الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول: حمل أمانة الدين بالتضحية والجهاد من أجله، أقول وبالله التوفيق: [(1) مفهوم الجهاد]: (الجهاد) لغة: من جَهَدَ جهداً في الأمر: جد وبذل وسعه، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، و(الجهاد) شرعا: بذل الوسع والطاقة بقتال الكفار في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان والعتاد، وقد يتسع الجهاد ليشمل جهاد النفس والشيطان وغير ذلك، لكنه إذا أطلق فإنما يقصد به القتال لإعلاء كلمة الله، والجهاد يشمل اللسان كما يشمل النفس والمال: أخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي e قال: (جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم) ([1]) . وقوله تعالى عن القرآن: {وجاهدهم به جهاداً كبيراً} [الفرقان:52]، وقد سماه القرآن الكريم {جهاداً كبيراً} ليدل على مركزه الكبير المتميز بين أنواع الجهاد، ومما يؤكد هذه الحقيقة ويزيدها وضوحاً قول رسول الله e: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ([2]) .وقوله e: (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى) ([3]) .
وفي بيان المعنى الواسع للجهاد وبيان مراتب الجهاد في سبيل الله: أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، ومنه يتضح أن للجهاد معنى خاص هو (قتال الكفار) وقد يراد به معنى واسع يشمل جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الدعوة إلى الله تعالى بالقرآن، وجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومقاومة الشر والسعي في إبطاله، وأنه ليس محصوراً في القتال وحسب، والجهاد له مراتب عديدة: تبدأ جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين، وجهاد المبتدعة المارقين، والطغاة الظالمين، والفساق والعاصين، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، وقال تعالى في عاقبة جهادها: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح، وإتباع الحق، والصبر على الطاعة، لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *} [سورة العصر]، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات، والمعاصي والذنوب لقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، وجهاد الكفار بالمال والنفس، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، وجهاد المنافقين يكون بكشف ألاعيبهم، وفضحهم، وبيان مؤامراتهم؛ لأنهم يتآمرون للقضاء على الإسلام، فلابد من جهادهم، وجهاد البغاة المتحزبين المعتدين بقتالهم لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] وجهاد المبتدعة المارقين، والطغاة الظالمين، وجهاد الفساق والعاصين، وهذا يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد، وجهادهم يكون باليد إذا قدر المجاهد على ذلك مع أمن الفتنة، فإن عجز انتقل إلى اللسان بالنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن عجز جاهدهم بقلبه، لما أخرجه مسلم عن النبي e قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([4]) . وأكمل الناس عند الله جهادا من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في مراتب الجهاد؛ وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم e، فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده.
(2) حكم الجهاد في سبيل الله تعالى]: ذهب الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يدفع العدو سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفى أثم الجميع، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، وذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات: (الحالة الأولى): إذا حضر المسلم المكلف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام، لقوله تعالى: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45]، وقوله سبحانه: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي e أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات([5]) .
(الحالة الثانية): إذا نزل الكفار بلدا من بلدان المسلمين تعين على أهله قتالهم ودفعهم وطردهم منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب، (الحالة الثالثة): إذا استنفر إمام المسلمين قوماً لزمهم النفير معه – لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38، 39] وقوله e: (وإذا استنفرتم فانفروا) ([6]) . [(3) فضل الجهاد في سبيل الله تعالى]: (أ) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، (ب) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10-13]، (ت) قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]، (ث) قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169-171]، (ج) قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، (ح) قال الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 95، 96]، (خ) وقال الله تعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}]التوبة: 19-20[، (د) وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور ” ([7]) .(ذ) وعن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ” ([8]) . (ر) قوله e: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان) ([9]) . (ز) قوله e: (حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله) ([10]) . (س) قوله e: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ([11]) .
(ش) قوله e: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عيها) ([12]) .
(ص) قوله e: (لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خير من الدنيا وما فيها) ([13]) (ض) قوله e: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) ([14]) .(ط) قوله e: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ([15]) .(ظ) أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: (دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: (لا أجده) قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر)؟ قال: (ومن يستطيع ذلك؟) ([16]) . (ع) قوله e: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»)([17]) .(غ) وأخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: “أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ([18]) . (ف) قوله e: (من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ([19]) . (ق) قوله e: (يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) ([20]) . (ك) أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله” قال: ثم من؟ قال: “ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ربه ويدع الناس من شره) ([21]) . (ل) قوله e: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) ([22]) . (م) e: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) ([23]) .
[(4) الترهيب من ترك الجهاد]: إنّ حب الجهاد علامة الإيمان وكراهيته علامة النفاق: قال تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:44 إلى 46]، وقال تعالي: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}]التوبة:24[، وقال تعالي: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}]التوبة:81[، وقال رسول الله e:(من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق) ([24]) .وقد عد أهل العلم ترك الجهاد العيني من كبائر الذنوب، قال الحافظ ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر: “الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك الجهاد عند تعينه؛ بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو أخذوا مسلمًا وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين”([25]) . قال ابن كثير: “وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه – ومعنا أبو أيوب الأنصاري – فقال أناس: ألقى بيده إلى التهلكة· فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية؛ إنما نزلت فينا؛ صحبنا رسول الله e وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه e ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله – وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد – وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم فنزل فينا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: من الآية195)، فكانت التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد” ([26]) . كما أن في ترك الجهاد إضعافًا لعقيدة الولاء والبراء؛ وذلك كما مر بنا سابقًا أن عقيدة الولاء والبراء تتناسب طردًا مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله عز وجل؛ فكلما ركن العبد عن الجهاد ضعفت عقيدة الولاء والبراء وأصابها الوهن؛ وكفى بذلك خطرًا، وبترك الجهاد يفشو الشرك والظلم ويعلو الكفر وأهله ويستعبد الناس بعضهم بعضًا، ولا يخفى ما في ذلك من الشقاء والتعاسة والفساد الكبير على الناس قال الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: من الآية251)، وقال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [(5) أهداف وغايات الجهاد في الإسلام]: الجهاد في الإسلام لم يكن مقصده التدمير والتخريب وقتل الأبرياء وترويع الآمنين، بل أن مقاصده وغاياته ربانية شريفه نبيلة تتلخص فيما يلي:(1) تامين حريه نشر الدين: فإنّ القاعدة الربانية التي بنى عليها المسلمون عقيدتهم القتالية في هذا الخصوص هي قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256]،، لذا فان اعتناق وإتباع الدين في الإسلام ليس بالاكراة وبحد السيف، بل هو بالدعوة اللينة الحسنه،المبنية على أسلوب الإقناع وليس الإكراه والإجبار، قال تعالى: {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي احسن} [النحل: 125]،،لذلك فان أسلوب الإسلام في جذب الناس الى الدين هو الحكمة والموعظة الحسنه والإقناع العقلي لذلك فان المسلمين لم يقاتلوا من اجل اجبار الناس على اعتناق الإسلام بالقوة،بل كان الهدف هو تامين الحماية لحرية العقيدة وتامين حرية انتشارها بين الناس، لان الإسلام قد صان حرية الرأي والتعبير وضمنها للناس، قال تعالى: {ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]
(2) الدفاع عن الدعوة: لابد ان تكون الدعوة محفوظة ومصانة من عبث العابثين ومن اعتداء المعتدين لتكون عزيزة الجانب مهابة الحمى، لقد تعرض المسلمون في بداية الدعوة الى ألوان مختلفة من العذاب والظلم والاعتداء، لدرجه أنهم هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم وأهليهم، وجلسوا في المدينة يتحملون الظلم ويصبرون عليه ولم يردوا بالحرب والعدوان منتظرين أمر الله،حيث كان يقول لهم e: (لم أومر بقتال، لم اومر بقتال)، إلى أن جاء أمر الله بالدفاع عن الدعوة ورد الظالمين، وحماية الدين وتوفير الأجواء المناسبة لهم للعبادة ونشر الدين الجديد وتامين حمايته، حيث قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39]،عندها استجاب المسلمون لأمر الله فكانت حربهم حربا دفاعيه ليست أداة للهدم والتخريب والإفساد وإذلال الناس وتحقيق المنافع وإشباع المطامع، بل هي حفظ لتوازن ومنعا للظلم والتعسف والطغيان، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190]، وتنبه الآيات الكريمة إلى ان على المسلمين ان ينتهوا من القتال عندما يرتفع العدوان عنهم.
(3) رد العدوان الخارجي: وذلك امتثالا لقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين}، وهذا يدلنا على ان الحرب في الإسلام حرب دفاعيه وليست عدوانية او هجومية بغير وجه حق،فهم لا يلجؤون إليها الا مكرهين مجبرين، ويطبقون خلالها مواثيق الشرف والأخلاق ولا يقومون بما يتنافى مع مبادئ الإسلام السمحة وقيمه النبيلة، ولا ابلغ من نهي النبي e لأصحابه بقوله: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع) ([27]) . وقوله e لخالد بن الوليد: (لا تقتلوا ذريه ولا عسيفا)، وكذلك قوله e: (ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية)، (4) تحقيق السلام وتثبيت أركانه: لا يمكن أن يكون للامه هيبة بغير جيش قوي يدافع عنها عند الشدائد والمحن، ويمنع العدو من ان تسول له نفسه ان يعتدي عليها، وان جاهزيه هذا الجيش للحرب في كل وقت وحين، يجعلها مهابة الجانب عزيزة كريمه يهابها أعدائها ويحترمون إرادتها،ويمنعهم من التعرض لها عند ذلك يسود الأمن والسلام،ان السلام – وليس الحرب – هو غاية الإسلام وهدفه، مصداقا لقوله تعلى: {يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافه}، وقوله تعالى أيضا: {وان جنحوا للسلم فاجنح لها}،فلم يدعوا الإسلام إلى الحرب والقتال بل ان من أهداف الإسلام العامة هو تحقيق السلام بين الأمم،لان الهدف المتوخى من إتباع الإسلام هو تحقيق السلام وليس الحرب، والمشكلة تكمن في الاعداء لأمة الإسلام، قال تعالى في وصف حالهم: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، وقال تعالى – آمرا المؤمنين بالإعداد لرد شرهم وكيدهم وفتنتهم -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 60 إلى 62]
[(6) أخلاقيات الجهاد في دين الإسلام]: الهدف الأسمى من الجهاد إضافة إلى ما ذكرناه من تامين حريه نشر الدين، و الدفاع عن الدعوة، و رد العدوان الخارجي، هناك هدف أسمى ألا وهو: هداية الناس وإخراجهم من الظلمات الى نور الإسلام وعدله وسماحته، ولأنه كذلك فقد امتاز الجهاد بأخلاقيات مثاليه وحضارية اقتدت بها الأمم المتمدنة واتخذتها كقوانين إنسانيه تطبقها أثناء الحروب والقتال، ومن ابرز مثاليات الجهاد في الإسلام ما يلي:(1) احترام العهد، وهو خلق من أخلاق الإسلام، وصفه من صفات نبيه الكريم، حتى انه قبل الإسلام كان يسميه قومه الصادق الأمين، بل انه كان صادقا حتى في المزاح والمداعبة، فقد اخرج الترمذي عن أبي هريرة انه قال: قالوا يا رسول الله انك تداعبنا، قال: {إني لا أقول إلا حقا}([28]) .، حيث كان eيحترم العهد الذي يقطعه على نفسه ولا يحنث به ولا ينكثه، بل انه كان يحث أصحابه اذا عاهدوا ان يحترموا العهد ولا ينقضوه مهما كانت الظروف والأحوال، حتى مع المشركين الوثنيين، قال تعالى: {وان احد من المشركين استخارك فاجرة حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه} [التوبة: 6]، وقال e (ألا لا تَحِلُّ أموالُ المعاهَدين إلا بحَقِّها) ([29]) . وقوله e: («مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) ([30]) . وقوله e:(مَنْ أَمِنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([31]) .
(2) الوفاء بالوعد:، وهو خلق من أخلاق الإسلام، وصفه من صفات نبيه الكريم،حتى انه عندما عقد الهدنة مع قريش كانت شروط الهدنة فيها الغبن والظلم الواضح للعيان حيث كان من شروطها ان يسلم النبي e من يلجأ إليه من المسلمين بغير إذن وليه وان لا يطالب بتسليم من يلجأ الى قريش من أتباعه، وبعد توقيع الصلح مع سهيل بن عمرو، جاء ابو جندل ابن سهيل بن عمرو يحجل في قيوده هاربا من مكة، وأبوه حاضر، فقال أبوه هذا أول من أقاضيك عليه، فقال هبه لي فأبى، فرده إليه وفاء بالوعد، وقال له سيجعل الله لك فرجا ومخرجا، بل هو القائل e: («أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) ([32]) .
(3) معامله الأسرى: قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8، 9]، والنبي e يقول لأصحابه بعد أن جاؤا بثمامة بن اثال بعد ان وقع أسيرا في أيدي المسلمين،: (أحسنوا أسارة) ([33]) . فجمعوا ما عندكم من طعام فبعثوا به اليه، وبعد ان رأى هذه الأخلاقيات العظيمة دخل في الإسلام، وكان e يقول لأصحابه في أسرى بدر: (استوصوا بهم خيرا)، وسياسة الإسلام في التعامل مع الأسرى كانت مثاليه لدرجه انه جعل فداء الواحد منهم ليس مالا ولا إكراها على إتباع الدين ولا الأشغال الشاقة، بل انه جعل فدائهم تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة، هل هناك أعظم من القيام بمهمة التعليم والتدريس، كما أنّ موقف النبي eيوم فتح مكة، عندما وقف مخاطبا قريش وقال لهم: (يا «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ») ([34]) . هذه هي المبادئ التي قام عليها دين الإسلام.
(4) احترام الجرحى والمرضى والعزل: فمن الأخلاق العظيمة للإسلام في الجهاد، العناية بالجرحى والمرضى واحترامه لهم وخاصة الناس المسالمين والذين لا علاقه لهم بالقتال،فقد نهى النبي e أصحابه وأوصاهم بان لا يتعرضوا للنساء والأطفال والشيوخ الكبار في السن وكل من اعتزل القتال،فها هو e يوصي جنده فيقول لهم: (انطلقوا باسم الله تعالى وعلى بركه رسول الله e، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) ([35]) .. وقال e لخالد بن الوليد: (لا تقتل ذريه ولا عسيفا) ([36])، (أي أجيرا)، ونهى e كذلك عن التمثيل بالأعداء، وعدما وقع سهيل بن عمرو في الأسر طلب عمر رضي الله عنه من الرسول أن ينزع ثنيتيه، كان خطيبا، فقال لا أمثل بأحد فيمثل الله بي ولو كنت نبيا،.
(5) دفن القتلى ومنع التمثيل بهم: نهى النبي e عن التمثيل بالقتلى في الحرب، وذلك لان الحرب في الإسلام ليست لتشفي والانتقام وليست حرب غل وحقد بل هي حرب دعوة وهداية القصد منها إخراج الناس من الظلمات الى النور وإرشادهم لما فيه خيرهم وصلاحهم، قال e موصيا وموجها أصحابه: (إياكم والمثلة) ([37]) . بل انه e أمر بدفن جثثهم واحترامها من ان تكون طعاما للوحوش الكاسرة والطيور الجارحة،ففي بدر أمر e بدفن قتلى المشركين في القليب.
(6) صيانة الأعراض والأموال، و عدم الاعتداء على المتعبدين، وعدم هدم البيوت وتخريب العمران: الحرب في الإسلام لا تشن للعدوان والبغي والانتقام بل أنها تشن لتوطيد أركان السلام وتصون الأرواح وتحفظ الأعراض والأموال وقد كانت أخلاقيات الحرب في الإسلام سببا رئيسيا لدخول كثير من الناس الى هذا الدين أفواجا وجماعات لقناعتهم بأنه دين الرحمة والسلام، يقول (مونتغمري) عن أخلاقيات الحرب في الإسلام: (كان المسلمين يستقبلون في كل مكان يصلون إليه كمحررين للشعوب من العبودية وذلك لما اتصفوا به من التسامح والانسانيه والحضارة،مما زاد من إيمان الشعوب بهم علاوة على تميزهم بالشجاعة والصلابة في القتال وقد ادى هذا الى اعتناق معظم الشعوب التي انتصر عليها العرب الدين الإسلامي)، هذه شهادة الأعداء وليس الأصدقاء لذا فهي بريئة من التحيز والتزلف، والنبي e في وصاياه للمجاهدين: (ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع) ([38]) . وقد نهى e عن قتل الضعفاء والنساء والأطفال، وقد سار على نهجه الشريف خلفائه من بعدة فها هو ابو بكر الصديق يوصي قائد جيشه الخارج للقتال فيقول له: (أوصيكم بتقوى، ولا تعصوا ولا تغلوا ولا تجبنوا، ولا تهدموا بيعة، ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوا زرعا، ولا تجسدوا بهيمة، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخا كبيرا ولا صبيا ولا صغيرا ولا امرأة، وستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له)، وكان من قواعد الحرب في الإسلام احترام المتعبدين في صوامعهم حتى ولو كانوا على غير دين الإسلام، وهذا يدل على سماحه وعدل الإسلام وبأنه لا يجبر احد على ترك دينه والتحول الى الإسلام لان قاعدته هي {لا إكراه في الدين}، وروى ابن عباس ان رسول الله e قال: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع).
(7) احترام السفراء والرسل: تبادل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام السفراء مع الدول المجاورة له وبعث الرسل إلى الملوك والأمراء والزعماء يدعوهم الى الدين الجديد، وكانت تأتيه الرسل للرد على رسائله، وقد كان لهؤلاء الرسل عند نبينا الكريم الأمان والحماية، لأنّ الرسل والسفراء في الإسلام آمنون لا يقتلون ولا يعتدى عليهم ولهم حق الجوار والعهد ما داموا داخل ديار الإسلام، ومن سيرته e في هذا الخصوص انه قال لرسولي مسيلمة الكذاب عندما سمع منهما كلاما جارحا: (لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما) ([39]) . وقصه أبي رافع رسول قريش تؤكد صحة ذلك، حيث قدم أبو رافع رسولا لقريش للنبي e فقال للنبي e: يا رسول الله إني لن ارجع إليهم ابدا، فقال له الرسول الكريم e: (إما إني لا اخيس بالعهد ولا احبس البرد ولكن ارجع فان كان في قلبك الذي في قلبك فارجع) قال: فرجعت، ثم أقبلت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأسلمت) ([40]) .
(8) العفو والصفح: إن الله تعالى بعث النبي عليه الصلاة والسلام رحمه للعالمين وذلك مصداقا لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين}، فقد كانت رحمته e في كل وقت وحين فهي في الحرب كما هي في السلم، الرسول الكريم في اشد المواقف وأعسرها وفي أحلك ساعات القتال بل وهو في اوج انتصاره، على أولئك الذين أذوه وضربوه وطردوه من بلده، عندما جاءها فاتحا يقول لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ولم يكونوا أسلموا بعد، إنها رحمه نبوية ليس بعدها رحمه، كما سجل التاريخ مواقف كثيرة من سيرة الفتوحات التي قام بها جند الإسلام المجاهدون تدل على الرحمة والتسامح والعفو والصفح مما ترك أثارا عميقة في نفوس سكان الديار المفتوحة فكان دافعا لهم يدخلوا في دين الإسلام عن رغبه ومحبه،فقد كتب المسيحيون في بلاد الشام إلى ابي عبيدة أثناء فتح الشام يقولون له: (يا معشر المسلمين انتم أحب إلينا من الروم وان كانوا على ديننا وانتم أوفى لنا وارأف بنا واكف عن ظلمنا وأحسن ولاه علينا)، وهذه شهادة أهل البلاد المفتوحة في المسلمين، ومثل حال هؤلاء القوم الكثير كالفرس الذين لم يقاوموا المسلمين الفاتحين لبلادهم لان حكامهم قد استبدوا وظلموا، وكذلك الحال في أسبانيا عندما دخلها المسلمون فوجدوا سكانها يتعرضون لمذله والإهانة على يد القوط فرحب السكان بهم وفتحوا بسهوله ويسر، يقول الكونت (هنري دي كاستري): (ان المسلمين امتازوا بالمسالمة وحرية الأفكار في المعاملات ومحاسنه المخالفين)،شهادات تكتب بماء الذهب تدل على رحمه المجاهدين وإحسانهم إلى أهل البلاد التي فتحوها.
(9) عقد الصلح والمعاهدات: أمر الله سبحانه وتعالى نبيه ان يرضى بالصلح وان يقبل دعوة السلم اذا ما دعي إليها حيث قال تعالى: {وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع البصير} [الأنفال: 61]، والهدنة هي صلح على شروط، وشروط الصلح في الإسلام ان يكون فيه مصلحه عامه وان لا يكون فيه أباحه لما حرمته الشريعة او تحريم لما أباحته الشريعة مصداقا لقوله e: (الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا احل حراما او حرم حلالا) ([41]) .
(7) أسباب انتصار الصحابة المجاهدين على أعدائهم وبلوغهم بالإسلام مشارق الأرض ومغاربها: لم يأت ذلك من فراغ، بل له أسباب عظيمة، وأهم تلك الأسباب:
(1) العقيدة الراسخة والإيمان الراسخ بالله ربا وبالإسلام دينا وبالرسول e نبيا ورسولا: وهذه العقيدة هي سر قوة الأمة ومنعتها،،لقد كان إيمانهم مطلقا راسخا بالله لا يتزعزع رغم كل المغريات والأسباب، لقد كان هاجس القوم هو إعلاء كلمه الله ونشر الدين الجديد والدفاع عن العقيدة التي رسخت في نفوسهم وضمائرهم،فبذلوا من اجل ذلك المال والولد وكل ما يملكون بل أغلى ما يملكون وهو نفوسهم التي بين أظهرهم حبا لله ولرسوله وتنفيذا لأوامر الله بالدفاع عن الدين وحمايته من العدوان ونشرة في بقاع الأرض كلها،، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وقد جاء عن بعض الصحابة قولهم: أبي الإسلام لا أب لي سواه… إذا افتخروا بقيس أو تميم، وفي معركة القادسية، بعث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه ربعي بن عامر رضي الله عنه رسولاً إلى رستم قائد الفرس، فدخل عليه، فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتِكم وإِنّما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإِلا رجعت، فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله، قالوا: وما موعودُ الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي، فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، فقال: ما سنَّ لنا رسول الله e أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال:أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إِلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الرجل أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلَكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفُّون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب]]، ([42]) .
لقد حولت العقيدة الراسخة الصحابة رضي الله عنهم الى قوم شجعان لا يهابون الموت ويقدمون عليه بنفوس مطمئنه لأنهم امنوا وتيقنوا بان ما عند الله خير وأبقى وبان ثمن ذلك كله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لقد كان جهادهم بلا تهور، ولا اندفاع أهوج، بل كان وفق أسس عسكرية مدروسة وأهداف ربانية سامية، لقد حولت العقيدة الراسخة هؤلاء القوم الى مجاهدين صادقين ليس لهم هدف سوى نشر الإسلام والسلام والعدل والمساواة والإخاء والرحمة بين بني الإنسان.
(2) السبب الثاني: القيادة الربانية العظيمة: لقد كان الرسول e هو القائد المثالي: الحكيم الشجاع الحازم القائد الفذ شهد له الأعداء قبل الأتباع بالكمال في أخلاقه القيادية وأخلاقه الربانية، وأخلاقه الإنسانية، وها هو علي رضي الله عنه يقول: (انا كنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق اتقينا برسول الله e وهو أقربنا الى العدو)!!!، نال محبه أصحابه رضي الله عنهم حتى ان احدهم كان يفديه بكل ما يملك من مال وولد ونفس وكل نفيس، ولا أدل على ذلك من قول عروة بن مسعود الثقفي مندوب قريش للمفاوضات في الحديبية عن الرسول e،حيث يقول لأصحابه:”يا معشر قريش أني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه،واني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد،لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوؤه، ولا يسقط من شعرة شيء الا أخذوه، وإنهم يسلمونه لا لشيء أبدا) ([43]) .
هذه شهادة مندوب الأعداء فكيف بالأصحاب والمقربين الذي خبروا وعرفوا صفاته عن كثب وقرب، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كذلك فقد ربى النبي e الصحابة على الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة وحسن المعشر ولين الجانب، وبنى فيهم نفوسا وأجساما اصلب وأقوى من راسيات الجبال،فكان الواحد فيهم يعد بألف رجل فهم الدعاة كما هم المحاربون، وهم القادة كما هم الجنود في ذات الوقت، فكانوا فعلا كما أرادهم النبي e والدليل على ذلك ان الإسلام استمر وانتشر بعد وفاة رسول الله e بنفس القوة، لأنه كان هناك قادة من بعده يحملون الرسالة ويدافعون عن هذا الدين، ويشعرون بالمسؤولية تجاه نشره، ولديهم القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، والناظر في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، يجد كيف كان يتعامل رسول الله e مع أصحابه على أنهم قادة لهم رأي، ولهم مواقف، ويشاركون في صنع القرار، ومن أمثله ذلك؛ ما حدث في غزوة بدر حينما نزل النبي e أول ما نزل في مكان معين، جاءه الحباب بن المنذر رضي الله عنه، فقال: (يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله (أي إذا كان وحي فلا يد لنا فيه ولا اعتراض) أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟“،قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة) قال: “فما هذا بمنزل“، فقام النبي e، وغيّر مكان الجيش الذي اختاره هو، وغير الخطة كلها بناءً على اقتراح وجيه جاءه من مجاهد في الجيش([44]) .
(3) السبب الثالث: التجرد والتضحية من أجل الدين: الصحابة رضي الله عنهم وهبوا حياتهم وما يملكون فيها لأجل دينهم، وصفهم الله تعالى بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، ووصفهم بقوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، ووصفهم بقوله: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، باعوا أنفسهم لله لا يقيلون ولا يستقيلون، سجل القرآن بيعتهم بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، فقالوا والله لا نقيل ولا نستقيل، لذا مكن الله تعالى لهم في الأرض عملا بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، فأقاموا فيها الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.
لقد ضرب الصحابة الكرام أروع المثال في العمل للدين والتضحية من أجله، والكلام يطول ولا يستوفي الشيء اليسير من ذلك، لكن إشارة إلى بعض تلك المواقف، اشتد عذاب المشركين على المؤمنين، فجاء خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى رسول اللَّه e وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة، فقال: يا رسول الله ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.) ([45]) .
موقف آخر في غزوة بدر الكبرى يدل على التفاني في العمل لدين الله: استشار النبي e الصحابة قبل بدء المعركة، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانياً، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول اللَّه، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثاً، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه كأنك تريدنا، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو اللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللَّه، فأشرق وجه رسول اللَّه e وسُرَّ بما سمع، ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وأبشروا، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) ([46]) .
مواقف أخرى من عزوة أحد تدل على التفاني في العمل لدين الله: خلص المشركون إلى رسول اللَّه e فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعاً عن رسول اللَّه e وكان حول النبي e سبعة من الأنصار، فقال e لما رهقوه، وقربوا منه: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة)، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً فقال: (من يردهم عنا وله الجنة)، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، ([47]) .
وموقف آخر من عزوة حنين يدل على التفاني في العمل لدين الله:: قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، كانت هوازن قد جعلت جيوشها على شكل كمائن في مداخل ومضايق وشعب وادي حنين، ووضعت خطتها على مفاجأة المسلمين بالسهام القاتلة، وعند السحر دخل المسلمون وادي حنين وهم لا يدرون بوجود كمائن العدو، وفجأة انهالت السهام عليهم من كل مكان والعدو يهجم عليهم هجمة رجل واحد، فأصيب المسلمون بالدهشة والإرباك وتراجعوا بدون نظام، فانحاز النبي e إلى جهة اليمين ثم نادى على المسلمين، وخصص النداء للمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان، حتى اجتمع عنده خاصة أصحابه، فقال النبي e: «الآن حمي الوطيس» ثم أخذ قبضة من تراب الأرض ورمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» ولم تمر سوى ساعات قلائل حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وفروا إلى عدة أماكن مختلفة([48]) .
هؤلاء هم الذين صدقوا في الدين ما عاهدوا الله عليه، فصدق فيهم قول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، وهؤلاء الذين صدقوا مع الله فقال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وهم الذين أمرنا القرآن باتباعهم فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ} [التوبة: 119]، لقد وهب الصحابة أرواحهم وأوقاتهم وأنفسهم وأموالهم لدين الله تعالى فأعزهم الله تعالى بالإسلام، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن أمة أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
***
([1]) مسند أحمد 20/26 ح 12555، سنن أبي داود 4/159 ح 2505.
([2]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([5]) صحيح البخاري 4/10ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([6]) صحيح البخاري 4/15 ح 2783، صحيح مسلم 3/1488 ح 1864، بدائع الصنائع 7 / 98، ملتقى الأبحر ص 355، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 348، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 174 – 175، نهاية المحتاج 8 / 58 – 59، شرح الزركشي 6 / 427، العدة شرح العمدة ص .582
([7]) صحيح البخاري 1/14 ح 26، صحيح مسلم 1/88 ح 83.
([8]) صحيح البخاري 4/16 ح 2792، صحيح مسلم 3/1499 ح 1880.
([10]) مسند أحمد 28/446 ح 17213،السنن الكبرى للنسائي 8/139 ح 8818.
([11]) سنن الترمذي 4/175 ح 1639.
([12]) صحيح البخاري 4/35 ح 2892.
([13]) صحيح البخاري 4/16 ح 2792، صحيح مسلم 3/1499 ح 1880.
([14]) صحيح البخاري 4/20 ح 2811.
([15]) المصدر السابق 4/63 ح 3024.
([16]) المصدر السابق 4/15 ح 2785.
([17]) المصدر السابق 4/16 ح 2790.
([18]) صحيح مسلم 3/1502 ح 1887.
([19]) المصدر السابق 3/1517 ح 1909.
([20]) المصدر السابق 3/1502 ح 1886.
([21]) صحيح البخاري 4/15 ح2786، صحيح مسلم 3/1503 ح 1888.
([22]) صحيح البخاري 4/15 ح 2787، صحيح مسلم 3/1498 ح 1887.
([23]) سنن الترمذي 5/12 ح 2616.
([24]) صحيح مسلم 3/1517 ح 1910.
([25]) الزواجر عن اقتراف الكبائر” للهيتمي: 2 /269،
([27]) مسند أحمد 4/461 ح 2728.
([28]) مسند أحمد 14/339 ح 8723.
([29]) سنن أبي داود 5/623 ح 3805.
([30]) سنن الترمذي 4/143 ح 1580.
([31]) مسند أحمد 36/280 ح 21949.
([32]) صحيح البخاري 1/16 ح 34.
([34]) معرفة السنن والاثار 13/293 ح 18229.
([35]) سنن ابي داود 4/256 ح 2614.
([36]) مسند أحمد 25/371 ح 15992.
([37]) «نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ.» صحيح البخاري 7/94 ح 5516.
([38]) مسند أحمد 4/461 ح 2728.
([39]) المصدر السابق 6/306 ح 3761.
([40]) السنن الكبرى للنسائي 8/52 ح 8621.
([41]) سنن ابن ماجة 3/440 ح 2353.
([42]) البداية والنهاية 9/622.
([45]) صحيح البخاري 4/201 ح 3612.
([46]) سيرة ابن هشام، 1/615، وفتح الباري، 7/287.