقدام: ليس هناك من مكان لمتخاذل او جبان في الجيش، لان الجبان سوف يحبط كثيرا من زملائه ويدمر معنوياتهم في ساحة القتال، لذا فان الحماس والشجاعة والإقدام والرغبة هي شروط لابد من توفرها في المجاهد المسلم السوي السليم.
أخلاق الجندي المسلم تجاه قيادته:
(أولا): السمع والطاعة: إن أهم ما يميز العمل الجهادي هو الطاعة واحترام الأوامر الصادرة من القادة والتي يجب على الجندي الالتزام بها والامتثال لها،إذ بغير السمع والطاعة لا يمكن أن يستقيم الضبط والربط، وتسود الفوضى وتتداخل الواجبات ويعم الاضطراب في أرجاء المؤسسة العسكرية، وهذا السلوك الايجابي حرص عليه شرع الإسلام أشد الحرص، والسمع والطاعة واحترام الأوامر من أهم القيم الأخلاقية العالية في دين الإسلام: إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك اللحمة يعرف أنّ طاعة أولياء الأمر واحترامهم والنصيحة لهم والصبر على أخطائهم من أبرز القيم الإسلامية التي تحقق للمجتمع تماسكه وأمنه واستقراره، إن المجتمع الإسلامي يعيش في ظل السياسة الشرعية الحكيمة التي تعرف لأولياء الأمور حقوقهم ولا تفتئت على صلاحياتهم، تلك السياسة الشرعية الحكيمة التي تحفظ لحكام المسلمين حقوقهم، وتحفظ على المؤمنين حرماتهم، مع الصبر على جور الحكام وظلمهم، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة على ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله e، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم e، وقد جعلت سنة النبي e: طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال:(من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([2]) .وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([3]) .وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول e بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا، وما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال:(إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([4]).وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً، ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([5]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي e، منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله e، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ). ([6]) . يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول e مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (قَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)، وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله e: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([7]). وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ e، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([8]) . وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)، وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ e، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)([9]). والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ e قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([10]) .وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([11]) . وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله e: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([12]) . يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)، وما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله e: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([13]) .
وفيه دليل على أداء حقوق القادة وامتثال أوامرهم الصحيحة بغض النظر عن أخلاقهم وأحوالهم، وهذه الأحاديث المقصد الأساس منها: هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين القيادة والجندية وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، ومخالفة الأوامر ونزع اليد من الطاعة، لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين.
(ثانيا): المناصرة والتأييد: من حقوق القيادة على الأتباع هي المناصرة والدعم والمؤازرة والتأييد في اليسر والعسر وفي المنشط والمكره وخاصة اذا ما كانت تقود الناس بما يرضي الله ورسوله وتقيم فيهم حكم الله وشرعه وتقوم بواجباتها تجاه الأفراد خير قيام وبما يخدم مصالحهم وأمورهم المعاشيه والحياتية، وتدفع عنهم الأخطار والعاديات، وتتراوح صورة التأييد والمؤازرة بين المشاركة الوجدانية، والمناصرة باللسان من خلال الكلمة الصادقة التي تشد من أزر القيادة وترفع معنوياتها وتقوي صمودها في وجه المخاطر والتحديات التي تواجهها، وقد تكون بالتضحية بالمال والنفس دفاعا عن الأوطان والأعراض، وفي الإسلام فان الجندي المخلص هو الذي يمارس كل هذة الصور مجتمعه كواجب عليه تجاة قيادته ووطنه وأمته مقابل ما قدمته له من جهد وتضحيات.
(ثالثا): النصح والإرشاد: أن قاعدة الإسلام هي ان “الدين النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين لائمتهم وعامتهم “فهي واجب كل مسلم لديه القدرة والامكانيه عليها،وللنصيحة أهميه كبرى وفوائد جمة وثمرات تظهر أثارها على المجتمع المسلم في حال تم تطبيقها بالطرق الصحيحة واستخدمت فيها الوسائل السليمة،لان تعطيل النصيحة تؤدي الى وقوقع المجتمع المسلم فريسة للتفكك والفوضى واختلاط الأمور على الناس،ولا شك أن أقامه النصيحة وتأديتها يوحد صف ألامه ويدلها على الرأي الاصوب والارشد ويشد من أزرها، وقد ربى محمد e جندة على القدرة على قول الحق والنصح للحاكم بل أنها واجب عليهم تجاة قيادتهم مما جعلهم يمارسوها بكل جراءة وكفاءة، ان الإسلام فتح باب النصح والمشورة ليكون متاحا لكل فرد منهم مهما كان موقعه في المجتمع ومهما كان مركزة الاجتماعي وضيعا،مقتدين في ذلك برسولهم وقائدهم العظيم الذي كان دستورة في ذلك هو كلام رب العالمين ودعوته له بان ينصح الناس ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنه، “ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه “، هذه هي واجبات الجندي المسلم تجاه قيادته الرشيدة الحكيمة، فكما يطلب منها الحقوق فعليه تجاهها الواجبات التي لا يجوز له أن يتخلى عنها او يتقاعس بأدائها لأنها واجب شرعي يؤثم إن قصر بأدائه، مبتغيا في ذلك المصلحة العامة التي تخدم ألامه وتنهض بها بين الأمم، (رابعاً) الدعاء لولاة الأمر بالصلاح والرشاد: ومن قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة الدعاء للحكام بالصلاح لأنّ ذلك يؤلف بين الحاكم والمحكوم، وقد قال بعض الصالحين: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، لأنّ بصلاحه تصلح الرعية، جاء في كتاب معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة ” – باختصار يسير -: صلاح ولاة الأمر مطلب لكل مسلم غيور على دينه إذ صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عند موته: (أعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم) ([14]) .
وفيها – أيضا – عن القاسم بن مخيمرة قال: (إنما زمانكم سلطانكم، فإذا صلح سلطانكم، صلح زمانكم، وإذا فسد سلطانكم، فسد زمانكم) ([15]) .
وصلاح الولاة إلي الله – تعالي- وحده يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم، فكان حقا على كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يدعوا لهم بالهداية والتوفيق إلي طاعة الله تعالي، والسير في مرضاته، لأن نفع ذلك يعود على كل مؤمن بالخير في الدين والدنيا، ذكر ابن المنير المالكي – رحمه الله – في (أنه نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له: أتدعوا له وهو ظالم؟ فقال: إي – والله -، أدعو له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله) اهـ([16]) .
وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان ) عن أبي عثمان سعيد ابن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال – بعد روايته لحديث تميم الداري – مرفوعاً -: (الدين النصيحة)، قال: (فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعوا عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً ويزداد البلاء علي المسلمين،ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين،([17]) .
(الحق الأول): بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية، و (الحق الثاني): بذل النصيحة له سراً وعلانية، و (الحق الثالث): القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين، و (الحق الرابع): أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام، و (الحق الخامس): إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه، و (الحق السادس): تحذيره من عدو يقصده بسوء، و (الحق السابع): إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته، و (الحق الثامن): إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، و (الحق التاسع): رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة، و (الحق العاشر): الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية، جاء في كتاب (إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة) لصديق حسن خان قال: ذكر العلامة ابن جماعة الكتاني الحقوق التي للسلطان والحقوق التي عليه، وهذا مسردها: (للسلطان أو للخليفة على الأمة عشرة حقوق، ولهم عليه عشرة حقوق): أما حقوق السلطان العشرة: فالحق الأول: بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية: قال الله – تعالي – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، وأولو الأمر هم: الإمام ونوابه – عند الأكثرين –، وقيل: هم العلماء، وقال النبي e: (السمع والطاعة على المسلم فيما أحب – أو كره – ما لم يؤمر بمعصية)، فقد أوجب الله – تعالي – ورسوله: طاعة أولي الأمر ولم يستثن منه سوي المعصية فبقي ما عداه على الامتثال، و (الحق الثاني): بذل النصيحة له سراً وعلانية، قال رسول الله e: (الدين النصيحة)، قالوا: لمن؟ قال: (لله، ولرسوله، ولكتابه ولأئمته المسلمين، وعامتهم)، و (الحق الثالث): القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين، و (الحق الرابع): أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله – تعالي – له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم، فليس من السنة، و (الحق الخامس): إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه، و (الحق السادس): تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى أو خارجي يخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف عليه منه فإن ذلك من أكد حقوقه وأوجبها، و (الحق السابع): إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته، و (الحق الثامن): إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله – تعالي – {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى}، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور، و (الحق التاسع): رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة، و (الحق العاشر): الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية، وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها، صفت القلوب وأخلصت واجتمعت الكلمة وانتصرت، ومع الاتفاق على ضرورة الالتزام بكافة أخلاق المسلم: فأهل الجهاد في سبيل الله يتخلقون بالقدر الأعلى من أخلاق المسلم مع الله تعالى، من أخلاق: التوحيد والبراءة من الشرك، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله، والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، ويتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع الرسول e من وجوب الإيمان به والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، ومن محبته e أكثر من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن تعظيمه وتوقيره e، والاستنان بسنته، و كثرة الصلاة عليه e، ومحبة آل بيته ومحبة أصحابه، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المسلم مع أخلاق المسلم مع الدين: من الرضا به دينا، ومن التفاني في العمل من أجل نصرة هذا الدين، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق الفرد المسلم في ذات نفسه: وهي كثيرة أهمها: الصِّدْق، والأمَانَة، والعَدْل، والحِكْمَة، والكَرَم، والشَّجَاعَة، والحَيَاء، والعفة، والحِلْم، والأناة، والرِّفق، والتواضع، والرحمة، وهم يتخلقون بالقدر الاعلى من أخلاق المجتمع المسلم من التآخي في الله، والتحاب في الله، والإيثار، والتعاطف، والتعاون، والتناصر، والبر، والتضحية، والتآلف، والتَّودُّد، والبشاشة، وحسن الظن بالمسلمين، والستر للعصاة والمذنبين والمقصرين، وبذل المعروف لهم، وسلامة الصدر لهم وكظم الغيظ والعفو عن الناس وقضاء حاجات المسلمين والرحمة لهم والشفقة بهم وعموم البر والإحسان لهم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([1]) مسند أحمد 36/345 ح 22016، سنن الترمذي 5/12 و وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/359.
([2]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([3]) المصدر السابق 1/140 ح 693.
([5]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([6]) صحيح مسلم 3/1481 ح 1855.
([7]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([8]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([10]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([11]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([12]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([13]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([14]) السنن الكبرى للبيهقي 16/580 ح 16728.