الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق السابع من أخلاق الفرد المسلم: [الحِلْم]: والحلم خلافُ الطَّيش، ومعناه ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب، وقيل هو: (الطُّمَأْنِينَة عند سَوْرَة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظَّالم)، وقد وردتْ آيات قرآنيَّة كثيرة تشير إلى صفة الحِلْم، ووصف الله نفسه بالحِلْم، وسمَّى نفسه الحليم، ووردت آيات تدعو المسلمين إلى التَّحلِّي بهذا الخُلُق النَّبيل، وعدم المعاملة بالمثل ومقابلة الإساءة بالإساءة، والحثِّ على الدَّفع بالتي هي أحسن، والتَّرغيب في الصَّفح عن الأذى والعفو عن الإساءة، قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقال عزَّ وجلَّ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} كما وصف الله عزَّ وجلَّ بعضَ أنبيائه بالحِلْم، قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}، وقال تعالى – عن خلق إسماعيل عليه السلام:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} وأخرج مسلم: قوله –e–لأشجِّ عبد القيس: (إنَّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم والأَنَاة) ([1]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (ليس الشَّديد بالصُّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ([2]) .
والحليم أسم من أسماء الله تعالى الحسنى، ورد في القرآن الكريم في أحد عشر موضعاً، منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، وفي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (كَانَ النبي e يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) ([3]) . و(الحليم) سبحانه هو ذو الصَّفح والأناة، الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش، و(الحليم) سبحانه لا يَحْبس أنعامَه ولا أفضالَه عن عباده لأجل ذنوبهم. والحلم خلق عظيم من أخلاق المسلم، يتذكر بها حلم الله تعالى على عباده، قال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} اللهم ارزقنا الحلم والعلم والرفق والأناة والحكمة والبصيرة في الدين، والنبي –e–سيد أهل الحلم، ولو ذهبنا نضرب أمثلة على خلق الحلم من سيرة النبي –e–لطال بنا المقال، ولكن إشارة إلى بعض ذلك، أقول وبالله التوفيق: (الموقف الأول): ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة: جاء زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار، – وقد كان قرأ أن من علامات نبوة النبي الخاتم أنه يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً – فأراد أن يختبر ذلك، فجاء إلى رسول اللَّه e يطلبه ديناً لـه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ لـه القول، ونظر إلى النبي e بوجه غليظ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدّد لـه في القول، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو اللَّه، أتقول لرسول اللَّه e ما أسمع، وتفعل ما أرى، فو الذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللَّه e ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: (أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ)، فكان هذا سبباً لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وكان زيد قبل هذه القصة يقول: “لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد e إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً ” فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي e مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر([4]) .
(الموقف الثاني): قصَّة الأعرابي الذي جبذ النَّبيَّ e بردائه جَبْذَةً شديدةً، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله e وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه بردائه جبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله e قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال: يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله e ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء) ([5]) . (الموقف الثالث): أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ –e–يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله –e–: (دعوه فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا. ثمَّ قال: أعطوه سِنًّا مِثْل سِنِّه، قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلَّا أمثل مِن سِنِّه، فقال: أعطوه، فإنَّ مِن خيركم أحسنكم قضاءً) ([6]) .(الموقف الرابع): أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كأنِّي أنظر إلى النَّبيِّ –e–يحكي نبيًّا مِن الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدَّم عن وجهه، ويقول: ربِّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون) ([7]) .
(الموقف الخامس): أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله –e–مِن أحسن النَّاس خُلُقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله –e–، قال: فخرجت حتى أمرَّ على صبيان وهم يلعبون في السُّوق، فإذا رسول –e–قابضٌ بقفاي مِن ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين ما علمت قال لشيء صنعتُ: لم فعلتَ كذا وكذا؟ ولا لشيء تركتُ: هلَّا فعلتَ كذا وكذا؟)([8]) .
(الموقف السادس): أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت للنَّبيِّ e هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ مِن يوم أُحُدٍ؟ قال: لقد لقيت مِن قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم: يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلَالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النَّبيُّ –e–: بل أرجو أن يُخْرِج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) ([9]) .
(الموقف السابع): أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند رسول الله e وهو يَقْسم قَسْمًا، إذ أتاه ذو الخُوَيصرة -رجل مِن بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدل! فقال رسول الله e ويلك! ومَن يعدل إن لم أعدل؟! لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أعدل، فمن يعدل؟! فقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: يا رسول الله! ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله e دَعْه) ([10]) .
(الموقف الثامن): أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله –e–وأصحابه، ثمانون رجلًا مِن أهل مكَّة بالسِّلاح مِن قِبَل جبل التَّنْعيم يريدون غِرَّة رسول الله –e–فدعا عليهم فأُخذوا، قال عفَّان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}) ([11]) .
(الموقف التاسع): أخرج النسائي وأحمد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سحر النَّبيَّ –e–رجلٌ مِن اليهود، فاشتكى لذلك أيَّامًا، قال: فجاءه جبريل عليه السَّلام، فقال: إنَّ رجلًا مِن اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها مَن يجيء بها. فبعث رسول –e–عليًّا رضي الله تعالى عنه، فاستخرجها، فجاءه بها فحلَّلها، قال: فقام رسول الله e كأنَّما نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه حتى مات ([12]) .
(الموقف العاشر): أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه e إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه e مَه مَهْ، قال: قال رسول اللَّه e (لا تزرموه، دعوه)، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه –e-دعاه فقال لـه: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول اللَّه e قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه([13]) .
(الموقف الحادي عشر): أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه e فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع اللَّه عليهم، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: (اللَّهم اهد دوساً وائت بهم، اللَّهم اهد دوساً وائت بهم) ([14]) . (والطفيل بن عمرو الدوسي: رضي الله عنه، أسلم قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، قم دعا قومه إلى اللَّه عز وجل فأبت عليه وعصت، وأبطئوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه e وذكر لـه أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت) والموقف يدل على كمال حلم النبي e وصبره وتأنيه في الدعوة إلى اللَّه عز وجل، فإنه e لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة، ولكنه e دعا لهم بالهداية، فاستجاب اللَّه دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي e وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتاً من دوس، ثم لحقوا بالنبي e بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين) ([15]) .
([2]) صحيح البخاري 8/28 ح 6114. صحيح مسلم 4/2014 ح 2609.
([3]) صحيح البخاري 8/75 ح 6345.
([4]) الإصابة في تمييز الصحابة 2/5-1.
([5]) صحيح البخاري 8/24 ح 6088.
([6]) المصدر السابق 3/99 ح 2306.
([7]) المصدر السابق 4/175 ح 3477.
([8]) صحيح مسلم 4/1805 ح 2310.
([9]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231، صحيح مسلم 3/1420 ح 1795.
([10]) صحيح البخاري 4/95 ح 3150، صحيح مسلم 2/739 ح 1062.
([11]) صحيح مسلم 3/1442ح 1808.
([12]) مسند أحمد 32/14ح 19267، السنن الكبرى للنسائي 3/450 ح 3529.
([13]) صحيح البخاري 8/12 ح 6025، صحيح مسلم 1/236 ح 284.
([14]) صحيح البخاري 5/174 ح 4392، صحيح مسلم 4/1957 ح 2524.
([15]) سير أعلام النبلاء للذهبي، 1/346، سيرة ابن هشام 1/385.